واصل دفاع سعيد الناصري مرافعته في ملف “إسكوبار الصحراء”، مركزا هذه المرة على تفنيد ما اعتبره “أحد أضعف مؤيدات المتابعة”، والمتعلق بوثائق فواتير الماء والكهرباء، التي تم تقديمها أمام المحكمة كقرائن على استغلال الفيلا موضوع النزاع.
واستهل الدفاع مرافعته بالتأكيد على أن هذه الوثائق، رغم تقديمها في شكل “أصول وصور فوتوغرافية”، وصلت إلى المحكمة عبر مسار غير مباشر، وصفه بـ”العنعنة”، مما يطرح، بحسبه، تساؤلات جدية حول مصداقيتها وسلامة مصدرها.
وأوضح المحامي مبارك المسكيني أن إثارة هذا المعطى ارتبطت بشخص وصفه بـ”الغريب”، ويتعلق الأمر بوسام ندير، الذي تم الاستماع إليه سنة 2023 عبر تقنية “الزوم” من السعودية، مشيرًا إلى أن هذا الأخير قام بإرسال الوثائق عبر تطبيق “واتساب” إلى شخص يدعى سهيل قنديل، الذي أحالها بدوره على أسامة باهي، قبل أن تصل في النهاية إلى مصالح الشرطة على أساس أنها فواتير الماء والكهرباء لسنة 2013.
وتساءل الدفاع عن منطقية هذا المسار، مستغربًا كيف يمكن لشخص غادر المغرب سنة 2017 وكان في وضعية فرار، أن يظهر بعد سنوات بوثائق تعود إلى 2013، دون أن يقدم في المقابل عقد شراء الفيلا، رغم ادعائه الحرص على مصالح الحاج بن إبراهيم، معتبرًا أن هذا المعطى يضعف بشكل كبير القيمة الإثباتية لهذه الوثائق.
ولم يكتف الدفاع بذلك، بل طعن أيضًا في الشكل والمضمون، مؤكدًا أن هذه “الفواتير” لا تتوفر على المعايير الأساسية للوثائق الرسمية، إذ تم إنجازها، حسب تعبيره، عبر برنامج “إكسيل”، ولا تحمل تاريخًا واضحًا أو عنوانًا أو اسم الحاج بن إبراهيم، وتقتصر فقط على أرقام استهلاك ضعيفة.
وفي هذا الإطار، تساءل المسكيني عن مدى واقعية هذه الأرقام، التي لا تتجاوز، حسب قوله، 20 إلى 30 درهمًا، متسائلًا: كيف يمكن لفيلا بمرافقها وتجهيزاتها أن تسجل استهلاكًا بهذا الحجم “الهزيل”، حتى على فرض صحة هذه الوثائق؟
وفي مقابل ذلك، قدم الدفاع معطيات مضادة، مؤكداً أن الحاج بن إبراهيم صرح في ثلاث مناسبات بأنه ظل يقيم بالفيلا إلى غاية سنة 2019، معتبراً أن الرواية المقدمة “تم صنعها لتمويه العدالة”، وأنها لا تستند إلى وقائع ثابتة.
وعرض الدفاع وثائق رسمية صادرة عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات، التي خلفت شركة “ليديك”، تثبت بشكل دقيق مسار تزويد الفيلا بالماء والكهرباء منذ سنة 1997، حين كانت في ملكية الصفريوي عبد الواحد، مرورًا بفترة تملكها من طرف سامية سنة 2011، وصولًا إلى المير بلقاسم ثم سعيد الناصيري.
وأشار الدفاع إلى وجود اختلاف جوهري بين شكل هذه الوثائق الرسمية وتلك المقدمة من طرف وسام ندير، موضحًا أن الوثائق الحقيقية تتضمن معطيات دقيقة، من قبيل رقم العقدة، اسم المستهلك، عنوان الاستهلاك، نوع الخدمة، وتاريخ الفاتورة، وهو ما يغيب كليًا عن الوثائق محل الطعن.
وقدم المسكيني وثيقة إضافية تعود إلى فترة تملك “المير بلقاسم” للفيلا في دجنبر 2014، تتضمن كافة البيانات التقنية والقانونية المرتبطة بالاستهلاك، إلى جانب فواتير صادرة عن الشركة الجهوية تثبت تسجيل استهلاك باسم سعيد الناصري عبر شركة “برادو” ابتداءً من يوليوز 2017، وهو ما يعزز، حسب الدفاع، فرضية الانتظام القانوني للوضعية.
وفي معطى لافت، أدلى الدفاع بشهادة رسمية مختومة صادرة عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات باللغة الفرنسية، تفيد بأن الفيلا موضوع النزاع لم تكن مرتبطة بأي اشتراك في الماء والكهرباء، ولم تسجل أي استهلاك خلال الفترة الممتدة من نونبر 2014 إلى أكتوبر 2017.
واعتبر الدفاع أن هذا المعطى يضع المحكمة أمام تناقض صارخ:” إما تصديق الوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسة عمومية، أو الأخذ بتصريحات بعض الأشخاص الذين أكدوا أنهم كانوا يقيمون في الفيلا خلال تلك الفترة، رغم غياب أي تزويد فعلي بالماء والكهرباء”،متسائلا عن خلفيات تحول بعض الشهود، من بينهم شخص يدعى شوقي، من أصدقاء مقربين للناصري إلى خصوم له مباشرة بعد تفجر هذه القضية، ملمحًا إلى وجود دوافع غير موضوعية وراء بعض التصريحات.
وطالب الدفاع بانتداب خبير مختص للوقوف على صحة الوثائق المعروضة، مؤكدًا أن الأساس الذي بنيت عليه متابعة الناصري “باطل وعار من الصحة”.
وعلى مستوى الجانب القانوني، تطرق الدفاع إلى مسألة “التوطين”، موضحًا أن اعتماد عنوان الفيلا كمقر للشركة جاء في إطار اتفاق مسبق يقضي باقتناء العقار عبر شركة مدنية عقارية سيتم تأسيسها لهذا الغرض، وهو إجراء قانوني لا يشكل أي خرق، مستندا إلى تصريح الموثق أمين جليل، الذي أكد خلال محضر الاستماع أنه لم يتم إنجاز أي بروتوكول اتفاق، نظرًا لطبيعة الشركة المدنية العقارية التي لا تمارس نشاطًا تجاريًا، مشددًا على أن ذلك لا يطرح أي إشكال قانوني.
وتساءل الدفاع عما إذا كان هناك أي تزوير في عقد التوطين أو عقد التأسيس، قبل أن يجيب بالنفي، معتبرًا أن تسجيل العقار باسم الشركة لا يشكل جريمة، بل يدخل في إطار الممارسات القانونية العادية.
وبالعودة إلى فصول المتابعة، أكد الدفاع أن الأفعال المنسوبة إلى موكله لا تستجيب لأركان جناية التزوير في محرر رسمي، كما ينص عليها القانون، مشيرًا إلى أن المواد 352 و353 تتعلق بموظف عمومي، وهو ما لا ينطبق على سعيد الناصري، في حين أن المادة 354 تفترض صدور التزوير عن موظف رسمي، كالموثق، وهو ما لم يثبت في النازلة.
وختم الدفاع مرافعته بالتأكيد على أن العقد موضوع النزاع “صحيح وسليم”، وأن ما تم الإدلاء به أمام الموثق جرى توثيقه بشكل قانوني، متسائلًا عن الأساس الذي يمكن أن يبرر اعتباره عقدًا صوريًا، مشددا على أن العناصر التكوينية لجناية التزوير في محرر رسمي “غير قائمة لا واقعًا ولا قانونًا”، ملتمسًا من المحكمة التصريح بعدم مؤاخذة موكله من أجل هذه التهمة.

Getty Images
Getty Imagesخدم هيغسيث في خليج غوانتانامو وفي العراق، حيث مُنح وسام النجمة البرونزية.
EPAتزوّج هيغسيث ثلاث مرات قبل بلوغه سن الأربعين.
Bloomberg via Getty Imagesطغت على جلسة المصادقة على تعيين هيغسيث اتهامات بالاعتداء الجنسي والإفراط في شرب الكحول، وقد نفى كليهما.

Getty Images على مدى الأسبوعين الماضيين، وبينما كانت الطائرات المسيرة والصواريخ تحلق في سماء إيران والخليج، كان مراقبو حركة الملاحة الجوية يوجّهون طائرات الركاب عبر مجال جوي أكثر أماناً لكنه مزدحم، في ظل الحرب الدائرة. وإذا ألقينا نظرة سريعة على خريطة تتبع الرحلات الجوية، يظهر مدى ازدحام المجال الجوي فوق مصر وجورجيا. ويتقاسم مراقبو الملاحة الجوية المهام المختلفة، إذ يتولى كل منهم مسؤولية قسم مختلف من الخريطة، وينسّق مع زملائه بشأن الطائرات التي تدخل وتغادر مجالهم الجوي. في الأيام العادية، قد يكون بإمكان مراقب جوي واحد متابعة ست طائرات في الوقت نفسه داخل المنطقة التي يشرف عليها، ولكن عندما تكون هناك حرب، يتضاعف هذا العدد. ويقول مراقب الحركة الجوية المتقاعد، برايان روش: « لا يستطيع الدماغ أن يعمل بهذا القدر من التركيز، بهذا المستوى من الشدة، إلا لمدة تتراوح ما بين 20 إلى 30 دقيقة ». وقد أمضى روش 18 عاماً في هذه الوظيفة، أولاً في سلاح الجو الملكي البريطاني في بلدان مختلفة، ثم مع طائرات الركاب التجارية في لندن، حيث كان جزءاً من وحدة مكلفة بالتعامل مع مكالمات الاستغاثة الطارئة. وخلال فترات الذروة، يتم جلب المزيد من المراقبين لإدارة العدد الكبير من الطائرات في مناطق معينة، ويتم تناوب المراقبين بشكل متكرر لضمان عدم إرهاقهم. ويقول برايان روش، إن نوبات العمل عادةً ما تكون مدتها ما بين 45 إلى 60 دقيقة، مع استراحة تتراوح مدتها ما بين 20 إلى 30 دقيقة. ولكن خلال أوقات النزاع، من المرجح أن يعملوا لمدة 20 دقيقة فقط، ثم يستريحوا لنفس المدة. ويضيف روش: « يعمل المراقبون في الوقت الحالي في نوبات عمل بها ضغط غير معقول، ويتعاملون مع كميات هائلة من حركة المرور ». إن إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية، الرحلة MH17، في عام 2014 بصاروخ روسي الصنع في شرق أوكرانيا، والذي أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 298 شخصاً، سلط الضوء على كيفية تأثير الصراع على مسار طائرات الركاب. وحينها، كانت أوكرانيا منطقة صراع ذات خطورة منخفضة المستوى نسبياً، لكن القتال هناك امتد مؤخراً إلى الجو، وخلال الأشهر السابقة أُسقط عدد من الطائرات العسكرية. وهو سيناريو لا يرغب أحد في تكراره. وقد لقي خلال الأسبوع الماضي طاقم طائرة أمريكية، مكون من ستة أفراد أمريكيين، مصرعهم بعدما تحطمت طائرتهم المخصصة للتزود بالوقود في غرب العراق. وكانت طائرة التزود بالوقود مشاركة في عمليات أمريكية جارية ضد إيران، وكانت واحدة من طائرتين مشاركتين في تلك العمليات. وقد هبطت الطائرة الثانية بسلام، وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو صديقة. وعندما يتم إغلاق المجال الجوي فجأة أو يصبح مزدحماً، يتواصل المراقبون مع الطيارين بشأن الوجهة التي يحتاجون إلى الذهاب إليها، وكمية الوقود المتوفرة لديهم، والمطارات التي يمكنها استيعاب نوع الطائرة التي يقودونها. ويتعين على المراقبين أيضاً التأكد من فصل جميع الطائرات، التي تحلق بأحجام متنوعة، عن بعضها البعض بشكل آمن رأسياً وأفقياً، لأن طائرات الركاب الكبيرة تسبب اضطراباً وعدم استقرار أكبر للطائرات المحيطة بها. وهذا يعني أن الطائرات النفاثة الأصغر حجماً تحتاج إلى توجيهها بعيداً ومنحها مساحة أكبر، في حين أن طائرة رجال الأعمال الصغيرة قد تحتاج إلى الانتقال إلى مكان آخر تماماً.
AFPمراقبو الحركة الجوية يجرون عرضاً توضيحياً في مركز مراقبة الطائرات بدون طيار في تل أبيب لكن عمليات الإغلاق المفاجئة نادرة للغاية، كما يقول جون، الذي يعمل طياراً منذ أكثر من 20 عاماً. وقد رفض الكشف عن اسمه الحقيقي لأنه لا يزال يعمل طياراً ويحلق فوق منطقة الشرق الأوسط. ويقول إن معظم شركات الطيران تخطط مُسبقاً للحالات التي تتجنب فيها مجال جوي معين، سواء كان ذلك بسبب سوء الأحوال الجوية أو الحرب. ويوضح جون، قائلاً: « في هذه الحالة، كنا نعلم جميعاً أن هناك شيئاً ما يُحاك في الشرق الأوسط. لقد كانت مسألة وقت لا أكثر ». وبالإضافة إلى إدراك الطيارين لخطط الطيران البديلة لتجنب أي تضارب، فهم يحاولون أيضاً حمل أكبر قدر ممكن من الوقود في حالة اضطرارهم العودة إلى موقع مغادرتهم أو تغيير مسار الرحلة إلى مطار أبعد من وجهتهم المقصودة. ويقول جون: « هذه أحداث طبيعية للغاية، وقد تم التدرب للتعامل معها. كما أنه يمكن السيطرة عليها « ، وقد حرص أيضاً على التأكيد على أن الطيارين والمراقبين الجويين يتبعون الإجراءات بدقة لتجنب تحول المجال الجوي المزدحم إلى مجال خارج عن السيطرة. إذ يوضح في حديثه لنا، قائلاً: » لا يشبه الأمر الاختناق المروري، الذي يتحول إلى فوضى عارمة ». ويقول جون إن هذا الشعور بالهدوء المُنظم هو شيء يحاول هو ومن غيره من الطيارين إيصاله إلى طاقم الطائرة والركاب. تعمل حنا في قيادة طاقم الضيافة الجوية على الرحلات الطويلة، ولم نذكر اسمها الحقيقي، لأنها غير مخولة بالتحدث عن شركة الطيران التي تعمل بها. غالباً ما تمر رحلات الجوية، التي تكون حنا علة متنها، عبر الشرق الأوسط. وتقول إن أوقات الصراع تبرز أهمية فريقها على متن الطائرة، وخاصة للركاب القلقين أو المستائين. إذ تقول حنا لنا: « إن عملنا يتجاوز الفكرة المبتذلة القائلة بأن كل ما نفعله لكسب لقمة العيش، هو سؤال الزبائن عما إذا كانوا يريدون تناول دجاج أو لحم على العشاء ». وتضيف: « ينسى كثير من الناس جانب السلامة المهنية في وظائفنا… إن تقديم الخدمة للمسافرين هو ما نقوم به عندما يكون كل شيء آخر تحت السيطرة. » وتقول حنا إن تغيير خطط الرحلات الجوية وتعطيل الجداول الزمنية يمكن أن يجعل من الصعب خلق توازن صحي بين العمل والحياة، سواء بالنسبة للطيارين أو طاقم الضيافة. وخلال الآونة الأخيرة، أضافت شركات طيران، كتلك التي تعمل بها حنا، مزيداً من نقاط التوقف إلى مساراتها، لأنها لا تستطيع الطيران مباشرة فوق إيران. وتشعر حنا بأن أعباء العمل هذه جزء لا يتجزأ من وظيفتها، وهو أمر تصفه بأنه « أسلوب حياة وشغف ». وتقول حنا : » نشعر جميعاً، بصفتنا طاقم الضيافة الجوية، بأننا جزء من عائلة كبيرة » وتضيف: » نحن متحدون مع الأجنحة ».
