Étiquette : 2024

  • المالية العمومية المغربية تعزز صمودها

    رغم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وما ترتب عليها من ضغوط على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، حرص فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، على طمأنة الفرق البرلمانية بمجلس المستشارين، بشأن قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة هذه التطورات والحفاظ على توازنه المالي.

    لمياء جباري

    أكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن من أبرز المؤشرات التي تعكس متانة الاقتصاد الوطني الارتفاع اللافت في احتياطيات المغرب من العملة الصعبة، والتي بلغت عند متم أبريل 2026 نحو 469,8 مليار درهم، مسجلة زيادة بنسبة 23,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. ويكفي هذا المستوى من الاحتياطيات لتغطية واردات المملكة لمدة خمسة أشهر و24 يوما، ما يعزز قدرة البلاد على امتصاص الصدمات الخارجية.

    وشدد المسؤول الحكومي على أن المالية العمومية تعرف دينامية إيجابية في إطار تنفيذ قانون المالية لسنة 2026، بفضل استمرار جهود تعبئة الموارد.

    وإلى غاية نهاية أبريل الماضي، ارتفعت المداخيل الجبائية بقيمة 10,4 مليارات درهم، أي بنسبة تقارب 8,5 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية، مع تحقيق نسبة إنجاز بلغت 36,3 في المائة من التوقعات المدرجة في قانون المالية.

    ويعود هذا الأداء بالأساس إلى النتائج الاستثنائية للضريبة على الشركات، التي سجلت ارتفاعا قدره 9,1 مليارات درهم، أي بنسبة 25 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، مع بلوغ نسبة إنجاز بلغت 48,1 في المائة من التقديرات الأصلية.

    مراجعة مرتقبة لآفاق النمو الاقتصادي

    يمثل الأداء المالي مؤشرا إيجابيا على تحسن الوضعية الاقتصادية، خاصة أنه تزامن مع التساقطات المطرية الأخيرة التي يُرتقب أن ترفع محصول الحبوب إلى حوالي 90 مليون قنطار. ومن شأن هذا التطور أن يفتح الباب أمام مراجعة توقعات النمو الاقتصادي، التي يُنتظر أن تصل إلى 5,3 في المائة خلال سنة 2026.

    وفي خضم النقاش العمومي حول إمكانية توجيه جزء من المداخيل الإضافية لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، حرص لقجع على توضيح عدد من المعطيات المرتبطة بالعائدات الجبائية الناجمة عن ارتفاع أسعار المحروقات.

    وأوضح أن المغرب لا يفرض أي رسوم جمركية على واردات المنتجات البترولية، كما أن الضريبة الداخلية على الاستهلاك تُحتسب على أساس الكميات المستوردة وليس وفق الأسعار، ما يعني أن تقلب أسعار النفط لا يؤثر مباشرة في حصيلة هذه الضريبة.

    ويقتصر الأثر على الضريبة على القيمة المضافة، التي لا تتجاوز مساهمتها 0,46 درهم في كل لتر من الغازوال، أي ما يعادل نحو 12 في المائة فقط من الزيادة المسجلة منذ اندلاع الأزمة، والتي بلغت في المتوسط 3,7 دراهم للتر الواحد.

    وفي حال استمرار الأسعار الحالية حتى نهاية السنة، فإن المداخيل الإضافية المحتملة من الضريبة على القيمة المضافة لن تتجاوز 3 مليارات درهم.

    تضخم تحت السيطرة

    أكد فوزي لقجع أن معدل التضخم لا يزال في مستويات محدودة، مشيرا إلى أن الدولة تدخلت لدعم سعر الغازوال بهدف الحفاظ على كلفة النقل عند مستوياتها السابقة، والحد من انتقال الزيادات إلى باقي أسعار السلع والخدمات.

    وتظهر المعطيات أن معدل التضخم بلغ ناقص 0,1 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، قبل أن يسجل 0,9 في المائة خلال شهر مارس، وهو ما يعكس استمرار السيطرة على الضغوط التضخمية.

    تراجع متوقع لعجز الميزانية

    أبرز الوزير المنتدب المكلف بالميزانية أن الدينامية الإيجابية للمداخيل وفرت هوامش مالية إضافية، ستُمكن الحكومة من خفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام بنهاية سنة 2026، بتحسن يقارب نصف نقطة مئوية مقارنة بسنة 2025.

    ويُرتقب أن يواصل مستوى مديونية الخزينة تراجعه ليستقر في حدود 66 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال السنة الجارية. ويأتي هذا التطور في سياق التحسن الكبير للمداخيل العادية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفعت من 256,2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424,2 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة إجمالية قدرها 168 مليار درهم، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 13,5 في المائة، مدفوعا بالأداء القوي للمداخيل الجبائية.

    عجز مؤقت لا يعكس الصورة الكاملة

    بلغ عجز الميزانية مع نهاية أبريل 2026 نحو 15,5 مليار درهم، مقابل 11,8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وفق معطيات الخزينة العامة للمملكة.

    غير أن هذا التطور لا يعكس بالضرورة تدهورا في الوضعية المالية، إذ ارتفعت المداخيل العادية بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 154,3 مليار درهم، كما سجلت الحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة فائضا قدره 27,9 مليار درهم، فيما ظل الرصيد العادي إيجابيا عند 1,63 مليار درهم.

    وفي ظل تسريع تنفيذ برنامج الاستثمار العمومي وتعميم ورش الحماية الاجتماعية، أصبحت المصداقية الميزانياتية معيارا أساسيا لقياس قدرة الدولة على تنفيذ الميزانية، وفق ما صادق عليه البرلمان وضمان استدامة نموذج التنمية الوطني.

    مالية عمومية بأسس قوية

    تتطور المالية العمومية في سياق يتسم بارتفاع ملموس في النفقات، التي زادت بنسبة 12,2 في المائة إلى نهاية أبريل 2026، مدفوعة بارتفاع نفقات التسيير بنسبة 14,4 في المائة والاستثمار بنسبة 19,6 في المائة.

    ورغم ذلك، لم يتجاوز الالتزام باعتمادات الاستثمار 33 في المائة، مقابل 39 في المائة بالنسبة إلى النفقات الجارية، ما يعكس تفاوتا في وتيرة التنفيذ.

    ويرى صندوق النقد الدولي أن هذه المعطيات لا تغير من التوقعات التي تشير إلى بلوغ عجز الميزانية 3,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026، مع استمرار انخفاض الدين المركزي إلى نحو 60,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.

    رهان استراتيجي على البنيات التحتية

    يمضي المغرب في تنفيذ برنامج استثماري واسع في مجالات البنيات التحتية والسياحة بقيمة 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، بتمويل أساسي من المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية.

    ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرفع هذا البرنامج الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3 في المائة على المدى الطويل، لكنه يحذر من مخاطر مرتبطة بارتفاع كلفة المشاريع والاعتماد الكبير على الواردات والضغط المؤقت على التمويل الخاص.

    ويؤدي تجاوز الكلفة التقديرية بنسبة 30 في المائة إلى زيادة الدين العمومي بما بين نقطتين وثلاث نقاط من الناتج الداخلي الإجمالي، دون تحقيق أثر إضافي على النمو، في حين أن تحسين كفاءة التنفيذ من شأنه أن يعزز العائد الاقتصادي دون زيادة المديونية.

    التعليم والصحة.. الحاجة إلى رفع النجاعة

    يخصص المغرب ما يعادل 10,9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 للإنفاق الاجتماعي في مجالات الدعم الاجتماعي والصحة والتعليم والسكن.

    ورغم أن هذا المستوى يفوق متوسط الاقتصادات الصاعدة، فإن صندوق النقد الدولي يشير إلى وجود فجوات مهمة في الكفاءة، تقدر بنحو 37 في المائة في قطاع التعليم و27 في المائة في قطاع الصحة، ما يعكس إمكانات كبيرة لتحسين تخصيص الموارد وتعزيز مردودية الإنفاق العمومي.

    ثلاث ركائز لتعزيز المصداقية الميزانياتية

    في مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية، من تقلب أسعار المواد الأولية إلى آثار الجفاف وارتفاع كلفة البنيات التحتية، يوصي صندوق النقد الدولي بترسيخ ثلاثة محاور رئيسية لتعزيز الاستقرار المالي في أفق 2030: تشديد الانضباط في تنفيذ الميزانية وحماية اعتمادات الاستثمار، تعزيز الشفافية من خلال إدماج التزامات المؤسسات العمومية والجماعات الترابية في الإطار الماكرو- ميزانياتي، ورفع فعالية الإنفاق العمومي، عبر اعتماد مؤشرات النتائج وتسريع تنزيل الجهوية واللاتمركز.

    ويؤكد الصندوق أن المغرب يتوفر على أسس اقتصادية متينة ومسار مديونية قابل للاستدامة، غير أن نجاح هذه الدينامية يظل رهينا بجودة التنفيذ، والحد من انزلاقات الكلفة، وتعزيز الحكامة المؤسساتية.

    وفي هذا السياق، تبرز المصداقية الميزانياتية كعامل حاسم لضمان حسن تدبير الموارد العمومية، وتحويل كل درهم من الإنفاق إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق سنة 2030.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

    حين تُترك مقاعد البرلمان فارغة أمام تقارير المال العام

    أين غاب نواب الأمة يوم 12 ماي 2026؟

    سياسي: رشيد لمسلم

    لم تكن الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 بمجلس النواب المغربي جلسة عادية داخل الأجندة التشريعية، بل شكلت محطة دستورية ورقابية بالغة الأهمية، خُصصت لمناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية وتتبع أوجه صرف المال العام.

    غير أن ما طبع هذه الجلسة لم يكن حجم الاختلالات التي كشفها التقرير فقط، بل الغياب الواسع للنواب عن حضورها، في مشهد أعاد إلى الواجهة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصين ترصد القاذفات الشبحية.. كيف تتآكل منظومة التخفي الأغلى في العالم؟

    في صباح الأول من مارس، أقلعت 4 قاذفات إستراتيجية شبحية من نوع “بي-2 سبيريت” من قواعدها متجهة نحو إيران، في مهمة لضرب منشآت صاروخية مدفونة تحت الجبال في إيران ضمن الموجة الأولى من عملية “الغضب الملحمي”. القاذفات الشبحية الأمريكية، الأغلى في التاريخ، والتي يتجاوز ثمن الواحدة منها ملياري دولار، صُممت لغرض واحد: أن تصل وتضرب هدفها، ثم تعود دون أن يعرف أحد أنها كانت هناك.

    في اليوم التالي، نشرت شركة صينية تُدعى “جينغان تكنولوجي”، وهي شركة عسكرية تقدم خدمات استخبارية لجيش التحرير الشعبي، على وسائل التواصل الاجتماعي أنها عرفت بوجود تلك القاذفات، وادعت أن نظامها “جينغتشي” لرصد أحداث الحروب اعترض إشارات لاسلكية من القاذفات الأربع، وحددت إشارات اتصالها، من بيترو 41 إلى بيترو 44 ( تشير هذه الأرقام إلى تسلسلات التشكيلات العسكرية؛ حيث يعكس الرقم الأول السرب أو التشكيل، ويعكس الرقم الثاني ترتيب أو موقع الطائرة داخل هذا التشكيل) وأعادت بناء مسار رحلة العودة بالكامل.

    “تهدد مجموعة من التقنيات الرخيصة والمتاحة منظومة التخفي المعقدة للطائرة الأغلى في العالم”

    النظام الذي استخدمته الشركة ليس رادارا أو منظومة اعتراض إشارات تقليدية، ولكنه مزيج من صور الأقمار الاصطناعية التجارية وبيانات تتبع الرحلات المفتوحة والسجلات العسكرية العلنية، مع تقنيات ذكاء اصطناعي تستخدم لتحليل هذه البيانات. هذا المنهج تحديدا، وليس الادعاء نفسه، يفتح الباب لمناقشة فكرة أعمق حول “مواجهة التخفي”، لأن شركة صينية أخرى استخدمت الأدوات ذاتها، وما كشفته كان أكبر بكثير من مسار رحلة عودة لقاذفات شبحية أمريكية.

    المهم أن أيا من ذلك لم يحدث بسبب اختراق علمي في تكنولوجيا الرادارات، بل بسبب أقمار اصطناعية تجارية، وتقنيات ذكاء اصطناعي، وبيانات مفتوحة المصدر متاحة على الإنترنت، وسوق عالمية بنتها أمريكا نفسها وباعتها للعالم. والسؤال الآن: كيف تتآكل منظومة التخفي للطائرات الأغلى في العالم بسبب هذه التقنيات البسيطة والمتاحة؟

    التحول الحديث
    قبل أسابيع من عملية “الغضب الملحمي”، كانت شركة صينية أخرى تُدعى “ميزار فيجن” تنشر صورا فضائية من أقمار اصطناعية تحدد أعداد المقاتلات الأمريكية وأنواعها ومواقع دفاعها الجوي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد وثقت الشركة ونشرت معلومات عن 2500 أصل عسكري أمريكي منتشر حول العالم قبل أن تسقط أول قنبلة على الأراضي الإيرانية.

    في الشهر الأخير قبل العملية قفزت الشركة من نشر تحليلات متفرقة إلى تحديثات يومية على وسائل التواصل الاجتماعي، بتفاصيل غير مسبوقة، عن الطائرات ومنظومات التسليح الأمريكية وأماكن انتشارها الدقيقة في الشرق الأوسط وحوله. على سبيل المثال، وقبل يوم واحد من العملية، نشرت الشركة صورا لسبع مقاتلات “إف-22” أمريكية في قاعدة عوفدا الإسرائيلية مع طائرات “سي-17” تفرغ الإمدادات، إضافة إلى عتاد في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي.

    ثم تتبعت الشركة حاملة الطائرات “جيرالد فورد” بعد مغادرتها قاعدة سودا البحرية في كريت، ونشرت صورا لحاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وهي في طريقها للالتقاء بسفينة إمداد في بحر العرب قبالة سواحل عُمان. وأظهرت الشركة كيف يمكن تحديد موقع حاملات الطائرات في عرض البحر بدمج أدوات تتبع الرحلات المفتوحة مع صور الأقمار الاصطناعية. ثم جاء ادعاء شركة “جينغان تكنولوجي” في اليوم التالي لمهمة القاذفة الإستراتيجية “بي-2 سبيريت”.

    لم تكن شركة “ميزار فيجن” الوحيدة التي رأت كل هذا، إذ نشرت صحف غربية تقارير تستعرض الحشد العسكري الأمريكي بالكامل مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية والمصادر التجارية والأدوات ذاتها.

    المفارقة أن هو بو، أستاذ البحوث ومدير مركز دراسة الإستراتيجيات البحرية بجامعة بكين، أكد أن صور شركة “ميزار فيجن” لم تُلتقط بأقمار صينية، بل كان مصدرها أقمارا أمريكية وأوروبية تجارية، كما يتضح من مدارات الأقمار ودقة الصور. بمعنى آخر: الصور التي رسمت خريطة الحرب الأمريكية التُقطت بأقمار صنعتها أمريكا وأوروبا وباعتها في السوق المفتوحة.

    هنا يتضح ما الذي انكشف فعلا وما الذي لم ينكشف، فقاذفة “بي-2” غير مرئية للرادارات، هذا لا يزال صحيحا حتى هذه اللحظة على الأقل. لكنها لم تطر يوما وحدها، ففي كل عملية ترافقها غالبا المنظومة ذاتها: طائرات تزود بالوقود، وطائرات نقل للذخائر، وطائرات إنذار مبكر، وحاملات طائرات ومدمرات. تلك المنظومة جزء أساسي من طريقة عمل أي سلاح جوي حديث، وما تغير ليس المنظومة نفسها، بل حقيقة أن رصدها بتلك الدقة كان يتطلب سابقا أقمار تجسس عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول، بينما اليوم أصبح يتطلب اشتراكا في خدمة تجارية.

    لاحظ كيف يتحدث بعض المسؤولين الصينيين السابقين عن هذه الحملة، إذ قال عقيد صيني متقاعد عن نشاط شركة “ميزار فيجن” إنه “استكشاف مفيد يسهم في تطوير الصين كقوة استخبارية”. بالنسبة إلى بكين، سواء تعلق الأمر بصور فضائية أو بادعاء اعتراض إشارات قاذفات “بي-2” الشبحية، فربما لا يحتاج الأمر أن يكون دقيقا ليحقق هدفه، فيكفي أن يرسخ صورة قوة منظومة الاستخبارات الصينية والشركات العاملة معها في جمع المعلومات، والتقنيات الحديثة التي توظفها.

    “في أبريل 2024 أنشأ الرئيس الصيني شي جين بينغ قوة دعم المعلومات كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية”

    ويتسق هذا مع العقيدة العسكرية الصينية، ففي أبريل/نيسان 2024 أنشأ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، “قوة دعم المعلومات” كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية. تتمثل مهمة القوة الأساسية في إنشاء وتشغيل نظام معلومات شبكي متعدد الأغراض يدعم العمليات العسكرية المشتركة في أي بيئة صراع وتحت أي هجوم للعدو. ووفقا لمحللي جيش التحرير الشعبي، فإن “النجاح في الحروب الحديثة يعتمد على التدفق السلس للمعلومات”، مما يجعل تلك الشبكة ركيزة أساسية في الحروب والمنافسات الإستراتيجية على حد سواء.

    تقييد الرؤية
    على الجهة المقابلة، ردت واشنطن بتقييد ما يراه العالم، ففي السادس من مارس/آذار فرضت شركة “بلانيت لابز” الأمريكية تأخيرا قدره 96 ساعة على صورها الفضائية، وهي الشركة التي تأسست عام 2010 ويستخدم الإعلام والباحثون صورها الفضائية على نطاق واسع. وبعد أيام ضاعفت “بلانيت لابز” القيود إلى 14 يوما، ووسعت النطاق ليشمل كل منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق المتاخمة لها جغرافيا التي يمكن أن تتحرك عبرها القوات والأصول الأمريكية.

    بالمثل فرضت شركة “فانتور” قيودا مشابهة وقالت إنها تحددها “باستقلالية”. وليس تقييد الصور التجارية في أثناء النزاعات والحروب بالأمر الجديد، فقد فرضت شركة “بلانيت لابز” تأخيرا قدره 30 يوما في أثناء الحرب على غزة. لكن السياق هنا مختلف، لأن تلك القيود جاءت بعد أن استهدفت إيران لاحقا عددا من المنشآت والممتلكات التي عرضتها “ميزار فيجن” بصواريخ ومسيرات.

    “تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري”

    لكن ربما تلك القيود لم تكن بهدف حماية القوات والعتاد فحسب، إذ جاءت أيضا بعد أن استخدمت فرق التحقيق الصحفية صور أقمار “بلانيت لابز” ذاتها لتحليل الضربة على مدرسة ميناب الابتدائية للفتيات والتحقق من نوع الصاروخ. إذ أشار صحفيون إلى أن هذا التأخير الذي تحول لاحقا إلى حظر “يبطئ التحقق ويجعل التثبت من الوقائع أصعب”، وأكدوا أن صور أقمار “بلانيت لابز” مكنت فرقهم من تحليل الضربات على المدرسة.

    وقال وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، إن “المصادر المفتوحة ليست المكان المناسب لتحديد ما حدث أو لم يحدث”. ولكن حين تكون المصادر المفتوحة فعليا هي الأداة الوحيدة المتاحة للعالم لمعرفة ما يجري في حرب لا يملك للمعلومات الدقيقة بشأنها، فإن تقييدها لا يهدف إلى حماية القوات فحسب، بل إلى حماية السردية أيضا.

    وهنا تحديدا تتقاطع ردتا الفعل، فربما تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري. وتستثمر بكين الآن في هذا التحول الحديث، وتحاول واشنطن إبطاءه، لكن أيا منهما لا تستطيع عكس اتجاهه. ولنفهم طبيعة هذا التحول، علينا أن نعود بالزمن إلى ثمانينيات القرن الماضي.

    تغير المعادلة
    حين صمم مهندسو شركة “نورثروب” قاذفة “بي-2” الإستراتيجية، كان عدوهم حينها محددا، وهو شبكات الرادار السوفييتية. كل خط في هيكل الطائرة، وكل زاوية، وكل طبقة طلاء، صُممت لتقليل البصمة الرادارية. كان المبدأ بسيطا، فإذا لم يرك الرادار، لا يمكن اعتراضك.

    كان هذا المبدأ صالحا لأن الرادار كان فعلا الطريقة الوحيدة لرؤية ما يحدث في السماء. لكنه كان يصلح أيضا لسبب آخر لا يُذكر كثيرا، وهو أن البيئة حول الطائرة كانت محمية بعتمة معلوماتية طبيعية. رصد القواعد وطائرات الدعم وسلاسل الإمداد كان يتطلب وقتها أقمارا عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول.

    اليوم، كما رأينا، انكشفت تلك العتمة والحماية معا، وباتت هناك 3 اتجاهات لم تكن موجودة حين رُسمت الخطوط الأولى للقاذفة “بي-2” على الورق. الاتجاه الأول يتمثل في عدد العيون في الفضاء، فحين دخلت قاذفة “بي-2” الخدمة عام 1997 كانت الأقمار القادرة على التقاط صور عالية الدقة حكرا على حفنة قليلة من الدول. أما اليوم فإن كوكبة “جيلين-1” (أكبر شبكة تجارية صينية لأقمار الاستشعار عن بُعد ومراقبة الأرض) وحدها تضم نحو 300 قمر صغير، وقادرة على إنتاج صور بدقة نصف متر تشمل فيديو مباشر لأهداف متحركة.

    على الجانب الآخر تملك شركة “بلانيت لابز” أسطولا من الأقمار يصور كل نقطة على الأرض عدة مرات يوميا، وتوفر شركة “فانتور” صورا بدقة 0.3 متر. هذه ليست أقمار تجسس حكومية، بل منتجات تجارية متاحة لأي عميل يدفع المقابل. وقد قدر البنتاغون نفسه عام 2022 أن الصين “تملك وتشغل نحو نصف أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائية في العالم”، وهذا يشمل القدرات العسكرية فقط. وحين تُضاف الأقمار التجارية يصبح الفضاء مزدحما بعيون لا تخضع لجهة واحدة.

    الاتجاه الثاني هو تقنيات الذكاء الاصطناعي، فما كان يحتاج عشرات المحللين لتدقيق صور الأقمار وتحديد أنواع الطائرات أصبح يؤديه برنامج يمسح آلاف الصور ويكشف أنماط الانتشار تلقائيا. هذا ما فعلته شركة “ميزار فيجن” تحديدا، إذ اشترت صورا تجارية وحولتها بالذكاء الاصطناعي إلى استخبارات جاهزة. لم تعد العملية تتطلب إذن جهاز استخبارات متخصص، بل شركة ناشئة بتمويل كافٍ.

    الاتجاه الثالث يتمثل في توافر البيانات مفتوحة المصدر، فمواقع تتبع الرحلات الجوية متاحة للجميع. مثلا نظام “جينغتشي”، الخاص بشركة “جينغان تكنولوجي”، يعمل بدمج صور أقمار مع بيانات مسارات طيران وسجلات عسكرية علنية ثم يحلل الأنماط. يطلق المحللون على هذا مصطلح “شفافية التخفي”، فالطائرة الشبحية مصممة لتفادي الرادار، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية من طائرات دعم وتحركات لوجستية وقواعد ثابتة، وهذه الشبكة التي كانت محمية بعتمة المعلومات سابقا، لم تعد محمية الآن.

    وهنا ينبغي توضيح أن جزءا من تلك الصورة كان متاحا من قبل، فهناك مواقع يمكنها تتبع الطائرات العسكرية التي تبث إشاراتها في أثناء تحليقها عبر المجال الجوي المدني. فأي شخص كان يراقب حركة طائرات النقل وطائرات التزود بالوقود في الأسابيع التي سبقت العملية كان سيلاحظ تدفقا غير اعتيادي نحو قواعد الشرق الأوسط.

    “الطائرات الشبحية مصممة لتفادي الرادارات، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية كانت محمية سابقا بعتمة المعلومات ولم تعد كذلك الآن”

    لكن تتبع الرحلات وحده لا يظهر حجم ونوعية العتاد الذي وصل المنطقة فعلا؛ المقاتلات من طراز “إف-35″ و”إف-22” تطير عادة بأجهزة الإرسال مطفأة في مناطق العمليات، فلا تظهر على أي شاشة تتبع. ومواقع الرحلات لا تحصي ما هو متوقف على مدرجات الطيران، ولا تحدد مواقع منظومات الدفاع الجوي، ولا تصور سطح حاملة طائرات.

    ما أضافته الأقمار التجارية هو الطبقة التي تكشف كل ما يعجز تتبع الرحلات عن رؤيته، أي الأصول الثابتة على الأرض. وما أضافته تقنيات الذكاء الاصطناعي هو القدرة على دمج الطبقتين معا، الحركة الجوية والصورة الأرضية، في خريطة عملياتية متكاملة وشبه فورية. الفارق ليس بين الرؤية والعمى، بل يمكن اعتباره بين شظايا متفرقة يمكن لمتخصص أن يجمعها، وخريطة حرب كاملة باتت منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

    ببساطة، صُممت قاذفة “بي-2” لعالم كان الرادار فيه العين الوحيدة، وكانت البيئة حولها معتمة، لكنها تطير اليوم في عالم مختلف تماما. لكن “الشفافية التجارية” ليست الجبهة الوحيدة لكشف التخفي، فالصين لا تكتفي بمحاولات رصد التخفي من الخارج، بل تعمل أيضا على مهاجمته من جبهات داخلية.

    رادارات جديدة؟
    بُنيت تكنولوجيا التخفي على مبدأ فيزيائي محدد: الطلاء والتصميم الهندسي يشتتان أو يمتصان موجات الرادار عالية التردد. لكن هذا يعمل مع ترددات معينة وليس مع جميعها، وهنا تظهر محاولات بكين لتجاوز التخفي في عدة مجالات.

    المجال الأول اليوم هو الرادارات المترية. ففي مايو 2025 عرضت شركة مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية الحكومية رادار “جيه واي-27 في” (JY-27V) في معرض الرادار العالمي، ووصفته بأنه “فنان بارع” في كشف أهداف التخفي. الفكرة ببساطة أنه لا يستخدم الموجات القصيرة التي صُممت الطائرات لامتصاصها، بل موجات أطول بكثير، يتراوح ترددها بين 30-300 ميغاهرتز. هذه الموجات الطويلة يصعب امتصاصها، إذ يتطلب ذلك طلاء أكثر سماكة ووزنا، وهو ما يخلق مشكلة للطائرة نفسها، لأنه يؤثر في خفة حركتها وأدائها في الجو. الرادار أيضا عملي وسريع الانتشار، إذ يمكن تثبيته على شاحنة ونشره في أقل من عشر دقائق.

    “الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد”

    لكن الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد، ما يصعب توجيه صاروخ اعتراضي بناءً على بياناتها وحدها. وتكمن قيمتها الحقيقية، وقدرتها الفعلية على تهديد الخصم، في دورها كحلقة أولى في شبكة استشعار متعددة الطبقات، إذ يكشف الرادار المتري الهدف وينبه منظومات أخرى أكثر دقة لتتولى التتبع والتوجيه.

    أما المجال الثاني والأكثر طموحا، فهو الرادارات الكمومية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أفادت تقارير إعلامية صينية ببدء إنتاج واسع النطاق لرادارات كمومية، يُعتقد أنها قد تتمكن من كشف المقاتلات الشبحية مثل “إف-22″ و”إف-35”. ويعتمد الرادار التقليدي على إرسال موجات راديوية ترتد عن الأجسام، ثم تُستخدم الإشارة المرتدة لتحديد موقع الهدف. أما الرادار الكمومي فيستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف.

    في هذا النوع من الرادارات، يمكن التعامل مع فوتون واحد فقط وقياس خصائصه بدقة، مثل الطاقة والاتجاه. وعند دخول الفوتون إلى الجهاز، تتحول طاقته إلى إشارة كهربائية صغيرة يمكن تحليلها. كما يعتمد النظام على ظاهرة “التشابك الكمومي”، حيث يُنتج فوتونين مرتبطين ببعضهما. وعند إرسال أحدهما نحو الهدف، فإن أي تغير يطرأ عليه يمكن رصده عبر الفوتون الآخر الموجود داخل الجهاز، ما يساعد على اكتشاف الأجسام حتى إذا ضعفت الإشارة المرتدة.

    “الرادار الكمومي يستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف”

    ورغم ذلك، لا توجد حتى الآن بيانات علمية منشورة أو تجارب ميدانية موثقة تثبت قدرة هذه الرادارات على كشف الطائرات الشبحية في ظروف تشغيل حقيقية. كما يشير خبراء المجال إلى تحديات تقنية حقيقية، أبرزها صعوبة الحفاظ على التشابك الكمومي في البيئات العملية، إضافة إلى تأثير الضوضاء والتشويش، ما قد يحد من كفاءة هذه الأنظمة في الاستخدام العسكري. ولكن الاتجاه العام لا يحتاج إلى نجاح كل ادعاء على حدة، فهذا الضغط متعدد الجبهات، من الرادارات إلى ميكانيكا الكم إلى الشفافية التجارية، يقلص المساحة التي يعمل بها مفهوم التخفي على أي حال، العام تلو العام.

    تقلص الفجوة بين أمريكا والعالم
    مفهوم التخفي، بمعناه الأوسع، ليس طلاء على طائرة، بل يمكن اعتباره ركيزة لنموذج كامل لإظهار وفرض القوة، بتحريك جيوش الدولة عبر المحيطات، ونشرها في قواعد بعيدة، وضرب أهداف في أي مكان، دون أن يراك أحد قبل أن تنفذ ضربتك. وهذا ما مكن واشنطن من خوض حروبها السابقة بتفاوت جوهري في المعلومات، فهي ترى ساحة المعركة، وخصومها لا يرون إلا ما تقرر أن تريهم إياه. وما حدث في الحرب على إيران قد يشير إلى أن هذا التفاوت بدأ يتراجع.

    أشارت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، إلى أن إيران نجحت في الاستفادة من “شبكة استخبارية واسعة النطاق.. وإنه ثمة صور كثيرة من الأقمار الاصطناعية التجارية متاحة الآن للشراء، بالإضافة بالطبع إلى ما كانوا يتلقونه من الروس والصينيين”.

    بينما ذهب سيث كرومريتش، رئيس الأركان السابق لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية بالشرق الأوسط، لمرحلة أبعد قائلا: “لم ينجز أحد أكثر مما أنجزه الإيرانيون بموارد أقل. إيران تملك استخبارات دقيقة، ليس فقط عن مواقع قواعدنا، بل عن كثير من أنماط حياتنا وأساليب عملنا العسكرية”. هذا ليس تقييما لمحلل خارجي أو مجرد ادعاء صيني، بل اعتراف من خبير على دراية واسعة بالمؤسسة العسكرية الأمريكية.

    وإلى جانب تآكل العتمة المعلوماتية، ثمة تحولات مرتبطة بها وإن كانت تختلف في طبيعتها. فقد أفاد آلان جوييه، المدير السابق لاستخبارات جهاز الأمن الخارجي الفرنسي، بأن إيران حصلت على الأرجح على نظام الملاحة الصيني بايدو، ما يفسر التحسن في دقة صواريخها مقارنة بحرب يونيو/حزيران الماضي. ويعمل نظام بايدو بـ45 قمرا مقابل 24 في نظام “جي بي إس” الأمريكي، والأهم أن واشنطن لا تستطيع تعطيله. وإن صح استخدام إيران لهذا النظام، فالقضية لم تعد تتعلق بمفهوم التخفي وحده، أي بقدرة أمريكا على ألا تُرى، بل باحتكارها منظومة التوجيه التي تمكن الآخرين من الضرب بدقة.

    لقد صُممت قاذفة “بي-2” لعالم يملك فيه عدد محدود من الدول القدرة على الرؤية، وكانت واشنطن فيه هي من يتحكم بما يُرى وما لا يُرى. بالطبع، لن يختفي ذلك العالم بين ليلة وضحاها، ولن يتبخر التفوق العسكري الأمريكي لأن شركة صينية نشرت صورا لقطع عسكرية أمريكية على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن الاتجاه الذي نسير إليه أصبح أوضح من ذي قبل، وأدواته في متناول من يريدها، من أقمار اصطناعية تجارية وذكاء اصطناعي وبيانات مفتوحة المصدر، مع تكلفة لاستخدام كل ذلك تنخفض كل عام عن العام الذي سبقه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسار أمني برعاية أمريكية.. هل تقترب بيروت وتل أبيب من تفاهمات طويلة الأمد؟

    تتجه المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، نحو مرحلة أكثر حساسية وتعقيدا، وسط تباين واضح في أولويات الأطراف المعنية.

    فالنقاش ينتقل من تثبيت وقف إطلاق النار إلى بحث ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد، تشمل مستقبل جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني، ودور “حزب الله”.

    وبينما تسعى بيروت إلى تثبيت التهدئة ووقف الهجمات الإسرائيلية، تبدو واشنطن ماضية في تكريس قواعد اشتباك جديدة، عبر إطلاق مسار أمني مباشر بين لبنان وإسرائيل.

    وهذا المسار تعتبره أوساط لبنانية تحولا سياسيا يتجاوز اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية نحو ترتيبات أمنية أوسع قد تفتح الباب أمام تفاهمات سياسية بعيدة المدى.

    وتسود تهدئة بين إسرائيل و”حزب الله” منذ 17 أبريل/ نيسان، لكن تل أبيب تخرقها يوميا، مواصلة عدوانا بدأته على لبنان في 2 مارس/ آذار، وخلّف 3042 قتيلا و9301 جريحا وأكثر من مليون نازح، وفقا لمعطيات رسمية.

    مرحلة سياسية جديدة

    وتعكس التطورات الجارية، وفقا لمراقبين، انتقال لبنان إلى مرحلة سياسية جديدة، بعدما باتت ملفات كانت في السابق من “المحرمات السياسية” جزءا من النقاش الرسمي، وبينها الحديث عن تنسيق أمني مباشر وترتيبات طويلة الأمد مع إسرائيل.

    ويرى متابعون أن واشنطن تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بين لبنان وإسرائيل، بما يضمن هدوءا طويل الأمد على الجبهة الشمالية لإسرائيل، ويؤسس لمرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية الإقليمية.

    في المقابل، تبدو الساحة اللبنانية منقسمة بين مَن يعتبر المفاوضات فرصة لتثبيت الاستقرار ووقف التصعيد، ومَن يراها محاولة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تحت ضغط الحرب.

    انطلاق مسار أمني

    وأعلن الوفد اللبناني المشارك في الجولة الثالثة من المفاوضات الثلاثية بواشنطن يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري، أن المحادثات أفضت إلى “تقدم دبلوماسي ملموس” لصالح لبنان، وإلى اتفاق على تمديد التهدئة 45 يوما من 17 مايو.

    وقال الوفد، في بيان، إن التمديد يهدف إلى السماح ببدء المسار الأمني برعاية الولايات المتحدة في 29 مايو، و”تعزيز الزخم السياسي الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة”.

    وأضاف أن الأطراف اتفقت على إطلاق “مسار سياسي رسمي” يعكس “انخراط لبنان البنّاء، ويعزز فرص التوصل إلى حل سلمي دائم”، على أن تُعقد جولة المفاوضات المقبلة يومي 2 و3 يونيو/ حزيران المقبل بواشنطن.

    الوفد أفاد بأن واشنطن ستعمل على “تعزيز التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل”، عبر مسار أمني يُفترض أن يبدأ رسميا في مقر وزارة الدفاع الأمريكية “بنتاغون”.

    وشدد على أن أولويات لبنان تتمثل في “استعادة السيادة على كامل أراضيه، وضمان أمن المواطنين، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، والإفراج عن المعتقلين واستعادة رفات الضحايا”.

    وتحتل إسرائيل مناطق بجنوبي لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب السابقة بين 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة نحو 10 كلم داخل الحدود الجنوبية.

    سلاح “حزب الله”

    وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تسعى للانتقال من التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات أمنية أكثر شمولا، تتناول مستقبل الوضع الميداني في جنوب لبنان، وآلية انتشار الجيش اللبناني، وطبيعة التنسيق الأمني بين بيروت وتل أبيب.

    وقال المحلل السياسي والكاتب الصحفي آلان سركيس للأناضول، إن ما يجري “ليس مجرد مفاوضات سياسية تقليدية، بل عملية تفاوض ذات شق أمني واضح سيبدأ بحثه رسميا في البنتاغون يوم 29 مايو”.

    وأضاف أن هذا المسار يتضمن تنسيقا أمنيا بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية بهدف “ترتيب الوضع الأمني في الجنوب ووقف الهجمات”.

    وتابع أن الاتفاق المرتقب “سيشمل الدولتين فقط، فيما لن يكون حزب الله شريكا مباشرا فيه، باعتبار أن الدولة اللبنانية هي المسؤولة عن الأمن والاستقرار”.

    وبالفعل بدأت المناقشات الأمنية بعيدا عن الإعلام، وسيكون الجيش اللبناني الجهة الأساسية المكلفة بإدارة الأمن في جنوبي البلاد “بوصفه السلطة الوحيدة المخولة بذلك”، حسب سركيس.

    وأكمل أن واشنطن تضغط بقوة للوصول سريعا إلى اتفاق أمني يتناول ملفات شمال نهر الليطاني وجنوبه، إضافة إلى المنطقة الحدودية التي تصفها إسرائيل بـ”الخط الأصفر”.

    وفي أبريل الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض “الخط الأصفر” جنوب الليطاني، وهو شريط وهمي يحدد المنطقة الممتدة منه وصولا إلى الحدود على أنها “أمنية عازلة” في تكرار لنموذج قطاع غزة.

    وهذا الخط، وفقا لإسرائيل، يهدف إلى منع عودة النازحين، واستهداف أي تحركات مسلحة بوصفه “منطقة قتال” لا تخضع لتفاهمات وقف إطلاق النار.

    وأردف سركيس أن إسرائيل أبلغت الجانب الأمريكي والوفد اللبناني أنها لن تنسحب من جنوبي لبنان قبل “نزع سلاح حزب الله بشكل كامل”.

    وتابع: على أن يلي ذلك بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المنطقة بإشراف أمريكي مباشر وتنسيق عسكري مستمر.

    وتتبنى الحكومة اللبنانية خطة لحصر السلاح، تشمل ما يملكه “حزب الله”، بيد الدولة، بينما يتمسك الحزب بسلاحه، ويشدد أنه “حركة مقاومة” للاحتلال الإسرائيلي.

    سركيس رأى أن الاتفاق الأمني المرتقب قد يشكل مدخلا لترتيبات سياسية أوسع، وربما لاتفاق سلام مستقبلي يضمن “أمن لبنان وإسرائيل”، وفقا لتعبيره.

    مطالب “تعجيزية”

    ورأى المحلل العسكري العميد المتقاعد هشام جابر أن المطالب الإسرائيلية المطروحة في الملف الأمني “تعجيزية”، وتتجاوز قدرة الوفد اللبناني على اتخاذ قرارات بشأنها.

    وقال جابر للأناضول إن إسرائيل تضع في مقدمة مطالبها “نزع سلاح حزب الله”، متسائلا عما إذا كان الوفد اللبناني يملك أصلا صلاحية الالتزام بمثل هذا القرار.

    وأضاف أن “هذا الملف لا يمكن حسمه من خلال وفد تفاوضي، فقرار بهذا المستوى يحتاج إلى توافق داخلي لبناني وموافقة المؤسسات الدستورية، بدءا من مجلس الوزراء وصولا إلى البرلمان”.

    وتابع أن إسرائيل تسعى أيضا إلى فرض ترتيبات أمنية واسعة في المنطقة الحدودية، بينها إنشاء مناطق منزوعة السلاح وفرض قيود على انتشار القوات اللبنانية.

    واعتبر أن استمرار الغارات الإسرائيلية يضعف أي فرصة لنجاح اتفاق التهدئة، قائلا إن فترات الهدنة السابقة “لم تحمل أي التزام فعلي بوقف الأعمال العسكرية”.

    أولويات مختلفة

    ووفقا للباحثة والكاتبة الصحفية ميساء عبد الخالق فإن المفاوضات الحالية تسير في مسارين متوازيين: سياسي وأمني، وسط اختلاف جذري في أولويات الأطراف المعنية.

    وأوضحت في حديث للأناضول أن لبنان يركز على وقف اعتداءات إسرائيل، وانسحاب قواتها من القرى الحدودية، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، والإفراج عن الأسرى واستعادة الجثامين.

    وأضافت أن بيروت تسعى إلى اتفاق أمني “يحفظ السيادة وكرامة المواطنين”، ويعيد الاستقرار إلى الجنوب اللبناني.

    أما إسرائيل والولايات المتحدة فتعتبران مسألة نزع سلاح “حزب الله” أولوية أساسية، وسط حديث متزايد عن ترتيبات قد تتطور مستقبلا نحو اتفاق سياسي أوسع، حسب عبد الخالق.

    وتابعت أن واشنطن وتل أبيب تتبنيان خطاب ذريعة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، بينما تعتبر الدولة اللبنانية أن ما يجري يمثل “اعتداءات متواصلة على السيادة اللبنانية”.

    وختمت بأن نجاح أي اتفاق مرتبط بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بوقف هجماتها، بالإضافة إلى موقف “حزب الله” من التفاهمات الأمنية المطروحة.

    تحذيرات الحزب

    وأثارت طبيعة المسار الأمني المرتقب اعتراضات داخلية، خصوصا من “حزب الله” وحلفائه، الذين يحذرون من أن المفاوضات قد تتحول إلى مدخل لفرض شروط إسرائيلية على لبنان.

    وقال النائب في كتلة الحزب البرلمانية حسين الحاج حسن، في بيان، إن الولايات المتحدة تدفع باتجاه ترتيبات تخدم أهدافها وأهداف إسرائيل “المعادية للمقاومة”، حسب تعبيره.

    وأضاف أن السلطة اللبنانية أعلنت سابقا رفض إجراء مفاوضات قبل تثبيت وقف إطلاق النار، “لكنها اليوم أصبحت في صلب المفاوضات رغم استمرار الاعتداءات”.

    واعتبر أن الحديث عن سلام أو تطبيع مع إسرائيل “لا يحظى بقبول وطني واسع”، إذ توجد قوى سياسية وشعبية لبنانية ترفض أي مسار يؤدي إلى التطبيع، حسب قوله.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رغم اضطراب الأسواق الدولية.. نفقات المقاصة تتراجع بنحو 50 مليار سنتيم

    تم تنفيذ قانون المالية خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 في سياق دولي اتسم بتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، خصوصاً المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط، مما أثر على استقرار أسواق الطاقة وزاد من مناخ عدم اليقين بشكل مستدام، ومع ذلك سجلت نفقات المقاصة بالمغرب تراجعاً بنحو 50 مليار سنتيم (500 مليون درهم)، في حين ارتفعت مداخيل الدولة بـ10,1 مليارات درهم.

    وساهمت التساقطات المطرية المهمة المسجلة في إنعاش مختلف الأنشطة الفلاحية، كما تعكس ذلك التقديرات الأولية للمحصول الوطني من الحبوب، الذي يُتوقع أن يبلغ، خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، نحو 90 مليون قنطار.

    وفي المقابل، واصلت الأنشطة غير الفلاحية منحاها الإيجابي، رغم الاضطرابات الجزئية الناتجة عن سوء الأحوال الجوية خلال الشهرين الأولين من السنة، والتي أثرت خصوصاً على قطاعي البناء والأشغال العمومية والصيد الساحلي والتقليدي.

    وأظهرت وضعية تحملات وموارد الخزينة، الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية، إلى غاية نهاية أبريل 2026 تسجيل عجز في الميزانية بلغ 19,1 مليار درهم، مقابل 17,5 مليار درهم قبل سنة. ويعكس هذا التطور ارتفاع النفقات (+11,7 مليار درهم) بوتيرة تفوق ارتفاع المداخيل (+10,1 مليارات درهم).

    وسجلت المداخيل، على أساس صافٍ بعد خصم المبالغ المسترجعة والتخفيضات والإرجاعات الضريبية، ارتفاعاً بحوالي 10,1 مليارات درهم (+7,6%) مقارنة بنهاية أبريل 2025. أما المداخيل الجبائية، فقد حققت معدل إنجاز بلغ 36,4%، مع ارتفاع قدره 10,9 مليارات درهم (+8,9%) مقارنة بنهاية أبريل 2025.

    وحسب نوع الضريبة أو الرسم، فإن أبرز التطورات التي ميزت أداء المداخيل الجبائية مقارنة بتوقعات قانون المالية لسنة 2026 وبنهاية أبريل 2025 هي تلك المتعلقة بالضريبة على الشركات (IS)، التي سجلت ارتفاعاً قدره 9 مليارات درهم (+24,9%)، ويعزى ذلك أساساً إلى الدينامية الجيدة للأداءات التلقائية التي ارتفعت بـ8,9 مليارات درهم (+22,9%).

    أما الضريبة على الدخل (IR) فسجلت تراجعاً بـ1,2 مليار درهم (-4,3%). ويُفسر هذا التطور أساساً بالمداخيل الاستثنائية البالغة 3,8 مليارات درهم المسجلة في يناير 2025، المرتبطة بإجراء التسوية الضريبية الطوعية المنصوص عليه في قانون مالية 2024. وباستثناء هذه العملية الاستثنائية، كانت مداخيل الضريبة على الدخل ستسجل ارتفاعاً بنسبة 11,1%، مدفوعة خصوصاً بارتفاع الضريبة المقتطعة من أرباح تفويت القيم المنقولة (+1,8 مليار درهم) والضريبة المقتطعة من الأجور (+679 مليون درهم).

    وعلى مستوى الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، فقد تم تحقيق ارتفاع بـ1,2 مليار درهم (+3,9%)، يعود أساساً إلى الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد (+1,1 مليار درهم أو +5,6%). أما المداخيل المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة الداخلية فلم ترتفع سوى بـ109 ملايين درهم (+1%).

    كما سجلت الرسوم الجمركية معدل إنجاز بلغ 29,9% وارتفاعاً بـ151 مليون درهم (+2,8%).

    أما النفقات العادية فبلغت، من جهتها، 146 مليار درهم عند نهاية أبريل 2026، مسجلة ارتفاعاً بـ14,6 مليار درهم مقارنة بنهاية أبريل 2025. ويشمل هذا التطور، من جهة، ارتفاع نفقات السلع والخدمات بـ12,9 مليار درهم (+11,7%) وفوائد الدين بـ2,2 مليار درهم (+15,8%)، ومن جهة أخرى، تراجع نفقات المقاصة بـ468 مليون درهم (-6,2%).

    وسجلت فوائد الدين معدل إنجاز بلغ 38,2%، ويعكس تطورها ارتفاع فوائد الدين الداخلي بـ1,6 مليار درهم، إلى جانب زيادة فوائد الدين الخارجي بـ529 مليون درهم، في حين بلغت نفقات المقاصة 7,1 مليارات درهم، متراجعة بـ468 مليون درهم (-6,2%) مقارنة بنهاية أبريل 2025.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معضلة الصمت السياسي.. لماذا يختار المسؤول بَلْعَ لسانه عند انفجار الفضائح؟

    في كل لحظة تسريبات لأملاك وثروات المسؤولين العمومين أو عند انفجار “فضائح” ذات علاقة بتدبير المال العام أو سوء توظيف للسلطة في تسيير مرافق الدولة بالمغرب، يغلب الصمت على المشهد السياسي دون أي تجاوب من الذين توجه إليهم أصابع الاتهام، لا بالتأكيد أو بالنفي، ويظل المجال مفتوحا أمام الرأي العام لاستهلاك التأويلات الجاهزة وأحياناً، العشوائية، دونما رواية رسمية مضادة تزيل الغموض واللبس عن حقيقة الأمور وتضع المواطن أمام حياة سياسية شفافة ومكشوفة.

    وخلال الأشهر الأخيرة، تناسلت عدد من القضايا التي استأثرت بالرأي العام والمستدعية للتوضيح والتفسير والإقناع، دون أن تتحقق واحدة من هذه الغايات؛ وفي مقدمة هذه الملفات اختلالات تدبير دعم استيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 والخلاف حول “فراقشية” دعم اللحوم الحمراء، مروراً بجدل التعيينات في عدد من المسؤوليات الإدارية وارتباط المعينين بأحزاب سياسية من الأغلبية الحكومية، وصولاً إلى تسريبات “جبروت” التي استهدفت عددا من الفاعلين السياسيين في ذممهم المالية ونزاهتهم السياسية، في سياق دقيق نقترب فيه من موعد الاستحقاقات الانتخابية.

    وفي وقت كان ينتظر فيه الرأي العام خروج الفاعلين السياسيين بأجوبة وتوضيحات تزيل ستار الغموض على هذه القضايا التي تمس في الجوهر مبدأ الشفافية والنزاهة والمصداقية، اكتفى بعض السياسيين بمهاجمة مصادر هذه المعطيات ومسربيها واتهامهم بـ”العدمية” و”الخيانة” و”الشعبوية”، دون أن تصدر عن المذكورة أسماؤهم بيانات حقيقة أو بلاغات تكذيب، لمعطيات أصبحت على كل لسان.

    وتتجلى مفارقة المشهد السياسي المغربي، في ظل اتساع رقعة التسريبات وانتشار “الفضائح” المتعلقة بالتدبير العمومي، في تزامنها مع دينامية مؤسساتية رسمية تروم تعزيز الثقة في العمل السياسي، وإعادة تحفيز المواطنين على الانخراط في الاستحقاقات الانتخابية، في وقت يستمر فيه تداول معطيات وُصفت بـ”الفضائحية”، دون أن تواجه بأجوبة وردود فعل تَعدِم القراءات الشخصية وتكسر الصمت السياسي إزاءها.

    وقبل أيام، خرج الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، في نشاط حزبي، للرد، ولو بشكل غير مباشر، على من هم وراء منصة “جبروت” بعدما تناولت معاملات عقارية منسوبا إليه، بتوظيف أسلوب تهجمي على مسربي هذه المعطيات ووصفهم بـ”الظلاميين” واتهامهم بـ”ضرب المؤسسات المنتخبة”، وهو ما أثار تساؤلات متتبعين للشأن السياسي عن سبب تغاضي “الزعيم بركة” عن التفاعل مع ما نشر من معطيات وليس مخاطبة من ينشرها، واكتفائه بالصراخ في وجه المسربين.

    الرد الانفعالي لا يسعف في الأزمات السياسية 

    كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة، بكلية الحقوق – أكدال، جامعة محمد الخامس، قال إن الأنظمة الديمقراطية الحديثة، لا يمكن فيها اختزال تدبير الأزمات السياسية فقط في منطق الصمت أو الرد الانفعالي، لأن الأمر يرتبط أساسا بكيفية حماية الثقة العامة في المؤسسات.

    وأضاف الهشومي: أحيانا قد يختار بعض المسؤولين الصمت بدافع احترام مسار التحقيق أو تفادي تحويل النقاش إلى سجال شعبوي، لكن في المقابل، عندما يتعلق الأمر بمعطيات تمس المال العام أو صورة التدبير العمومي، فإن الرأي العام ينتظر قدرا من التوضيح والتواصل المسؤول، حتى لا يفهم الصمت باعتباره تجاهلا أو تعاليا على أسئلة المجتمع.

    وسجل الأكاديمي عينه، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المشكلة اليوم ليست فقط في وجود الاتهامات أو التسريبات، لأن كل الديمقراطيات تعرف أزمات مشابهة، بل في كيفية تدبيرها مؤسساتيا وسياسيا وإعلاميا. فكلما كانت هناك شفافية معقولة، وتواصل هادئ ومسؤول، واحترام للمؤسسات الرقابية والقضائية، كلما تم احتواء الأثر السلبي على الثقة العامة. لذلك فالمطلوب ليس التهويل ولا إصدار الأحكام المسبقة، وإنما ترسيخ ثقافة المساءلة الهادئة وربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار القانون والمؤسسات.

    من جانبه، قال الأستاذ الجامعي والناشط حقوقي، خالد البكاري، إن “الجواب عن سؤال التسريبات وطبيعة تفاعل السياسي معها هو جواب مركب ينطوي على عناصر متعددة؛ أولها يرتبط بضبابية المشهدين السياسي والاقتصادي في المغرب، وهي ضبابية ناتجة بالأساس عن خلل بنيوي يتعلق بحرمان المواطن من حقه الدستوري في الوصول إلى المعلومة”.

    أما العنصر الثاني، حسب البكاري، فيتعلق بالتطور التكنولوجي الرهيب الذي يشهده العالم اليوم. فالمنظومة الدولية تشهد آلاف التسريبات يوميًا، بلغت حد نشر أسرار عسكرية وأمنية فائقة الحساسية في دول كبرى مثل أمريكا وفرنسا. ويستدرك: “إذا كان المغرب لم يصل بعد إلى هذا المستوى من خطورة التسريبات، فإن العجز الحالي عن وضع آليات للتصدي لتسريبات مرتبطة بالممتلكات أو الصفقات العمومية، يطرح علامة استفهام كبرى حول مدى قدرة الدولة مستقبلاً على مواجهة قرصنة أو تسريبات من مستويات أعلى”.

    “غياب الرواية المضادة”

    اعتبر البكاري أن “الإشكال الحقيقي يكمن في وجود نخب حالية لا تملك الأهلية المعرفية للتعامل مع معطيات العصر الرقمي، ولا تحسن التواصل مع جيل جديد نشأ وتربى على الثقافة الرقمية ويعتبرها أمرًا عاديًا”، لافتاً إلى أن “هذه النخب تكتفي بتقديم ردود كلاسيكية عاجزة دون تقديم إجابات موضوعية وواضحة”.

    وأضاف الفاعل الحقوقي عينه أن مواجهة هذا الوضع لا تكون بـ”إنكار التسريب”، بل بـ”توضيح المعطيات”؛ أي تقديم رواية مضادة مدعومة بالحجج والأدلة إن كانت التسريبات كاذبة، مسجلاً أنه إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فالأمر يقتضي تحمل المسؤولية السياسية، والتي تتجلى في وضع المسؤول نفسه رهن إشارة البحث القضائي، أو تقديم استقالته، وذلك من أجل بناء ثقافة سياسية جديدة تقطع مع الإفلات من المحاسبة.

    ولفت البكاري إلى أن البناء القانوني والمؤسساتي الحالي في المغرب لا يفرض، للأسف، على الفاعل السياسي الخضوع المباشر للمساءلة فور وقوع مثل هذه الأحداث، بخلاف الدول الديمقراطية التي تشهد انعقاد جلسات مساءلة برلمانية فورية تُلزم المسؤول بالرد السياسي والقانوني، مشددا على أن المغرب يعيش اليوم لحظة سياسية حرجة تقتضي نوعًا من الشجاعة السياسية، ومدخلها الأساسي هو الوضوح التام مع المواطنين والإجابة عن تساؤلاتهم؛ فلأن الدولة عاجزة عن تقديم “رواية مضادة” ومعلومات حقيقية، أصبح الشارع يصدق كل ما يُنشر ويُشاع دون تمحيص.

    صمت السياسي “يزكي” التسريبات

    وخلال الآونة الأخيرة التي أصبح فيها تداول هذه التسريبات سريع بين الناس في العالم الرقمي والواقعي، أصبح الرأي العام يقيس مصداقية المعطيات والتسريبات التي تصدر بخصوص ثروات وأملاك بعض المسؤولين السياسين بغياب رد فعل مؤسساتي أو حزبي من المعنيين بها أو المستهدفين منها، سواء بالنفي أو التأكيد، الذين غالباً ما يلجؤون إلى الصمت عوض توضيح هذه الوقائع للمواطنين.

    وفي هذا السياق، أشار الهشومي إلى أن “هناك عدة اعتبارات تفسر التردد أو الحذر”، مبرزاً أن هناك أولا، طبيعة المناخ الرقمي الحالي تجعل أي تصريح قابلا للاجتزاء أو التوظيف السياسي والإعلامي خارج سياقه، وهو ما يدفع بعض الفاعلين إلى اعتماد منطق الانتظار بدل التفاعل السريع، بالإضافة إلى بعض الملفات التي قد تكون موضوع مساطر أو افتحاصات أو معطيات غير مكتملة، فيفضل المعنيون ترك المجال للمؤسسات المختصة بدل الدخول في نقاشات مفتوحة قد تزيد الوضع تعقيدا.

    لكن في العمق، يستردك الهشومي، فإن هذا الوضع يكشف أيضا عن حاجة الحياة السياسية إلى تطوير ثقافة التواصل السياسي المؤسساتي. فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بالشعارات أو بالخطاب العام، بل أصبح يطالب بتفسيرات دقيقة، وبمؤشرات واضحة حول الحكامة والنزاهة وتدبير تضارب المصالح. وهذا أمر طبيعي في مجتمع يعرف ارتفاعا في الوعي السياسي والرقمي.

    وفي المقابل، يواصل الأستاذ الجامعي والمختص في العلوم السياسية أنه يجب التمييز دائما بين المعطيات المثبتة قانونيا وبين الاتهامات أو التسريبات التي قد تستعمل أحيانا في إطار تصفية الحسابات أو الصراع السياسي. لأن حماية الثقة في المؤسسات تقتضي أيضا حماية قرينة البراءة وعدم السقوط في منطق الإدانة الجماعية أو المحاكمات الافتراضية.

    من جهته، أشار البكاري إلى أن تقديم رواية رسمية، حتى وإن لم يصدقها الجميع، يظل خياراً أفضل بكثير من انكفاء المؤسسات على نفسها، مبرزاً أن الرد يتيح على الأقل انقسام الرأي العام بين مصدق ومكذب، أما الصمت فإنه يخلي الساحة تماماً لتلك التسريبات لتنفرد بتوجيه الوعي الجمعي وصياغة قناعات الشارع.

    وأوضح المصدر ذاته أن الخطورة الكبرى تكمن في أننا نجهل تماماً الهوية الحقيقية للجهات الواقفة وراء هذه التسريبات أو الأجندات التي تحركها، مؤكداً أنه عندما تنجح هذه الأطراف الخفية في كسب ثقة المواطنين واحتكار مصداقية الرواية، فإنها تحوز سلطة رمزية خطيرة؛ إذ يصبح الشارع يتلقى ويطلب المعلومة منها هي حصراً.

    “صمت” يُؤخِّر استعادة ثقة المجتمع في السياسة 

    وتتزامن موجات ردود فعل الرأي العام التي تثيرها المعطيات المسربة حول ثروات وأملاك المسؤولين أو “الفضائح” التي تنفجر في كل مرة حول طريقة تدبير مرافق عمومية وميزانيتها، مع توجه الدولة، عبر مؤسساتها، إلى استعادة ثقة المجتمع في العمل السياسية وتشجيع المشاركة السياسية المباشرة عبر الانتخابات.  

    وباستمرار تَسرُّب معطيات تمس الذمة الاقتصادية والمالية لوجوه بارزة في عالم السياسة على الفضاء العام وغياب التجاوب مع مضمونها أو نفي صحتها من المعنيين بها، تكون استراتيجيات الدولة في موضوع استعادة الثقة في العمل السياسي في مواجهة تحدي كبير وهو تحدي الجدوى.

    وفي هذا السياق، أوضح الهشومي أن “تكرار حالات الصمت أو ضعف التواصل قد يساهمان في توسيع فجوة الثقة بين المواطن والسياسة، خصوصا لدى فئة الشباب التي أصبحت تربط المصداقية بسرعة التفاعل والوضوح والقدرة على الإقناع. لذلك فإن التحدي اليوم لا يتعلق فقط بالدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية أو تشجيع المشاركة، بل أيضا بإعادة بناء المعنى الأخلاقي والسياسي للعمل العمومي”.

    لكن في المقابل، يضيف الأستاذ الجامعي أنه من المهم ألا نقع في تعميم سلبي يختزل السياسة كلها في بعض الوقائع أو الاختلالات، مبرزاً أن السياسة، في جوهرها، تظل أداة أساسية للإصلاح والتغيير وتدبير الاختلاف داخل المجتمع. كما أن المغرب راكم مسارا مؤسساتيا مهما في مجالات الحكامة والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مسار يحتاج إلى مزيد من التراكم والثقة والإصلاح الهادئ.

    وفي هذا السياق، اعتبر الهشومي أن المطلوب اليوم ربما هو الانتقال من منطق الصدمة الظرفية إلى منطق النضج الديمقراطي؛ أي التعامل مع مثل هذه القضايا بجدية ومسؤولية، دون تهويل يضرب الثقة في المؤسسات، ودون أيضا صمت يترك المجال للإشاعة وفقدان الثقة. فالمجتمعات لا تتقدم بإنكار الأزمات، ولا بتضخيمها، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى فرصة لتعزيز الشفافية وتقوية أخلاقيات التدبير العمومي وربط السياسة مجددا بقيم الخدمة العامة والمسؤولية.

    “الصمت إلى أن تنهي الفضيحة دورتها الطبيعية”

    عبد المنعم لزعر، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري في كلية الحقوق السويسي جامعة محمد الخامس الرباط، قال إن بعض السياسيين يعتمدون لغة الصمت والتجاهل في انتظار استكمال الفضيحة السياسية دورتها الطبيعية، مبرزاً أن “تعاطي السياسيين مع ما يفترض أنه فضيحة سياسية لا يتخذ مسارا واحدا”.

    وأضاف الأستاذ الجامعي، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن تأثير الفضيحة السياسية على المستوى السياسي والانتخابي يعتمد على سياق وطبيعة البيئة التي يجري فيها تداول الفضيحة السياسية ووزن الفاعل السياسي أو المدبر العمومي المعني بالفضيحة.     

    هل يخدم صمت السياسي طمأنة الرأي العام حيال معطيات ذات علاقة بالمال والنفوذ الخاصين بالمدبر العمومي؟

    بداية يجب الإشارة إلى أن الفضيحة السياسية تشير إلى كل واقعة أو خبر أو معطى مُدان، سواء كان حقيقيا أو متخيلا يخضع للتركيز المكثف عبر التواصل الجماهيري التقليدي أو الافتراضي، ويثير ردود فعل سلبية ساخطة وغاضبة في وسط الرأي العام، وهي ظاهرة تعد جزء من السياسة وإحدى آليات شحن الصراع بين المتنافسين على السلطة وعلى عائدات السياسة والتدبير العمومي بالطاقة والإثارة.

    فإذا كان تشكل كرة ثلج الفضيحة السياسية لا يتبع مسارا واحدا، حيث تبقى بعض بذور الفضائح السياسية طي الكتمان ويتم تداول أخرى بشكل محدود داخل المجالس الخاصة في مقابل نقل أخرى للتداول العام فإن تعاطي السياسيين مع ما يفترض أنه فضيحة سياسية لا يتخذ بدوره مسارا واحدا، هناك فئة من السياسيين ينهزمون بسرعة أمام السهام المشتعلة للفضيحة السياسية في حين يعتمد البعض لغة الصمت والتجاهل في انتظار استكمال الفضيحة دورتها الطبيعية، في حين يحاول آخرون تجريب استراتيجيات رد الفعل عبر الاستثمار في بلاغات توضيحية أو الاستثمار في حملات تبييض السمعة وغيرها.

    ما الذي يفسر تخوف السياسي من مواجهة هذه المعطيات ذات العلاقة بالذمة المالية والمصداقية السياسية؟

    كما قلت فإن ما يعد فضيحة سياسية هي جزء من السياسة والتدبير العمومي وهي المفاجأة غير السارة التي قد يتوقعها أي سياسي أو مدبر عمومي، وهنا استحضر العبارة الشائعة “الله يخرج سربيسك على خير”.

    رأسمال السياسي هو السمعة ورأسمال المدبر العمومي هي المروءة، لذلك، كلا الفاعلين يسكنهما الخوف من فقدان هاتين الميزتين، وبالتالي فقدات المنصب أو الموقع السياسي أو الإداري، ولكن هذا لا يمنع من التأكيد على أن الممارسة السياسية وغيرها تقدم الكثير من الحجج التي تفيد بأن كل مدبر عمومي وكل ممارس للسياسة قد يكون ضحية الفضيحة السياسة من طرف خصومه ومنافسيه وقد يكون مُوَظفا للفضيحة السياسية بدوره لمواجهة خصومه ومنافسيه.

    وهنا يجب الإشارة إلى أن هناك اختلاف بين الفضيحة الواقعية والفضيحة الافتراضية، في العالم الواقعي الفضيحة قد تتخذ شكل واقعة مُعاينة، في حين قد تتخد الفضيحة في العالم الافتراضي شكل واقعة مُتخيلة، وفي كلا الحالتين قد يختلف تعامل السياسي والمدبر مع الحالتين عبر استراتيجيات مختلفة ما لم تتحول الفضيحة إلى متابعة جنائية.

    ألن يؤدي صمت السياسي في مثل هذه المواضيع إلى مزيد من النفور من السياسة وعزل “السياسي” عن المجتمع؟

    عندما نتحدث عن الفضيحة السياسة فإننا نتحدث عن إحدى الأدوات الرائجة لتسميم البئر، حيث تساهم الفضيحة السياسية في تشكيل تقييمات سلبية حول الفاعلين والمؤسسات والوسط المعني بالفضيحة السياسية، بمعنى أن كل فضيحة قد تولد آثار مدمرة وغير قابلة للتفادي خاصة إذا صادفت سياق مواتي وبيئة حاضنة.

    لكن بالمقابل السياسيين والمدبرين المعنيين بالفضيحة لا يمكن النظر إليهم كجهات فاعلة “هشة” لأنهم بدوره كما قلت يطورون استراتيجيات تعويضية لملء خزان الثقة الذي سببت الفضيحة السياسية في استنزافه، كما أن جزء من الفاعلين السياسيين والمدبرين يرتبطون بمراكز قوى تحميهم من تأثيرات الفضائح السياسية ويرتبطون كذلك بشبكات زبونية وولاءات تحتية تشكل بمثابة حاجز قوي وصلب في عدد من الحالات أمام تداعيات أية فضيحة سياسة.

    وبالتالي، فإن تأثير الفضيحة السياسية على المستوى السياسي والانتخابي يعتمد أولا على سياق وطبيعة البيئة التي يجري فيها تداول الفضيحة السياسية ووزن الفاعل السياسي أو المدبر العمومي المعني بالفضيحة.

    هنا غالبا ما تزداد فرص التأثير، عندما يتم ترجمة السخط أو الشجب والغضب الشعبي من فضيحة مفترضة إلى قرار سياسي فردي أو جماعي، قد يتخذ شكل احتجاج أو تصويت عقابي أو غيره، في هذه الحالة تتهاوى كل الدفاعات والحواجز التي تحمي الفاعلين السياسيين أو المدبرين العموميين من نيران الفضائح السياسية.

    * صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وزير خارجية فرنسا: الشراكة مع المغرب رافعة قوية للاستقرار الدولي

    الخط : A- A+

    أكد وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، اليوم الأربعاء 20 ماي الجاري بالرباط، أن الشراكة الاستثنائية التي تجمع المغرب وفرنسا تشكل أداة فعالة لإرساء الاستقرار في ظل التحولات العالمية المتسارعة.

    وأوضح المسؤول الفرنسي، خلال لقاء صحفي مشترك عقب مباحثاته مع نظيره ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، على هامش المؤتمر الوزاري الثاني حول حفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني، أن هذه الشراكة تبرز كرافعة قوية لمواجهة التقلبات الدولية والدفع نحو حلول ملموسة.

    وأشار بارو إلى أن العلاقات بين البلدين ترقى إلى نموذج استثنائي قائم على تعاون مثمر يشمل مجالات متعددة، من بينها الصناعة والطاقة والأمن والدفاع والثقافة والرقمنة، بما يخدم مصالح الشعبين.

    وأضاف أن المغرب يُعد الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في إفريقيا، وقطبا لوجستيا وطاقيا وماليا مهما، مبرزا أن البلدين يعملان معا على تطوير مشاريع مستقبلية بالقارة الإفريقية ومن أجلها.

    وأكد الوزير الفرنسي أن هذه الدينامية الإيجابية تعززت منذ زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة سنة 2024، والتي أفرزت خارطة طريق طموحة يجري تنفيذها لتعزيز التعاون الثنائي.

    كما أشاد بالتطورات الإيجابية التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، مجددا دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه.

    وفي هذا السياق، أبرز التزام فرنسا بدعم جهود التنمية في الأقاليم الجنوبية، من خلال تعزيز حضورها القنصلي وأنشطتها الثقافية، بما في ذلك افتتاح مركز لطلبات التأشيرة وإحداث مؤسسة ثقافية بمدينة العيون.

    وعلى صعيد آخر، اعتبر بارو أن المؤتمر الوزاري لحفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني يجسد نموذجا للتعاون المثمر بين الرباط وباريس في تعزيز العمل متعدد الأطراف.

    وخلص إلى أن هذا الحدث يعكس أيضا طموح فرنسا لبناء شراكة متجددة مع القارة الإفريقية، وتعزيز تعاونها مع المغرب في مختلف المجالات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فرنسا والمغرب يستعدان لتوقيع معاهدة لتعزيز العلاقات خلال الزيارة الرسمية المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس

     (رويترز)

    – قال وزيرا خارجية المغرب وفرنسا اليوم الأربعاء إن البلدين يستعدان لتوقيع معاهدة لتعزيز العلاقات خلال الزيارة الرسمية المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس.

    وذكر وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لصحفيين بعد محادثات مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو إن المعاهدة ستكون الأولى من نوعها التي يبرمها المغرب مع دولة أوروبية.

    ولم يذكر الوزيران موعد زيارة العاهل المغربي.

    وتحسنت العلاقات بين البلدين منذ اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء المغربية  في 2024.

    وقال بوريطة إن الشراكة المغربية والفرنسية تعيش “أقوى مراحلها في جميع المجالات”، مشيرا…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بنعبد الله يكشف « ضغوطا حكومية » على نواب الأغلبية بسبب « الفراقشية »

    هسبريس من الرباط

    كشف محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أن “نواب الأغلبية تلقوا تهديدات صريحة كي لا يؤازروا المعارضة إطلاقا في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق” التي أثير حولها نقاش نيابي وعمومي وسياسي بخصوص الإجراءات التي همّت استيراد المواشي واللحوم الحمراء من الخارج، مبرزا أن “أعضاء من المؤسسة التشريعية باسم مكونات الأغلبية صرحوا بذلك مباشرة”.

    وقال بنعبد الله، في لقاء خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إنهم “صرّحوا بوجود تعليمات صارمة بعدم التوقيع معنا، وبأن من يفعل ذلك فسيواجه إجراءات تأديبية”، موردا أن هذا الملف المعروف إعلاميا بتوصيف “الفراقشية” ما زال بـ”حاجة فعلية” إلى لجنة لتقصي الحقائق تحدثها المؤسسة النيابية، لا سيما أن “هناك أعمالا استقصائية مبنية على أرقام رسمية تؤكد أن مليارات الدراهم قد صُرِفت في غير محلها”.

    ملف “الفراقشية”

    يعد ملف استيراد اللحوم والمواشي من القضايا الكبرى التي تصرّ بها المعارضة المؤسساتية والحزبية على إحراج السلطة الحكومية بالنظر إلى ما يثار حولها من سجال عمومي ممتد. وسجل القيادي اليساري البارز أن “حزبه كان أول من ألقى الحجرة الأولى في بركة هذا الموضوع”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتابع ضيف هسبريس: “شكلت تدوينتنا انطلاقة لسيل جارف من النقاشات حول الشبهات التي رافقت دعم استيراد المواشي”.

    وأثناء مواجهته بكون الحكومة وقيادات حزب التجمع الوطني للأحرار تعتبر هذا الموضوع “فرقعة إعلامية مكتظة بالمغالطات في الأرقام التي يتم الاستناد إليها”، رد الأمين العام لحزب “الكتاب” بأن “البيانات المقدمة رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية نفسها”.

    وزاد القيادي الحزبي سالف الذكر: “ساءلنا الحكومة عن أوجه الدعم المقدم كافة، سواء أكان دعما مباشرا أم ما يُعرف بالمداخيل غير المحصلة نتيجة السياسات الجمركية والضريبية المعتمدة”.

    وأشار إلى “وجود شبهات تتصل بصرف اعتمادات بشكل أو بآخر في هذا الدعم”، مبرزا أن “هذا يعني أن هناك أفرادا لم يستوردوا رأسا واحدا من الماشية ومع ذلك استفادوا من الدعم، وهذه قمة تضارب المصالح”؛ وهي “أشياء تتطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق؛ غير أن المعارضة لا تملك النصاب القانوني لتشكيلها، لأن ذلك يستلزم توقيع عدد من نواب الأغلبية”.

    واستحضر المتحدث عينه أيضا “تعذر تفعيل لجنة تقصي الحقائق، فيما تحول الأمر إلى مجرد مهمة استطلاعية، ثم ما لبثت أن اختفت هذه المهمة الاستطلاعية نفسها ولم نعد نسمع عنها ركازا، لتتم في نهاية المطاف عملية إقبار الملف برمته”، معتبرا أنه “عموما ما زال مفتوحا إعلاميا وداخل قبة البرلمان، وما زال الضغط مستمرا على الحكومة لتقديم الحساب”.

    مواكبة الأسواق

    بشأن القرار الذي أصدره رئيس الحكومة ويتضمن حزمة من التدابير التنظيمية الرامية إلى تأطير أسواق بيع أضاحي العيد والتصدي للممارسات التي تساهم في الارتفاع غير المبرر للأسعار، بمناسبة عيد الأضحى، اعتبر بنعبد الله أنها “إيجابية”.

    وتابع: “على الرغم من أن العيد لم يعد يفصلنا عنه سوى أسبوع واحد، فإننا نتمنى أن تُفعّل هذه الإجراءات على أرض الواقع، وأن تسهم فعليا في خفض الأسعار الصاروخية التي عدنا لنشهدها مجددا في أسواق أضاحي العيد”.

    وأشار القيادي الحزبي إلى أن الحكومة لم تكن تنتبه أبدا إلى هذا الأمر في السابق، مبرزا أن هذه الإجراءات نفسها التي تم الإعلان عنها، سبق لحزبه أن اقترح ما يضاهيها عندما استشعر الارتفاع الصاروخي للأسعار، مستدلا على ذلك بمضامين الرسالتين المفتوحتين اللتين وجههما المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية إلى عزيز أخنوش، رئيس الحكومة (الأولى في مارس 2023 والثانية في ماي 2024)”.

    ومضى قائلا: “أكدنا فيهما على ضرورة مراقبة سلاسل التسويق من منشئها الأصلي حتى وصولها إلى المواطن”، معتبرا أن “وجود أضاحٍ تُباع بـ8 أو 7 آلاف درهم، ويبلغ متوسط الأسعار في السوق 5 آلاف درهم، يقتضي قياس الأمر بالقدرة الشرائية وبالواقع المعيشي للمواطنين، وهو مسألة بالغة الصعوبة”.

    وأفاد المتحدث بأن “الأضحية بالنسبة للأسر المغربية مسألة متجذرة في وجدانها؛ فهي شعيرة دينية طبعا؛ لكنها ترتبط أيضا بالتقاليد والقيم المجتمعية. ولذلك، فإنهم يحرصون على الأضحية مهما كانت الظروف”.

    وتابع: “عندما تُعلن بعض الأرقام والتقديرات داخل قبة البرلمان، ينبغي أن يتوفر حد معقول من الواقعية والتوازن؛ لأن الحديث عن أضحية بـ1000 درهم يبدو منفصلا تماما عن الواقع بالنظر إلى الأسعار التي نشهدها اليوم، فهذا المبلغ قد يكفي لامتلاك فخذ خروف ليس إلا”.

    ودعا الفاعل الحكومي السابق إلى إرساء منطق لتدخلات حقيقية، معللا ذلك بوجود “ضغوط هائلة على المواطنين بسبب أسعار المحروقات، والخضراوات، والعديد من المواد الغذائية الأخرى، فضلا عن تكاليف الخدمات التي ارتفعت، قبل أن يأتي العيد ليشكل عبئا ماليا وتضحية كبيرة للأسر”، متمنيا أن “تكون التدابير المتخذة في مستوى ردع المضاربين والوسطاء الذين يتغولون في مختلف مراحل التسويق”.

    الشطيبي والإخلال بالمؤسسات

    وعلى هامش الجدل الذي فجّره النائب البرلماني الاتحادي إدريس الشطيبي، خلال ترؤسه الجلسة العامة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب، الاثنين، بعد اتهامه حزب العدالة والتنمية بأنه “شيعي”، وإثارة اسم بنعبد الله في هذا السياق، هاجم الأمين العام لحزب “الكتاب” عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، موردا أنه “من غير المقبول بتاتا أن يترأس شخص جلسة برلمانية رسمية، بصفته نائبا لرئيس المجلس، ثم يتحدث بأسلوب مستهتر وتهريجي لا يراعي وقار ورمزية المؤسسة التشريعية”.

    واعتبر ضيف هسبريس أن مثل هذه السلوكات في الغرفة البرلمانية الأولى بـ”وصفها الهيئة الأساسية للبرلمان” تؤدي إلى مزيد من النفور من السياسة، وقال: “دخلنا بالفعل مرحلة انتخابية تُظهر في كل مناسبة مؤشرات عزوف واضحة؛ ولكننا في الوقت ذاته نرصد الكثير من الانحرافات والممارسات الخاطئة، سواء على المستوى الإعلامي أو السياسي أو المؤسساتي”.

    وقال المتحدث إن “المشكلة القائمة اليوم هي أن المواطنين تملكهم الغضب من الممارسة السياسية الحالية، وباتوا يرون أنها أصبحت مطية لخدمة المصالح الخاصة؛ وهو ما يفضي بالضرورة إلى العزوف السياسي وضعف المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية”.

    وتساءل: “ثم علامَ يتم الزج بقضايا من قبيل ‘الشيعة’ داخل البرلمان؟”، مضيفا أن “المغاربة يمارسون شعائرهم الدينية في إطار الإسلام السني المعتدل والوسطي المعروف، فما الداعي لإثارة هذه الحساسيات والمواضيع داخل مؤسسة تشريعية؟”، خالصا إلى أن الشيوعيين الذين ذكرهم الشطيبي أيضا “أشرف منه بكثير، وهم عبر العالم أشخاص ناضلوا ودافعوا عن قيم ومبادئ إنسانية، وضحوا بحياتهم في سبيل استقلال أوطانهم وحريتها”.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • فرنسا تصفع الجزائر وتعلنها صراحة: « حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية « 

    جددت فرنسا التأكيد على أن  » حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية  » وأنها حددت التدابير المعتمدة تطبيقا لهذا القرار.

    هذا الموقف تم التعبير عنه، اليوم الأربعاء بالرباط، من طرف وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، السيد جان-نويل بارو ، في تصريح للصحافة عقب لقائه مع السيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

    وبعد أن أبرز أن قضية الصحراء تكتسي طابعا استراتيجيا بالنسبة لفرنسا وللمنطقة، ذكر الوزير الفرنسي بأنه، وتماشيا مع الموقف الذي عبر عنه رئيس الجمهورية الفرنسية، إيمانويل ماكرون، في رسالته الموجهة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بتاريخ 30 يوليوز 2024، فإن « حاضر ومستقبل هذه المنطقة يندرجان في إطار السيادة المغربية ».

    وفي هذا الصدد، أكد السيد بارو « دعم فرنسا لمخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب باعتباره الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ومستدام ومتفاوض بشأنه ». 

    وأضاف أن « مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة انخرط في هذا التوجه من خلال قراره رقم 2797″، مشيرا إلى أن فرنسا « تشيد بهذه الدينامية الإيجابية، وكذا باستئناف المناقشات المباشرة بين جميع الأطراف المعنية على أساس مخطط الحكم الذاتي ».

    وبخصوص الإجراءات التي اتخذتها فرنسا تفعيلا لهذا الموقف، أوضح السيد بارو أن بلاده عملت على « تعزيز حضورها القنصلي » وكذا « أنشطتها الثقافية من خلال افتتاح مركز لإيداع طلبات التأشيرة، وإحداث الرابطة الفرنسية بالعيون « ، وتدشين مدرسة جديدة. 

    وعلى الصعيد الاقتصادي، سجل السيد بارو أن الشركات الفرنسية تستثمر في الصحراء، وأن « الوكالة الفرنسية للتنمية والفاعلين يواكبونها » في هذا الإطار.

    إقرأ الخبر من مصدره