Étiquette : 2014

  • مأزق الجزائر 


    أشلواح محمد

    لحوالي خمسة عقود والجزائر تحاول أن تضع نفسها خارج نطاق المسؤولية في نزاع الصحراء، وبالمقابل، فالأمم المتحدة، منذ توليها معالجة هذه القضية، وهي تعتبر بأن الجزائر طرف معني بالنزاع، بل طرفًا رئيسيًا فيه، وهذا ما أقرَّته قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2026.

    فمنذ افتعال مشكل الصحراء المغربية، عمل النظام الجزائري على إيهام المجتمع الدولي بأنه ليس طرفًا فيه، ومع ذلك لم يفلح في ذلك، فكل الحجج والأدلة تُبيّن، بما لا يضع مجالًا للشك، مدى تورط النظام الجزائري في خلق وصناعة ملف الصحراء، وذلك ما يظهر مما يلي:

    لقد احتضن “النظام” الجزائري تنظيم البوليساريو الانفصالي، فموَّله ووفَّر له الدعم الدبلوماسي والسياسي…، وهو دليل يفيد بأن هذا التنظيم لا قرار له، ولا يتمتع بأي استقلال في اتخاذ أي مبادرة، فعمليًا، شأن البوليساريو ومصيره في أيدي العسكر الجزائري، ومن ثَمَّ، فالجزائر تُعدُّ المسؤولة المباشرة عن البوليساريو. وعليه، فالنقاش الذي بدأ بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمدريد (واستمر بواشنطن…)، والذي تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن ينطلق من الحقيقة التالية: على المستوى الواقعي، البوليساريو لا ترقى، من حيث المركز القانوني، إلى طرف مستقل في ملف الصحراء، بل الطرف الحقيقي هي الدولة الجزائرية، وهذا سيترتب عنه بالضرورة:

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    أن ما يردده النظام الجزائري بخصوص دعم “تقرير المصير” وأسطورة أن هناك “شعبًا صحراويًا”… يُعد مجرد شعارات وأكاذيب، بل يُعتبر أكبر تضليل تاريخي مورس خلال خمسة عقود. لأن البوليساريو ما هي إلا ورقة يوظفها النظام الجزائري في الداخل وفي مجمل تفاعله مع المغرب، فالبوليساريو تتلقى أوامر من ذات النظام وتتحكم في محتجزات تندوف التي تضمُّ مغاربة مختطفين إلى جانب مرتزقة ومجرمين وهاربين من القانون من الدول المجاورة وغيرها.

    أن محاولات ابتداع مركز وهمي كوسيط في نزاع الصحراء هو في الواقع كلام فارغ، لا يمكن أن يصدقه عاقل، فالجزائر هي جزء كبير في الأحداث التي تدور فيها تفاعلات الصحراء، منذ ما قبل ظهور ما يسمى بالبوليساريو. فالإضافة إلى أن الاستعمار فعل فعلته في اجتزاء أراضٍ مغربية لضمها للجزائر الفرنسية، فإن هذه الأخيرة (الجزائر) بعد استقلالها كوَّنت عقيدة مفادها العداء الدائم للوحدة الترابية للمغرب ولنظامه السياسي وكل مصالح المملكة المغربية. إن الجزائر أضحت طرفًا عدائيًا ثابتًا للمغرب ومدافعًا شرسًا عن كيان انفصالي إرهابي ترعرع فوق تندوف التي تقع تحت إدارة الجزائر. فكيف إذن لهذه الأخيرة أن تكون خصمًا وطرفًا ووسيطًا في آن واحد؟ إنه هراء ما بعده هراء!!

    الحكم الذاتي مقترح مغربي لاستيعاب المغاربة المحتجزين في تندوف، ولا شأن للنظام الجزائري بأمور تخص المغاربة فيما بينهم. فالأمم المتحدة طلبت (عبر قرار مجلس الأمن 2797) من المغرب أن يؤكد حكمًا ذاتيًا كان قد اقترحه سنة 2007، ولم تطلب من الجزائر أن تعطي رأيها في شأن يخص المغرب. فالحكم الذاتي ليس بتصور أو أرضية “للتفاوض”، بل هو شأن مغربي داخلي يترجم أرقى أشكال الجهوية الموسعة التي دخل فيها النظام الترابي للمملكة المغربية منذ مدة. فالجزائر غير معنية بتفاصيل الحكم الذاتي وجزئياته لأن الأمر يدخل حصرًا في نطاق السيادة المغربية.

    على المجتمع الدولي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية (الدولة الراعية لتسوية ملف الصحراء)، وكل الجهات التي تريد العمل من أجل حل ملف الصحراء، أن تنطلق من أربع حقائق:

    الأولى: تصحيح المركز القانوني للموجودين في تندوف. فالمغاربة الذين في تندوف ليسوا لاجئين، بل هم محتجزون. فإذا ما فكَّ “النظام” الجزائري القيد والحواجز عنهم، فسيعودون إلى بلدهم المغرب، وبدون تردد، خاصة وأن عددهم، كما تشير التقارير، لا يتجاوز 2 في المئة من “ساكنة” تندوف.

    الحقيقة الثانية: أن معظم من في مخيمات تندوف مرتزقة وجزائريون ومن الدول المجاورة وغيرها (وهذه الحقيقة هي التي جعلت النظام الجزائري يتنصل من الإحصاء الذي ألحَّت عليه كل قرارات مجلس الأمن الدولي). فهؤلاء تتحمل الجزائر مسؤوليتهم، وهي وحدها الملقى على عاتقها أن تجد حلًا لهم، لكن ليس في تندوف التي تُعتبر أرضًا مغربية. فعلى “النظام” في الجزائر أن يعمل على إخلائها وتسليمها للمغرب مع بقية أراضي الصحراء الشرقية التي قَضَمتها فرنسا خلال استعمارها للجزائر.

    الحقيقة الثالثة: أن الجزائر تحتضن تنظيمًا انفصاليًا مسلحًا ذا توجهات إرهابية، وتقوده قيادات لا يمكن أن تجد لها مكانًا ضمن تسوية ملف الصحراء غير تقديمهم للمحاكمة، لكونهم ارتكبوا مختلف أنواع الجرائم ضد القانون الإنساني وحقوق الإنسان، عن طريق الاختطاف والتعذيب والاغتصاب والقتل والإرهاب والتهريب…

    الحقيقة الرابعة: أن النظام الجزائري ليست له نية لحل هذا الملف، وذلك، على الأقل، للأسباب التالية:

    السبب الأول:

    يتجلى في طبيعة “النظام” السياسي في الجزائر، فهو نظام عسكري انقلابي وغير ديمقراطي، استولى على السلطة بشكل دموي -خاصة مع العشرية السوداء- ويعيش تناحرًا عصاباتيًا على الحكم والثروة، كوَّن عقيدة ثابتة مفادها أن هناك “عدوًا” جارًا (المغرب) يجب الاستعداد دائمًا لمواجهته.

    في الواقع، المغرب ليس عدوًا للجزائر، فهذا مجرد افتراء. لذلك، فخلفية النظام الجزائري من وراء كلام من هذا القبيل هي:

    أولًا: تبرير الاستمرار في إحكام القبضة على الحكم والسيطرة عليه وعلى ثروات البلاد، وهي قبضة تقوم على البروباغاندا وعلى أن هناك “تهديدًا” دائمًا للجزائر من طرف المغرب، لتبرير السلوك العدائي ضد المملكة المغربية والتحريض عليها، وكذا محاولة تجييش الجزائريين واستعمال كل الوسائل والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للمساس بكل ما هو مغربي. وقد بدا ذلك جليًا وبشكل فاضح في العديد من المناسبات، كما كان الأمر خلال الهجمات الإعلامية غير المبررة على المغرب أثناء تنظيمه لكأس إفريقيا.

    ثانيًا: توظيف نفس الأطروحة (“وجود عدو خارجي”: “المغرب!”) في محاولة من “نظام” العسكر لتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية… التي تعيشها البلاد.

    السبب الثاني:

    أن حل ملف الصحراء، خارج الشعارات التي كان يسوّقها النظام الجزائري، سوف تختفي معه كل المبررات التي كان يقدمها ذات “النظام” للشعب الجزائري كي ينهب الملايير في موضوع لا يعني الجزائريين، أصلًا، في شيء. إن انتهاء ملف الصحراء سيضع “النظام” الجزائري أمام مواجهة مباشرة مع الجزائريين، وهذا منطقيًا -لو كانت هناك عدالة في البلاد- سيؤدي إلى مساءلة ومحاسبة المسؤولين الذين قاموا بتبديد أموال الجزائريين في “قضية” البوليساريو!

    السبب الثالث: لعل من الأسباب التي تجعل الجزائر تتمنى عدم إيجاد حل لملف الصحراء هو أمر أولئك الذين سيلفظهم حل ملف الصحراء. فبديهي أن المغرب لا يمكن أن يقبل إلا بعودة المغاربة المحتجزين في تندوف، أما غيرهم فالمغرب غير معني بوضعهم، ومن ثَمَّ، فالنظام الجزائري سوف يكون أمام خيارين أساسيين:

    الخيار الأول: إدماج هؤلاء ومنحهم الجنسية الجزائرية بعد تقديم قيادة البوليساريو الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية للمحاكمة، وتدبير أمر تجريدهم من السلاح وتفكيك مخيمات تندوف، مع استحضار مطالب المغرب المحتملة والشرعية في استرجاع ولاية تندوف.

    الخيار الثاني: العمل على تهيئة الظروف لإعادتهم لأوطانهم وتحمل المسؤولية في تدبير أمرهم مع الدول التي يحملون جنسيتها.

    السبب الرابع:

    إلى جانب التوظيف السياسي والاستراتيجي لملف الصحراء، سيشكل إنهاء الملف ضربة قاصمة لتجار المساعدات الإنسانية التي تقدم للمحتجزين في تندوف. فقد أكدت العديد من التقارير (تقرير للمكتب الأوروبي لمكافحة الغش 2014–2015) أن معظم المساعدات الإنسانية لا تصل إلى تندوف، حيث يتم اختلاسها في مطار وهران ليتم لاحقًا المتاجرة بها في الأسواق الإفريقية وغيرها. لذلك، فالعديد من ضباط العسكر الجزائري (وقيادة البوليساريو) الذين يغتنون من هذه الأعمال غير المشروعة، وكذا من صفقات الأسلحة، ليس في مصلحتهم حل ملف الصحراء، بل بقاؤها في وضعية الستاتيكو للاستفادة ما أمكن، ولو على حساب معاناة ومأساة المحتجزين في تندوف.

    السبب الخامس:

    الصراع على النفوذ والزعامة إقليميًا. فهذا الأمر يُعدُّ من بين الخلفيات التي تحكم سلوك النظام الجزائري في علاقته بملف الصحراء. وفي هذا الإطار، بدا واضحًا أن سلسلة الانتكاسات التي عرفتها الجزائر جعلتها كقزم سياسي واقتصادي لا وزن له، وكلمته غير مسموعة لا إقليميًا ولا على الصعيد الدولي، فكل المحاولات في هذا الاتجاه باءت بالفشل. وعلى العكس من ذلك، نلمس نهجًا دبلوماسيًا مغربيًا رصينًا يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يقوم على سياسة اليد الممدودة، التي لم يستوعبها “النظام” الجزائري. فالرئيس ترامب لا يبدو أنه سيرحم قومًا أصيبوا بجهالة لأكثر من خمسين سنة. فقد انكشفت عورة “القوة الضاربة!”، وبدا النظام الجزائري وكأنه حمل وديع، لا قدرة له على مجاراة واقعية ترامب وخطواته العملية في ملف الصحراء.

    إن ادعاء “النظام” الجزائري الدفاع عن “حق الشعوب في تقرير مصيرها” أكبر خطأ ارتكبه النظام الجزائري. فاليوم، لم يعد أمام ذات النظام إلا القبول بالحكم الذاتي كصيغة قرّرها المجتمع الدولي لحل هذا النزاع الإقليمي، بينما كان هدفه الاستراتيجي غير المعلن هو الحصول على منفذ على الأطلسي. فمن الفداحة بمكان، اليوم، أن يتجرأ النظام الجزائري وأن يردد هذا الأمر، ولو مع نفسه، لأنه سيتناقض تمامًا مع الشعارات التي كان يرفعها سابقًا. هذا بالإضافة إلى أن التطورات التي عرفها ملف الصحراء أقبرت كل أطماع النظام الجزائري وأنهت أحلامه إلى الأبد.

    السبب السادس:

    لقد كان النظام الجزائري على يقين بأن المغرب سيطالب بأراضيه في الصحراء الشرقية، سواء أطال الزمن أو قصر. لذلك، كان يناور في ملف الصحراء الغربية المغربية، ويطيل أمده ما أمكن وبجميع الوسائل والطرق. وبعدما فرض عليه المجتمع الدولي الانخراط في تنزيل القرار 2797، كطرف رئيسي في ملف الصحراء، وبعدما تيقَّن، بما لا يضع مجالًا للشك، بأن ملف الصحراء قيد الطي النهائي، وبدا له (النظام الجزائري) أن ذلك ستعقبه إمكانية انتقال المغرب إلى المطالبة باسترجاع أراضيه في الصحراء الشرقية، اندفعت الجزائر وبشكل متهور إلى القيام بمناوشات غير محسوبة العواقب في مناطق التماس مع المغرب (خطف وقتل مغاربة، وضع “علامات حدودية” من جانب واحد…)، وهي مناورات تستهدف من ورائها:

    أولًا: محاولة خلق “أمر واقع” يخالف القانون الدولي وما تم الاتفاق عليه سابقًا بين المغرب والجزائر. وذلك ما ترجمه سلوك “النظام” الجزائري بإعلانه أنه سيشرع في “استغلال” “غار جبيلات”، وهو يعلم بأن الجزائر تحتل أراضي مغربية -من بينها موقع تواجد هذا المنجم- ضمَّتها فرنسا للجزائر الفرنسية أيام الاستعمار.

    ثانيًا: محاولة جَرّ المغرب لحرب من أجل خلط الأوراق وعرقلة التقدم الذي عرفه ملف الصحراء الغربية المغربية.

    ثالثًا: محاولة افتعال وقائع، لعلها تساهم في تقوية موقع الجزائر “التفاوضي” كطرف في ملف الصحراء الغربية المغربية من جهة، وكذا استبعاد أي مطالب مغربية محتملة في صحرائه الشرقية من جهة ثانية. لذلك، حاول “النظام” الجزائري أن يدخل في خطة ابتزاز فاضحة تنطوي على فكرة أن أي انخراط في حل سياسي لملف الصحراء يجب أن يكون رهينًا “بشرط” عدم مطالبة المغرب بحقوقه المشروعة في الصحراء الشرقية. وهي خطة لا تعدو أن تكون سوى مناورة مكشوفة تؤكد عبث النظام الجزائري وإفلاسه.

    إنها مناورات فاشلة وتدخل في نطاق الارتباك العام، وهي عبارة عن ردود أفعال غير محسوبة وطائشة من طرف النظام الجزائري، وليس لها أي تأثير في سياق التطورات الراهنة لملف الصحراء وطريقه نحو الحل، خاصة وأن ذات “النظام” لم يكن له أي موقف سابق بخصوص ملف الصحراء. ألم يكن موقفه الرسمي والوحيد ينحصر في: “دعم حق تقرير المصير”؟!!

    إن موقع الجزائر في ملف الصحراء ومركزها القانوني فيه، كطرف معني، لا يعني ذلك أن لها الحق في تقديم تصورات أو بلورة الحلول التي تراها مناسبة أو التفاوض بشأن ذلك. بل مركزها كطرف محصور فقط في أن لها مسؤولية سياسية وقانونية في ملف الصحراء، وذلك انطلاقًا مما تؤكده الحيثيات التالية:

    أولًا: أن الحديث عن ملف الصحراء يستوجب استحضار وجود “أشخاص”/ “ساكنة” في منطقة تندوف، وهي تقع، إلى حدود اليوم، تحت سلطة وإدارة “النظام” الجزائري. ومن ثَمَّ، وفي جميع الأحوال، ومهما كان التوصيف “القانوني” الذي تريد أن “تمنحه” الجزائر لنفسها، فذلك لن يعفيها من المسؤولية بخصوص أمر “هؤلاء” الموجودين في تندوف، كما تبرز الفرضيات التالية:

    الفرضية الأولى: الموجودون في مخيمات تندوف، منهم من هم محتجزون، وإلى جانبهم توجد أغلبية خارجة عن القانون، ومرتزقة…

    يترتب عن هذه الفرضية ما يلي:

    1 – نسبة معينة (وهي أقلية 2 في المئة) من هؤلاء هم مغاربة وذو أصول مغربية. فدون شك، سيعودون إلى وطنهم المغرب. فالجزائر، من الواجب عليها وبالضرورة، أن تساهم في الأمور التقنية لتسهيل عودتهم إلى بلدهم المغرب. وهذا ما يجب أن تلتزم الجزائر بتنفيذه في إطار الاتفاق على تفعيل الحل السياسي، كما يؤكده القرار 2797.

    2- المرتزقة والمجرمون والهاربون من القانون من دولهم، تتحمل الجزائر أمر تواجدهم في مخيمات تندوف. لذلك، يجب عليها أن تجد لهم حلًا ومخرجًا، سواء بالتوطين أو إعادتهم إلى بلدانهم أو… (مع واجب احترامها في ذلك اتفاقيات حقوق الإنسان). بالمقابل، فالمغرب غير معني بهؤلاء: المرتزقة أو الذين بدون هوية… فإذا كان النظام الجزائري هو من أوجدهم في تندوف، سواء لضمهم لمليشيات البوليساريو، أو لتنفيذ أعمال غير قانونية، أو لرفع عدد “ساكنة” تندوف…، فإنه من الطبيعي أنه هو وحده الملقى على عاتقه تدبير أمرهم.

    3- قيادة البوليساريو الذين ارتكبوا أعمالًا إجرامية، سواء بخرق القانون الإنساني أو حقوق الإنسان، أو اختلاس المساعدات، أو تورطوا في أعمال إرهابية…، يجب على “النظام” الجزائري أن يسلمهم ليخضعوا للمحاكمة، في إطار ‘محكمة جنائية خاصة’، وليس التستُّر عليهم وإيواؤهم وهم مجرمون.

    الفرضية الثانية: حتى ولو افترضنا أن هؤلاء “لاجئون”، فعلى الجزائر أن توفر لهم حقوقًا تؤكدها اتفاقيات اللجوء، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة 1951 وبروتوكول عام 1967. حيث يُفترض في بلد اللجوء وفي سلطاته، كما تؤكد على ذلك هذه الصكوك، أن تفي بالتزاماتها أثناء التعامل مع الوضعيات التي تترتب عن كون هؤلاء “لاجئين”، سواء فيما يخص تجنيسهم أو توطينهم أو إعادتهم أو استبعادهم، أو تنقلهم… فمن اللازم على الجزائر أن تتحمل كافة مسؤولياتها إزاء وضعية هؤلاء، كيفما كان توصيفهم القانوني، مادام أنهم موجودون فوق تندوف.

    ثانيًا: مليشيات البوليساريو تتوفر على عتاد حربي تستعمله سواء في الاعتداء على الأراضي المغربية، أو حينما تقوم بعملياتها الإرهابية، سواء من خلال أعمال تقوم بها هي نفسها، أو عبر تزويد ومساعدة مختلف الجماعات الإرهابية والجهادية في الساحل والصحراء. فالجزائر ملقى على عاتقها مسؤولية تفكيك الترسانة اللوجستيكية لسلاح البوليساريو، كي لا تسقط في أيدي الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب… وعليه، من المنطقي أن تكون (الجزائر) حاضرة في الاجتماعات الخاصة بملف الصحراء المغربية كطرف معني مباشرة وحصرًا بتدبير ملف أسلحة البوليساريو.

    ثالثًا: الجزائر معنية بالتعويض عن الأضرار

    مهما كان مآل “المفاوضات” في إطار التفاصيل التي سيضعها “نظام الحكم الذاتي” لتسوية ملف الصحراء المغربية، يبدو أن معطى “المصالحة” سوف يكون من بين المداخل التي يمكن أن يتضمنها سيناريو الحل. ومع ذلك، فلا يمكن مصادرة حق من انتُهكت حقوقهم من طرف قيادة البوليساريو وضباط النظام الجزائري، ممن تورطوا في القتل والتعذيب الممنهج الذي طال العديد من سكان محتجزات تندوف على امتداد العقود الماضية، وذلك في خرق سافر لكل المواثيق الدولية ذات الارتباط بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي صادقت عليها الجزائر.

    إن تسوية ملف الصحراء يستوجب اتخاذ خطوات جريئة بهدف إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة، الذين كانوا مسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي لا يمكن أبدًا أن تسقط بالتقادم. فهي تستوجب ملاحقة قانونية وتعويضًا للضحايا الذين تعرضوا لمختلف أنواع التعذيب في محتجزات تندوف وفي سجونها (البوليساريو/ الجزائر) ومعسكراتها.

    وبما أن هذه الانتهاكات قد مُورست فوق الأراضي التي تقع تحت إدارة الجزائر، كما أن هذه الأخيرة هي المسؤولة قانونيًا وسياسيًا عمّا يقع في تندوف. إضافة إلى أن “النظام” الجزائري يوجه تعليمات لقيادة البوليساريو لارتكاب أعمال خارج القانون، مع مشاركة ضباط جزائريين في تلك الأعمال. فإن ذلك يلزم بالضرورة الجزائر بأن تؤدي -إضافة إلى متابعة الجناة ومحاكمتهم وتسليمهم- تعويضًا للمتضررين. وهو الأمر الذي لا يمكن للجزائر أن تتنصل منه في جميع الظروف والأحوال، ومهما كان المركز القانوني الذي “تُريد” أن تتقمصه في اجتماعات مدريد أو واشنطن، أو غيرها من الاجتماعات التي تُعقد من أجل حل ملف الصحراء المغربية وتسويته.

    رابعًا: نزاع الصحراء نزاع إقليمي، والجزائر طرف فيه بالضرورة.

    إن حضور الجزائر في المحادثات الجارية تحت الرعاية الأمريكية فرضته بالضرورة مسؤوليتها ومركزها، الذي يعرّفها كطرف معني بهذا النزاع الإقليمي، حيث أن:

    الجزائر أولًا هي التي ساهمت في وجود تنظيم البوليساريو وفي احتضانه وتكريس استمراره وتمويله، والدفاع عنه سياسيًا ودبلوماسيًا. وهذا يعني بالضرورة أن لها مسؤولية محورية في إنهاء هذا المشكل الذي خلقته. لكن ذلك ليس على حساب صاحب الأرض (المغرب)، الذي له كامل الحق في اختيار ما يراه مناسبًا لإدماج المحتجزين المغاربة في تندوف. وهذا ما يبدو منطقيًا، مما يفسر تبني المجتمع الدولي والأمم المتحدة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار واقعي، وتم إقراره من طرف مجلس الأمن الدولي في قراره التاريخي 2797 كأساس وحيد لحل ملف الصحراء.

    النزاع إقليمي، فهو يعني بالضرورة دولتين: المغرب والجزائر. فالأولى لها حقوق مشروعة على أرض مغربية بالتاريخ والجغرافية والقانون. والثانية (الجزائر) متورطة في خلق البوليساريو ولها مشاكل حدودية مع المغرب (بشار، تندوف… أراضٍ مغربية ضمها الاستعمار الفرنسي للجزائر)، كما لها أطماع جيواستراتيجية (البحث عن منفذ على المحيط الأطلسي)، وأخرى إستراتيجية (محاولة السيطرة على الثروات الطبيعية في الصحراء المغربية: المعادن، الثروات البحرية، الطاقة…). هذا إلى جانب مطمع ووهم النفوذ وصراع الزعامة الإقليمية… إنها معطيات تؤثر على الاستقرار الجيوسياسي للمنطقة وتفضي إلى زعزعة الاستقرار في كل الجوار الإقليمي.

    لذلك، ومن هذا المنطلق، فحضور الجزائر في اجتماعات تنزيل القرار 2797 (في مدريد وفي الولايات المتحدة الأمريكية) ليس اختياريًا، بل هو أمر إجباري. لأن تفاعلاتها في ملف الصحراء المغربية دائمًا ما تتخذ منحى الدفع نحو جرّ المنطقة لحالة عدم الاستقرار. وهذا يفرض على الأمم المتحدة، نظرًا لما لها من مسؤوليات وفي إطار آلياتها للدبلوماسية الوقائية (كما يفترض ذلك الفصل السادس من الميثاق)، أن تقوم باللازم للضغط على الجزائر كي تحضر كطرف (وذلك تفعيلًا لقرارات مجلس الأمن) لإحاطتها علمًا بما يجب فعله لتنزيل القرار 2797، وذلك لتجنيب المنطقة أي تطورات قد تهدد السلم والأمن الدوليين. وبالتأكيد ستكون الجزائر هي المسؤولة الأولى والأخيرة عنها إذا لم تنخرط بشكل جدي وإيجابي فيما يراه المجتمع الدولي مناسبًا لحل هذا النزاع الإقليمي.

    بناء عليه، الجزائر اليوم ليس لها أي هامش للمناورة أو التضليل، فمسؤولياتها في ملف الصحراء ثابتة ولا يمكن التنصل منها. فبعد تاريخ طويل من التهرب والمراوغة، بدأ تعاطي المجتمع الدولي والأمم المتحدة يأخذ طريقه الصحيح للتعامل بالصرامة المطلوبة مع النظام الجزائري، كي يتحمل مسؤوليته الحقيقية في افتعال ملف الصحراء وإطالة أمده، على حساب الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، وضدًا على مصالح المغرب وشعوب المنطقة ككل، ومتطلبات السلم والأمن الإقليمي والدولي.

    فالجزائر اليوم مجبرة على سلوك واحد من المسلكين التاليين:

    المسلك الأول: الانخراط في حل ملف الصحراء وفقًا لما يمليه القرار 2797؛ أي تنزيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، مع تحمل كامل مسؤولياتها (الجزائر) فيما تسببه سلوك نظامها الأرعن الذي احتضن تنظيمًا انفصاليًا ذا توجهات إرهابية، والذي ارتكب كل أنواع الجرائم سواء في مخيمات تندوف أو في باقي المنطقة… وهذا المسلك هو خيار واقعي، ويبدو أن الجزائر بدأت تأخذ هذا المنحى مرغمة. فحضورها إلى اجتماعات سماع الإجراءات التقنية لتنفيذ الحكم الذاتي في مدريد وواشنطن ما هو إلا دليل على أن النظام الجزائري أصبح مكرهًا على ضرورة الانصياع لما تفرضه الشرعية الدولية، التي تتوخى تكريس السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية للمملكة وحل ملف الصحراء وفقًا لمنظور الحكم الذاتي.

    فأمام هذه التطورات الواقعية، يظهر النظام الجزائري في موقف لا يُحسد عليه. ومن ثَمَّ، فصمته وإخراسه في هذا الموضوع لا يمكن تفسيره إلا قبولًا بالأمر الواقع. فلم يعد أمامه الآن سوى تهيئة الظروف والبيئة النفسية ‘المناسبة’ لإطلاع الجزائريين بإخبار من هذا القبيل.

    المسلك الثاني: رفض الانصياع لما تفرضه الإرادة الدولية الراهنة من شروط لحل مشكل الصحراء وفقًا لما يحدده القرار 2797. وقد يأخذ هذا الرفض مظهرين:

    الأول: سوف يحاول “النظام” الجزائري أن يُبدي أنه قيد الانخراط في تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي، ومن ثَمَّ سيحرص على حضور “المفاوضات” التي تُجرى في ملف الصحراء. لكن حضوره لن يكتسي الجدية المطلوبة، وسيحاول -متناسيًا أن القرار في إنهاء هذا الملف ككل ليس بيده- أن يردد أسطوانته المشروخة كونه غير معني بهذا النزاع، أو أن مركزه القانوني فيه “كطرف مراقب” فقط…، وذلك أملًا في أن يمتدّ النقاش في هذا الملف زمنًا طويلًا حتى تنتهي ولاية “ترامب” لتعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقًا.

    الثاني: محاولة “النظام” الجزائري تقديم تنازلات والقيام بصفقات لصالح الولايات المتحدة الأمريكية قصد تخفيف الضغط عليه. صحيح أن للولايات المتحدة الأمريكية مصالح اقتصادية وتجارية في الجزائر، لكن ذلك لن يغيّر من الموقف الأمريكي اتجاه ملف الصحراء المغربية أي شيء، وذلك، على الأقل، للأسباب التالية:

    السبب الأول: أن المملكة المغربية حليف تاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، وتربطهما علاقات اقتصادية وشراكات تجارية وعسكرية؛ مناورات دورية في إطار أسد الأطلسي وأفريكوم… ومحاربة الإرهاب…، كما أن للمغرب مواقف متقاطعة مع الولايات المتحدة الأمريكية اتجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية.

    السبب الثاني: الموقع الاستراتيجي للمغرب، كبوابة لإفريقيا وأوروبا، وكقوة إقليمية وفاعل مؤثر له وزنه إفريقيًا ومتوسطيًا وأطلسيًا وفي شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كما أنه شريك موثوق به على الصعيد الدولي، وتمكّن من بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى والفاعلين الدوليين، خاصة وأن كلمته مسموعة في العديد من القضايا والنزاعات، بعد مراكمته رصيدًا وتجربة كبيرة في مجال حفظ السلام والوساطة والمساعي الحميدة في العديد من النزاعات الإقليمية والدولية. مما يجعل المغرب مؤهلًا أكثر من غيره، إقليميًا، كي يلعب دورًا في القضايا الدولية والرهانات الجيوسياسية والإقليمية بما يخدم مصالحه ومصالح شبكة حلفائه الإقليميين والدوليين.

    السبب الثالث: أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى لا تشتغل بمنطق ردود الأفعال في سياستها الخارجية. فهذه الأخيرة لها مختبراتها وتُصنع بناءً على استراتيجيات محكمة يستشرفها متخصصون وخبراء ومراكز بحثية ومخازن تفكير محترفة. ومن ثَمَّ، فتعاطيها (الولايات المتحدة الأمريكية) مع قضية الصحراء المغربية لا يتم التعامل معها كملف معزول عن بقية الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، بل يأتي في إطار تصور استراتيجي شامل يروم إعادة بناء وهيكلة المنطقة. وذلك في سياق دولي تعمل فيه الولايات المتحدة الأمريكية على الخوض في تشكيل جديد للنظام الدولي، يقوم على تغيير لافت لقواعد اللعبة على الصعيد الدولي، موظفة في ذلك قيادة رجل (ترامب) قادر على اتخاذ وتنفيذ قرارات جريئة ولم يسبق لها مثيل على الصعيد الدولي.

    لذلك، فوجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية في ملف الصحراء ليست آنية، أو وليدة لحظة إجراء المحادثات التي بدأت في مدريد (بالسفارة الأمريكية) أو بواشنطن… أو غيرهما. بل موقف الولايات المتحدة في ملف الصحراء كان قبل ذلك بكثير، وذلك ما تم التعبير عنه بشكل صريح ولا لبس فيه من طرف رئيس الولايات المتحدة “دونالد ترامب” سنة 2020، حين اعترف بالسيادة الكاملة للمغرب على الأقاليم الجنوبية للمملكة. وهي قناعة راسخة لدى الإدارة الأمريكية، ومبدأ ثابت في توجهها اتجاه ملف الصحراء المغربية، كما أكد ذلك مختلف المسؤولين الأمريكيين في الإدارات الأمريكية المتلاحقة.

    لهذه الأسباب، وأخرى، سوف يجد “النظام” الجزائري نفسه في مأزق لم يسبق له مثيل، وهو الذي حُشر في زاوية ضيقة وأمام إرادة دولية صارمة تفرض عليه تحمل مسؤوليته، كطرف له مركز قانوني محدد ومقيَّد ومحصور في تطبيق حلول ملف الصحراء المغربية، وذلك كما تقررها الإجراءات التنفيذية للحكم الذاتي، مستندةً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الذي وضع سقفًا واضحًا وصريحًا ووحيدًا لإنهاء ملف الصحراء، ألا وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

    لذلك، فالاجتماعات السارية اليوم لا يستقيم توصيفها بالمفاوضات (التي تعني تبادل الآراء بين الأطراف لتقريب وجهات النظر من أجل التوصل لاتفاق). لأن حل ملف الصحراء هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهي صيغة نهائية، فيها حد أدنى وسقف أقصى لا يمكن تجاوزه. فالمطروح للنقاش هو التداول في الإجراءات التقنية والتنفيذية الخاصة بإطلاق سراح المغاربة المحتجزين في تندوف، وكيفية عودتهم إلى بلادهم للعيش في إطار حكم ذاتي يمكنهم من ممارسة حقوقهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بكل حرية وأمان. غير ذلك سيكون من قبيل الترهات. فالسيادة خط أحمر، والمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.

    فالنظام الجزائري، اليوم، لم يعد أمامه متسع من الوقت. فإما الانخراط فيما تفرضه الإرادة والشرعية الدوليتان، وكذلك موازين القوى الدولية الراهنة التي تؤمن بأن الحل الوحيد لملف الصحراء هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو سيجد نفسه أمام السيناريوهات التالية:

    السيناريو الأول: تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي، واعتبار النظام الجزائري يحتضن جماعة إرهابية. وهذا ستترتب عنه عقوبات من طرف المجتمع الدولي ضد الجزائر، وسوف يُفرض عليها وجوبًا تفكيك تنظيم يشكل خطرًا على المنطقة وله سوابق وارتباطات مع جماعات إرهابية في الساحل والصحراء. ويبدو أن هناك مؤشرات وتقارير توحي بإعداد سيناريو من هذا القبيل.

    السيناريو الثاني: اعتبار مجلس الأمن بأن النظام الجزائري يرفض تطبيق قرارات الشرعية الدولية (خصوصًا القرار 2797) الخاصة بتسوية نزاع إقليمي بشكل سلمي. وهذا يمكنه أن يتسبب في تهديد السلم والأمن والاستقرار الإقليمي، مما يستوجب على الأمم المتحدة التعامل بصرامة وحزم وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على الجزائر، وذلك وفقًا لما يقرره الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من ترتيبات.

    السيناريو الثالث: بما أن الولايات المتحدة الأمريكية انخرطت بشكل قوي في تدبير هذا الملف أكثر من أي وقت مضى، فهي عازمة على إنهائه وفقًا للتصور الذي تؤمن به (والذي أعلنت عنه سابقًا: السيادة الكاملة للمغرب على صحرائه)، وبناءً على إستراتيجية موضوعة سلفًا تقوم على إعادة صياغة المنطقة وتشكيلها. لا على أساس إرضاء الأنظمة المفلسة والفاقدة للشرعية، ولا على أساس خلق كيانات انفصالية تهدد السلم والاستقرار ومصالح الدول في المنطقة. بل على أساس احترام الشرعية الدولية والوحدة الترابية للدول والأمن الإقليمي، ووفق ما تفترضه موازين القوى الراهنة على الصعيد الدولي، والتي أضحت للولايات المتحدة الأمريكية مكانة حاسمة فيها، وأصبحت لها الكلمة الفصل في القرار الدولي الحالي.

    لذلك، فأي قراءة غير دقيقة للسياق الراهن من طرف “النظام” الجزائري، وأي تماطل أو محاولة للتنصل أو المراوغة للإفلات من مسؤوليته في ملف الصحراء، وعرقلة مشيئة مسار الحل الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، سيعني ذلك أن تجربة سوريا وإيران وفنزويلا ممكنة التكرار والوقوع بقوة مع من يدبرون شأن “النظام” الجزائري.

     أستاذ الدراسات السياسية والدولية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المتطرفون يتقدمون في بلديات فرنسا


    أ.ف.ب – فابريس راندو

    تصدّر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في مدن فرنسية عديدة، اليوم الأحد؛ بينما حقق حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي مفاجأة في مدن أخرى، في استحقاق يعد بمثابة اختبار قبل 13 شهرا من الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

    وتحظى الانتخابات في باريس ومرسيليا بمتابعة عن كثب. ففي العاصمة، يتقدم المرشح اليساري إيمانويل غريغوار بفارق كبير على الوزيرة اليمينية السابقة رشيدة داتي، وفق التقديرات الأولية.

    أما في مرسيليا (جنوب)، فالنتائج متقاربة بين بينوا بايان، رئيس البلدية اليساري الحالي، وبين فرانك أليسيو، مرشح حزب التجمع الوطني. وتشير التقديرات إلى حصول كل منهما على نحو 35 في المائة من الأصوات؛ ما يُعد مؤشرا على تقدم اليمين المتطرف، الذي لم يحصد سوى أقل من 20 في المائة في الانتخابات البلدية لعام 2020.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ونجح إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق، الذي جعل من هذه الانتخابات محددا لطموحه الترشح للرئاسة، في تحقيق تقدم كبير في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في مدينته لوهافر (شمال).

    وأعلن حزب التجمع الوطني، الساعي إلى تعزيز زخمه قبل الانتخابات الرئاسية، احتفاظه بعدد من البلديات منذ الجولة الأولى. ورحّبت مارين لوبن، زعيمة الحزب المرشحة الرئاسية ثلاث مرات، بـ”فرص انتصار حقيقية” لحزبها في الجولة الثانية في 22 مارس الجاري في العديد من مدن.

    وينظر الحزب اليميني المتطرف إلى هذه الانتخابات المحلية كخطوة أولى نحو إمكان وصوله إلى السلطة في العام 2027، بعد ولايتين متتاليتين لإيمانويل ماكرون في مشهد سياسي متشرذم بين ثلاث كتل رئيسية: اليسار ويمين الوسط واليمين المتطرف، مع وجود انقسامات قوية داخل اليسار واليمين.

    ويعتزم اليمين المتطرف إزاحة اليمين في أماكن معينة أو كسر العزلة المفروضة عليه عبر المشاركة في تحالفات. ولا يزال حزب التجمع الوطني غير راسخ محليا، ويريد الاستفادة من زخمه الوطني للفوز بقيادة مدن عدة.

    وقدّم الحزب عددا قياسيا من القوائم، بلغ ما لا يقل عن 650 قائمة في إجمالي 35 ألف بلدية تقريبا.

    وأوضح جوردان بارديلا، رئيس الحزب، استراتيجية التجمع الوطني قائلا: “عندما نتأهل إلى الجولة الثانية، سنبقى في السباق”؛ في حين فتح الباب أمام تحالفات مع أحزاب من اليمين.

    على الطرف الآخر من الطيف السياسي، أحدث حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي مفاجأة في مدن عديدة: ففي مدينة ليل (شمال) مثلا، تتنافس مرشحته لهوارية عدوش مع رئيس البلدية الاشتراكي أرنو ديلاند مع حصول كل منهما على نحو 25 في المائة من الأصوات.

    في روبيه (شمال) أيضا، حصل ديفيد غيرو، النائب عن حزب فرنسا الأبية، على 45 في المائة من الأصوات. وإذا فاز في الجولة الثانية، ستصبح روبيه، التي يناهز عدد سكانها 98 ألف نسمة، أكبر مدينة يحكمها الحزب.

    وقالت ربيعة (62 عاما)، التي أدلت بصوتها في روبيه حيث تنافست ست قوائم: “أريد رئيس بلدية يتخذ إجراءات؛ لأن هناك الكثير من الفقر والبؤس والجنوح ومشاكل الإسكان ومشاكل التعليم”.

    لحظة التحالفات

    يشير تقدم الحزبين الساعيين إلى جعل الانتخابات البلدية اختبارا للاستحقاق الرئاسي إلى مفاوضات صعبة ستمتد حتى تقديم قوائم المرشحين للجولة الثانية، المقررة الأحد المقبل.

    وأمام المرشحين المؤهلين حتى الثلاثاء ليقرروا ما إذا كانوا سيحافظون على قائماتهم أو عقد تحالفات أو الانسحاب من السباق.

    لكن بالنسبة إلى اليسار، يهدد الخلاف بين الحزب الاشتراكي وحزب فرنسا الأبية بتفويت فرصة الفوز في بعض المدن.

    وأكد مانويل بومبار، منسّق حزب فرنسا الأبية، أن “يدهم ممدودة” إلى قوائم اليسار الأخرى “أينما يشكل اليمين واليمين المتطرف تهديدا”.

    وبدا أن مارين تونديلييه، زعيمة حزب الخضر، ترحب بهذا التعاون المحتمل، مع دعوتها إلى “هزيمة اليمين واليمين المتطرف”.

    لكن الحزب الاشتراكي يأمل في تجنب مثل هذه التحالفات، بعد اتهامه جان لوك ميلانشون، زعيم حزب فرنسا الأبية، بمعاداة السامية. وقد أكد أوليفييه فور، الأمين العام للحزب، مجددا أنه “لن يكون هناك اتفاق وطني بين الحزب الاشتراكي وبين حزب فرنسا الأبية في الجولة الثانية”.

    رهان وطني

    بذلت الحكومة كل ما في وسعها لتجنب منح الانتخابات طابعا وطنيا وإبقائها في إطار الرهانات المحلية، إذ أصدرت تعليمات للوزراء بالتزام الصمت، باستثناء المرشحين منهم للاستحقاق.

    واستمر، الأحد، التراجع الملاحظ في التصويت بين ما يقرب من 48,7 ملايين ناخب تم استدعاؤهم إلى مراكز الاقتراع؛ بينهم نحو 358 ألف مواطن من رعايا دول الاتحاد الأوروبي.

    وتتوقع معاهد استطلاعات الرأي نسبة مشاركة تتراوح بين 56 في المائة و58,5 في المائة، مقارنة بنسبة 63,55 في المائة في عام 2014. وستعقد الجولة الثانية في 22 مارس الجاري، لانتخاب أعضاء المجالس البلدية لمدة ست سنوات في نحو 35 ألف بلدية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تسارات فالسويقات وركبات فوق الجمل.. الممتلة الأسترالية ”نيكول كيدمان“ كتعاود على تجربتها الزوينة فالمغرب مع بناتها

    كود -variety//

    الممثلة الأسترالية” نيكول كيدمان“ رجعات هضرات على واحد المرحلة مهمة فحياتها عاشتها فالمغرب مع ولادها، فحوار دارتو مع مجلة أمريكية.

    ”كيدمان“ اللي عندها دابا 58 عام، مازال كتعتبر من أبرز نجمات هوليوود وكتخدم على بزاف ديال المشاريع فالتلفزة والسينما, من بينها مسلسل جديد على منصة برايم فيديو سميتو “سكاربيتا”، وزيد عليها فيلم “براكتكال ماجيك 2” اللي غادي يجمعها مرة أخرى مع الممثلة ساندرا بولوك.

    وفنفس الحوار هضرات حتى على حبها للسفر واكتشاف العالم، وقالت باللي زارت بزاف ديال البلايص بحال القارة القطبية الجنوبية، وغادي تمشي حتى لجزر غالاباغوس، ومن بعد غا دير رحلة على رجليها  حتى لمدينة ماتشو بيتشو.

    ومن بين الذكريات اللي بقات عزيزة عليها، التجربة ديالها فالمغرب مني قالت باللي مشات قريب للحدود ديال  الجزائر مع المخرج فيرنر هيرزوغ ودارت دورة فوق الجمال ،ووضحات باللي بناتها كان عندهم الزهر يعشيو فالمغرب ويكتاشفو ثقافات مختلفة و النكهات والروائح واللغات وحتى الأفكار.

    ”كيدمان“ عاشت فالمغرب شهرين فـ2014 مني كان تصوير فيلم “كوين أوف ذا ديزيرت”، اللي تصور فعدة مدن مغربية بحال ورزازات ومرزوكة وأرفود ومراكش وآيت بن حدو، فهاد الفيلم كانت كتجسد شخصية غيرترود بيل، وهي كاتبة ومحللة سياسية بريطانية.

    وقالت تاني باللي فالبداية تلفات شوية ملي وصلات للمغرب، ولكن مع الوقت ولات كتدور فالسويقات وكتساوم فالسوق، واعتبرت هاد التجربة مهمة بزاف لولادها باش يتعرفو على ثقافات مختلفة ويعيشو تجارب جديدة فالعالم.

    https://variety.com/2026/film/features/nicole-kidman-oscars-practical-magic-2-female-directors-1236683554/

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وهبي: الإفراج المُقيّد بلغ مستوى غير مسبوق في ولايتنا الحكومية

    أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن تفعيل آلية الإفراج المقيد بشروط عرف خلال الولاية الحكومية الحالية تطورا غير مسبوق، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين منها ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الأخيرة، في إطار توجه يروم تحقيق التوازن بين إعادة إدماج السجناء وضمان حماية المجتمع.

    وجاء ذلك في جواب كتابي للوزير على سؤال وجهه النائب البرلماني أحمد التويزي، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، حول حصيلة تفعيل هذه الآلية القانونية ضمن السياسة الجنائية بالمغرب.

    وأوضح وهبي أن نظام الإفراج المقيد بشروط يعد آلية قانونية واجتماعية تقوم على فلسفة مزدوجة، تروم من جهة تحقيق تحرير تدريجي للمحكوم عليهم، ومن جهة أخرى ضمان ضبط مؤسساتي للمخاطر. وقال في هذا السياق إن هذا النظام “ليس تنازلا عن العقوبة المقررة من طرف السلطة القضائية، بل أداة عقلانية لإدارة نهاية العقوبة بما يضمن تحقيق توازن بين مطلب الإدماج ومقتضيات حماية المجتمع”.

    وأشار الوزير إلى أن المعطيات الإحصائية الرسمية تؤكد تحقيق قفزة كبيرة في عدد المستفيدين خلال الولاية الحكومية الحالية، حيث انتقل العدد من 160 حالة سنة 2022 إلى 204 حالات سنة 2023، ثم 371 حالة سنة 2024، ليبلغ 835 مستفيدا خلال سنة 2025.

    وبحسب المعطيات التي قدمها وهبي، فقد استفاد من هذه الآلية حوالي 1570 شخصا خلال أربع سنوات فقط، مقابل 113 حالة فقط خلال ثماني سنوات سابقة، وهو ما اعتبره مؤشرا على تفعيل قوي لهذه الآلية في عهد الحكومة الحالية.

    ولإبراز حجم هذا التطور، استعرض وزير العدل أرقام السنوات السابقة، حيث لم يتجاوز عدد الحالات خمس حالات في سنتي 2014 و2015، و48 حالة سنة 2016، وست حالات سنة 2017، و12 حالة سنة 2018، و31 حالة سنة 2019، فيما لم تسجل أي حالة سنة 2020، مقابل 13 حالة فقط سنة 2021.

    وشدد وهبي على أن الاستفادة من الإفراج المقيد بشروط تظل خاضعة لشروط قانونية دقيقة، وتتم بناء على طلبات يتقدم بها المعنيون بالأمر أو ذووهم، مؤكدا أن هذه الآلية أصبحت اليوم معيارا معتمدا في السياسات العقابية الحديثة، في سياق الانتقال من منطق “العقوبة-الانغلاق” إلى “العقوبة-التدبير” التي تعزز الصلة بين المؤسسة السجنية والمجتمع.

    وأضاف الوزير، ضمن الجواب الذي اطلعت عليه جريدة “مدار21″، أن هذه الآلية تساهم في الحد من ظاهرة العود إلى الإجرام والتخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، فضلا عن دعم تنزيل المواثيق الدولية المتعلقة بالمعاملة الإنسانية للسجناء.

    وفي سياق تطوير الإطار القانوني، أوضح وهبي أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية المغربي مكنت من إدخال عدد من التعديلات الرامية إلى تجويد آليات الإفراج المقيد بشروط، من بينها توسيع قاعدة الاستفادة وتخفيف شروطها بالنسبة للفئات الهشة مثل المصابين بأمراض مستعصية والمسنين والأحداث والنساء الحوامل والمرفقات.

    كما شملت الإصلاحات إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية عند دراسة الطلبات، وتفعيل دور لجان مراقبة السجون، والرفع من عدد دورات لجنة الإفراج، إضافة إلى توسيع اختصاصات قاضي تطبيق العقوبة لتشمل المتابعة البعدية للمفرج عنهم.

    وأشار الوزير أيضا إلى إحداث منصة رقمية خاصة بطلبات الإفراج المقيد بشروط، مرفوقة بحملة تحسيسية عبر وسائل الإعلام الرسمية، حيث بلغ عدد الطلبات الواردة عبر هذه التطبيقية 2486 طلبا خلال سنة 2025.

    وفي السياق نفسه، كشف وهبي عن توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة العدل ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، تروم تمكين هذه المؤسسة من مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط عبر برامج الرعاية اللاحقة وإعادة الإدماج.

    وعلى مستوى النتائج، أفاد وزير العدل بأن حالات العدول عن الإفراج بسبب ارتكاب جرائم جديدة خلال فترة الاختبار ظلت محدودة للغاية، حيث لم تتجاوز 16 حالة فقط، أي ما يعادل نسبة 0.9 في المئة من مجموع المستفيدين.

    وختم وهبي بالتأكيد على أن تقييم فعالية هذه الآلية ينبغي أن يتم في إطار مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات القانونية والمؤسساتية والاجتماعية، مبرزا أن نجاح الإفراج المقيد بشروط “يبقى رهينا أيضا بوجود بيئة استقبال ملائمة تشمل برامج إعادة الإدماج ودور المجتمع المدني ومساهمة القطاع الخاص وسوق الشغل”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دفاع متهمين في ملف “مبديع” يقلب الطاولة على رئيس الجماعة

    تواصلت، اليوم الجمعة، خلال جلسات محاكمة الوزير السابق ورئيس جماعة الفقيه بن صالح السابق محمد مبديع، المرافعات الدفاعية المتعلقة بالاختلالات المالية والتسييرية التي شهدتها الجماعة خلال فترة تسييره، حيث ركز دفاع بعض المتهمين، خاصة أعضاء لجنة فتح الأظرفة، على تفنيد التهم الموجهة إليهم، مؤكدا أن الأفعال المنسوبة إليهم لا ترقى إلى مستوى الجرائم الجنائية، بل تندرج في أقصى تقدير ضمن ملاحظات إدارية لا غير.

    وخلال مرافعته، شدد الدفاع على أن المعطيات المرتبطة بالنازلة لا تتضمن أي استشارة خارجة عن الإطار القانوني، مبينا أن عمل أعضاء اللجنة كان محكوما أساساً بمبدأ السلطة التراتبية والامتثال الإداري، حيث يلتزم الموظفون بتنفيذ المهام الموكلة إليهم تحت طائلة المساءلة الإدارية في حال الإخلال بها.

    وأوضح الدفاع نفسه، أن لجنة فتح الأظرفة تباشر مهامها وفق اختصاصات محددة بدقة، تتعلق أساسا بدراسة العروض المقدمة في إطار الصفقات العمومية، والتأكد من استيفائها للشروط القانونية والتقنية المنصوص عليها في دفتر التحملات ونظام الاستشارة.

    وأشار الدفاع إلى أن بعض الملاحظات التي أثيرت في الملف، ومن بينها حضور الموظف (رشيد.ل) اجتماعات اللجنة دون توقيعه على بعض المحاضر، لا يمكن اعتبارها إخلالات جوهرية، موضحا أن هذا الأخير يشغل مهمة رئيس مصلحة الصفقات، وتتمثل وظيفته أساسا في إعداد الوثائق المرتبطة بالصفقات وتنظيمها، إضافة إلى حضور الاجتماعات بقرار من رئيس الجماعة أو الكاتب العام، معتبرا أن مسؤوليته و إن وجدت تبقى محدودة جدا ولا يمكن تحميلها طابعا جنائيا.

    وفي ما يتعلق بالاختلالات المرتبطة بنظام الاستشارة، أوضح الدفاع، أن الأمر يتعلق أساسا بصفقة تأهيل عدد من شوارع مدينة الفقيه بن صالح، حيث جرى تحديد الضوابط والمعايير المعتمدة لتقييم ملفات العروض المقدمة من الشركات المتنافسة، مؤكدا أن لجنة فتح الأظرفة اعتمدت في عملها على هذه المعايير بشكل واضح وشفاف، حيث كانت عملية تنقيط العروض تتم وفق المساطر القانونية المنظمة للصفقات العمومية، مع توثيق جميع مراحل التقييم في محاضر رسمية.

    وأضاف الدفاع أن أحد موكليه، بحكم مستواه المعرفي والمهني، قام بكل ما يمكن القيام به في حدود اختصاصاته، مشيراً إلى أن تقييم بعض الجوانب التقنية الدقيقة كان يتم بالاعتماد على الخبرات التقنية المتوفرة داخل اللجنة، أن عملية فحص العروض وتقييمها جرت وفق ما ينص عليه الفصل 43 من المرسوم المنظم للصفقات العمومية، والذي يفرض توثيق هذه العمليات في محاضر رسمية، وهي المحاضر التي بحسب الدفاع تؤكد احترام جميع المراحل الإدارية والضوابط القانونية.

    أما بخصوص فحص العينات والوثائق التقنية، فأوضح الدفاع أن هذا الإجراء يخضع بدوره لمقتضيات المرسوم المنظم للصفقات العمومية، خاصة المواد 37 و38 و39، التي تنص على أن اجتماعات لجنة التقييم تكون مغلقة، مع إمكانية الاستعانة بخبراء أو إحداث لجنة مصغرة لتقييم العينات أو الدراسات التقنية المقدمة من الشركات المتنافسة، مشيرا إلى أنه، بالنظر إلى أهمية الصفقات موضوع الملف وحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، كان من الممكن تشكيل لجنة فرعية متخصصة للتقييم التقني والتقصي في بعض الجوانب، وهذا لا يمكن اعتباره إخلالا جنائيا في حد ذاته.

    وتوقف الدفاع عند ما اعتبره شبهة إقصاء تجمع لمكتبين للدراسات، مؤكدا أن نظام الاستشارة هو المرجع الأساس الذي يحكم عملية تقييم العروض في الصفقات العمومية، وأن اللجنة كانت ملزمة بتطبيق مقتضياته حرفياً أثناء دراسة الملفات.

    كما تطرق إلى الاختلالات المرتبطة بطلب العروض رقم 7 لسنة 2014، والتي لم يتم فيها إشعار أعضاء اللجنة ببعض الإجراءات اللاحقة، ومن بينها تسوية جزء من أتعاب إحدى الشركات، مؤكدا أن مهمة أعضاء اللجنة تقتصر فقط على إبداء الرأي بشأن العروض المقدمة ومدى استيفائها للشروط المطلوبة، دون أن تمتد إلى مراحل التنفيذ أو الأداء المالي. وأوضح أن جميع الصفقات، بعد استكمال مراحلها الإدارية داخل اللجنة، كانت تحال على السلطات المختصة للمصادقة النهائية، وهو ما تم فعلاً في هذه الحالة، حيث حظيت الصفقات المعنية بمصادقة السلطة الوصية.

    وبخصوص الملاحظات التي سجلتها المفتشية، اعتبر الدفاع أنها لا تشكل أفعالا جرمية، بل مجرد ملاحظات إدارية تقنية، مؤكدا أنه حتى على فرض وجود اختلالات طفيفة، فإنها لا ترتبط بموكليه ولا يمكن تحميلهم مسؤوليتها.

    كما طرح الدفاع تساؤلا قانونيا حول مدى إمكانية مراجعة نتائج فحص العروض بعد انتهاء عمل لجنة فتح الأظرفة، موضحاً أن القانون يتيح للجماعة، في شخص الآمر بالصرف، إمكانية إلغاء طلب العروض برمته إذا تبينت وجود شبهات أو اختلالات، وهو ما يعني أن المسؤولية النهائية في هذه الحالات تبقى بيد السلطة المختصة باتخاذ القرار.

    وعلى مستوى التكييف القانوني، شدد الدفاع، على أن جريمة الإهمال المؤدي إلى اختلاس المال العام تتطلب توفر عناصر محددة، من بينها وجود نية الإضرار بالمال العام أو تحقيق منفعة شخصية، وهو ما اعتبره غير متوفر إطلاقا في حق موكليه، مؤكدا أنهم لم يستفيدوا من أي منفعة مالية أو عينية مقابل عملهم داخل اللجنة، كما أن وضعيتهم المالية لا تعكس أي إثراء غير مشروع.

    وبناء على ذلك، التمس الدفاع الحكم بسقوط الدعوى العمومية بالتقادم، معتبرا أن المتابعة غير مؤسسة قانوناً في ظل غياب العناصر التكوينية لجنحة الإهمال الخطير، كما طالب بالتصريح بعدم الاختصاص في الشق المدني ورفع إجراءات الحجز على الممتلكات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سينما أفلاطون


    عبد الله الساورة

    من أين تبدأ الأسئلة حين يطل أفلاطون على شاشة السينما، لا بوصفه فيلسوفاً قديماً، وإنما كظلٍ يمشي بين الصور؟ وهل نحن داخل الكهف من جديد، نحدّق في ظلالٍ مضيئة نظنها الحقيقة، أم أننا نقترب أخيراً من باب الخروج؟ وحين تتحول العدالة والجمال والخير إلى لقطاتٍ متحركة، هل تبقى أفكاراً معلّقة في سماء المثال، أم تصير نبضاً في شوارع المدينة ووجوه الناس؟ ولا تمثل السينما هنا تسلية، فهي امتحانٌ للرؤية، امتحانٌ للسياسة وهي تعيد تشكيل وعينا، وللأدب وهو يهمس بما تعجز الخطب عن قوله. وفي فيلم Her / “هي” (2013) للمخرج سبايك جونز، يقول البطل خواكين فينيكس: “القلب ليس صندوقاً يُملأ، بل يتّسع كلما أحب”. أليست هذه العبارة سؤالاً أفلاطونياً بامتياز عن طبيعة الروح؟ إذا كانت الصورة وهماً جميلاً، فمن يمنحها صدقها؟ وإذا كان المجتمع ينسج كهوفه الحديثة، فهل الفن استمرارٌ للظل أم شقٌّ في جداره؟ وهنا تتقاطع الفلسفة مع الضوء، ويصبح المشاهِد فيلسوفاً للحظة، متسلحاً بالسؤال.

    السجين الذي يطارد الضوء

    تجعل إثارة هذه الأسئلة المدخل الأساسي إلى سينما أفلاطون مدخلًا مزدوجًا: مدخل فلسفي يشتبك مع مفاهيمه الكبرى، ومدخل جمالي ينصت إلى الصورة وهي تصوغ تلك المفاهيم على نحو ملموس. فقد كتب أفلاطون في الجمهورية: «ما نراه في العالم المحسوس مجرد ظلال للحقيقة»، وبهذا فتح الباب لقراءة السينما بوصفها فضاء ظلال جديد، حيث يتحول المشاهد إلى السجين الذي يطارد الضوء دون أن يبلغ الحقيقة الكاملة.

    وتشكيل هذا التصور يجد تمثلاته في أفلام متعددة، منها فيلم “ماتريكس”/ The Matrix للأخوين واتشوسكي، حيث تتجسد استعارة الكهف بكل وضوح، حيث يعيش البشر في واقع افتراضي يشبه الظلال، ويصبح الخروج من النظام فعل تحرر نحو الحقيقة. وتعكس مشاهد الممثل كيانو ريفز وهو يتعلم أن الواقع مجرد برنامج، تجسيد الفكرة الأفلاطونية عن الوهم والمحسوس، وتفتح السؤال عن الحرية والاختيار والمعرفة. ونجد هنا الاقتباس الشهير لمورفيوس: «أنت تعيش في عالم أحلام» يعيد إنتاج عبارة أفلاطون حول السجناء الذين يرون الخيال ويظنونه الحقيقة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وينعكس ترسيخ مفهوم الجمال كقيمة علوية في أعمال مخرجين اهتموا بالصورة بوصفها بحثًا عن المثال. ويصوغ المخرج تيرانس ماليك في فيلم “شجرة الحياة”/ The Tree of Life رحلة بصرية تتأمل أصل الكون والحياة والعائلة من خلال ضوء الطبيعة وألوانها. وتتحرك هذه الصورة ببطء أشبه ببحث أفلاطوني عن الجمال المطلق، جمال يتجاوز الواقعة ليبلغ المثال. وفي المقابل، يقدم أندريه تاركوفسكي في Stalker فضاءً سرديًا يذكر بالقيم الأفلاطونية، حيث تتحول المنطقة المحرمة إلى مكان تتجسد فيه الرغبات والأفكار، وتصبح الرحلة إليها بحثًا عن المعنى الأسمى.

    ويطل تأصيل العدالة كمفهوم سياسي في سينما المخرج ستانلي كوبريك. ويضعنا في فيلم “البرتقالة الآلية”/ A Clockwork Orange أمام سؤال الإرادة الحرة، وهل يمكن للمجتمع أن يفرض الأخلاق بالقوة؟ هنا تتقاطع أطروحات كوبريك مع حوار أفلاطون في الجمهورية حول دور الدولة في تربية المواطن. وتظل الإشكالية عالقة بين قمع الفرد باسم الخير أو تركه لمصيره. وهذه الجدلية التي صاغها أفلاطون نصيًا، صاغها كوبريك بصريًا من خلال لقطات متوترة وألوان صارخة وإيقاع صوتي عنيف.

    تقابل الخوف والكهف كشاشة رقمية

    تتشكل الحكاية المؤطرة في السينما المتأثرة بأفكار أفلاطون شكل الرحلة، رحلة من الظلال إلى النور، من الوهم إلى الحقيقة. وتتكرر استعارة الكهف في فيلم “بداية”/ Inception للمخرج كريستوفر نولان، لكن داخل الأحلام، حيث يصبح الخروج إلى اليقظة فعلًا فلسفيًا أقرب إلى الخروج من كهف جديد. وتسرد الحكاية هنا مستويات متراكبة من الواقع، وتضع المشاهد في مواجهة سؤال: أي مستوى هو الحقيقة؟ هذه البنية السردية المعقدة توازي البنية الحوارية عند أفلاطون، حيث تتوالى الأسئلة والأجوبة لتقود نحو الإدراك.

    ويحمل تشكيل الصورة البصرية بعدًا ثقافيًا وفلسفيًا. وفي أفلام مثل Blade Runner / (1982) للمخرج ريدلي سكوت، يظهر سؤال أفلاطون حول ماهية الإنسان والروح، من خلال روبوتات تعيش تجربة شعورية. ولم تعد العدالة هنا قضية دولة، بل قضية هوية: ما الذي يجعلنا بشرًا؟ هل الذاكرة كافية، أم أن هناك جوهرًا يتجاوزها؟ هذه الأسئلة تجد جذورها في حوار أفلاطون عن النفس والخلود والمعرفة.

    ويعكس تشكيل الموروث السياسي في هذه السينما خلفيات زمنية، ففي زمن الحرب الباردة، لجأت أفلام الخيال العلمي إلى استعارات أفلاطونية لتصوير الخوف من الوهم والسيطرة. وفي زمن العولمة، تحول الكهف إلى شاشة رقمية، كما في The Matrix، حيث يصبح النظام الإلكتروني ظلًا جديدًا يحاصر الوعي. في كلا الحالتين، تبقى الفكرة الأفلاطونية حاضرة: الحقيقة ليست في العين وإنما في العقل، والتحرر يبدأ بالوعي.

    السينما كمعمل وجودي

    ويتجلى تشكيل العلاقة بين المشاهد والعمل السينمائي في لحظة التماهي. ويحاكي الجلوس في قاعة مظلمة أمام شاشة مضيئة تجربة السجناء في كهف أفلاطون. وهو ما يعرض أمامنا ليس الحقيقة بقدر ما يعرض صورًا متحركة، ومع ذلك فإن أثرها علينا شديد العمق. وتجعل هذه المفارقة السينما امتدادًا فلسفيًا لنظرية الظلال، لكنها أيضًا تعطي فرصة للخروج عبر الوعي النقدي. وتصبح السينما هنا معملًا وجوديًا، حيث يواجه المشاهد نفسه من خلال الصورة.

    ويتم تشكيل الخطاب الجمالي لهذه الأفلام بالاعتماد على جدلية النور والظلام. وفي فيلم The Truman Show / “عرض ترومان”، يكتشف البطل أن حياته كلها مسرح تلفزيوني، وأن خروجه من القبة الاصطناعية يمثل انتقالًا من الظل إلى الحقيقة. وتحمل هذه الحكاية، رغم بساطتها، في عمقها سؤال أفلاطون الأزلي: هل نملك الشجاعة لمغادرة الظلال نحو الضوء؟ والكلمة المؤثرة لترومان وهو يبتسم قبل خروجه: “صباح الخير، وإذا لم أركم، مساء الخير وليلة سعيدة”، وهو يختصر فعل التحرر باعتباره اختيارًا إنسانيًا كاملًا.

    وتشكيل هذه السينما لا يقف عند الفلسفة، بل يتشابك مع الدين والفن والسياسة. وعند الحديث عن التضحية والخلود، يحضر فيلم Gladiator / “المصارع”، حيث يبحث البطل ماكسيموس عن عدالة مفقودة في عالم قاسٍ، ليجسد حلمًا أفلاطونيًا بدولة مثالية يقودها الخير. وعند الحديث عن الهوية، يظهر “هي”/ Her (2013) للمخرج سبايك جونز حيث يتحول الحب بين الإنسان والآلة إلى سؤال عن الروح والمعنى. وترسم كل هذه الأمثلة ملامح سينما تحاور أفلاطون بطرق متعددة، أحيانًا بوعي مباشر وأحيانًا باستعارة ضمنية.

    ويقود تشكيل الاستنتاج إلى أن تأثير أفلاطون في السينما ليس مجرد اقتباس مباشر من نصوصه، فهو إعادة صياغة أسئلته الكبرى في لغة بصرية، من الكهف إلى الشاشة، ومن الظلال إلى الضوء، يبقى التحدي قائمًا: كيف نصنع الحقيقة وسط الوهم؟ كيف نبحث عن العدالة وسط الفوضى؟ كيف ندرك الجمال وسط العالم المحسوس؟ ولا تجد هذه الأسئلة إجابة نهائية، لكنها تجد حضورًا مستمرًا في الأفلام التي تحاول تحويل الفلسفة إلى صورة، وتحويل الصورة إلى تجربة فلسفية.

    وما بين النص الفلسفي والنص البصري يمتد الحوار الأفلاطوني بصورة لا تنتهي، حوار يجعل من السينما كهفًا جديدًا، لكنه كهف يمنح فرصة للخروج والبحث عن النور.

    من قيود الجهل نحو فضاء الحقيقة

    في قلب سينما أفلاطون يطل البطل بوصفه الكائن الأكثر هشاشة والأكثر قوة في الآن ذاته، فهو المرآة التي تعكس انقسام النفس بين الظلال والنور، بين الكهف والعالم المثالي. ويحمل كل بطل في هذه السينما عبء الرحلة الوجودية التي تتجاوز فرديته نحو سؤال الكل: ما الحقيقة؟ وما حدود الإدراك؟ وما معنى أن يتحرر المرء من قيود الجهل نحو فضاء الحقيقة؟ وبهذا المعنى يصبح البطل ليس شخصية روائية فحسب، وإنما تجسيدًا لفلسفة أفلاطون في البحث عن المثال والجوهر.

    وتتعدد إشكاليات البطل بين رغبة التحرر من أسر الأوهام والخوف من مواجهة النور الساطع للحقيقة، تمامًا كما في أسطورة الكهف حيث يتردد الإنسان في مغادرة الظلال. هذا التردد يعكس صراعًا نفسيًا داخليًا، حيث يدرك البطل أن العالم الذي ألفه زائف، لكنه يوفر له دفء الاستقرار، بينما يظل العالم الجديد مجهولًا لكنه يمنحه إمكانية اكتشاف ذاته. وفي فيلم The Matrix على سبيل المثال، يواجه البطل “نيو” تلك الإشكالية حين يطرح عليه مورفيوس السؤال الوجودي: “هل تريد أن تعرف ما هي المصفوفة؟”. وهنا يتحول البطل إلى كائن ممزق بين أمان الوهم وحقيقة الألم.

    وتنفتح تمثلات البطل في سينما أفلاطون على بعد اجتماعي يتجاوز الفرد، إذ أن خروجه من الكهف لا يعني تحرره وحده، بقدر ما يضعه أمام مسؤولية العودة إلى الآخرين لإنقاذهم من أسر الظلال. وهذا الدور يجعل البطل في مواجهة السلطة والأنظمة التي تسعى إلى تكريس الوهم باعتباره حقيقة. وأفلام مثل The Truman Show تقدم نموذجًا لهذا البطل، حيث يعيش ترومان في عالم مصطنع، ومع ذلك فإن وعيه المتنامي يدفعه إلى خوض مغامرة التحرر رغم مقاومة القوى التي صنعت سجنه البصري والوجودي.

    ويتجلى البعد الرمزي للبطل في هذه السينما في كونه علامة على الإنسان الباحث عن الحقيقة. فكل خطوة في رحلته تحمل قيمة رمزية، فالعين التي تتفتح على الضوء تمثل الإدراك، والجدار الذي يُكسر يرمز إلى تجاوز حدود الفكر الموروث، والرحلة نفسها تصبح استعارة عن فلسفة التعلم التي تقوم على الجدل والبحث المستمر. ويمكن قراءة شخصية كوبر في فيلم Interstellar / “بين النجوم” (2014) ضمن هذا الإطار، إذ يسافر عبر المجرات بحثًا عن خلاص الإنسانية، محمولًا على وعي يتجاوز حدود الحواس ليصل إلى معرفة كونية متعالية.

    سينما بين النور والظل وصراع الهوية

    وترتبط الجماليات البصرية في سينما أفلاطون دائمًا بفكرة النور والظل، حيث تتحول الإضاءة والتصوير إلى لغة فلسفية تعكس انقسام الوجود. والمشهد الذي يخرج فيه البطل من العتمة إلى الفضاء المنير يمثل لحظة كشف بصري لا تنفصل عن الكشف الفكري. واستلهم عدد من المخرجين فلسفة أفلاطون مثل الأخوين واتشوسكي أو بيتر وير، والذين اعتمدوا هذه الجمالية القائمة على التباين بين العتمة والنور، وبين الزيف والحقيقة، ليجعلوا من الصورة أداة فلسفية وليست مجرد عنصر جمالي.

    وتكشف الأبعاد النفسية في شخصية البطل عن صراع الهوية والوعي بالذات. ويواجه البطل ذاته قبل أن يواجه العالم، يتأمل ضعفه ويمتحن شجاعته، ويكتشف أن التحرر من الوهم يقتضي شجاعة وجودية. أفلام مثل Inception / استهلال / بداية (حسب الترجمة)، توضح كيف يغدو الحلم مرآة للوعي، وكيف يتحول البطل إلى كائن يسائل ذاته باستمرار، متأرجحًا بين الحقيقة والوهم.

    ويظهر في البعد الاجتماعي البطل بوصفه ناقدًا للسلطة ومؤسساتها، حيث يقف في مواجهة البنى التي تفرض الوهم على الجماعة. وهنا تصبح الرحلة الفردية ثورة جماعية، ويغدو البطل حامل مشروع تحرري يتقاطع مع السياسة والثقافة. وفي هذا السياق يمكن استدعاء اقتباس أفلاطوني خالد: “المحك الحقيقي للمعرفة ليس في امتلاكها، بل في القدرة على إيصالها”. وهذا القول يكثف دور البطل الذي لا يكتفي بتحرره الذاتي بقدر ما يسعى إلى تحرير الآخرين.

    وهكذا يتضح أن البطل في سينما أفلاطون ليس مجرد كائن درامي، فهو حامل أطروحة فلسفية وجمالية، كائن يربط بين الأسطورة والواقع، وبين الحلم والوعي، وبين الفن والفكر. ويشكل حضوره مرآة كبرى للإنسان الباحث عن ذاته وعن حقيقة العالم، ويجعل من السينما نفسها كهفًا يُعرض فيه الصراع الأزلي بين الظل والنور، وبين الجهل والمعرفة.

    تظل سينما أفلاطون وأفكارها الفلسفية وخلفياتها علامة مضيئة في تاريخ الفكر البصري، حيث يتحول البطل إلى رسول للحقيقة وحامل قلق الوجود، ويصبح الكهف استعارة كبرى للواقع المزيّف الذي يطوق الإنسان. ومن خلال الرحلة الفردية ينفتح الأفق الجماعي، وتتحول الصورة إلى أداة للتحرر والفكر، وتستحيل المغامرة الجمالية إلى مغامرة وجودية تلامس جوهر الإنسان. وتظل الأسئلة الأفلاطونية مفتوحة تتجدد في كل عمل سينمائي يستلهمها، كما قال نيو في The Matrix: “أريد أن أعرف الحقيقة كلها”. تلك كانت الرغبة الأبدية في المعرفة، وهي ما يجعل البطل خالداً والسينما ساحة للفكر وهي تحتفي بالسؤال…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وهبي.. صانع المعجزات الصامت

    سفيان أندجار

    في أروقة الملاعب الخضراء، حيث تتلاقى الأحلام بالعرق والإصرار، يبرز اسم محمد وهبي مثل نجم يتلألأ في سماء كرة القدم المغربية. ليس مجرد مدرب، بل مهندس أجيال، صانع إنجازات ورجل يجسد الجسر بين التراث المغربي الأصيل والاحتراف الأوروبي المتقن.

    في هذا البورتري، نغوص في عالم هذا الرجل الذي تحول من مدرس هادئ في قاعات الدرس البلجيكية إلى قائد يرفع علم المغرب في أعلى المحافل الدولية. سنركز على نشأته التي شكلت شخصيته، مسيرته المهنية الحافلة بالتحديات والانتصارات، وحياته الشخصية التي يكتنفها التواضع والشغف الذي جعله يبلغ تدريب المنتخب الوطني الأول خلفا لوليد الركراكي.

    جذور ريفية في أحضان أوروبا

    ولد وهبي في 7 شتنبر 1976، في قلب بروكسل، العاصمة البلجيكية النابضة بالحياة والمتعددة الثقافات. هذا الطفل، ابن أسرة مغربية مهاجرة من جبال الريف، تحديداً من قبيلة بني شيكار في إقليم الناظور. جذوره المغربية لم تكن مجرد ذكريات بعيدة، بل كانت نبعاً يغذي هويته. في مقابلة نادرة خرج وهبي عن صمته ليكشف فخراً بأصوله الريفية، قائلاً إن عائلته انتقلت من جبال قلعية إلى بلجيكا بحثا عن فرص أفضل، ثم إلى أماكن أخرى في رحلة هجرة مليئة بالتحديات. هذه الجذور الأمازيغية غرست فيه قيم الصمود والانضباط، تلك التي تتحدى الرياح والعواصف.

    نشأ وهبي في بيئة مزدوجة الثقافة، يحمل جنسيتين: مغربية وبلجيكية. بروكسل، مدينة التنوع، كانت ملعبه الأول. لم يكن وهبي لاعبا محترفا في كرة القدم، بل كان شغفه بها ينمو ببطء مثل شجرة تتغذى من تربة خصبة.

    بدأ حياته المهنية مدرسا في مدرسة شارل بولس، حيث كان يعلم الأطفال أساسيات الحياة والمعرفة. هناك تعلم وهبي فن التواصل والصبر، صفات ستكون أساس فلسفته التدريبية لاحقا. تخيل معلماً يقف أمام لوح أسود، يشرح دروساً في الرياضيات أو التاريخ، بينما يحلم بملاعب خضراء. هذه المرحلة من حياته، التي استمرت سنوات، شكلت شخصيته الهادئة والمنظمة. لم يكن يعرف أن قاعات الدرس ستكون بوابته إلى عالم كرة القدم، حيث سيصبح معلما للأجيال الرياضية.

    في طفولته، تأثر وهبي بالثقافة البلجيكية التي تركز على الدقة والاحتراف، مع الحنين المغربي إلى الجماعية والروح القتالية. أصدقاؤه يتذكرون طفلاً هادئاً، يفضل التخطيط على الاندفاع. هذه النشأة المزدوجة جعلته جسرا بين عالمين، قادرا على دمج المنهجية الأوروبية مع الحماسة الإفريقية. ومع ذلك لم يكن طريقه سهلا، الهجرة تحمل معها تحديات الهوية، لكن وهبي حولها إلى قوة، كما يروي في تصريحاته النادرة عن فخره بجذوره.

    من أكاديمية أندرلخت إلى قمة العالم

    كانت نقطة التحول في حياة وهبي عام 2003، عندما انضم إلى أكاديمية نادي أندرلخت البلجيكي، أحد أعرق الأندية الأوروبية في كرة القدم. هنا بدأ رحلة استمرت 17 عاماً، تحول خلالها من مدرس إلى مدرب محترف. بدأ مع الفئات السنية الصغرى، تحت 9 سنوات، ثم تدرج إلى تحت 11، 14، 17، وأخيراً تحت 21 سنة. كان يانيك فيريرا، صديقه القديم من ماكابي بلجيكا، شريكاً في هذه الرحلة. في أندرلخت، طور وهبي مواهب أصبحت نجوماً عالميين: يوري تيليمانس، عدنان يانوزاي، شارلي موسوندا جونيور وليندر ديندونكر. هؤلاء اللاعبون يدينون له بصقلهم، كما لو كان نحاتاً يحول الطين إلى تماثيل.

    في موسم 2014-2015 حقق وهبي إنجازا بارزا بقيادة الفريق تحت 21 سنة إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا للشباب، بعد التفوق على برشلونة الإسباني وبورتو البرتغالي. هذا النجاح جعله يترقى إلى مساعد مدرب الفريق الأول بسنيك هاسي. حصل على رخصة الـUEFA Pro، أعلى شهادة تدريبية في أوروبا، ما عزز مكانته.. لكن الطموح دفع وهبي إلى تجربة جديدة في 2020، حيث انضم ليشغل مهمة مساعد للمدرب فيريرا في نادي الفتح السعودي، لكنه غادر في يناير 2022.

    العودة إلى الوطن الأم كانت في مارس 2022، عندما عين مدرباً للمنتخب المغربي تحت 20 سنة، خلفا لعبد الله الإدريسي. واجه انتقادات أولية بعد فشل  في كأس إفريقيا 2023، لكنه عاد أقوى. في 2024 فاز ببطولة شمال إفريقيا تحت 20 عاما وفي 2025 قاد «أشبال الأطلس» إلى وصافة كأس إفريقيا بعد أن خسر أمام جنوب إفريقيا بهدف. الذروة كانت في كأس العالم تحت 20 سنة في الشيلي 2025، حيث فاز المغرب باللقب، (أول منتخب عربي وثاني إفريقي بعد نيجيريا). هزم إسبانيا 2-0، البرازيل 2-1، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة، فرنسا وأخيرا الأرجنتين 2-0 في النهائي. هذا الإنجاز جعله «مورينيو إفريقيا»، بفضل أسلوبه الدفاعي المنظم.

    في 2025 انتقل وهبي إلى تدريب المنتخب الأولمبي (تحت 23)، مواصلاً بناء الجيل الذهبي. فلسفته تعتمد على الانضباط التكتيكي، التنظيم والصلابة، مع خطة 4-2-3-1. يستند على التركيز الذهني والثقة ويقول: «العمل الجاد يبدد العوائق».

    الجانب الخفي في شخصية محمد وهبي

    رغم شهرته، تبقى حياة وهبي الشخصية غامضة كسرها تصريحات نادرة. هو رجل هادئ، متواضع، يفضل العمل في صمت. يُوصف بـ«حسن الخلق وقلة الكلام»، يعتمد على الإيمان بالعمل الجاد. شغفه بكرة القدم يأتي من طفولته، لكنه لم يمارسها احترافياً، مفضلاً التدريب وسيلة لصناعة الأبطال. يتقرب من لاعبيه، يتابعهم شخصياً، مثل أب يرعى أبناءه.

    أصوله الناظورية تجعله فخورا بتراثه الأمازيغي ويربط نجاحاته بالروح المغربية. لم يذكر زواجه أو عائلته علناً، لكنه يعيش حياة متوازنة بين العمل والخصوصية. في تصريحاته يشكر بلجيكا لتكوينه والمغرب لفرصه. هو مثال للهجرة الناجحة التي تحول التحديات إلى إلهام.

    بعيدا عن الأضواء والمؤتمرات الصحفية يعرف محمد وهبي بشخصية متحفظة للغاية. نادرا ما يتحدث عن حياته الخاصة، ويفضل أن يبقى التركيز على عمله داخل الملعب. المقربون منه يؤكدون أن هذا الهدوء ليس مجرد طبع شخصي، بل أسلوب عمل؛ فهو يؤمن بأن المدرب الحقيقي يجب أن يظهر تأثيره في تطور اللاعبين لا في العناوين الإعلامية.

    نشأ وهبي في بيئة مغربية بسيطة قبل أن ينتقل إلى بلجيكا، حيث تشكلت ملامح شخصيته المهنية. في تلك المرحلة عاش تجربة الاندماج الثقافي والرياضي، وهو ما جعله يؤمن بقوة التعليم والانضباط في تطوير المواهب الشابة. هذه التجربة الشخصية جعلته مدربا يولي أهمية كبيرة للجانب الإنساني في التعامل مع اللاعبين.

    مدرب أقرب إلى «الأب»

    محمد وهبي ليس مجرد مدرب، هو رمز للأمل. من طفل مهاجر إلى بطل عالمي، مسيرته تلهم الشباب. إنجازاته، مثل الفوز بكأس العالم 2025، تضع المغرب على الخريطة الكروية. بأسلوبه الإبداعي، يمزج بين الدقة البلجيكية والحماسة المغربية، مخلفاً إرثاً يدوم. في عالم كرة القدم المتقلب، يبقى وهبي شاهداً على أن الشغف والانضباط يصنعان المعجزات.

    أحد الجوانب غير المعروفة كثيراً عن وهبي أسلوبه الأبوي في التعامل مع لاعبيه. فهو لا يكتفي بدور المدرب التكتيكي، بل يحاول فهم الظروف النفسية والاجتماعية لكل لاعب. داخل معسكرات المنتخبات الشابة، يخصص وقتاً طويلاً للحديث الفردي مع اللاعبين، ليس فقط عن كرة القدم، بل عن الدراسة والعائلة والضغوط التي يعيشها اللاعب الشاب.

    هذا الأسلوب ظهر بوضوح في علاقته مع عدد من اللاعبين، من بينهم الموهبة الصاعدة عثمان معما، حيث عمل على دعمه نفسيا بقدر ما عمل على تطويره تقنيا.

    الجانب الخفي الآخر في شخصية محمد وهبي هو طموحه الكبير. رغم حديثه الدائم عن التواضع والعمل، إلا أنه يؤمن بأن المواهب المغربية قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات العالمية. لذلك يسعى إلى إعداد لاعبين قادرين على المنافسة في كأس العالم للشباب وفي أكبر الدوريات الأوروبية.

    بالنسبة له النجاح الحقيقي ليس فقط الفوز ببطولة قارية، بل إنتاج جيل من اللاعبين القادرين على حمل قميص المنتخب الأول مستقبلاً.

    رغم النجاحات التي حققها مع المنتخبات الشابة، يرفض وهبي فكرة تحويل المدرب إلى نجم إعلامي. يفضل العمل في الظل ويترك الأضواء للاعبين.. وحتى في لحظات الانتصار يحاول توجيه الحديث نحو الفريق وليس نحو نفسه.

    هذا التواضع جعله يحظى باحترام كبير داخل الأوساط الكروية، حيث يُنظر إليه يوصفه مشروع مدرب طويل الأمد للكرة المغربية وليس مجرد مدرب مؤقت للنتائج.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل يهيئ بنسعيد نفسه لخلافة لقجع؟

    0

    عاد الجدل حول مستقبل رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى الواجهة، عقب حضور وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد لفعاليات حفل تكريم المدرب السابق للمنتخب الوطني وليد الركراكي وتقديم المدرب الجديد محمد وهبي، الذي احتضنه مركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة.

    ورغم أن حضور بنسعيد جاء في إطار حدث رياضي احتفالي، فإن ظهوره داخل مركب المعمورة، الذي يعد المركز العصبي لتدبير شؤون الكرة المغربية، أثار تساؤلات داخل الأوساط الرياضية حول ما إذا كان الوزير الشاب يضع عينه مستقبلاً على رئاسة جامعة الكرة.

    ولم يكن بنسعيد يحمل خلال هذا الحدث أي صفة تنظيمية داخل هياكل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في وقت حضر فيه عدد من أعضاء المكتب المديري ومسؤولي الجامعة، إلى جانب شخصيات وفاعلين في الحقل الكروي الوطني. كما لوحظ غياب عدد من رؤساء الأندية، باستثناء حضور رئيس نادي اتحاد يعقوب المنصور.

    ويأتي هذا الحضور في سياق يتجدد فيه النقاش حول خلافة فوزي لقجع، الذي يقود الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منذ سنة 2014، قبل أن يُعاد انتخابه لولاية ثالثة في 24 يونيو 2022 خلال الجمع العام المنعقد بمركب محمد السادس لكرة القدم، بعد ترشحه وحيداً للمنصب.

    وبحسب النظام الأساسي للجامعة، فإن ولاية الرئيس محددة في ولايتين متتاليتين مدة كل واحدة أربع سنوات، غير أن الجمع العام لسنة 2022 صادق على تعديل استثنائي أتاح إمكانية ولاية إضافية، ما سمح للقجع بالاستمرار في رئاسة الجهاز الكروي لولاية ثالثة.

    ومع اقتراب نهاية هذه المرحلة، بدأت الكواليس الرياضية تتداول أسماء مرشحين محتملين لخلافة لقجع خلال المرحلة المقبلة. ويبرز من بين هذه الأسماء اسم المهدي بنسعيد، إلى جانب شخصيات أخرى داخل المشهد الكروي الوطني، من بينها هشام آيت منا رئيس نادي الوداد الرياضي.

    ويرى متابعون أن الحديث عن سباق رئاسة الجامعة ما يزال مبكراً، إلا أن حضور شخصيات سياسية وازنة في بعض الفعاليات الكروية يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول مستقبل تدبير الكرة المغربية، خاصة في ظل المكانة التي باتت تحتلها المملكة على الساحة الكروية الدولية.

    وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب المغرب من استحقاقات كروية كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يجعل قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال المرحلة المقبلة محط اهتمام واسع داخل الأوساط الرياضية والسياسية على حد سواء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رمضان على إيقاع الغربة.. سائقون وطلبة مغاربة يصومون بعيدا عن دفء العائلة

    مع حلول شهر رمضان، تتجه الأنظار بالخصوص، إلى لمّة العائلة على موائد الإفطار، والتي تمنح لهذا الشهر الكريم دفئه الخاص، غير أن فئات من المغاربة تكتب قصصا رمضانية على إيقاع مختلف.

    فبعيدا عن أحضان الأسرة، تحكم هذا الشهر المبارك أيضا ضرورات العمل أو الدراسة، وتعقيدات الغربة. فتتعدد حكايات البعد عن الأسرة، ويظل الحنين قاسما مشتركا.

    في مركبته، يقضي مصطفى، سائق شاحنة للنقل الدولي من مدينة الجديدة، أيام رمضان متنقلا بين موانئ العبور والطرق السريعة الأوروبية. منذ ست سنوات وهو يقطع آلاف الكيلومترات، لكن رمضان يظل، كما يقول، “الامتحان الأصعب في مساره المهني”.

    تبدأ تجربته غالبا عند نقاط العبور، خصوصا بميناء طنجة المتوسط، حيث يحاول ضبط يومه بدقة؛ يخطط مسبقا لمحطات الاستراحة التي سيتوقف فيها لإعداد إفطاره، ويوزع ساعات القيادة بما يخفف من وطأة الصيام.

    غير أن طبيعة المهنة لا تترك دائما مجالا للتخطيط المثالي؛ فقد يجد نفسه مضطرا للإفطار على عجل وهو خلف المقود، مكتفيا بحبات تمر وماء قبل مواصلة الطريق التزاما بمواعيد التسليم.

    ويشتد الإحساس بالغربة، بحسب مصطفى، كلما حل رمضان، حيث يعوض غيابه عن دفء الأسرة خصوصا عند الافطار بمكالمات فيديو يومية تجعله، ولو افتراضيا، جزءا من التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشهر معناه.

    في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء يقول مصطفى “السائقون المغاربة يجدون عزاءهم في بعضهم البعض. فلقاء عابر في محطة استراحة قد يتحول إلى إفطار جماعي وصلاة تراويح مشتركة”، مضيفا أن “العديد من أفراد الجالية المغربية، يبادرون إلى دعوة السائقين للإفطار بمجرد رؤيتهم لوحة الترقيم المغربية، في مشاهد تضامن تخفف عنهم وحشة الطريق”.

    ومن الطرقات الدولية إلى حجرات الجامعة، يعيش عمر، طالب بسلك الماستر والمنحدر من مكناس والمقيم بالرباط، تجربة رمضان بطابع مختلف. فقد فرضت عليه التزاماته الجامعية البقاء بعيدا عن أسرته لأول مرة.

    يقول في هذا الصدد: “أقضي أيام هذا الشهر المبارك في العاصمة الرباط، حيث تقتضي ظروف دراستي الجامعية البقاء بعيدا عن الأسرة”، مستحضرا بحنين أطباق والدته ودفء اللمة العائلية. ويشتد لديه الشعور بالفقد حين يتذكر ليالي الذكر والحضرة العيساوية التي تميز مدينته مكناس، وما يرافقها من أجواء روحانية خاصة بعد صلاة التراويح.

    غير أن عمر ينظر إلى هذه المرحلة كمحطة ضرورية في مساره الشخصي، إذ يرى أن “الاغتراب المؤقت مدرسة للاعتماد على النفس، وفرصة لإعادة اكتشاف قيمة التفاصيل البسيطة التي كانت تبدو عادية في كنف العائلة”.

    بدوره، يخوض عبد الإله، أستاذ التعليم الابتدائي بإحدى القرى بإقليم شفشاون، تجربة مشابهة منذ سنة 2014، إبّان مغادرته مسقط رأسه (المرس-الأطلس المتوسط) في سياق دراسته الجامعية ثم التحاقه بقطاع التعليم فيما بعد، فقد تعود على قضاء رمضان بعيدا عن أسرته، مشيرا إلى أن التجربة الرمضانية في الجامعة أفادته كثيرا فيما تلاها لاسيما في ما يتعلق بمهارات الطبخ.

    عبد الإله يقيم حاليا مع صديقه بالقرب من مقر عمله، حيث يتقاسمان إعداد الأطباق الرمضانية الأساسية، وعلى رأسها “الحريرة”، في محاولة لخلق أجواء منزلية تعوض بعضا من دفء الأسرة.

    وبين سائق يشق الطرقات الدولية، وطالب يوازن بين الدراسة والصيام، وأستاذ يؤدي رسالته في قرية بعيدة، تتقاطع التجارب عند حقيقة واحدة مفادها أن رمضان، وإن ابتعد فيه الأفراد عن أسرهم، يظل مناسبة لتجديد الروابط، وإعادة اكتشاف معنى القرب رغم المسافات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ماذا نعرف عن علي رضا أعرافي ودوره في مجلس القيادة المؤقت في إيران؟

    رجل الدين الإيراني علي رضا أعرافي بالعمامة والعباءةAFPعضو مجلس خبراء القيادة ومدير الحوزات الدينية في إيران علي رضا أعرافي

    جاء اختيار مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران رجل الدين علي رضا أعرافي لينضمّ إلى مجلس القيادة المؤقت في البلاد بصفة “عضو فقهي”، ليذكي التكهنات حول مستقبله السياسي في ظل الأوضاع غير المسبوقة التي تشهدها البلاد.

    ويتولى المجلس مهام وصلاحيات المرشد الأعلى بعد اغتيال علي خامنئي في 28 فبراير/شباط نتيجة غارة جوية استهدفت مقر إقامته في طهران خلال الحرب الإسرائيلية – الأمريكية مع إيران.

    ولا يملك هذا المجلس السلطة الكاملة، إذ لا يمكن تنفيذ قراراته إلا بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام.

    وانضمّ علي رضا أعرافي، البالغ من العمر 66 عاماً، في الأول من مارس/آذار إلى رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسن إيجئي. وظهر الثلاثة في اجتماع بثّت صوره وسائل إعلام إيرانية في 2 مارس/آذار.

    من يمسك زمام السلطة في إيران بعد مقتل خامنئي؟

    وبانضمام أعرافي، يكتمل مجلس القيادة المؤقت الذي يُشكَّل، بحسب المادة 111 من الدستور، إلى حين انتخاب مرشد جديد للجمهورية.

    ويتيح الدستور الإيراني تشكيل مجلس مؤقت يتألف عادةً من ثلاثة أعضاء، يتولّى بعض مهام وصلاحيات المرشد إلى حين اختيار مرشد جديد.

    ومن المفترض أن يضمّ المجلس رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، ورجل دين بارز من مجلس صيانة الدستور.

    وفي أول خطاب متلفز له بعد تعيينه، اتّهم أعرافي كلّ من الولايات والمتحدة وإسرائيل، بالقيام بعمل “غير قانوني وغير عادل وخاطئ مبني على سوء تقدير”. وقال: “بمساعدة النخب والشباب أطياف البلاد كافة، سنتجاوز هذا التهديد”.

    محل ثقة خامنئي

    ولد علي رضا أعارفي عام 1959 في مدينة ميبد بمحافظة يزد وسط إيران.

    كان والده، محمد إبراهيم أعرافي، رجل دين نشطاً في معارضة نظام بهلوي، وكانت له صلات برجال دين مقرّبين من روح الله الخميني.

    تلقّى تعليمه الديني المبكر، بما في ذلك تلاوة القرآن والأدب والأحكام الشرعية، في طفولته على يد والده وبعض المعلمين الآخرين.

    التحق بالحوزة العلمية في قم عام 1970، وبعد إكماله المرحلة الابتدائية بدأ دراسته في المعهد الديني عام 1971.

    وكان عضواً في مجلس أمناء جامعة علوم القرآن والتربية، كما شغل منصب إمام الجمعة في ميبد منذ عام 1992، قبل أن يُعيَّن إماماً لجمعة قم عام 2014.

    وكان علي رضا أعرافي عضواً في المجلس الأعلى للثورة الثقافية منذ عام 2011.

    كما يعدّ عضواً في هيئة المؤسسين والمجلس المركزي لـ”هيئة العلماء المجاهدين”، التي تضم شخصيات بارزة في المجالين الديني والسياسي. وقد تأسست الهيئة عام 1979 قبيل نجاح الثورة في إسقاط حكم الشاه، وتحولت لاحقاً إلى أحد مكوّنات النظام الإيراني.

    ويرأس أعرافي حالياً شبكة الحوزات العلمية في إيران منذ عام 2016.

    وعيّن عضواً في مجلس صيانة الدستور عام 2019، وعضواً في مجلس خبراء القيادة عام 2021.

    وأعيد انتخابه في مجلس خبراء القيادة في مارس/آذار 2024، وانتُخب نائباً لرئيس المجلس في مايو/أيار من العام نفسه.

    وكان علي رضا أعرافي يعدّ من الشخصيات المقرّبة من المرشد الأعلى علي خامنئي. وقد عكست خطاباته ومواقفه العامة، في كثير من الأحيان، آراء التيار القريب من المرشد، إذ سعى إلى شرح أفكاره ضمن إطارٍ نظري.

    وساهمت هذه العلاقة الوثيقة مع المرشد الأعلى في تقدّمه تدريجياً داخل هياكل النظام، حتى طُرح اسمه بين الشخصيات المحتملة لخلافة خامنئي.

    وجاءت مواقفه في السياسة الخارجية والقضايا الداخلية منسجمة مع السياسات المعلنة لمرشد الجمهورية الإسلامية، إذ شدد على استمرار البرامج الدفاعية، وضرورة الرد على المواقف الأمريكية، وسياسات زيادة النمو السكاني.

    وردّاً على خطة “المصالحة الوطنية” التي طرحها الرئيس السابق محمد خاتمي في 19 فبراير/شباط 2016، دعا منتقدي الحكومة إلى “التوبة وطلب الصفح”. وفي يوليو/تموز 2017، وخلال خطبة صلاة الجمعة في قم، وصف الولايات المتحدة بأنها “محور انتهاكات حقوق الإنسان” في العالم.

    وتتجه الأنظار إلى مجلس خبراء القيادة، الذي يفترض أن ينتخب خليفة للمرشد الأعلى.

    وفي حال تعذّر حصول أحد المرشحين على ثلثي الأصوات لمنصب المرشد الأعلى، يواصل مجلس القيادة المؤقت إدارة شؤون الحكم نيابة عن المرشد إلى أجل غير مسمّى، أو إلى حين اختيار شخص يشغل منصب المرشد الأعلى الجديد خلفاً لخامنئي.

    وأعرب أعرافي، في كلمة ألقاها عقب انضمامه إلى مجلس القيادة المؤقت، عن أمله في أن يتمكن مجلس خبراء القيادة من اختيار خليفة للمرشد بسرعة.

    وقال إنه، إلى حين حصول ذلك، سيؤدي المجلس مهامه بالدقة والرعاية اللازمتين.

    وينظر إلى أعضاء مجلس خبراء القيادة بوصفهم مرشحين محتملين لخلافة المرشد الأعلى.

    ويطرح اسم أعرافي بين الأسماء المحتملة لخلافة خامنئي، إذ إن عضويته في مجلس الخبراء، إلى جانب منصبه مديراً للحوزات العلمية في إيران، يجعلان منه أحد الشخصيات البارزة في الهرم الديني الإيراني.

    وأفادت وحدة المتابعة الإعلامية في بي بي سي بأن لجنة فرعية مؤلفة من ثلاثة أعضاء داخل مجلس خبراء القيادة كانت تعمل، قبل اغتيال خامنئي، على إعداد قائمة سرية بمرشحين محتملين، وذلك مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أن أصبح واضحاً أن خامنئي كان هدفاً للاغتيال.

    • ماهي أهداف ترامب النهائية من الحرب مع إيران عقب تضارب التصريحات بشأنها؟
    • أبرز القادة الإيرانيين الذين قُتلوا جراء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي
    • إغلاق مضيق هرمز: كيف تهدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران حركة التجارة في العالم؟


    إقرأ الخبر من مصدره