Étiquette : 2007

  • من بلاد المهجر إلى الوطن: تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ضمن إطار السيادة الوطنية

    عبد الله مشنون

    – الجالية المغربية كفاعل وطني

    بكل معاني الولاء والإخلاص، وبكل ما تحمله جاليتنا في قلوبها من تقدير عميق لمولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نرفع إلى المقام السامي هذا البيان الذي ينبع من غيرتنا الوطنية وواجبنا الجماعي كمغاربة يعيشون في المهجر، ونحن نتابع بدقة كل ما يجري في الساحة السياسية الوطنية، مؤمنين إيماناً راسخاً بأن نهضة الوطن مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائه داخل البلاد وخارجها.

    لقد تابعنا، كما تابع كل المغاربة الأحرار، اللقاء الهام الذي جمع مستشاري جلالتكم برؤساء الأحزاب السياسية المغربية، وفق بلاغ الديوان الملكي، والذي دعتُم فيه جلالتكم إلى تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، في إطار مقاربة جديدة تكرّس روح التشاور والمسؤولية الوطنية، والالتفاف حول مشروع الدولة الحديثة.

    إن الإشارة الواردة في بلاغ الديوان الملكي إلى “تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، ضمن إطار السيادة الوطنية”، تعكس بدقة أن المغرب لا ينطلق من فراغ مؤسساتي أو سياسي، بل من مشروع متكامل سبق أن حظي باعتراف دولي واسع منذ تقديمه سنة 2007. فالتحيين يمثل عملية تكييف وتطوير للمبادرة الأصلية بما يواكب المستجدات الإقليمية والدولية، ويعزز فعاليتها القانونية والسياسية، دون المساس بجوهرها القائم على سيادة المغرب ووحدته الترابية. أما التفصيل فيعني الانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى بناء هندسة تنفيذية دقيقة، تحدد الصلاحيات وآليات التدبير الذاتي، في أفق تنزيل عملي ومنسجم مع النموذج المغربي للجهوية المتقدمة.

    إن تتبع مستجدات القضية الوطنية الأولى يكشف عن اهتمام بالغ بالواقع القائم في الأقاليم الجنوبية. وهذا الواقع لا يشكل سقفاً محدداً للحكم الذاتي، بل يمثل إطاراً مرناً يمكن البناء عليه لتفصيل المبادرة ضمن خصوصيات مغربية محضة، في ظل التأكيدات المتكررة على السيادة الوطنية والهوية المغربية للأقاليم الجنوبية.

    ومن منطلق وطني خالص، وبتوفيق من الله عز وجل، وبتوجيهات النهج الملكي الحكيم في الانفتاح على كل الكفاءات الوطنية داخل الوطن وخارجه، تشعر جاليتنا بأن من واجبها المساهمة بجهودها الجماعية في هذا الورش الوطني الكبير. لقد عملت الجالية، بتوفيق من الله، على دعم تحيين وتفصيل تصور متكامل للحكم الذاتي بالصحراء المغربية، يستند إلى المرجعية الدستورية للمملكة، وإلى دراسة قانونية معمقة للأنظمة الذاتية المقارنة، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والاجتماعية والثقافية للأقاليم الجنوبية.

    وتتجسد مساهمة مغاربة العالم في النقاش الوطني حول الحكم الذاتي في الجوانب التالية:

    أولاً: توظيف الخبرات الدولية المتراكمة لأفراد الجالية في مجالات القانون الدولي، والإدارة المحلية، والتنمية الجهوية، للمساهمة في بناء النموذج التنفيذي الأمثل للحكم الذاتي.
    ثانياً: تعزيز الدبلوماسية الموازية من خلال شرح وتوضيح مزايا المبادرة المغربية في دول الإقامة، والمساهمة في كسب التأييد الدولي الإضافي لها.
    ثالثاً: الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في مجال الحكم الذاتي واللاتمركز، مع تكييفها مع الخصوصيات المحلية للأقاليم الجنوبية.
    رابعاً: المساهمة في مشاريع التنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية، من خلال استثمارات أبناء الجالية ونقل الخبرات التقنية المتطورة.

    مولاي صاحب الجلالة،

    إن مبادرتكم الحكيمة لفتح نقاش وطني حول تحيين وتفصيل تصور الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، تشكل منعطفاً تاريخياً في مسار تثبيت الوحدة الترابية وبناء دولة الجهات المتقدمة. وإن إشراك الأحزاب السياسية في بلورة هذا النموذج يعكس عمق رؤيتكم الديمقراطية التي تقوم على الشراكة الوطنية الشاملة، وتؤكد أن المشروع الملكي لا يستثني أحداً، بل يجعل من كل مغربي، داخل الوطن وخارجه، طرفاً في البناء.

    إن النموذج المغربي للحكم الذاتي، الذي تفضلتم بطرحه منذ سنة 2007 كحل واقعي وذي مصداقية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، أثبت للعالم أنه مشروع سلام وتنمية واستقرار، وأنه يستمد قوته من شرعيته الدستورية وعمقه الشعبي. وقد تجلى هذا في التأييد الدولي المتزايد للمبادرة، حيث اعترفت العديد من الدول بها كأساس جاد وذى مصداقية للحل.

    إن الرؤية الملكية المتبصرة جعلت من الصحراء المغربية بوابة للتنمية الإفريقية، ومن الوحدة الترابية ركيزة لاستقرار المنطقة بأسرها. ولذلك فإن تعزيز مشروع الحكم الذاتي يعد اليوم واجباً وطنياً واستراتيجياً لكل من يؤمن بالمغرب الموحد، المتجدد، المنفتح، والحداثي.

    إن تحقيق التوازن العضوي بين الواقع الميداني، والتوجيهات الملكية، والمشاركة الدولية والمغاربية الواسعة، يظل تحدياً أساسياً في عملية التحين والتفصيل، مع الحفاظ الدائم على إطار السيادة الوطنية والخصوصيات المغربية. فالبناء القائم يشكل الإطار المرجعي للتشاور، وهو قاعدة يمكن البناء عليها لتقوية المبادرة على الصعيدين القانوني والسياسي داخلياً ودولياً.

    وفي الختام، تتشرف جاليتنا بأن تجدد لمولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باسم جميع المغاربة الأحرار في الداخل والخارج، الولاء الدائم والوفاء الصادق، وتعبر عن اعتزازها بالمسيرة التنموية والإصلاحية التي يقودها جلالتكم، وبحكمتكم التي جعلت المغرب نموذجاً في الاستقرار والريادة الإقليمية.

    ونرفع إلى مقامكم السامي دعاءنا الخالص بأن يحفظكم الله ذخراً للوطن، ويوفقكم لما فيه خير البلاد والعباد، ويديم عزكم وسدادكم، ويحقق على أيديكم ما تصبون إليه من رفعة ونماء للوطن العزيز.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القصر عطا فرصة للأحزاب توجد راسها لمغرب آخر.. اجتماع مستشاري الملك معها هو تكليف وماشي تشريف.. واش غتكون فمستوى المسؤولية؟ بصيغتها الحالية:لا، والله أعلم عاوتاني

    فاطنة لويزا – كود//

    مستشارو الملك الهمة وعزيمان والفاسي الفهري عقدوا لقاء مع رؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان، بخصوص مستجدات الحكم الذاتي في الصحراء، وللأسف فاش كنشوفوا تعليقات الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، كيبان ان الناس مزالا ما تايقاش فهاد الأحزاب.

    القصر بحكم الأدوار لي عندو، وخصوصا الأدوار البيداغوجية، ومنها أنه باغي يكرس منطق التدبير التشاركي في القضايا الاستراتيجية والمصيرية، ضروري انه يشرك الأحزاب، واخا هاد الصورة السلبية لي عندها في المجتمع، ماشي لأنه محتاج ليها، ولا لمقترحاتها، لي أكيد غادي تشابه، ولكن حيت عندها أدوار خاص تلعبها في المستقبل، لصالح تكريس نموذج ديموقراطي، خاص يكون ضامن لنجاح ترتيبات الحكم الذاتي في الصحراء.

    قبل ما ندخلوا في التفاصيل، نشيروا ان وجود وزير الداخلية ووزير الخارجية إلى جنب مستشاري الملك، وجلوس رئيس الحكومة في جهة الأحزاب، معندو حتى دلالة على تحجيم دور رئيس الحكومة.

    الأمر وما فيه ان هاد الاجتماع داخل في الاختصاصات الحصرية للملك، وفي إطار علاقة المؤسسة الملكية مع الأحزاب ماشي مع الحكومة، ولذلك فعزيز أخنوش يمثل الحزب ديالو، ماشي الحكومة.

    وحتى وزير الداخلية ووزير الخارجية فهاد اللقاء كيمثلوا امتداد بشكل او بآخر فهاد اللقاء لمجالات السيادة المحفوظة للمؤسسة الملكية، أي العلاقات الخارجية وضمان الأمن الداخلي، وبالتالي فهم كيزودوا مستشاري الملك بالمعلومة لي كيحتاجو ليها في إطار رسم التوجهات السيادية.

    الحاجة لي بزاف مردوش البال ليها، هو الحضور القوي ديال المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري فهاد اللقاء، من بعد غياب عن الحضور في الواجهة، وهنا كيتبين انه المهندس الحقيقي للعلاقات الخارجية مع الملك لي عندو سلطة التوجيه.

    غياب الفاسي الفهري والهمة وعزيمان عن الواجهة الإعلامية رغم الأدوار الكبرى لي كيقومو بها إلى جنب الملك في مرحلة التحول الكبرى هذه، خلا البعض ينسب أدوار كبيرة لوزيري الداخلية والخارجية، لي تبين فهاد الهندسة أنهم فقط منفذين ملحقين بشكل أو بآخر بالديوان الملكي، يتم التفويض ليهوم في بعض الأمور التقنية، وأحيانا حتى بعض الترتيبات الشكلية.

    قبل 31 أكتوبر 2025 كانت المؤسسة الملكية كتدخل لتصحيح الأخطاء لي كترتكب فشلا مؤسسات، سواء المنتخبة أو المعينة، ورغم أن المفروض انه كل واحد يقوم بالمهام ديالو، فالتدخل الملكي كان فيه واحد النوع ديال الأبوية المفروضة أحيانا حتى على الملكية، للمحافظة على انتظام سير الدولة، والحفاظ على حقوق المواطنين، وتأمين الاستقرار.

    يمكن نقولو بلغة شعبوية، بلي هادشي كان بيناتنا، والقصر هو الدار الكبيرة، لي كتعاقب برفق، ولكن لي كتصحح الأخطاء ديال الدراري.

    دابا غادي ننتقلو لمنطق آخر، وغنكونو أكثر تحت مراقبة العالم، وبالتالي كل واحد خاص يدير خدمتو.

    صحيح أننا حققنا انتصارات دبلوماسية، توجناها بقرار تاريخي داخل مجلس الأمن الدولي، وهاد الانتصارات جزء كبير منها، كان بضمانات ملكية، تعطات لدول كبرى.

    ودابا خاص الأحزاب والنخب ما يخويوش بالملك، وخاص يحمرو ليه الوجه، حيت هو لي عطا الضمانات بلي المغرب راه جدي فالمقترح ديالو، وماكيديرش المناورات.

    يعني أننا ما زال ما قطعنا الواد ونشفو رجلينا.

    صحيح اننا قربنا أكثر من أي وقت مضى من الحسم، ولكن فهاد الأمتار الأخيرة ما مسموحش لينا بارتكاب أخطاء قاتلة، حيت الثمن ديالها غيكون مكلف أكثر من تكلفة المرحلة السابقة المطبوعة بالجمود.

    بلادنا كيما جا في الخطاب الملكي الأخير خاص تقدم تفاصيل الحكم الذاتي لي كتقترحو، وخاص تقديم هاد التفاصيل في أقرب وقت، وتصريح ديميستورا الأخير بلي مجلس الأمن كينتظر المقترحات التفصيلية ديال المغرب، وانها خاصها تقدم في أقرب فرصة، باش ممكن تبدا عملية تهييئ الأجواء السياسية والتنظيمية والدبلوماسية لانطلاق المفاوضات. كيعني انه كاين ضغط سياسي ومعنوي على بلادنا لتسريع وضع مقترحاته التفصيلية

    وحتى وثيقة 2007 خاص إدخال تعديلات عليها، الملك براسو تحدث عن تحيين المقترح المغربي، كيما ان قرار مجلس الامن تحدث عن حكم ذاتي حقيقي، وهذا كيعني أنه كاين إمكانية ان المغرب يزيد شوية في الصلاحيات لي غتعطى لمنطقة الحكم الذاتي مقارنة مع وثيقة 2007.

    ما يمكنش في إطار هاد الجري ضد الساعة، اننا نخليو الملك والفريق ديالو بوحدوم في وجه العاصفة، في إطار: إذهب وربك، فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون

    لا، خاص كلشي يتحمل مسؤوليتو، وخاص نبعدو من هاد المنطق ديال الربح ديالنا كلنا، ولكن لكانت شي حاجة صعيبة علينا نتحملوها، نتخباو ورا الملك، ونخليواه بوحدو في وجه العاصفة.

    علاش كنقول هاد الشي، حيت الحكم الذاتي غيتطلب من المغرب يقدم تنازلات معينة للطرف الآخر.

    واش غتكون تنازلات سهلة الهضم او مؤلمة؟ هادشي كيبقا على حساب شلا أمور، من بينها الحنكة في إدارة المفاوضات، والسياق الدولي، والقدرة على إحداث اختراقات في العلاقات المغربية الجزائرية، وشلا أمور.

    راه غير، الانتقال من الصحراء بشكلها الحالي حيت مظاهر السيادة حاليا مكايناش فقط في أمور الدفاع والأمن والقضاء والعملة والشؤون الإسلامية، بل كذلك حتى في المؤسسات الإدارية والثقافية والتعليمية والصحية والاقتصادية، إلى وضع آخر غتكون فيه عناصر من البوليساريو مشاركة في تدبير الشؤون المحلية في قطاعات معينة، ما ساهلش، وكيحتاج إلى تهيئة المواطنين إلى تقبل هاد الانتقال.

    ولذلك، إذا كان شي معنى لمقولة: الوحدة الترابية والوطنية هي القضية الأولى للمغاربة، فخاص يكون التجسيد ديالها اليوم اكثر من أي وقت مضى.

    بصراحة، حنا اليوم ماشي في لحظة تشبه مثلا المشاورات لي تفتحات سابقا على الجهوية المتقدمة، او على النموذج التنموي، لي الأحزاب بصراحة تعاملات معها بنوع من الاستخفاف، لدرجة ان مذكرات العديد من الأحزاب كانت خاوية على عروشها.

    هاد الاستشارات الملكية مع الأحزاب بخصوص الحكم الذاتي، هي أقرب للمشاورات المرتبطة بالتعديلات الدستورية، في أهميتها، ولكن ما خاصش يكون سلوك الأحزاب مع مشاورات الحكم الذاتي، بحال سلوكها مع مشاورات تعديل الدستور في 2011، لي كانت فيها المؤسسة الملكية اكثر تقدمية من الأحزاب

    مع العلم انه في 1992 و 1996 عشنا نقاش راقي حول التعديلات الدستورية، فاش كانت أحزاب الكتلة الديموقراطية قوية.

    الانتقال إلى تدبير المجال الصحراوي بمقتضيات الحكم الذاتي، غيفرض علينا نحسمو بشجاعة فزوج ديال الملفات، الأول هو الديموقراطية لي غتكون ضمانة لنجاح هاد المسلسل، وفرصة لتمتين الجبهة الداخلية، وتحمل كل المؤسسات لمسؤولياتها، وعدم ترك الحمل كلو على المؤسسة الملكية، والثاني هو الانتقال إلى جهوية حقيقية تكون مبنية على الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ديال الجهات، لي خاص تكون كبيرة، حيت ماشي معقول ثاني، تكون منطقة في الصحراء لي شاسعة المساحة عندها تدبير ذاتي للسكان لأمورهم، في حين مناطق أخرى ما زال كيتحكم المركز في أدق الأمور.

    ولكن هاد الانتقالات كتطلب وجود نخب قادرة على مرافقة هاد المرحلة، وهاد النخب خاص تكون من الأحزاب، باش يمكن نأسسو لديموقراطية تمثيلية حقيقية.

    الأحزاب خاص تفهم ان مهمتها مكاتسلاش بتقديم مقترحاتها خلال عشرة أيام المقبلة، بل أن المجهود الحقيقي غيبدا من تقديم دوك المذكرات.

    أنا كنظن بلي تقديم المذكرات عندو دور بيداغوجي تجاه الأحزاب لتحسيسها بمسؤولياتها في المرحلة المقبلة، حيت لا اعتقد ان القصر معندوش تفصيل دقيق للمقترح، لي خاص يقدمو بسرعة لمجلس الأمن، ومغاديش يتسنى أحزاب متأخرة على هاد المستوى، حيت طيلة المرحلة السابقة مدارتش حتى مجهود في هاد الإطار، فمثلا المقترح المغربي الأول ديال 2007 معمر شي حزب دار عليه حتى يوم دراسي.

    الخلاصة، الأحزاب خاص تجمع راسها معانا

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تحيين مقترح الحكم الذاتي: ضرورة استراتيجية في ضوء المتغيرات الدستورية والسياسية

    بقلم: ياسين المصلوحي

    كما كان منتظرًا، عقب الخطاب الملكي التاريخي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مساء 31 أكتوبر الماضي، على هامش إصدار القرار الأممي عدد 2797، الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة المقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية للأقاليم الجنوبية، كأساسٍ لحلٍّ عادلٍ ودائمٍ ومقبولٍ، يشكّل الحلَّ الأكثر جدوى لهذا النزاع المفتعل، فقد تم التحرك للانتقال إلى مستوى آخر من الدينامية.
    وعلى اعتبار أن المقترح تم تقديمه في 07 أبريل 2007، فإن تحيينه والتفصيل فيه أصبح أمرًا ضروريًا، وهو ما أشار إليه عاهل البلاد في خطابه، وذلك من أجل الانتقال من مقترح شامل إلى مشروع مبلور قابل للتطبيق على أرض الواقع، وبإمكانه إيجاد الحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأقاليم الصحراوية التي يستوجب تسييرها نموذجًا خاصًا. كما أن هذا التحيين والتفصيل والتفسير، يمكن من شرحٍ أفضل لمضامينه، وبالتالي ضمان التواصل وحسن الفهم من كل الأطراف المعنية به. كما أن ترجمته إلى إجراءات ومبادرات ميدانية، يساهم فيها كل الفاعلين المجتمعيين من أحزاب سياسية، وجمعيات حقوقية، ومجتمع مدني، وساكنة محلية، تضفي عليه المشروعية أكثر.
    ومن بين الأسباب التي تفرض تحيين هذا المقترح، التغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب عمومًا، والأقاليم الجنوبية على وجه التحديد، حيث إن هذا المقترح جاء قبل دستور 2011 المليء بالمستجدات الحقوقية والحريات العامة، والذي نصّ على الجهوية المتقدمة كنظام إداري وتنموي يقوم على نقلٍ واسعٍ للصلاحيات والاختصاصات من الدولة إلى الجهات، وما أعقبه من قوانين تنظيمية للجماعات الترابية، من مجالس جماعات محلية، ومجالس الإقليم والجهة، وكذلك ميثاق اللاتمركز الإداري لسنة 2018، والتقارير ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي مثل تقرير الخمسينية، والنموذج التنموي الجديد، وتقارير هيئات الحكامة، خصوصًا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
    وهناك من المتتبعين من يتوقع تعديل الدستور المغربي وبعض القوانين التنظيمية، لملاءمة التصور المغربي للحكم الذاتي في المناطق الصحراوية، حيث يجب إعادة صياغة مقترح الحكم الذاتي أخذًا بعين الاعتبار كل هذه المتغيرات السياسية والاجتماعية، والإنتاجات المؤسساتية، والتقارير المرافقة، ليكون المقترح أكثر توافقًا وتماشيًا مع المغرب الحديث وتطلعات الساكنة المحلية، وأكثر جذبًا لإخواننا الصحراويين في المخيمات من أجل العودة إلى وطنهم، كما دعا إلى ذلك ملك البلاد.
    تُعتبر محطة تفصيل وتحيين مقترح الحكم الذاتي فرصةً ذهبيةً ومهمةً للقوى الحية في المجتمع، من أجل المساهمة في بناء مغرب الغد وتشييد صرح الديمقراطية، حيث إن الأحزاب السياسية، والنقابات، والجمعيات الحقوقية، والمجتمع المدني، والفاعلين الإعلاميين، مدعوون لترك الخلافات جانبًا، والانتصار للحظة الإجماع الوطني، وتقديم مقترحاتٍ وأفكارٍ بنّاءة، وتصوراتٍ موضوعية لطريقة تنزيل الحكم الذاتي، بما يضمن تحقيق تنمية محلية يستفيد منها المواطن، وتجد حلًّا لصراعٍ سياسيٍّ مفتعلٍ عمر لسنوات.
    كما أنها فرصة سانحة لتقريب المسافات بين التصورات الاستراتيجية للدولة، التي ينزلها ملك البلاد، والمشاريع السياسية التي تقدمها القوى السياسية الفاعلة للمواطنين، وتوحيد وجهات النظر خدمةً للمصلحة العليا للوطن. وهي أيضًا امتحانٌ حقيقيٌّ للنخب السياسية التي تمت دعوتها خلال الاجتماع رفيع المستوى، الذي انعقد بتعليمات من صاحب الجلالة برئاسة مستشاريه ووزير الخارجية ووزير الداخلية، لإعداد مذكراتهم الحزبية التي تتضمن تصوراتهم ومقترحاتهم في ورش تحيين وتفصيل المقترح، للوقوف على مدى النضج السياسي والتسييري الذي يتمتعون به من عدمه، ومعرفة المستوى الحقيقي لنخبنا السياسية، ومدى جاهزيتهم للمساهمة في المحطات المفصلية التي يمر منها الوطن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كنون: الملك يطبق مبدأ التشاركية في القضايا المصيرية… والقرار 2797 سيكون له ما بعده

    تنفيذا للقرار الوارد في خطاب الملك إلى الشعب المغربي في 31 أكتوبر الماضي، عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، انعقد الإثنين، بالديوان الملكي اجتماع ترأسه مستشارو الملك.

    وقد خصص هذا الاجتماع، بناءً على تعليمات الملك، لموضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

    وفي هذا الصدد أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع الحسين كنون، رئيس المرصد الدولي للدراسات.

    كيف يجسد هذا الاجتماع المقاربة التشاركية التي يعتمدها الملك محمد السادس في معالجة القضايا الوطنية الكبرى؟

    إن هذا الاجتماع ينم على أن الملك محمد السادس يطبق مبدأ التشاركية ، باعتباره مبدئ إيجابي جاء به دستور 2011 ، والمتمثل في كون مؤسسات المملكة المغربية وعلى رأسها المؤسسة الملكية ، حكومة وبرلمان، ينبغي أن تخضع  في القضايا المصيرية الكبرى للبلاد ، من قبيل « قضية الصحراء المغربية، القضية الفلسطينية، قضية التنمية، قضية القوانين التي تهم الحريات، الفردية والجماعية والتنمية المجالية وما إلى غير ذلك ، والمشاريع الكبرى المهيكلة، لنقاش مجتمعي يشارك فيه الأحزاب السياسية ، المجتمع المدني، الإعلام ، محللين سياسيين لتنوير الرأي العام الوطني والدولي وفي نفس الوقت تقديم تصورات وبدائل وحلول ، هذه هي الأهم ، وليس النقاش من أجل النقاش فقط.

    قلما بعض المؤسسات أو الجهات حاملي القلم ما يحسنون صياغة تصورات من شأنها أن تكون إضافة نوعية تقدم حلول ناجعة قابلة للتطبيق تتماشى وتطورات العصر والجيل الجديد من الحقوق والحريات وما وصل إليه المجتمع الدولي.

    ما الذي ميز المقاربة الملكية في معالجة قضية الصحراء المغربية منذ سمة 1999؟

     قضية الصحراء المغربية، كانت  تدبر تحت أبواب مغلقة أو في دهاليس وأجواء مغلقة، ولكن الملك منذ أن تولى العرش سنة 1999 أعطى لكل القضايا المصيرية الكبرى للبلاد بأن تخرج إلى العلن وإلى التشارك والتشاور وإبداء وجهة النظر بحكمة ومرونة واعتدال، الغايات الفضلى والمثلى من كل هذا وهي أن نصل إلى تصور موضوعي يحافظ على السيادة المغربية وفق الطرح الذي يطرحه المغرب منذ 2007.

    ما الهدف من الدعوة الملكية لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية في هذا الوقت؟

    لأن القرار 2797 دعا المغرب إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي، لأن المغرب عندما قدم المبادرة في 2007 قدم خطة وتصور مبدئي يشمل الخطوط العريضة ولكن عندما اتخذ مجلس الأمن القرار النهائي، وحدد أفقا زمنيا لنهاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026.

     المغرب مطالب بتقديم تفاصيل وجزئيات حول كيفية تدبير الجانب الإداري والمالي والثروة كيف ستصرف، كيف ستدبر الانتخابات، وهل ستكون على أساس اللائحة، إذا الأحزاب السياسية الممثلة داخل البرلمان، مطالبة بتقديم تصورات وأفكار ومبادرات وحلول، لكيفية نظرهم للحكم الذاتي، وهناك تجارب دولية من قبيل كوردستان العراق،

     والمغرب ستكون له تجربة متفردة، من خلال وضع نموذج يتماشى وخصوصية المغرب، على اعتبار أن له مقدسات وهو دولة عربية وأمازيغية وصحراوية إسلامية تعترف بالرابط العبري وتحترم الإنسان، ويجب مراعاة هذه الخصوصية ويجب أن تكون حاضرة. وبالتالي المؤسسات المنبثقة عن الحكم الذاتي يجب أن يكون لها نفس التقدير ونفس الاحترام.

    الكل مطالب بتقديم تصور معقول من شأنه أن يغني النقاش وتقديم مقترح لمجلس الأمن محين ومعدل ومفصل ومجزء ومبوب وما إلى ذلك. وهذا يظهر حكمة  الملك في الأخذ بمبدأ التشاركية الذي يضع الأحزاب السياسية في المسؤولية التاريخية، وبالتالي هنا نستحضر  » أن هذا القرار عندما يصدر سيكون له ما بعده ».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإفراج عن ساركوزي

    أمرت محكمة الاستئناف في باريس يوم الإثنين 11 نونبر الجاري بالإفراج عن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بعد 20 يوما من سجنه، إثر إدانته في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية عام 2007، على أن يخضع لرقابة قضائية صارمة.

    وخلال جلسة النظر في طلب الإفراج، أوصت النيابة العامة بدورها بالإفراج المشروط عن ساركوزي مع إخضاعه للرقابة القضائية، وهو ما استجابت له المحكمة. وشارك الرئيس الأسبق في الجلسة عبر تقنية الفيديو من سجن “لا سانتيه” بالعاصمة الفرنسية.

    وقال ساركوزي في مداخلته إنّ “السجن صعب للغاية، بل هو شاق”، مضيفا “أناضل من أجل سيادة الحقيقة”، ومعبّرا عن امتنانه لـ“إنسانية موظفي السجن الذين جعلوا من هذا الكابوس أمرا يمكن تحمّله”.

    ويعدّ ظهور ساركوزي (70 عاما) عبر الشاشة من داخل السجن سابقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية، إذ لم يُسجن أي رئيس سابق من قبل.

    وخلال الجلسة، طالب المدعي العام داميان بروني بالموافقة على إطلاق…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أحمد بوز يكتب: الحكم الذاتي من الرهان السياسي إلى التأسيس الدستوري

    أحمد بوز

    يشكل موضوع الحكم الذاتي في السياق المغربي أحد أكثر القضايا حساسية وتشعبا في النقاش الدستوري والسياسي الراهن، ليس فقط لارتباطه الوثيق بقضية الوحدة الترابية وإنما أيضا لكونه يقدم أرضة صلبة للنموذج السياسي الذي يمكن للمملكة أن ترسخه في أفق بناء دولة اللامركزية المتقدمة. فرغم أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كان مجرد مبادرة سياسية لحل نزاع إقليمي، فيمكنه أن يشكل في جوهره تصور دستوري متكامل يهدف إلى إعادة توزيع السلط داخل الدولة مع الحفاظ على وحدة السيادة الوطنية. ومن ثم، فإن سؤال “كيف يمكن دسترة الحكم الذاتي في الدستور المغربي؟” ليس سؤالا تقنيا فحسب، بل هو في العمق سؤال حول طبيعة الدولة نفسها، وحول حدود المرونة التي يمكن أن يبلغها النظام الدستوري المغربي في التوفيق بين اللامركزية والسيادة.

    ينطلق النقاش من التحديد المفاهيمي لمفهوم الحكم الذاتي. فالأمر يتعلق بصيغة متقدمة من اللامركزية السياسية، تمنح جهة معينة من التراب الوطني سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية محددة، في إطار وحدة الدولة وسيادتها. ويختلف الحكم الذاتي عن “الجهوية الموسعة” من حيث مستوى الاستقلالية، إذ يتأسس على مبدأ تفويض واسع للسلطات المحلية في تدبير شؤونها، مع احتفاظ الدولة المركزية باختصاصاتها الجوهرية، خاصة في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والرموز السيادية. وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى الحكم الذاتي كآلية لتوزيع السلط داخل الدولة الموحدة وليس كمساس بوحدتها، وهو ما يجعل الدسترة الممكنة لهذا النظام في المغرب رهينة بصياغة دقيقة توازن بين المبدأين.

    على مستوى المرجعية الدستورية القائمة، لا يتضمن دستور 2011 نصا صريحا يؤسس لنظام الحكم الذاتي، غير أنه يشتمل على مقتضيات مرنة تسمح بتطوير التنظيم الترابي في اتجاهه. فالفصل الأول ينص على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”، وهي صيغة تجمع بين مبدئي الوحدة واللامركزية في آنٍ واحد، بما يتيح نظريا إمكانية إدماج أنماط متقدمة من الحكم الذاتي داخل البنية الدستورية للدولة الموحدة.

    أما الباب التاسع من الدستور المخصص لـ “الجهات والجماعات الترابية الأخرى”، الذي يمتد من الفصل 135 إلى الفصل 146، فيرسم معالم التنظيم الجهوي والترابي، ويؤسس لمنطق جديد في تدبير الشأن العام المحلي. فهو ينص على أن الجهات والجماعات الترابية الأخرى تعتبر جماعاتٍ قانونيةٍ خاضعة للتسيير الديمقراطي لشؤونها، وفق مبادئ التدبير الحر والتضامن والتعاون والتوازن بين الموارد والاختصاصات. كما يؤكد على ضرورة إرساء آليات مؤسساتية تمكن المواطنين من المشاركة في صياغة السياسات الترابية وتقييمها، وعلى أن الجماعات الترابية تتمتع بموارد مالية ذاتية وبموارد تخصصها الدولة لتقوية قدراتها التدبيرية والتنموية. وهي مقتضيات تشكل مجتمعة قاعدة دستورية مرنة يمكن البناء عليها لتوسيع صلاحيات الجهات، لا سيما في المناطق ذات الخصوصيات التاريخية والثقافية، كالأقاليم الجنوبية. فمفهوم الجهوية المتقدمة الوارد في الدستور، إذا ما فعل في أقصى مداه، يمكن أن يفتح الباب أمام نمط من الحكم الذاتي المؤسسي المنضبط لمبدأ وحدة الدولة، والمندمج في منطق السيادة الوطنية، دون حاجة إلى إحداث قطيعة مع النظام الدستوري القائم، بل عبر تطويره في اتجاه لامركزية سياسية متقدمة تستجيب للتحديات الوطنية والإقليمية الراهنة. من هنا يمكن القول إن الدستور المغربي، رغم عدم تبنيه الصريح للحكم الذاتي، يتضمن في بنيته إمكانيات تأويلية تسمح بدسترة هذا النموذج دون الحاجة إلى تقويض مرتكزاته الأساسية.

    انطلاقا من هذه الأرضية، يمكن تصور ثلاث صيغ رئيسية لدسترة الحكم الذاتي في النظام الدستوري المغربي، تختلف من حيث العمق والآليات. الصيغة الأولى تتمثل في الإدماج المباشر للحكم الذاتي داخل الدستور من خلال تعديل جزئي يضيف بابا جديدا بعنوان “النظام الذاتي للأقاليم الجنوبية” أو “نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية” أو “جهة الحكم الذاتي للصحراء” كما سماها المقترح المغربي لسنة 2007. يتضمن هذا الباب الاعتراف القانوني بوضع خاص لتلك الأقاليم، مع تحديد مؤسساتها وصلاحياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. كما يمكن أن ينص على وجود برلمان محلي منتخب ديمقراطيا، وحكومة محلية تمارس السلطة التنفيذية في المجالات ذات الاختصاص محلية، على أن تبقى مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والشؤون الدينية اختصاصا حصريا للدولة المركزية. هذه الصيغة، التي يبدو أنها أقرب إلى تمثل ما سيحصل بالنظر لكون الحكم الذاتي أضحى الآن قرارا أمميا، تضمن وضوحا دستوريا وتؤسس لنظام مؤسسي متين، لكنها تتطلب تعديلا دستوريا رسميا وتوافقا سياسيا واسعا على مستوى المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية.

    الصيغة الثانية تقوم على إدماج الحكم الذاتي عبر نظام أساسي خاص (Statut d’Autonomie)، كما هو الحال في التجربة الإسبانية، التي يخصص فيها الدستور بابا كاملا لـ “التنظيم الإقليمي للدولة”، وضمنه يفرد فصلا كاملا لما يسميه “مجتمعات الحكم الذاتي” التي تعد أنظمتها الأساسية من طرف جمعية تشريعية، وتعتبر القاعدة القانونية الأساسية لكل مجتمع من مجتمعات الحكم الذاتي وتعترف به الدولة وتحميه بصفته جزء مكونا لنظامها القانوني (الفصل 147). إذ يمكن للدستور المغربي أن ينص بصيغة عامة على إمكانية إنشاء “أنظمة ترابية ذاتية الحكم بمقتضى قانون تنظيمي”، ثم يصدر قانون تنظيمي خاص بالأقاليم الجنوبية يحدد صلاحياتها وهيئاتها ومجالات تدخلها. وتمتاز هذه الصيغة بالمرونة، لأنها تسمح بتطبيق الحكم الذاتي في إطار دستوري قائم دون تعديل جذري، كما تمنح إمكانية مراجعة وتطوير النظام لاحقا عبر القوانين التنظيمية دون الحاجة إلى المساس بالنص الدستوري نفسه.

    في المقابل، يمكن تصور صيغة ثالثة أكثر تدرجا تقوم على تطوير مبدأ الجهوية المتقدمة المنصوص عليه في الدستور نحو جهوية متميزة أو موسعة. فبدلا من الحديث عن “نظام حكم ذاتي” بالمعنى الصريح، يمكن الإبقاء على مفهوم “الجهة ذات الوضع الخاص”، كما هو معمول به في بعض الدول ذات البنية الموحدة، مثل فرنسا وإيطاليا، مع التنصيص على أن بعض الجهات قد تمنح صلاحيات تشريعية وتنفيذية موسعة تبعا لخصوصياتها التاريخية والثقافية، أي ما يعرف باللامركزية المتدرجة (La décentralisation progressive ou graduelle). هذا المسار يحافظ على انسجام النص الدستوري ويؤسس تدريجيا لثقافة سياسية جديدة في التعامل مع اللامركزية.

    غير أن دسترة الحكم الذاتي، أيا كانت الصيغة المعتمدة، تثير عددا من التحديات القانونية والسياسية التي لا يمكن إغفالها. أول هذه التحديات يتمثل في المعادلة السيادية. فالدستور المغربي، كما سبق، يرتكز على مبدأ وحدة الدولة والتراب الوطني، وهو ما يفرض أن تكون أي صيغة للحكم الذاتي منسجمة تماما مع هذا المبدأ. فالإقرار بسلطات محلية تشريعية وتنفيذية واسعة يجب ألا يترتب عنه وجود ازدواج في مفهوم السيادة، بل يجب أن يظل في إطار تفويض سلطات من الدولة إلى الإقليم وليس العكس. ومن ثم فإن الصياغة الدقيقة للمقتضيات الدستورية ستكون أساسية لتفادي أي التباس بين مفهوم “الاستقلال الذاتي” و”الحكم الذاتي” الذي يندرج ضمن سيادة واحدة.

    التحدي الثاني، يرتبط بالانسجام المؤسسي للنظام القانوني المغربي. فالحكم الذاتي يعني بالضرورة وجود نظام تشريعي وقضائي محلي، مما يستدعي تكييف البنية العامة للدولة حتى لا تتولد ازدواجية أو تضارب في الاختصاصات بين المؤسسات المركزية والمحلية. ويبرز هذا الإشكال بوضوح في مجال القضاء، الذي أدرجه مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 ضمن الاختصاصات الحصرية التي يجب أن تحتفظ بها الدولة، حيث يجب تحديد العلاقة بين المحاكم المحلية والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذلك في المجال المالي حيث تتقاطع الاختصاصات بين الميزانية المحلية والميزانية العامة للدولة. ومن دون معالجة دقيقة لهذه الجوانب، قد يتحول الحكم الذاتي من آلية للاستقرار والاندماج إلى مصدر للتوتر الإداري والقانوني.

    التحدي الثالث، يكمن في التوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، خاصة في المجالات التي تمس الأمن الداخلي والثروات الطبيعية. فهذه القطاعات ذات طبيعة استراتيجية وتتطلب رقابة الدولة، لكن في الوقت نفسه يجب منح المؤسسات المحلية صلاحيات فعلية في تدبيرها حتى يكون الحكم الذاتي ذا مصداقية. ولتحقيق هذا التوازن، يمكن التفكير في إنشاء آلية مشتركة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية لتفادي تضارب الصلاحيات وضمان التنسيق الدائم.

    أما التحدي الرابع، والأخير، فهو ذو طبيعة سياسية ومجتمعية. فنجاح دسترة الحكم الذاتي رهين بقبول وطني واسع، لا يقتصر على النخب السياسية في المركز، بل يشمل أيضا الفاعلين المحليين والمجتمع المدني في الأقاليم المعنية. فالحكم الذاتي لا يمكن أن يفرض من أعلى، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بتقاسم السلطة والمسؤولية. كما أن الرهان لا يتوقف على البعد الداخلي، لأن المغرب يسعى من خلال هذا النموذج إلى تقديم حل نهائي لقضية الصحراء في إطار الشرعية الدولية، وهو ما يجعل صياغة النظام الدستوري للحكم الذاتي مرتبطة أيضا بالتزامات المملكة تجاه الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وطبيعة المفاوضات التي ستتم مع الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.

    من هذا المنطلق، يمكن القول إن دسترة الحكم الذاتي ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحديث البنية الدستورية المغربية وتوطيد اللامركزية السياسية. فإدماج هذا النظام في الدستور سيسمح بتطوير مفهوم الدولة الموحدة من منطق التركيز المفرط إلى منطق المشاركة في السلطة، بما يعزز الديمقراطية المحلية ويكرس مبدأ القرب في تدبير الشأن العام. كما أنه سيمنح التجربة المغربية بعدا دستوريا مقارنا، إذ قد يضعها إلى جانب تجارب رائدة، مثل إسبانيا التي اعتمدت نموذج “دولة المناطق الذاتية الحكم”، وإيطاليا التي منحت بعض مناطقها وضعا خاصا (المناطق المستقلة) لكن في إطار قاعدة “الجمهورية كوحدة لا تتجزأ” (المادة 5 من الدستور)، وفرنسا التي طبقت نموذج المناطق ذات الوضع المتميز على ما يسميه الدستور “المجتمعات المحلية الواقعة في ما وراء البحار وفي كاليدونيا الجديدة (المادة 74).

    وحتى يتحقق هذا الطموح، يمكن تصور مسار تدريجي على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى تتمثل في إجراء تعديل دستوري محدود يضيف بابا خاصا بالأنظمة الترابية ذات الوضع الخاص، يقر إمكانية إنشاء مناطق ذاتية الحكم في إطار الوحدة الوطنية. المرحلة الثانية إصدار قانون تنظيمي مفصل يحدد مؤسسات وصلاحيات الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، مع تحديد آليات التنسيق مع الحكومة المركزية. أما المرحلة الثالثة فتكمن في إحداث هيئة دستورية جديدة تكون مهمتها السهر على احترام وحدة الدولة وضمان حسن تطبيق مقتضيات الحكم الذاتي، بما يشكل صمام أمان دستوري ضد أي انحراف محتمل.

    إن دسترة الحكم الذاتي وفق هذا التصور ستشكل خطوة نوعية في مسار تطور الدستور المغربي، لأنها ستجمع بين مطلب توسيع الديمقراطية الترابية وبين حماية الوحدة والسيادة. وهي بذلك تمثل حلا دستوريا وسياسيا متوازنا لقضية الصحراء، وفي الوقت نفسه أداة لتطوير نظام الحكم نحو مزيد من التشاركية والمرونة. فبدلا من أن يكون الحكم الذاتي حلا استثنائيا مرتبطا بملف محدد، يمكن أن يتحول إلى نموذج وطني يحتذى به لتدبير التعدد الجهوي والثقافي للمملكة، في انسجام تام مع المبادئ الدستورية الحديثة التي تقوم على وحدة الدولة وتنوع مكوناتها.

    على هذا الأساس، تبدو دسترة الحكم الذاتي خطوة معقدة تتجاوز مجرد التعديل التقني للنص الدستوري، لتطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الدولة المغربية واتجاه تطورها. فإدراج هذا الخيار في صلب الدستور يعني إعادة تعريف العلاقة بين المركز والجهات على أساس جديد من تقاسم السلطة والمسؤولية، مع ما يستتبع ذلك من تحديات في ضبط التوازن بين الوحدة والسيادة من جهة، والاعتراف بالتعدد والخصوصيات المحلية من جهة أخرى.

    لذلك، فإن المضي في هذا المسار لا يمكن أن يتم إلا عبر نقاش وطني هادئ يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والدستوريين، لضمان أن يكون الحكم الذاتي آلية لتعميق الديمقراطية والاندماج الوطني، لا مجرد تكييف ظرفي مع سياقات إقليمية أو دولية. فالمسألة في جوهرها ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل هي أيضا سياسية وتاريخية، ترتبط برهانات بناء دولة عادلة ومتماسكة قادرة على استيعاب تنوعها الداخلي ضمن مشروع وطني مشترك، لا يتأثر بتمتع بعض مناطقه بنظام الحكم الذاتي في تدبير شؤونها. ذلك النظام الذي قد لا يصل إلى درجة “نظام اللندر” الذي تحدث عنه الملك الحسن الثاني في الثمانينيات من القرن الماضي لكنه بالمقابل لا ينحصر في حدود التنظيم الجهوي الحالي حتى وإن اتسم بوصف “المتقدم” أو “الموسع”.

    أحمد بوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق السويسي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إطلاق سراح الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بعد 20 يوما في السجن

    الصحيفة – وكالات

    أمرت محكمة الاستئناف في باريس اليوم الإثنين، بإطلاق سراح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، المحتجز منذ 20 يوما بعد  إدانته في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية في العام 2007، على أن يخضع للرقابة القضائية.

    وغادر ساركوزي (70 عاما) السجن، بحسب ما أفاد مصدر مطّلع على القضية وكالة « فرانس برس »، في سيارة زجاجها داكن ترافقها دراجات نارية تابعة للشرطة، ومن المنتظر أن يمثل أمام محكمة الاستئناف والتي من المقرر أن تبدأ جلساتها في مارس. 

    وبعد إطلاق سراحه، قال ساركوزي في منشور على منصة إكس « تمّ تطبيق القانون، سأستعد الآن لمحاكمة الاستئناف، تركيزي…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أخنوش: مغربية الصحراء انتصار لرؤية ملكية ثابتة ومسار تنموي متجذر

    أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن ما يعيشه المغرب اليوم من اعتراف دولي متزايد بمغربية الصحراء يمثل لحظة تاريخية حاسمة، تتوج مساراً طويلاً من العمل الدبلوماسي المتواصل والرؤية الملكية الحكيمة التي امتدت لأكثر من ربع قرن.

    وأوضح أخنوش، خلال جلسة السياسة العامة بمجلس النواب المخصصة للتنمية والاستثمار في الأقاليم الجنوبية، أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي متدرج، اتسم بالحكمة وبعد النظر، حتى أصبح العالم يعترف بواقع الصحراء المغربية على الأرض، تاريخاً وشرعية وإنجازاً.

    وأشار رئيس الحكومة إلى أن القرارات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي تؤكد هذا التحول العميق، حيث أضحى مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 يُعتبر الحل الجدي والعملي الوحيد لإنهاء النزاع المفتعل، وهو ما تعكسه المواقف الإيجابية المتزايدة داخل الأمم المتحدة.

    وشدد أخنوش على أن التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست شعاراً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً يترجم العدالة المجالية والإنصاف الترابي وتكافؤ الفرص، وهي مقومات رسخها دستور 2011 الذي أكد على احترام مختلف روافد الهوية الوطنية.

    وأضاف أن صون الثقافة الحسانية يشكل جوهر هذا التوجه، باعتبارها مكوناً أصيلاً من الهوية المغربية الجامعة، مشيراً إلى أن قوة المشاركة السياسية لساكنة الصحراء، التي تجاوزت 67% في الانتخابات التشريعية الأخيرة، تجسد عمق الانتماء الوطني والإيمان بالمؤسسات الديمقراطية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد 20 يوما في السجن.. الإفراج عن نيكولا ساركوزي

    أمرت محكمة الاستئناف في باريس الاثنين، بإطلاق سراح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، المحتجز منذ 20 يوما بعد إدانته في قضية التمويل الليبي لحملته الرئاسية في العام 2007، على أن يخضع للرقابة القضائية.

    وغادر ساركوزي (70 عاما) السجن، بحسب ما أفاد مصدر مطلع على القضية وكالة فرانس برس، في سيارة زجاجها داكن ترافقها دراجات نارية تابعة للشرطة.

    ومن المنتظر أن يخضع لمحاكمته الاستئنافية التي من المقرر أن تبدأ في مارس.

    وخلال النظر في الاستئناف المقدم منه الاثنين، طلبت النيابة العامة إطلاق سراح الرئيس الأسبق الذي ظهر عبر تقنية الفيديو من سجن لاسانتي الباريسي.

    ومنعت المحكمة ساركوزي من مغادرة البلاد، كما فرضت أمرا واسع النطاق بـ »عدم الاتصال » مع مسؤولين ليبيين سابقين وكذلك مع كبار مسؤولي العدل الفرنسيين، وخصوصا مع وزير العدل جيرار دارمانان، مشيرة إلى « قدرته على تفعيل مختلف أجهزة الدولة » بصفته رئيسا أسبق.

    وقال ساركوزي الذي تابع الإجراءات القضائية عبر الفيديو « السجن صعب، صعب للغاية، بالتأكيد على أي سجين، بل أقول إنه شاق ».

    وتشكل إطلالة ساركوزي عبر الشاشة الاثنين بسترة زرقاء داكنة وقميص أول صورة في التاريخ لرئيس جمهورية فرنسي سابق في السجن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحي الجامعي بأسفي يستحضر ملحمة المسيرة الخضراء

    الأحداثإعداد : د. منير البصكري الفيلالي

    احتضنت رحاب الحي الجامعي بمدينة أسفي ، ندوة فكرية وطنية نظمتها إدارة هذه المؤسسة الجامعية تحت شعار “المسيرة الخضراء.. ملحمة الوحدة وتجديد العهد “وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء .

    استهل هذا الحفل بالنشيد الوطني ، أعقبته أشغال الندوة بمداخلة الأستاذ منير البصكري الفيلالي الذي تناول المسيرة الخضراء باعتبارها رمزا للوحدة الوطنية وتجسيدا لإرادة شعب اختار أن يدافع عن حقه بالسلام والحكمة، وبقيت إلى اليوم مرجعاً في الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، ومصدراً لإلهام الأجيال في قيم المواطنة الحقة ..مبرزا أهم دلالاتها التاريخية والوطنية . فهي تجسيد للسيادة التاريخية للمغرب على الصحراء من خلال الاستناد إلى الروابط التاريخية والبيعة الشرعية بين القبائل الصحراوية والملوك العلويين. كما أنها تفعيل للحوار والسلم في استرجاع الأراضي حيث شكلت المسيرة نموذجاً لحل النزاعات بالطرق السلمية بعيداً عن الحرب .. وهي أيضا محطة حاسمة في إنهاء مرحلة الاستعمار وتثبيت الوحدة الترابية للمغرب في سياق تصفية الاستعمار الدولي خلال القرن العشرين.. مضيفا أن الدلالات الوطنية ، تتمثل في وحدة الشعب والعرش ، حيث  برهنت المسيرة على تلاحم المغاربة حول قضيتهم الوطنية بقيادة جلالة الملك ، ثم ترسيخ القيم الوطنية مثل التضحية، الإيمان بالحق، والانخراط في الدفاع عن الوطن بدون عنف ، إضافة إلى بناء مستقبل التنمية في الأقاليم الجنوبية من خلال مشاريع اقتصادية واجتماعية كبرى .


      من جهته، قدم الأستاذ عبد اللطيف بكور مداخلته حول قضية الصحراء المغربية التي تعتبر القضية الوطنية الأولى، وهي قضية الجميع ولها مكانة في وجدان المغاربة. فجلالة الملك منذ اعتلائه العرش، أطلق مشروعا مجتمعيا حداثيا وديمقراطيا من خلال إصلاحات كبيرة و مهيكلة وكذا مبادرات ذات مصداقية. وفيما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي، فمنذ تقديمها من طرف جلالة الملك محمد السادس سنة 2007 عرف ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة تطورا إيجابيا بفضل قدرة الديبلوماسية الوطنية المغربية على الصعيدين الإقليمي والدولي على الإقناع، فضلا عن جدية ومصداقية المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية .
    إن ملف الصحراء المغربية عرف على امتداد ثمانية عشر سنة (2007 – 2025) دينامية مهمة بعد فترة طويلة من الركود وغياب آفاق واضحة، كما مكن خيار الحكم الدولي الذي قدمه المغرب للمنتظم الدولي – والذي يعد حلا وسطا يقوم على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وصيغة وسطية توافقية تنظر إلى منطق الأشياء القائم على أرض الواقع، والمبني على السيادة والوحدة الترابية للمملكة، ومنح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التشريعية والتنفيذية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية – مكن هذا الخيار من تعزيز موقف المغرب من خلال مكتسبات ملموسة على المستوى الإقليمي والدولي ومن خلال إشادة العديد من الدول الفاعلة بالمقاربة المغربية . بعد خمسين سنة من الكفاح والنضال والتضحيات من أجل استكمال الوحدة الترابية، صدر القرار الأممي الأخير رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء المغربية، الذي انتصر للطرح المغربي المتمثل في اعتماد مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007. هذا القرار الذي صوتت عليه 11 دولة من مختلف القارات وامتناع ثلاث دول، يمثل تحولا جدريا ومنعطفا مصيريا في مسار القضية الوطنية، ويكرس المكاسب التي حققها المغرب بقيادة الملك محمد السادس على المستويين الدبلوماسي والسياسي .

           أيضا هذا القرار الأممي أعاد تثبيت المرجعية الأممية للحل السياسي القائم على الواقعية والتوافق – كما أسلفنا القول –  وهو في نفس الوقت تثبيت دبلوماسي لموقف دولي متصاعد لصالح المملكة المغربية بإشادته بالمجهودات المبذولة من طرف المغرب الجدية وذات المصداقية في إطار مبادرة الحكم الذاتي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هذا القرار يبرهن بما لا يدع مجالا للشك على استحالة بنيوية واستراتيجية لقيام دولة سادسة في شمال إفريقيا، كما يمثل تصحيحا لانزياحات سابقة في المقاربة الأممية، وتكريسا للصيغة الرباعية التي تضع الجزائر في موقعها الطبيعي كطرف رئيسي في النزاع. كما أن هذا القرار يمنع الجزائر من ما كانت تطمح إليه من إعادة طرح خيار الاستفتاء، الذي بات عمليا خارج النقاش منذ أكثر من عقد .كما أن هذه اللحظة، لحظة إصدار القرار الأممي الأخير، والذي أكد دون لبس جدية ومصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي لهذا النزاع المفتعل، تفرض إجراء حوار بناء بين المغرب والجزائر لتجاوز إرث الخلافات والنزاعات المعطلة للطاقات والإمكانات، و الإنطلاق نحو بناء فضاء مغاربي  مندمج ومتكامل يستند إلى الإرث التاريخي المشترك، ويبنى على أسس التضامن والتعاون والتكامل الاقتصادي والثقافي لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوب المنطقة .وإذا كان الأمل هو تنزيل المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء المغربية لتساهم في حل هذا المشكل حلا توافقيا ونهائيا، فإن النجاح الفعلي لهذا الخيار أو المشروع، يتوقف على عدة شروط ، نذكر منها التالي :

     أولا: تقديم مشروع حكم الذاتي – بعد تعديله طبعا كما قال جلالة الملك – لكافة مكونات المجتمع المغربي وفي مقدمتهم سكان الأقاليم الجنوبية، ليكون مجالا للتعايش والتداول البناء قبل اعتماده من طرف أية جهة؛

    ثانيا: وجود جبهة داخلية واسعة مؤهلة للدفاع عن هذا الخيار سواء لدى سكان الجنوب أو لدى المنتظم الدولي، وفي هذا الإطار سيكون على الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية ومؤسسات الفكر والفاعلين الترابيين والأكادميين … إلخ، الإنكباب على تسويق مشروع المخطط المغربي للحكم الذاتي؛

    ثالثا: الدراسة المسبقة للعناصر السوسيولوجية والسياسية والمؤسساتية للمنطقة، علاوة إلى العناصر الجيوسياسية والديمغرافية الموازية؛

    رابعا: كما أن لحظة إصدار القرار الأممي باعتبارها لحظة معتبرة في مسار تطور الدولة المغربية، هي لحظة تستوجب إطلاق انفراج سياسي شامل، وفتح حوار وطني صادق حول الإصلاحات السياسية والمؤسساتية و الاجتماعية و الاقتصادية، مما يعزز مصداقية المملكة المغربية على المستوى الخارجي. فمبادرة الحكم الذاتي، كسياسة تدبيرية للترشيد والتنمية، وكنمط للتفكير والتخطيط الداعم للديمقراطية والجهوية المتقدمة، لا بد – لكي تكون منتجة وناجحة – أن تتوفر لها مجموعة من الشروط المسطرية والقانونية والتنظيمية والبشرية والعلمية والتقنية الضرورية، والمناخ السياسي والثقافي و الإجتماعي المناسب، أي مجمل المقومات الكفيلة بنقلها من الخطاب إلى الفعل، وتحويلها من مبادئ وقيم وأهداف وترتيبات إدارية واقتصادية و مسطرية إلى “ثقافة ممارسة”، أي إلى سلوك ديمقراطي وعملي متنفذ قائم على استلهام الشروط والمقومات المومأ إليها .
    عموما ، فسكان الصحراء المغربية إذا منحوا حكما ذاتيا موسعا منبثقا عن انتخابات نزيهة وشفافة، فإن المنطقة ستشهد استقرارا ونهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية مهمة تطفئ نار الفتنة التي يسعى الانفصاليون إلى إشعالها، بل أن هذا الحكم الذاتي المرتقب في الأفق المنظور، الممنوح على أسس ديمقراطية لساكنة الأقاليم الجنوبية سيكون ضربة لكل مخططات الجزائر وصنيعتها البوليساريو. إن الحكم الذاتي بحسب ما ذهب إليه أحد الباحثين المغاربة، إذا وضع بين أيادي صحراويين نزهاء أفرزتهم صناديق الاقتراع عن جدارة واستحقاق، كل ذلك سيكون حافزا ومشجعا لأغلبية الصحراويين بتندوف للالتحاق بأرض الوطن للعيش بكل أمان مع الأهل والأحباب .وبما أننا لا نملك تغيير الواقع وسلبياته، فلا بأس من أن نحلم بغد أفضل يكون أساسه العدالة والانفتاح والانصاف والتنمية والنظرة المتفائلة إلى المستقبل، نأمل ذلك عبر إرساء دعائم الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية كإطار سياسي يخرج النزاع من زوايا النظر القائمة على ثنائية المنهزم والمنتصر، خاصة وأن الأمين العام السابق “كوفي عنان” أعلن في تقرير صادر عن الأمم المتحدة، أن ثمة خيارين لا ثالث لهما لإيجاد حل لقضية الصحراء المغربية: إما الاستمرار في الوضع الحالي مع خطر الانزلاق والانحدار نحو العنف، وإما خيار التفاوض والحوار المباشر بين الأطراف المعنية أساسا بالقضية: المغرب و الجزائر .

    بدوره، تناول الأستاذ سعيد الجدياني موضوعا عن ” تمثيلية مدينة أسفي في المسيرة الخضراء ” قائلا بإن تمثيلية مدينة آسفي في المسيرة الخضراء دليل على التلاحم الوطني بين العرش والشعب، وحضور آسفي كان نموذجاً للمواطنة الفاعلة والتعبير عن الانتماء للوطن. اليوم، تستمر المدينة في الاحتفاء بهذا التاريخ عبر تخليد الذكرى الخمسينية وإحياء صور وروابط أولئك المتطوعين الذين حملوا راية المغرب في واحدة من أعظم مسيرات التحرير السلمية في العالم . ضمن هذه الملحمة الوطنية، كان لمدينة آسفي حضور وازن ومشرف جسّد الحس الوطني العميق والالتزام بقضايا الوطن ووحدته الترابية .فمنذ الخطاب الملكي التاريخي يوم 16 أكتوبر 1975 الذي دعا فيه الحسن الثاني المغاربة للمشاركة في المسيرة الخضراء، عاشت مدينة آسفي أجواء تعبئة غير مسبوقة .. حيث أُنشئت لجان تنظيمية محلية بإشراف السلطات الإقليمية، لمواكبة عملية تسجيل المتطوعين ..فقد أقيمت في مساجد المدينة وفضاءاتها العامة لقاءات ودروسا حول الوحدة الوطنية وأهمية تحرير الصحراء .. مبرزا دور الإعلام المحلي الذي لعب دوراً كبيراً عبر الإذاعة الجهوية بآسفي والجمعيات الوطنية والحزبية والنقابية ..مؤكدا على أن شهادات المشاركين ووثائق أرشيفية توضح أنّ آسفي شاركت بعدد كبير من المتطوعين، من مختلف الفئات ، فكانت تمثيلية متوازنة ، وكانت الحماسة للانخراط في المسيرة تعبيراً عن ارتباط سكان آسفي بالقضايا الوطنية، خاصة أن المدينة تاريخياً لعبت أدواراً في المقاومة ضد الاستعمار.
    يشار إلى أن هذه الندوة تميزت بحضور مكثف للطالبات القاطنات ، جسد روح الوطنية العالية، كما تخللتها لحظات مؤثرة عقب إعلان البلاغ الملكي التاريخي القاضي بجعل يوم 31 أكتوبر عيدا وطنيا باسم “عيد الوحدة”؛ وهو القرار الذي لقي تفاعلا كبيرا وتصفيقا من الحاضرين والمشاركين داخل القاعة. ولعل ما ميز هذا الاحتفال ، تكريم متطوعين في المسيرة بأسفي ، يتعلق الأمر بالسيدة فاطمة الأنفاسي والسيد حسن القاسمي ، كما تميز بتقديم عرض مسرحي للطالبات القاطنات بعنوان : ” حاملين كتاب الله ” ، من إخراج الأستاذ رشيد ولد العبار ، إضافة إلى معرض حول المغفور له محمد الخامس وعلاقته بمدينة أسفي ، فضلا عن معرض تشكيلي يجسد هذه الاحتفالية بخمسينية المسيرة الخضراء  أعدته الطالبات القاطنات .

    هيئة التحرير10 نوفمبر، 2025

    إقرأ الخبر من مصدره