Étiquette : 33

  • السكتيوي: هدفي بناء منتخب عُماني تنافسي ونقل التجربة المغربية الناجحة

    أكد طارق السكتيوي، مدرب المنتخب العُماني، خلال تقديمه الرسمي، أنه يدخل هذه التجربة بطموحات كبيرة، واضعا نصب عينيه نقل التجربة المغربية الناجحة إلى الكرة العُمانية، وبناء منتخب قوي قادر على المنافسة والتتويج بالألقاب خلال السنوات المقبلة.

    وأوضح السكتيوي أن التجربة المغربية أصبحت نموذجا يُحتذى به على المستوى القاري والعربي، بعد النجاحات التي حققتها المنتخبات الوطنية في مختلف الفئات، إضافة إلى قدرة المنتخب الأول على مقارعة كبار المنتخبات الأوروبية والعالمية، مشيرا إلى أن وصول المغرب إلى المركز الثامن عالميا لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل طويل على مستوى التكوين والفئات السنية.

    وأضاف المدرب المغربي أنه كان جزءا من هذا المشروع منذ سنة 2009، وهو ما يجعله مؤمنا بإمكانية نقل نفس التجربة إلى سلطنة عُمان، والعمل على تطوير الكرة العُمانية لتصبح من بين الأفضل في منطقة الخليج.

    وكشف السكتيوي أنه توصل بعد تتويجه بكأس العرب بعدة عروض من أندية ومنتخبات، سواء من المغرب أو من شمال إفريقيا، إلا أنه اختار تدريب المنتخب العُماني عن قناعة، مؤكدا أن قراراته المهنية لا تعتمد على الجانب المادي بقدر ما تعتمد على المشروع الرياضي والاحترافي.

    وأشار إلى أن الخبرة التي راكمها خلال 15 سنة في مجال التدريب، إلى جانب اختيار الطاقم الذي سيشتغل معه، تعتبر من أهم العوامل التي يعتمد عليها من أجل إنجاح مشروعه الجديد.

    كما أوضح أن عقده يمتد لأربع سنوات، وهدفه الأساسي هو بناء منتخب تنافسي على أسس احترافية قوية، وليس مجرد المشاركة في البطولات، مضيفا أنه يفضل خوض التحديات الصعبة وبناء مشروع رياضي حقيقي قادر على تحقيق الألقاب.

    وأكد السكتيوي أنه يسعى إلى تكوين منتخب بهوية واضحة وروح قتالية، وأن يكون الفريق متماسكا قبل نهائيات كأس آسيا، مع العمل في الوقت نفسه على إعداد جيل جديد من اللاعبين والتفكير مستقبلا في هدف التأهل إلى كأس العالم.

    وختم حديثه بالتأكيد على أهمية تجديد دماء المنتخب، موضحا أن الاعتماد على لاعبين في سن 30 أو 33 سنة ممكن، لكن من الصعب الاعتماد على لاعبين يبلغون 35 سنة أو أكثر، وهو ما يفرض العمل على تجهيز الخلف من اللاعبين الشباب لضمان استمرارية المنتخب وتطوره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عطل طويل يربك مستخدمي DeepSeek ويثير ترقب التحديث المقبل

    تعرض شات بوت DeepSeek في الصين، الاثنين، لأكبر انقطاع تشغيلي منذ صعوده السريع مطلع 2025، بعدما استمر العطل الرئيسي 7 ساعات و13 دقيقة قبل أن تعلن الشركة إنهاءه عند الساعة 10:33 صباحاً بالتوقيت المحلي. وأكدت صفحة الحالة الرسمية أن الخلل طال خدمة الويب والتطبيق، في وقت تحدثت فيه تقارير عن إطلاق عدة إصلاحات ومتابعات خلال الساعات نفسها.

    وبدأت مؤشرات الخلل بالظهور منذ الساعات الأولى من صباح الاثنين، إذ أظهرت صفحة DeepSeek الرسمية تحديثات متتالية بين التحقيق في المشكلة وتطبيق إصلاحات أولية ثم مراقبة الأداء قبل إعلان الحل النهائي. كما سجلت الصفحة حادثة أخرى منفصلة مساء الأحد 29 مارس، جرى احتواؤها خلال أقل من ساعتين، قبل أن تتبعها الاضطرابات الأطول صباح الاثنين.

    وحتى الآن، لم تكشف الشركة سبب الانقطاع بشكل رسمي، فيما أشارت رويترز إلى أن مثل هذه الأعطال قد ترتبط بمشكلات خوادم أو بأخطاء ناتجة عن تحديثات برمجية. ويعطي غياب التفسير المباشر مزيداً من الغموض حول خلفية التوقف، خاصة أنه جاء في وقت يترقب فيه السوق خطوات الشركة التالية في مجال النماذج المتقدمة.

    ويكتسب هذا العطل أهمية إضافية لأنه يُعد الأطول منذ الانتشار الواسع لنماذج R1 وV3 مطلع 2025، بعدما كانت واجهة المستخدم المباشرة على الويب لم تشهد، بحسب البيانات المنشورة، انقطاعاً رئيسياً يتجاوز ساعتين من قبل. كما أظهرت بيانات الشركة أن خدمة API للمطورين كانت قد سجلت أعطالاً ممتدة في يناير 2025 خلال ذروة الانتشار الأول.

    وفي موازاة ذلك، يربط مراقبون بين حساسية أي تعطل يصيب DeepSeek وبين الترقب المستمر لتحديثات الشركة المقبلة، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققته في السوق الصينية والعالمية، وما تبعه من تحركات متسارعة من منافسين محليين لتعزيز حضورهم في سباق الذكاء الاصطناعي. غير أن الشركة لم تعلن حتى الآن جدولاً زمنياً واضحاً لإطلاق نموذجها أو تحديثها التالي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • منظمة دولية: المغرب يتفادى « الفراغ الاستراتيجي » في محاربة الفساد

    هسبريس ـ عبد العزيز أكرام

    تضمّن تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD” مؤشرات ترصد مسار المغرب في مأسسة النزاهة العامة ومكافحة الفساد، في إطار الاستراتيجيات والخطط التي يجري تنفيذها خلال العقدين الأخيرين على الأقل.

    وأشار التقرير إلى امتلاك المغرب لإطار وطني لمكافحة الفساد تم اعتماده على أعلى مستوى حكومي، مصنفا المملكة ضمن “قائمة الدول الأعضاء بالمنظمة التي سجّلت استمرارية في دورتها الاستراتيجية”.

    وكشف تقرير المنظمة سالفة الذكر أن “التوفر على مقتضيات مؤطرة لمكافحة الفساد جنبّ المغرب حالة الفراغ الاستراتيجي التي تعاني منها بعض الدول بالمنطقة، لا سيما أنه يظل ضمن نادي الدول التي تقوم بتتبع معدل تنفيذ الخطط الموضوعة في هذا الصدد”.

    وحقق المغرب تقدما ملحوظا في مجال النزاهة السياسية، لا سيما فيما يخص مراقبة تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، حيث صُنف ضمن الدول التي تلتزم فيها الأحزاب السياسية بتقديم حساباتها المتعلقة بالانتخابات داخل الآجال القانونية المحددة، طالما أن التشريعات الوطنية تلزم الأحزابَ السياسية بإعداد تقاريرها المالية السنوية.

    كما تمكن المغرب، وفق المصدر ذاته، من تحقيق “العلامة الكاملة” بشأن المعايير المرتبطة بتمويل الحياة السياسية، في ظل تدقيق المساهمات التي تتجاوز سقفا معيّنا، وبوجود المجلس الأعلى للحسابات الذي يتولى تدقيق العمليات المنجزة كل سنة، وكذا مآل الدعم الذي تقدمه الدولة لهذه الهيئات السياسية.

    وأشار المستند، الذي اطلعت عليه الجريدة، إلى موضوع الشفافية والحق في الحصول على المعلومات، مبرزا أن المغرب تمكن من تحقيق نسبة 54 في المائة على مستوى قوة الإطار القانوني المنظم للشفافية (جودة اللوائح)، مقابل 57 في المائة في جانب “الممارسة الفعلية”.

    وتعزّز ذلك أكثر باستمرار المملكة في نشر تفاصيل الميزانية السنوية وإعلانات المناقصات العمومية كاملة، إلى جانب نسبة 88 في المائة من مشاريع القوانين التي تعدها الحكومة وتحيلها إلى البرلمان.

    والهدف من هذا المؤشر، وفق المنظمة، قياس “الشفافية الاستباقية”؛ فكلما ارتفعت هذه النسبة كلما قلت فرص التشريع السري أو المفاجئ، وزادت قدرة الأطراف المعنية على فهم الخيارات السياسية”، مفيدة بأنه “على الرغم من ذلك، فإن القوانين المغربية لا تفرض أن تكون البيانات الحكومية مفتوحة افتراضيا ـ Open by default”.

    وأكد التقرير، الصادر تحت عنوان “آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026.. تسخير ميزة النزاهة”، أن “المغرب كعضو بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يستوفي 78 في المائة من معايير المنظمة الخاصة بالأطر القانونية واللوائح المنظمة لتضارب المصالح؛ في حين تصل نسبة التنفيذ على أرض الواقع إلى 33 في المائة، بما يشكل فجوة بين التقنين والتطبيق”.

    ووضع التقرير الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المغربَ في خانة الدول الأعضاء التي تفتقر إلى اعتراف قانوني ورسمي بأنشطة “اللوبيينغ”، حيث تظل نسبة استيفائه للمعايير المتعلقة بجودة اللوائح المنظمة منعدمة، خصوصا أن البلاد لا تتوفر على قانون أو تشريع خاص بمجموعات الضغط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انقطاع الإنترنت يعمق عزلة الإيرانيين ويحد من الوصول إلى المعلومات


    هسبريس – أ.ف.ب

    دخل انقطاع الإنترنيت في إيران، أمس الأحد، يومه الثلاثين على التوالي؛ مع استمرار عزل ملايين الأشخاص عن المعلومات والاتصالات، منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

    وقالت مجموعة “نت بلوكس” لمراقبة الإنترنيت على “إكس”، الأحد، إن “انقطاع الإنترنيت في إيران دخل يومه الثلاثين؛ فيما تستمر إجراءات الرقابة على مستوى البلاد للأسبوع الخامس، بعد 696 ساعة”.

    وفي حين لا تزال شبكة الإنترنيت الداخلية تعمل لتشغيل تطبيقات المراسلة المحلية والمنصات المصرفية وغيرها من الخدمات، فإن الوصول إلى الإنترنيت العالمي مقيد بشدة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ولا يجد العديد من الإيرانيين خيارا سوى الاعتماد على المنصات التي تسيطر عليها الدولة والبدائل المكلفة للتواصل مع أحبائهم.

    وقالت أرشيا، مديرة التسويق في مؤسسة في إيران، إن “العيش بدون إنترنيت أمرٌ في غاية الصعوبة. فعندما تنقطع حتى قنوات التلفزيون الأجنبية بسبب تداخل الإشارات، لا نملك أية وسيلة لمتابعة الأخبار سوى التلفزيون الرسمي”.

    وأضافت المرأة، البالغة 37 عاما: “نتلقى أخبارا من الأصدقاء والعائلة عبر الهاتف؛ لكن الأمر صعب جدا، فنحن نعيش تحت ضغط نفسي دائم”.

    وتابعت: “أكبر مخاوفنا الآن هو احتمال عدم قيامهم بوصل الإنترنت نهائيا، وأن نصبح مثل كوريا الشمالية. التمسك بالأمل صعب. وكل ما بوسعنا فعله الآن هو تمضية كل وقتنا معا كعائلة”.

    وتمكن صحافيو وكالة فرانس برس في باريس من التواصل مع مقيمين في إيران عبر “واتساب” أو “تلغرام”، خلال فترات قصيرة من الاتصال بالإنترنيت من خلال شبكات افتراضية خاصة (VPN).

    وقالت مريم، وهي موظفة في القطاع الخاص تبلغ 33 عاما، إن الأسابيع الأولى من انقطاع الخدمة كانت صعبة جدا.

    وأضافت: “كان الأمر صعبا جدا في بداية الحرب. لم تكن لدي أية وسيلة اتصال بعائلتي في مدينة أخرى سوى المكالمات الهاتفية”.

    وتابعت المتحدثة: “نستخدم الآن تطبيقا إيرانيا للمراسلة، ويمكننا إجراء مكالمات فيديو. الأمر ليس مثاليا؛ لكننا نتكيّف في هذه الظروف العصيبة”.

    وبالنسبة إلى كثيرين، وخصوصا من لديهم أحباء خارج إيران، فإن التواصل أصبح محدودا ومكلفا.

    وقال ميلاد، بائع ملابس يبلغ 27 عاما، إنه يواجه صعوبة في التواصل مع أقاربه في الخارج.

    وأضاف: “عائلتي تعيش في تركيا، وليس لدي أية وسيلة للتواصل معهم عبر الإنترنيت. أضطر إلى إجراء مكالمات هاتفية مباشرة، وهي مكلفة جدا، لذا قلّما أتلقى أخبارا منهم”.

    كما أدت القيود إلى تضييق نطاق الوصول إلى المعلومات؛ فيما تنحصر إمكانات المستخدمين إلى حد كبير بالمنصات المحلية ووسائل الإعلام المحلية، ما يوفر صورة جزئية للأحداث.

    وسبق لإيران أن قطعت الإنترنيت لأسابيع عديدة خلال فترات اضطرابات، وخصوصا خلال احتجاجات عمت البلاد في يناير من السنة الجارية، وخلال حرب استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو من السنة ذاتها.

    وبعد اضطرابات يناير، استؤنفت الخدمة جزئيا وإن ظلّت خاضعة لرقابة مشددة وقيود صارمة، قبل أن تنقطع تماما مجددا بعد اندلاع الحرب الحالية في 28 فبراير الماضي.

    وتمكن بعض المستخدمين من إيجاد حلول بديلة محدودة، إلا أن الاتصال لا يزال غير مستقر إلى حد كبير.

    وقالت هانية، المتخصصة في صناعة الخزف والبالغة 31 عاما من طهران، إنها تمكنت من الوصول جزئيا إلى الخدمة بعد نحو أسبوعين، وأضافت: “تمكنت من إيجاد حل بديل بصعوبة كبيرة”، مشيرة إلى أن الاتصال لا يزال غير موثوق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اقتصاد المغرب.. تباين التوازنات المالية وسط تباطؤ النمو إلى 4% وانحسار الضغوط التضخمية

    العمق المغربي

    كشفت أحدث المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالمغرب عن تسجيل تباطؤ في وتيرة النمو، مقابل تحسن نسبي في بعض التوازنات الكلية، ما يعكس وضعا اقتصاديا متباينا في ظل استمرار الضغوط الخارجية والداخلية.

    وبحسب البيانات الصادرة عن منصة Trading Economics الأمريكية، المتخصصية في البيانات الاقتصادية الكلية والمحدثة بتاريخ 27 مارس 2026، سجل الاقتصاد المغربي معدل نمو سنوي في حدود 4 في المائة، مقابل 5.5 في المائة خلال الفترة السابقة، في مؤشر على تراجع نسبي في الدينامية الاقتصادية.

    في المقابل، حافظت سوق الشغل على مستوى شبه مستقر، حيث بلغ معدل البطالة 13 في المائة مقابل 13.1 في المائة سابقا، ما يعكس استقرارا نسبيا دون تحسن ملموس في خلق فرص العمل.

    وعلى مستوى الأسعار، واصل التضخم تسجيل مستويات سلبية، إذ بلغ ناقص 0.6 في المائة مقابل ناقص 0.8 في المائة في القراءة السابقة، في سياق يعكس تراجع الضغوط التضخمية، بينما ظل سعر الفائدة الرئيسي مستقرا عند 2.25 في المائة.

    وفي ما يتعلق بالمبادلات الخارجية، أظهرت البيانات تحسنا في عجز الميزان التجاري، الذي تقلص إلى ناقص 9202 مليون درهم مقابل ناقص 24340 مليون درهم، كما تحسن عجز الحساب الجاري إلى ناقص 8032 مليون درهم مقابل ناقص 18580 مليون درهم، رغم تسجيل ارتفاع طفيف في نسبته إلى الناتج الداخلي الإجمالي لتبلغ ناقص 2.3 في المائة.

    وعلى صعيد المالية العمومية، استقر الدين العمومي في حدود 70 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي مقابل 69.5 في المائة سابقًا، في حين تحسن عجز الميزانية إلى ناقص 3.6 في المائة مقارنة بـناقص 3.9 في المائة في الفترة السابقة، ما يعكس جهودًا نسبية لضبط التوازنات المالية.

    كما أظهرت المؤشرات تحسنا في ثقة المستهلك، التي ارتفعت إلى 57.6 نقطة مقابل 53.6 نقطة، في حين ظلت معدلات الضرائب دون تغيير، حيث استقر معدل الضريبة على الشركات عند 33 في المائة، والضريبة على الدخل عند 38 في المائة.

    وتعكس هذه المعطيات، في مجملها، صورة اقتصاد وطني يتجه نحو استعادة بعض التوازنات الكلية، خاصة على مستوى الحسابات الخارجية والمالية العمومية، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بالنمو والتشغيل، في سياق دولي يتسم بعدم اليقين وتقلب الأسواق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصناعة الدوائية.. مداخيل “سوطيما” في 2025 تفوق 3 ملايير درهم

    واصلت شركة سوطيما (Sothema) تعزيز ريادتها لقطاع الصناعة الدوائية والصيدلانية المغربي في سنة 2025، بحيث بلغت مداخيلها الإجمالية في سنة 2025 ما مقداره 3 ملايير و227 مليون درهم، مع آفاق واعدة للسنة الجارية مع إطلاقٍ مرتقب لـ30 دواءً جديداً وتطوير ما لا يقل عن 25 جزيئة.

    وإلى غاية نهاية دجنبر 2025، سجلت الشركة رقم معاملات موطد بلغ 3,2 ملايين درهم، أي ما يعادل نموًا بنسبة 15 في المئة مقارنة بالسنة الماضية، كما يعزى هذا الأداء إلى الدينامية الجيدة لسوق الأدوية، سواء في القطاع الخاص أو العمومي، إضافة إلى الارتفاع التدريجي لمبيعات المنتجات التي تم إطلاقها مؤخرًا.

    وبذلك بلغت أرباح الشركة، قبل الفوائد والضرائب والإهلاك (EBITDA)، على المستوى الموطد 763 مليون درهم، مسجلة نموًا بنسبة 27 في المئة من سنة لأخرى.

    ويعكس ذلك، وفقا للشركة المدرجة ببورصة الدار البيضاء، تأثير “مزيج منتجات أكثر ملاءمة، ونشاطا تجاريا قويا، وتحكمًا جيدًا في التكاليف”، وفي هذا السياق، تحسن هامش الربح التشغيلي بـ2.4 نقطة ليصل إلى 23.7 في المئة.

    وبلغ صافي الربح العائد للمجموعة 386 مليون درهم، مسجلاً نموًا بنسبة 23% مقارنة بسنة 2024، مما يضع تقييم المجموعة عند مضاعف ربحية (P/E) لسنة 2025 يقارب 36.5 مرة.    

    وتميزت سنة 2025  بتعزيز الموقع الاستراتيجي للشركة بعمليات هيكلية أبرزها الاستحواذ على شركة “SOLUDIA” المتخصصة في حلول غسيل الكلي، وتوقيع اتفاق لاقتناء حقوق علامة “CIALIS” في المغرب، مما سمح للشركة بتوسيع محفظتها التجارية.

    وفي الوقت ذاته، واصلت المجموعة استثماراتها الصناعية، حيث استثمرت 85 مليون درهم خلال السنة الماضية بهدف تعزيز قدراتها الصناعية عبر اقتناء معدات إنتاج جديدة وتحسين البنيات التحتية الحالية.

    وبذلك يعتزم مجلس الإدارة اقتراح توزيع أرباح بقيمة 33 درهما للسهم الواحد (مقابل 28 درهمًا في 2024)، أي بمردودية توزيع (Dividend Yield) بنسبة 1.8%.

    وفي ما يتعلق بآفاق سنة 2026، فمن المتوقع أن تواصل “سوطيما” مسار نموها بالاعتماد على 25 جزيئة دوائية جديدة قيد التطوير و30 منتجًا جديدًا مخطط إطلاقه في المغرب. كما تعتزم المجموعة مواصلة توسيع قدراتها الإنتاجية واستكشاف فرص نمو جديدة داخل المغرب وعلى المستوى الدولي.

    وتعد سوطيما، التي تأسست عام 1976، حالياً أكبر شركة مغربية لتصنيع الأدوية، حيث تستحوذ على حصة سوقية قدرها 10% وتستثمر بكثافة لتعزيز الإنتاج والتصدير، كما تتنوع محفظتها من الأدوية، شاملة الأدوية الجنيسة والمبتكرة، مع تواجد قوي في السوق الأفريقية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جيل « زيد » والعمل السياسي


    مصطفى صغيري
    جيل زيد والعمل السياسي، حين تفرض الأجيال الرقمية أسئلة جديدة على الوساطة الحزبية: قراءة في تحولات علاقة الشباب بالعمل السياسي في ظل التحولات الرقمية ورؤية تجديد الحياة السياسية بالمغرب

    “الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل هي قبل كل شيء قدرة المجتمع على تجديد نُخَبه السياسية.” ماكس فيبر

    لم تعد التحولات التي يعرفها المجال السياسي في العالم المعاصر مرتبطة فقط بتغير موازين القوى بين الأحزاب أو بتداول النخب على السلطة، بل أصبحت تعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية. ففي عصر الرقمنة وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للخطاب السياسي، بل أصبح فاعلاً في تشكيل النقاش العمومي وفي التأثير في اتجاهات الرأي العام، وفي قلب هذه التحولات يبرز دور الأجيال الجديدة، وخاصة ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ جيل زيد، الذي يعيد اليوم طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشاركة السياسية وحول قدرة المؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.

    فالديمقراطيات المعاصرة تشهد تحولات عميقة تمس طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية، وهي تحولات لم تعد مرتبطة فقط بالتوازنات الحزبية أو بتغير النخب الحاكمة، بل أصبحت تعكس تحولات بنيوية في طبيعة المجتمعات نفسها. فقد أدى تسارع التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي وإلى ظهور أنماط جديدة من التفاعل مع الشأن العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لقد أصبح الفضاء السياسي اليوم أكثر اتساعاً وتعقيداً مما كان عليه في السابق، حيث لم يعد مقتصراً على المؤسسات السياسية التقليدية مثل الأحزاب أو البرلمانات أو وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل أصبح فضاءً متعدد المستويات تتقاطع داخله منصات رقمية وشبكات اجتماعية ومبادرات مدنية متنوعة. وقد أتاح هذا التحول إمكانيات جديدة للتعبير السياسي وللمشاركة في السجال العمومي، خاصة بالنسبة للأجيال الشابة التي نشأت في بيئة رقمية مختلفة جذرياً عن السياقات التي تشكلت فيها التجارب السياسية للأجيال السابقة.

    وفي قلب هذه التحولات يبرز ما أصبح يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ جيل زيد (Generation Z)، وهو الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية وفي عالم يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات وباتساع غير محدود لفضاءات التواصل. ويتميز هذا الجيل بخصائص اجتماعية وثقافية مختلفة عن الأجيال السياسية السابقة، إذ تشكل وعيه السياسي في بيئة رقمية مفتوحة تتسم بسرعة تداول المعلومات وبإمكانية التفاعل الفوري مع القضايا العامة.

    غير أن العلاقة بين هذا الجيل والسياسة لا يمكن فهمها فقط من خلال المؤشرات التقليدية للمشاركة السياسية، مثل نسب التصويت أو معدلات الانخراط في الأحزاب السياسية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة التحولات العميقة التي يعرفها المجال السياسي في عصر الرقمنة. فالشباب اليوم لا يعبرون عن مواقفهم السياسية فقط من خلال المؤسسات الحزبية أو المشاركة الانتخابية، بل أيضاً من خلال أشكال جديدة من التفاعل مع الشأن العام، تتراوح بين النقاشات الرقمية والمبادرات المدنية والانخراط في قضايا اجتماعية وثقافية تتجاوز الأطر التقليدية للعمل السياسي.

    ومن هنا، فإن ما يوصف أحياناً بـ عزوف الشباب عن السياسة قد لا يعكس بالضرورة تراجعاً في الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يعكس تحولات في طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات السياسية التقليدية. فالمسألة لا تتعلق فقط بضعف المشاركة السياسية، بل أيضاً بوجود فجوة متزايدة بين منطق اشتغال الأحزاب السياسية وبين التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

    وفي إطار التجربة المغربية، يكتسي هذا الطرح أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى التحولات الديموغرافية أو على مستوى انتشار التعليم العالي أو على مستوى توسع الفضاء الرقمي. فقد أصبح الشباب اليوم يشكلون إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في الجدال العمومي، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال المبادرات المدنية والثقافية التي تعكس اهتماماً متزايداً بالقضايا العامة.

    غير أن هذه الدينامية المجتمعية لا تجد دائماً ترجمتها الكاملة داخل المؤسسات السياسية التمثيلية، وهو ما يعيد طرح سؤال مركزي يتعلق بطبيعة الوساطة السياسية في المغرب وبمدى قدرة الأحزاب السياسية على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.
    ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال أساسي نفسه بإلحاح:

    إلى أي حد تستطيع الأحزاب السياسية في المغرب إعادة بناء علاقتها مع الأجيال الجديدة، وخاصة جيل زيد، بما يسمح بتجديد الوساطة السياسية وتعزيز الثقة في العمل الحزبي؟

    تحولات المجال العمومي في عصر الرقمنة

    لقد أدى التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة إلى إعادة تشكيل المجال العمومي الذي يتم فيه تداول الأفكار السياسية وتشكيل الرأي العام، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءات حقيقية للنقاش السياسي وللتعبير عن المواقف والاتجاهات المختلفة.

    وقد سبق للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن تحدث عن مفهوم الفضاء العمومي باعتباره المجال الذي يتم فيه تداول القضايا العامة بشكل عقلاني بين المواطنين، بما يسمح بتشكيل إرادة عامة قائمة على السجال والحوار، غير أن التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم جعلت هذا الفضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً، حيث أصبح الحوار السياسي يتم في فضاءات متعددة ومتداخلة تتجاوز الحدود التقليدية للمؤسسات السياسية ووسائل الإعلام الكلاسيكية.

    وقد أشار عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن التحولات الرقمية أدت إلى بروز ما يسميه بـ”مجتمع الشبكات”، حيث أصبحت شبكات التواصل فضاءات مركزية لإنتاج النقاش العمومي وتشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.

    وفي هذا الإطار، أصبح الشباب أكثر حضوراً في التداول العمومي من خلال المنصات الرقمية، حيث يعبرون عن مواقفهم تجاه القضايا السياسية والاجتماعية بطرق مختلفة عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية لم تعد مرتبطة فقط بالانخراط الحزبي أو المشاركة الانتخابية، بل أصبحت تتخذ أشكالاً متعددة تتراوح بين التعبير الرقمي، والمبادرات المدنية، والانخراط في الحركات الاجتماعية الجديدة.

    أزمة الوساطة الحزبية في الديمقراطيات المعاصرة

    تشير العديد من الدراسات في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعرف ما يسمى بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تنشأ عندما تصبح الأحزاب السياسية عاجزة عن ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية قادرة على تمثيل تطلعات المواطنين.

    وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الخطاب السياسي قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه الرأسمال الرمزي الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي دون أن يعكس بالضرورة التحولات الفعلية التي يعرفها المجتمع.

    وفي الطرح المغربي، يبرز هذا الاشكال سؤالاً مهماً حول قدرة الأحزاب السياسية على تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وأكثر انفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي.

    الشباب في صلب الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية

    ويشكل إشراك الشباب في الحياة العامة أحد المرتكزات الجوهرية في الرؤية الملكية لإصلاح وتطوير الحياة السياسية بالمغرب. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في العديد من الخطب والتوجيهات الملكية على أن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات السياسية على استيعاب طاقات الأجيال الصاعدة وعلى تمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة مفادها أن تحديث الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تطوير النصوص القانونية أو إصلاح المؤسسات، بل يتطلب أيضاً تجديداً مستمراً للنخب السياسية بما يعكس التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

    وقد شكل دستور سنة 2011 ترجمة مؤسساتية لهذا التوجه، حيث نص الفصل 33 من الدستور على ضرورة اتخاذ السلطات العمومية التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، مع إحداث آليات مؤسساتية تهدف إلى تعزيز انخراطهم في الحياة العامة. ويعكس هذا التوجه الدستوري إرادة واضحة لجعل الشباب فاعلاً أساسياً في الدينامية الديمقراطية، وليس مجرد فئة اجتماعية موضوعاً للسياسات العمومية.

    وفي هذا النطاق، لم تعد قضية الشباب تُطرح في الخطاب الإصلاحي بالمغرب باعتبارها قضية اجتماعية مرتبطة بإشكالات التعليم أو التشغيل فحسب، بل أصبحت تُطرح باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية ترتبط بتجديد النخب وبمستقبل الديمقراطية في البلاد. فالشباب، في التصور الملكي، يمثل رأسمالاً بشرياً واستراتيجياً قادراً على الإسهام في تطوير الحياة السياسية وتعزيز دينامية الإصلاح، خاصة في سياق مجتمع يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

    ومن هذا المنطلق، يشكل تمكين الشباب من الولوج إلى فضاءات القرار العمومي ومن المشاركة الفعلية في الحوار السياسي أحد الشروط الأساسية لتجديد الحياة الحزبية وتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تجد نفسها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير آليات جديدة للتأطير السياسي قادرة على استيعاب طاقات الشباب وعلى إشراكهم في صياغة الرؤى السياسية وفي بلورة السياسات العمومية.

    إن الرؤية الملكية لتجديد الحياة السياسية لا تقتصر على الدعوة إلى إشراك الشباب في العمل السياسي، بل تتجاوز ذلك نحو إرساء نموذج سياسي يقوم على تجديد النخب وتعزيز الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة الحزبية وبناء مؤسسات سياسية أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

    غير أن ترجمة هذا التوجه الإصلاحي إلى دينامية سياسية فعلية تظل رهينة بقدرة الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم الأحزاب، على مواكبة هذه الرؤية وعلى تحويلها إلى ممارسات تنظيمية وخيارات سياسية ملموسة. فالأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى القنوات الأساسية للوساطة بين المجتمع والدولة، تتحمل مسؤولية مركزية في تأطير الشباب وفي إدماجهم داخل الحياة السياسية. ولذلك فإن نجاح مشروع تجديد الحياة السياسية في المغرب يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب على تجديد خطابها السياسي وعلى تطوير آليات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها باستيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وخاصة تلك المرتبطة بصعود الأجيال الجديدة.

    الأحزاب السياسية بين الشرعية التاريخية ومتطلبات التجديد

    وتواجه الأحزاب السياسية في الديمقراطيات المعاصرة تحدياً مركباً يتمثل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على رصيدها التاريخي والرمزي من جهة، والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي يعرفها المجتمع من جهة أخرى. فالأحزاب التي تشكلت في سياقات سياسية مختلفة وأسهمت في مراحل معينة في تأطير المجتمع وفي بناء التعددية السياسية، تجد نفسها اليوم أمام واقع اجتماعي جديد يتسم بتغيرات عميقة في أنماط التواصل وفي أشكال التعبير السياسي، خاصة في ظل التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية وفي سياق صعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي، لذلك لم يعد الرصيد التاريخي للأحزاب السياسية وحده كافياً لضمان استمرار دورها في الوساطة بين المجتمع والدولة، بل أصبح هذا الدور رهيناً بقدرتها على قراءة التحولات المجتمعية قراءة دقيقة وعلى تجديد خطابها السياسي وأدوات اشتغالها التنظيمية بما يسمح لها بالتفاعل مع التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    وقد أشار العديد من الباحثين في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تعيش ما يمكن وصفه بـ أزمة الوساطة الحزبية، وهي الأزمة التي تظهر عندما تصبح الأحزاب أقل قدرة على ترجمة التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين، وفي هذا المجال، يرى المفكر الفرنسي بيير روزنفالون أن الديمقراطيات الحديثة لم تعد تعاني فقط من أزمة في التمثيل الانتخابي، بل من أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية وباتساع الفجوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين، كما يشير عالم السياسة برنارد مانين إلى أن الديمقراطية التمثيلية تشهد تحولات بنيوية تجعل الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة تعريف أدوارها التقليدية في ظل تغير أنماط المشاركة السياسية وظهور فاعلين جدد داخل المجال العمومي.

    وتزداد حدة هذا التحدي في ظل ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”، حيث تتسم العلاقات الاجتماعية والسياسية بدرجة عالية من السيولة والتغير المستمر، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ففي مثل هذا السياق، لم يعد الانتماء الحزبي ثابتاً كما كان في المراحل السابقة، بل أصبح أكثر هشاشة وقابلية للتحول، وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية البحث عن صيغ جديدة للتفاعل مع المجتمع قادرة على استيعاب هذه التحولات.

    وفي ضوء هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح أمام الأحزاب السياسية يقتصر على كيفية استقطاب أعضاء جدد أو توسيع قواعدها الانتخابية، بل أصبح يتعلق أساساً بقدرتها على تجديد دورها كفاعل أساسي في الوساطة الديمقراطية بين المجتمع والدولة، فالأحزاب التي تمتلك رصيداً تاريخياً وسياسياً مهماً يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في تجديد الحياة السياسية إذا ما استطاعت تحويل هذا الرصيد إلى قوة اقتراحية قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وعلى استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وإشراكها في صياغة الرؤى السياسية للمستقبل.

    وانسجاما مع هذا التصور، يبرز التفكير المتزايد حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها إحدى المقاربات التي تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع على أساس وضوح الالتزامات السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهذه الفكرة تعكس توجهاً متنامياً في الفكر السياسي المعاصر يقوم على الانتقال من منطق الخطاب السياسي العام إلى منطق الالتزام السياسي القابل للتقييم، بما يسمح بتعزيز ثقافة المساءلة داخل الحياة السياسية وبإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.

    وفي السياق المغربي، بدأ هذا النقاش يجد صداه داخل بعض المبادرات السياسية التي تسعى إلى تجديد العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وفي هذا الإطار، برزت أيضاً مبادرات داخل بعض الأحزاب، من بينها ما طرحه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين حول فكرة التعاقد المجتمعي باعتبارها مقاربة للتواصل السياسي تقوم على تعزيز المصداقية في الخطاب السياسي وربط البرامج الانتخابية بآليات واضحة للتتبع والتقييم، وتندرج هذه المبادرة ضمن الجدل المتزايد داخل الحقل الحزبي المغربي حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع وإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، وتكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل الحوار المتزايد حول أزمة الثقة في العمل الحزبي، إذ إنها تطرح سؤال العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية داخل المجال العمومي، غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة الحزبية وفي الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير نماذج جديدة للتفاعل بين الأحزاب والمجتمع.

    ولا تقتصر المقاربة المطروحة حول سبل تجديد العلاقة بين الأحزاب السياسية والشباب على تجربة حزب بعينه داخل المشهد الحزبي المغربي، بل تندرج ضمن دينامية أوسع يشهدها الحقل الحزبي، حيث أصبحت عدة تنظيمات سياسية تدرك أن التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وصعود أجيال جديدة أكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي وأكثر تطلعاً إلى أنماط مختلفة من المشاركة السياسية، يفرضان إعادة التفكير في أساليب التأطير الحزبي وفي طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى الشباب، ففي تجارب حزبية أخرى، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو حزب الاستقلال أو حزب التقدم والاشتراكية، يبرز بدوره نقاش متزايد حول مسألة تجديد النخب وتعزيز حضور الشباب داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب، غير أن هذا الجدل يظل في كثير من الأحيان محكوماً بتحديات تنظيمية وثقافية مرتبطة بطبيعة البنيات الحزبية وباستمرارية القيادات التقليدية داخل عدد من الأحزاب.

    إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب السياسية اليوم لا يكمن في استقطاب الشباب إلى صفوفها فقط، بل في قدرتها على إشراكهم فعلياً في صياغة الرؤى السياسية وصناعة مستقبل العمل الحزبي، ومن هنا تبرز أهمية تطوير خطاب سياسي جديد قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، وقادر في الوقت نفسه على إعادة بناء الثقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع.

    غير أن أهمية هذا الانشغال لا تكمن فقط في المبادرات الحزبية في حد ذاتها، بل في ما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في مستقبل الوساطة السياسية في المغرب وفي سبل تطوير العلاقة بين الأحزاب والمجتمع في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المجال العمومي.

    إن تجديد الحياة الحزبية لا يرتبط فقط بتجديد القيادات أو تطوير الخطاب السياسي، بل يتطلب أيضاً إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع وفي الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة الديمقراطية القادرة على ترجمة التحولات الاجتماعية إلى مشاريع سياسية تعكس تطلعات المواطنين وتساهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي.

    خاتمة

    إن التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي اليوم، سواء على مستوى البنية الاجتماعية أو على مستوى أنماط التفاعل مع المجال العمومي، تفرض إعادة التفكير في العديد من المسلمات التي حكمت العلاقة بين المواطن والعمل السياسي خلال العقود الماضية، فصعود أجيال جديدة أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح عاملاً بنيوياً في إعادة تشكيل قواعد المشاركة السياسية وفي إعادة تعريف دور الأحزاب والمؤسسات التمثيلية داخل المجال العمومي.

    ومن هذا المنطلق، فإن التساؤل حول علاقة جيل زيد بالسياسة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مؤشراً على أزمة في المشاركة السياسية أو على عزوف الشباب عن العمل الحزبي، بل ينبغي فهمه أيضاً باعتباره فرصة تاريخية لإعادة التفكير في طبيعة الوساطة السياسية وفي سبل تجديدها، فالمجتمعات التي تنجح في استيعاب طاقات الأجيال الجديدة وتحويلها إلى قوة اقتراحية داخل الفضاء العمومي تكون أكثر قدرة على تجديد نخبها السياسية وعلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.

    وفي السياق المغربي، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة الأحزاب السياسية على الفوز بالمواعيد الانتخابية أو على الحفاظ على مواقعها داخل المؤسسات التمثيلية، بل أصبح مرتبطاً أساساً بقدرتها على إنتاج رؤى سياسية ومجتمعية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي، فالثقة، في نهاية المطاف، هي الشرط الأساسي لاستمرارية أي تجربة ديمقراطية، وهي أيضاً الأرضية التي يمكن من خلالها بناء تعاقد جديد بين المجتمع والفاعلين السياسيين حول أولويات الإصلاح والتنمية.

    إن المستقبل السياسي للمغرب سيتشكل، إلى حد بعيد، بقدر ما تستطيع الحياة الحزبية أن تنفتح على التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، وأن تفسح المجال أمام جيل جديد من الفاعلين القادرين على الجمع بين الوعي بالتحولات العالمية والارتباط العميق بقضايا المجتمع، وهذا ما تعكسه بعض المبادرات الحزبية التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، من خلال مبادرة التعاقد المجتمعي، فالديمقراطية ليست فقط نظاماً لتدبير السلطة، بل هي أيضاً قدرة مستمرة على تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

    وعليه، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تجديد الوساطة الحزبية من خلال فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية وفهم التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، بما يسمح بإضفاء دينامية جديدة على الحياة السياسية ويعيد الاعتبار لدور الأحزاب باعتبارها فضاءات للتأطير الديمقراطي وصياغة المشاريع المجتمعية.

    وفي نهاية المطاف، فإن قدرة الحياة السياسية في المغرب على مواكبة تحولات المجتمع ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تجديد نخبها وعلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، لأن الديمقراطيات الحية ليست تلك التي تحافظ فقط على مؤسساتها، بل تلك التي تمتلك القدرة المستمرة على تجديد نفسها والانفتاح على طاقات أجيالها الصاعدة.

    -باحث في السياسات العمومية والحكامة – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • زيادة 1000 درهم/ النظام الأساسي/ الامتحانات المهنية.. مخرجات اللقاء بين نقابة موظفي التعليم العالي والوزارة

    خلص اللقاء الذي عقدته النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مع وزارة التعليم العالي، بحضور مدير الموارد البشرية ومدير الشؤون القانونية ورؤساء الأقسام بالوزارة، إلى جملة من المخرجات المرتبطة بعدد من القضايا ذات الأولوية في أفق الاستجابة لتطلعات الموظفين وتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وذلك في إطار تتبع المستجدات المرتبطة بالملف المطلبي.

    مراجعة النظام الأساسي والزيادة المالية

    وفي ما يخص النظام الأساسي، أشار البلاغ إلى أن الوزارة أفادت بأنه على إثر صدور القانون 59.24 يجري حالياً إعداد القوانين التنظيمية ذات الصلة بالتوازي مع مراجعة النظام الأساسي قصد ملاءمته مع مقتضيات هذا القانون.

    وبخصوص الزيادة المالية المحددة في 1000 درهم، أوضحت الوزارة أنها لا تزال بصدد التشاور مع وزارة المالية من أجل تحديد الصيغة المناسبة لتنزيل هذه الزيادة، حيث تم اقتراح خيارين يتمثلان في إحداث تعويض تكميلي بموجب مرسوم أو إصدار قرار مشترك بين وزارتي التعليم العالي والمالية.

    الإعلان المرتقب عن نتائج الامتحانات المهنية

    وفي ما يتعلق بالامتحانات المهنية، أفادت الوزارة، وفقا للبلاغ ذاته، أنه سيتم الإعلان عن نتائجها يوم الجمعة أو السبت على أبعد تقدير.

    أما بخصوص وضعية الموظفين الحاصلين على شهادة الدكتوراه، فقد تم التأكيد على التزام الوزارة بما تم الاتفاق عليه مع النقابة.

    تحديث مواضيع الامتحانات وإعفاء الموظفين من رسوم التسجيل

    وفي ما يرتبط بمواضيع الامتحانات والتكوينات، أقرت الوزارة بأن بعض مواضيع الامتحانات أصبحت متجاوزة، مؤكدة أنها ستعمل على تحيينها إلى جانب مراجعة مضامين التكوينات وأساليب التقييم بما يواكب المستجدات.

    وبخصوص التوقيت الميسر، التزم ممثلو الوزارة بتذكير الوزير بضرورة مراسلة رؤساء الجامعات من أجل اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإعفاء الموظفين، بما فيهم موظفو الإدارة المركزية، من رسوم التسجيل.

    نقص الموارد البشرية وتخصيص المناصب

    وفي ما يتعلق بالنقص في الموارد البشرية، أوضحت الوزارة، حسب ما نقله بلاغ النقابة، أنه لم يتم بعد توزيع المناصب، لكنها التزمت بتخصيص ما بين 33 و34 في المائة من المناصب للموظفين، علماً أن نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كانت قد طالبت بتخصيص 50 في المائة.

    كما تعهدت الوزارة بخصوص التكوين المستمر بتعميم برامجه لتشمل كافة الموظفين، مع العمل على تتويجها بشهادات معترف بها.

    بوابة إلكترونية لتتبع الوضعية الإدارية والمالية

    وأوضحت الوزارة أيضاً أن البوابة الإلكترونية الخاصة بمتابعة الوضعية الإدارية والمالية للموظفين توجد حالياً في مرحلة التجريب على مستوى الإدارة المركزية، على أن يتم تعميمها لاحقاً لتشمل جميع موظفي التعليم العالي.

    أما في ما يخص شركات المناولة، فقد تقرر توجيه مذكرة إلى مختلف المؤسسات تقضي بمنع تدخل عمال هذه الشركات في المهام الإدارية.

     نظام أساسي “عادل ومنصف”

    كما تم خلال اللقاء إثارة عدد من الإشكالات الخاصة ببعض الجامعات والمؤسسات، لاسيما المرتبطة بالتدبير الإداري ومحاربة العمل النقابي، حيث تم التأكيد على ضرورة معالجتها في أقرب الآجال.

    وأكدت النقابة، في ختام البلاغ، استمرارها في التشبث بمطلب “إخراج نظام أساسي عادل ومنصف”، مع مواصلة تتبع هذا الملف “بكل جدية ومسؤولية واتخاذ ما يلزم من مبادرات دفاعاً عن الحقوق والمكتسبات”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدولة الاجتماعية: المنطلقات الفلسفية واسهامات العمل النقابي

    مقدمة:

    ترتبط الدولة الاجتماعية ارتباطا وثيق الصلة بالديمقراطية الاجتماعية، التي تتأسس على العدالة الاجتماعية، باعتبارها قيمة سياسية وأخلاقية كانت وما تزال طموحا لجميع الأمم والشعوب بالرغم من اختلاف نُظمها السياسية والاقتصادية. وتقتضي العدالة الاجتماعية أن تكون المساواة الاجتماعية متأصلة كثقافة مُؤَسَّسِية داخل مفاصل الدولة، وذلك عبر التوزيع المنصف للخيرات الاقتصادية، ذلك أن مهمة الدولة لم تعد تتحدد فقط في حفظ الأمن والاستقرار السياسي وتنظيم انتخابات دورية …، بل من واجبها الحرص على تلبية المتطلبات الاجتماعية للفئات الأكثر تضررا والأشد حاجة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية ضمانا للسلم المجتمعي.

    هذا، ويشير مفهوم الدولة الاجتماعية، إلى السلطات التي يقع على عاتقها تلبية الحاجيات الاجتماعية، وتقديم المساعدات للفئات المحتاجة، فضلا عن مسؤوليتها عن المخاطر المُستحدثة، بتوفير الحماية الاجتماعية والصحية وتقليص الفجوات والتوزيع المتساوي والمتوازي للثروات الاقتصادية. وقد برز للواجهة مطمح الدولة الاجتماعية، كأحد الرهانات الاستراتيجية التي أفرزتها التقلبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن جائحة كوفيد 19، حيث تشكلت الرغبة الملحة لأغلب الدول، خاصة النامية لتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية وتحسين العرض الصحي العمومي، على النحو الذي يجعلها تصمد في وجه هذه المخاطر ومواجهة آثارها السلبية، وذلك بتبني سياسات عمومية اجتماعية تركز على الحماية الاجتماعية والعدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، بالشكل الذي يضمن استفادة مختلف الفئات المعوزة من ثمار التنمية.

    بيد أن الحديث عن الدولة الاجتماعية، لا يستقيم إلا إذا تمت مقاربتها مقاربة شمولية غير اختزالية، بدءا بالتطرق إلى بعض الأعمال التأسيساتية التي أنجزها مفكرون أجانب من أمثال: جون راولز، أمارتيا صن، سيمور مارتن ليبست، ألكسيس دي طوكفيل وتوماس بيكيتي … حول موضوع الديمقراطية الاجتماعية، تمهيدا للحديث عن أدوار التنظيمات الموازية بما في ذلك النقابات المهنية، التي اضطلعت تاريخيا بدور لا يخلو من أهمية في مسيرة بناء الدولة الاجتماعية، لا سيما من خلال الوساطة التي قامت بها هذه الأخيرة، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات المجتمعية والاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، باعتبارها نقطة ارتكاز أساسية في العمل النقابي. إذا ما هي الروابط التي تجمع بين الديمقراطية الاجتماعية والدولة الاجتماعية؟ وما هي أهم المنطلقات الفكرية والفلسفية التي تم من خلالها التأسيس لمفهوم الدولة الاجتماعية؟ وأي دور تضطلع به النقابات المهنية في إرساء مرتكزات الدولة الاجتماعية؟

    أولا: المنطلقات الفكرية والفلسفية للدولة الاجتماعية

    يعتبر الفيلسوف جون راولز في طليعة المفكرين الذين ساهموا بنصيب كبير في التـأسيس الفكري والبناء الفلسفي لنظرية العدالة، على اعتبار أن غايتها الأولى هي ترتيب المؤسسات وفق منطق التعاون والسعي للملاءمة بين مبدأين متعارضين، لكنهما يعتبران عماد الديمقراطية هما :”الحرية والمساواة”. وأوضح كيف أن الليبرالية فَضَّلَت احترام الحريات على حساب المساواة، بينما قَيَّدَت الاشتراكية الحريات باسم المساواة، مما جعله ينادي بتأسيس وبناء العدالة باعتبارها إنصاف على مبادئ الحرية والديمقراطية، وذلك باعتبارهما المهمة الأولى للسلطات السياسية.

    ويرى راولز بأن التشريعات حتى وإن كانت جيدة فلا بد من إصلاحها من حين لآخر، خاصة إذا كانت غير قادرة على تحقيق الديمقراطية الاجتماعية واحقاق المساواة، وهذه الفكرة تجد أساسها في أن القانون ليس عادل دائما، فهو شأنه شأن أي نسق إيديولوجي غير بريء بل يحمل في ثناياه تَوجُّهَات النخب التي تُشَرعه قصد الحفاظ على امتيازاتها، وهذا يتناقض مع العدالة الاجتماعية التي يجب أن لا تخضع للمقايضات السياسية أو للحسابات التفاضلية للنخب.

    غير أن مدى جاهزية هذه النظرية “المثالية” التي نادى بها راولز للأجرأة الفعلية، كان هو نقطة الاختلاف بينه وبين أمارتيا صن، الذي عارض نظرية جون راولز بحجة أنه قدم لنا نموذجا مثاليا للعدالة الاجتماعية لسنا في حاجة إليه، بقدر حاجتنا للعدالة الحقيقية. لهذا لم يرغب أمارتيا صن أن يكون مؤلفه عن العدالة على غرار كتاب العدالة الذي ألبسه راولز ثوبا مثاليا، ذلك لأن قضية العدالة عند أمارتيا صن لا تستقيم إن لم تكن غايتها إجرائية. فإذا كانت نظرية راولز اتسمت بطابعها المثالي الذي جعله ينجح لحد كبير في الارتقاء بها لمستوى النظرية التي تَشَرَّبَ في سبيلها من مشارب فكرية متعددة استهوت كبار رموز الفلسفة المعاصرة أمثال يورغن هابرماس ومايكل ساندل، فإن أمارتيا صن استثمر نظرية جون راولز حول العدالة وقام بإعادة صياغتها صياغة فلسفية جديدة جعلتها ترتبط به وتُنسب إليه مع أنه ليس أول من قال بها.

    فأمارتيا صن علاوة على كونه من جهابذة الفكر الاقتصادي، نجده انخرط في البحث عن متطلبات العدالة بمقاربة فكرية هادئة خصصها لنقد نظرية راولز مما مكنه من بلورة نظريته الخالصة حول العدالة الإجرائية، لكن أبحاث أمارتيا صن لم يكن الغرض منها هدم نظرية راولز أو تقويضها، بقدر ما كانت عبارة عن مساهمة أو مقاربة نقدية لمفهوم العدالة المثالي الذي أسسه راولز، من خلال سعيه الدؤوب لكشف الشوائب التي تعتريها، ذلك أن العدالة عند صن ليست مسألة تفكير فحسب، بل معادلة تقتضي أن تكون للمرء حاسة يشتم بها رائحة الظلم، لأن متطلبات العدالة تقتضي إعمال العقل في تحليل مسببات القهر وهو تصور يطابق رؤيته للتنمية باعتبارها توسيع خيارات الأفراد وتعزيز حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

    ومن جانب آخر، فإن الحديث عن الدولة الاجتماعية يقتضي توفير متطلباتها الاقتصادية التي تجعلها أمرا ممكنا، وفي مقدمتها تبني نموذج اقتصادي اجتماعي قادر على إنتاج الثروة، وخلق فرص العمل، ومحاربة كل أشكال عدم المساواة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يبرز اسم عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي، الذي وضع المنطلقات الفكرية التي تقوم عليها الدولة الاجتماعية، وفي مقدمتها القضاء على التفاوتات وعدم المساواة التي أفرزها النظام الرأسمالي واحقاق المساواة الفعلية، ذلك لأن الديمقراطية التمثيلية، بحسبه، ليست سوى أحد الأشكال غير المكتملة للمشاركة السياسية، وأن المساواة الفعلية تحتاج نظاما من الضرائب “التصاعدية” على الثروات الطائلة لتمويل الإنفاق العمومي على السياسات الاجتماعية.

    وفي سياق حديثنا عن متطلبات الدولة الاجتماعية لا يمكن القفز على الأعمال التأسيساتية لسيمور مارتن ليبست، الذي عمل على الربط المنهجي بين المتطلبات الاقتصادية والديمقراطية، ذلك أنه كلما زادت مؤشرات الرفاهية الاقتصادية، زادت فرص تحقيق الديمقراطية المستقرة، وكلما انخفضت نسب الرفاهية الاقتصادية زادت احتمالية السقوط في الديمقراطية غير المستقرة. وهذه الخلاصة دفعته للتأكيد على العلاقة السببية بين المؤشرات الاقتصادية والديمقراطية.

    من جانبه، يعتبر ألكسيس دي طوكڤيل من أوائل المفكرين الذين قاموا بدراسة أسس الديمقراطية في أمريكا باستحضار العامل الاجتماعي في تثبيت أسسها. يقول دي طوكڤيل :”إن ما شد انتباهي في أمريكا هو تساوي أفراد الشعب في أحوالهم الاجتماعية”، وأكد صراحة على ما لهذا التساوي في الأوضاع الاجتماعية من تأثير على الديمقراطية يتعدى في تأثيره تأثير القوانين، بل إنه اندهش من واقع المساواة هذا، واندهاشه منه جعله يصفه بكونه هبة من “مشيئة إلاهية مقدسة، وأن أية محاولة لتعطيل الديمقراطية تعد في هذه الحالة معاندة لإرادة الله”.

    وعليه، فعدم تدخل الدولة لإحقاق الحقوق الاجتماعية يجعلها تصنف في خانة الدول “الفاشلة أو المنهارة”، التي تعاني بحسب الأمريكي وليام زارتمان من حالة عجز تجعلها غير قادرة على مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، علما بأن مدلول الدولة المنهارة اكتسب مؤشرات مستحدثة خلفتها الأزمة الاجتماعية التي أفرزتها جائحة كورونا، بسبب عدم قدرة بعض الدول على التدبير الفعال لمخلفاتها، خاصة تلك التي بدت عاجزة وغير قادرة على الصمود في وجه المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الطارئة للجائحة ومواجهة آثارها السلبية على المجتمع.

    ثانيا: اسهامات الفاعل النقابي في إرساء أسس الدولة الاجتماعية

    في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية، تبرز أهمية الوساطة التي قامت بها النقابات العمالية، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية، التي شكلت نقطة ارتكاز في العمل والفعل النقابيين، حيث ساهمت هذه الاضطرابات والأزمات في بروز مواجهة دارت أطوارها بين أرباب العمل والأجراء الذين رفعوا شعار: “لسنا شيئا، فلنكن كل شيء”، بيد أن انتزاع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لم يتحقق إلا بعد مخاض شاق من النضالات النقابية.

    لقد ارتبط العمل النقابي بالوعي العُمالي المتمثل في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء. وقد أدرك كارل ماركس هذا الأمر عندما ربط نشأة النقابات العمالية ببداية وعي العمال وإدراكهم بأن دورهم في خدمة رأس المال سيصبح أكثر هشاشة بسبب زيادة ساعات العمل وتنمية ثروة أرباب العمل، حيث ستتولد عندهم القناعة بأن قوتهم تكمن في اتحادهم للضغط على أصحاب المصانع الذين يوظفون الطبقة الكادحة في زيادة رأسمالهم بأجر زهيد.

    وتشكل اتفاقيات منظمة العمل الدولية ودستورها الصادر سنة 1919، الأساس المعياري لحق النقابات المهنية في الترافع من أجل العدالة الاجتماعية، وهو الدور الذي تمت ترجمته والتنصيص عليه بموجب الدساتير والتشريعات الوطنية. ولتحقيق هذه الغاية يبرز الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف، كإحدى الآليات العملياتية لإجراء المفاوضة الجماعية بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين. إذ بموجبه تم التأسيس لمشروعية مشاركة النقابات في جلسات المفاوضة الجماعية. وتعرف أدبيات منظمة العمل الدولية الحوار الاجتماعي بكونه:”كل أنواع التفاوض أو التشاور بين ممثلي الحكومات، والمنظمات المهنية لأرباب العمل، والمنظمات النقابية للأجراء”، كتحسين تشريعات العمل، وحق الأجراء في التغطية الاجتماعية والحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب كل ما من شأنه أن يخلق بؤرا للتوتر والاحتقان الاجتماعي.

    لهذا شكلت الديمقراطية الاجتماعية داخل مقرات العمل محور اهتمام النقابات المهنية، التي سعت لتوفير فضاء مهني يساهم في خلق التوازن بين مصالح المشغلين ووجود تنظيمات تمثيلية لها من القوة ما يجعلها قادرة على ترجمة التمثيل النقابي لسلطة فعالة قادرة على ترجمة الدور الذي يُفترض أن تلعبه النقابات المهنية في تمثيل العمال والدفاع عن مطالبهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الأمر يجد مبرراته في كون الديمقراطية لم تعد تقتصر على المؤشرات السياسية والتقنية فحسب، بل أضحت تقاس أيضا في بعض جوانبها بفِعلِيَّة تمتع المواطنين بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية في إطار سياسة التمكين الاقتصادي للفئات المستضعفة.

    وبالتالي، فقياس منسوب الديمقراطية داخل بلد ما أصبح يتم وفق مقاربة شمولية غير اختزالية وغير تجزيئية، لأن القانون وحده، بحسب ميشيل كروزييه ليس كافيا لإحداث التغييرات المرجوة في المجتمع. وعليه، فإن التفكير في أسس الدولة الاجتماعية ينبغي أن لا ينصب على الجوانب الدستورية والسياسية فقط، بل لا بد من إعطاء المؤشرات غير القانونية الأهمية التي تستحقها، خاصة الديمقراطية الاجتماعية، لأن العديد من المجالات الاجتماعية تتعثر فيها التدابير القانونية والسياسية مما جعلها تفقد مراميها بعد أن أصبحت عاجزة عن القضاء على التفاوتات.

    فإذا كانت اتفاقية مونتيفيديو لحقوق وواجبات الدول لعام 1933 وضعت عدة معايير وشروط لتكون الدولة شخصا من أشخاص القانون الدولي، ومن ضمنها التوفر على حكومة “البند 3 المادة 1″، فإن هذا الشرط ليس القصد منه التواجد الشكلي للحكومة، بل لا بد أن يكون لها تواجد فعال يمنحها القدرة على ممارسة السلطة التنفيذية، بالشكل الذي يجعلها قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد الاجتماعية والاقتصادية، باعتبارها أساس كرامتهم ووجودهم.

    وبالنسبة للتجربة المغربية، نجد بأن المشهد النقابي المغربي يضم العديد من المركزيات النقابية منها ما هو تابع لأحزاب سياسية وأخرى مستقلة، وقد حدد الدستور وباقي النصوص القانونية المهام الاجتماعية والاقتصادية للنقابات المهنية. وإذا كانت الأخيرة في مغرب اليوم أمرا مسلما به وضرورة لابد منها للدفاع عن حقوق الأجراء، فإن الأمر لم يَكُن كذلك قبل سنة 1955، ذلك أن السلطات الاستعمارية كانت تمنع المغاربة من ممارسة الحق النقابي ورفضت أن تعترف بتأسيسها، لأنها كانت ترى فيها أداة من أدوات النضال الاجتماعي والسياسي والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية للمستعمر، لهذا كان يُسمح للفرنسيين فقط بالعمل داخل المركزية النقابية الكونفدرالية العامة للشغل، ولم يتم السماح للمغاربة بممارسة هذا الحق إلا لاحقا.

    وبعد حصول المغرب على استقلاله، صدر ظهير 16 يوليوز 1957 الذي أقر الحق النقابي للعمال والمشغلين المغاربة، كما صدر ظهير 15 نونبر 1958 الذي ينظم حق تأسيس الجمعيات، بما فيها إمكانية تأسيس جمعيات مهنية. وبعد ذلك عرف المشهد النقابي ميلاد وظهور تنظيمات نقابية جديدة، وقد تأسس فعلا عدد كبير من التنظيمات النقابية والجمعوية التي ساهمت في دعم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأجراء والمهنيين والمجتمع المدني. وتعتبر مرحلة التسعينات محطة مُؤَسِّسَة لبداية شيوع ثقافة الحوار الاجتماعي، والتي تم تدشينها فعليا بإعلان التصريح المشترك في فاتح غشت 1996، والذي نص على الحريات النقابية، والحماية الاجتماعية، وتحسين الدخل والأجور، وبعده انطلقت جولات الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف.

    وبالرجوع لحصيلة الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025 نجد أن التجربة المغربية أفرزت ثمان حوارات اجتماعية مركزية ثلاثية الأطراف: اتفاق فاتح غشت 1996؛ اتفاق 23 أبريل 2000؛ اتفاق 30 أبريل 2003؛ اتفاق 26 أبريل 2011؛ اتفاق 25 أبريل 2019؛ اتفاق 30 أبريل 2022؛ اتفاق 29 أبريل 2024، ثم اتفاق 22 أبريل 2025.

    وبخصوص كل الحوارات الاجتماعية منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025، فقد شكل مطلب الزيادة العامة في الأجور، وإخراج التشريعات الاجتماعية لحيز الوجود، خاصة القانون التنظيمي للإضراب، الذي صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 7389 بتاريخ (24 مارس 2025)، بعد قرار المحكمة الدستورية رقـم 251/25، بتاريخ 12 مارس 2025، وتبني مدونة للشغل، واحترام الحريات النقابية، والمصادقة على الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وبحق التنظيم القاسم المشترك بينها، غير أن حدود التفاعل الحكومي مع هذه المطالب اختلف من حكومة لأخرى. وهذا الاختلاف في التجاوب مع الملفات المطلبية للمركزيات النقابية أملته عدة اعتبارات فرضتها السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي طُرح فيها. أما بخصوص الجهة المشرفة عليه، فقد شكلت سنة 2011 بداية للتحول الفعلي في الإشراف الحكومي، وذلك بجعل سلطة الإشراف عليه تحت المسؤولية المباشرة للوزير الأول سابقا، كما حدث سابقا بالنسبة لـ (اتفاق 26 أبريل 2011)، أو رئيس الحكومة حاليا بالنسبة لـ (اتفاق 25 أبريل 2019، اتفاق 30 أبريل 2022، اتفاق 29 أبريل 2024، ثم أخيرا (اتفاق 22 أبريل 2025).

    وقبل سنة 2011، كانت ممارسة الحوار الاجتماعي غير منتظمة، كما كانت تشرف عليها بعض القطاعات الوزارية، كالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية (اتفاق غشت 1996)، أو السلطة الحكومية المكلفة بالتنمية الاجتماعية (اتفاق 23 أبريل 2000)، وأحيانا تمت بشكل مشترك بين السلطات الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة والسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية والشباب (اتفاق 30 أبريل 2003)، أما من حيث التجاوب مع بعض المطالب، سيما المتعلقة بالزيادة العامة في الأجور بالقطاعين العام والخاص، باعتبارها المطلب الذي يحظى باهتمام الموظفين والأجراء، فقد لوحظ أن هناك تحسن ملحوظ مقارنة مع السابق وهو أمر فرضته الرغبة في مواكبة التحولات الاقتصادية والمجتمعية، كالزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية التي لها ارتباط بالمعيش اليومي للمواطن.

    بيد أن ما يلاحظ على مخرجات الحوار الاجتماعي، هو كونها تأتي دوما في سياق اقتصادي يتميز بالزيادة المتتالية في أسعار الغذائية الأساسية، وهذا الأمر تكشفه الاحصائيات الرسمية، مثلا فقد عرفت سنة 2025 زيادة بنسبة 3,7%، في أسعار المواد الغذائية، وأسعار المنتجات غير الغذائية بنسبة 1,1%، حيث تمس هذه الزيادات التي تبقى مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة، ثمن المواد الغذائية التي تعتبر ضرورية للمعيش اليومي للفرد، وهذا الأمر ساهم في تسريع ارتفاع معدل التضخم إلى 2,2 % خلال الفصل الأول من سنة 2025.

     كما أن مخرجات الحوار الاجتماعي، تأتي خالية من أية تدابير موازية تحمي الفئات التي لا تتوفر على أجر منتظم ولا تنتمي للوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، كالأرامل وكبار السن وذوي الإعاقات، والعاطلون…، وهذه الإشكالية كشف بعض من جوانبها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2024، الذي رسم صورة مقلقة عن مشكلة إدماج الشباب في سوق الشغل، إذ حوالي 70.4% منهم يعاني من بطالة طويلة الأمد تمتد أكثر من سنة، في حين تبلغ بطالة النساء 19.4%، كما أن 33.5% منهن بدون عمل، أما في القطاع الخاص 58.9% منهن يتقاضين أجرا دون الحد الأدنى مما جعل تمثيليتهن ضعيفة في النسيج الاقتصادي.

    ختاما:

    تاريخيا لقد ارتبط الفعل النقابي بثقافة المواجهة مع السلطة السياسية، ذلك أن الميدان الاقتصادي يشكل المجال الرئيسي والأساسي للنشاط السياسي، وهذا ما يفسر ميل العديد من القادة السياسيين لاستغلال العمل النقابي بتجنيد العمال عبر الدعم السياسي الذي يُقدموه لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، مما ساهم في طمس الحدود الفاصلة بين المجال المهني “مجال الفعل النقابي” والمجال السياسي “مجال الفعل السياسي”، بالشكل الذي أدى لتوسيع دائرة تسييس النشاط النقابي، الذي بموجبه يجد أمر لا سياسي نفسه ضمن خانة الأمور والقضايا السياسية.

    فإذا كان العمل النقابي يندرج في إطار الصراع المجتمعي العام من أجل احترام الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، فإنه وهو في مسعاه للدفاع عن متطلبات الدولة الاجتماعية، قد يلتقي إراديا أو ومن حيث لا يدري مع الفعل السياسي للأحزاب السياسية، التي ترفع مطلب مجتمع العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية، مما جعل نضالات القوى النقابية المغربية تسقط في أحضان العمل الحزبي الذي أفقدها أحيانا الاستقلالية التنظيمية والذاتية.

    بحيث تحولت بعض المركزيات النقابية لأداة بيد بعض الأحزاب توظفها متى شاءت للضغط على الحكومة، مما ساهم في تشكل مشهد نقابي هجين يفتقد للصلابة والمناعة التي تجعله يقف صامدا مستقلا في مواجهة إغراءات وامتيازات العمل السياسي، إكراهات موضوعية تنضاف لمشكلة خُلود الزعامات والمشاكل التنظيمية التي تتخبط فيها بعض المركزيات النقابية كالصراع على الزعامة، كانت سببا مباشرا في فقدان الثقة في العمل النقابي، إذ تؤكد احصائيات نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، أن نسبة الانتماء والانخراط النقابيين لا تتجاوز (4,0%) على الصعيد الوطني مسجلة تراجعا عن سنة 2023 حيث كانت محددة في (4,7%).

    إن هذا النفور من الانخراط في العمل النقابي إما بشكل طوعي أو بفعل تقاعس النقابات، كانت له نتائج عكسية في عدة مناسبات وجدت الدولة نفسها في مواجهة مباشرة مع بؤر الاحتقان الاجتماعي، التي دعت إليها تنسيقيات افتراضية متنوعة إيديولوجيا وفكريا، وترفض أي تأطير نقابي لسلوكها الاحتجاجي، بل حتى بعض الحوارات التي أجرتها بعض القطاعات الحكومية مع ممثلين نقابين، قُوبلت بالرفض من قبل الفئات المعنية (كقطاع التعليم والصحة).

    والحالة هذه فإنه لا يمكن للنقابات المغربية، أن تحمل رهان الدولة الاجتماعية، وهي تعاني قصورا تنظيميا وذاتيا، جعلها تابعة تبعية مطلقة لبعض الأحزاب السياسية، ذلك لأن هناك علاقة وطيدة بين تحقيق العدالة الاجتماعية ووجود نقابات تتمتع بمناعة كافية، كما لا يمكن للنقابات المهنية أن تطمح لتطوير المجتمع وإصلاح المؤسسات وهي ذاتها في حاجة لإصلاح هيكلي، وهذه الفرضية تزكيها نسب تدني الانتماء النقابي في صفوف الأجراء والموظفين.

    أستاذ علم السياسة بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الدولة الاجتماعية: المنطلقات الفلسفية وإسهامات العمل النقابي

    عبد الغني السرار

    مقدمة:

    ترتبط الدولة الاجتماعية ارتباطا وثيق الصلة بالديمقراطية الاجتماعية، التي تتأسس على العدالة الاجتماعية، باعتبارها قيمة سياسية وأخلاقية كانت وما تزال طموحا لجميع الأمم والشعوب بالرغم من اختلاف نُظمها السياسية والاقتصادية. وتقتضي العدالة الاجتماعية أن تكون المساواة الاجتماعية متأصلة كثقافة مُؤَسَّسِية داخل مفاصل الدولة، وذلك عبر التوزيع المنصف للخيرات الاقتصادية، ذلك أن مهمة الدولة لم تعد تتحدد فقط في حفظ الأمن والاستقرار السياسي وتنظيم انتخابات دورية …، بل من واجبها الحرص على تلبية المتطلبات الاجتماعية للفئات الأكثر تضررا والأشد حاجة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية ضمانا للسلم المجتمعي.

    هذا، ويشير مفهوم الدولة الاجتماعية، إلى السلطات التي يقع على عاتقها تلبية الحاجيات الاجتماعية، وتقديم المساعدات للفئات المحتاجة، فضلا عن مسؤوليتها عن المخاطر المُستحدثة، بتوفير الحماية الاجتماعية والصحية وتقليص الفجوات والتوزيع المتساوي والمتوازي للثروات الاقتصادية. وقد برز للواجهة مطمح الدولة الاجتماعية، كأحد الرهانات الاستراتيجية التي أفرزتها التقلبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن جائحة كوفيد 19، حيث تشكلت الرغبة الملحة لأغلب الدول، خاصة النامية لتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية وتحسين العرض الصحي العمومي، على النحو الذي يجعلها تصمد في وجه هذه المخاطر ومواجهة آثارها السلبية، وذلك بتبني سياسات عمومية اجتماعية تركز على الحماية الاجتماعية والعدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، بالشكل الذي يضمن استفادة مختلف الفئات المعوزة من ثمار التنمية.

    بيد أن الحديث عن الدولة الاجتماعية، لا يستقيم إلا إذا تمت مقاربتها مقاربة شمولية غير اختزالية، بدءا بالتطرق إلى بعض الأعمال التأسيساتية التي أنجزها مفكرون أجانب من أمثال: جون راولز، أمارتيا صن، سيمور مارتن ليبست، ألكسيس دي طوكفيل وتوماس بيكيتي … حول موضوع الديمقراطية الاجتماعية، تمهيدا للحديث عن أدوار التنظيمات الموازية بما في ذلك النقابات المهنية، التي اضطلعت تاريخيا بدور لا يخلو من أهمية في مسيرة بناء الدولة الاجتماعية، لا سيما من خلال الوساطة التي قامت بها هذه الأخيرة، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات المجتمعية والاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، باعتبارها نقطة ارتكاز أساسية في العمل النقابي. إذا ما هي الروابط التي تجمع بين الديمقراطية الاجتماعية والدولة الاجتماعية؟ وما هي أهم المنطلقات الفكرية والفلسفية التي تم من خلالها التأسيس لمفهوم الدولة الاجتماعية؟ وأي دور تضطلع به النقابات المهنية في إرساء مرتكزات الدولة الاجتماعية؟

    أولا: المنطلقات الفكرية والفلسفية للدولة الاجتماعية

    يعتبر الفيلسوف جون راولز في طليعة المفكرين الذين ساهموا بنصيب كبير في التـأسيس الفكري والبناء الفلسفي لنظرية العدالة، على اعتبار أن غايتها الأولى هي ترتيب المؤسسات وفق منطق التعاون والسعي للملاءمة بين مبدأين متعارضين، لكنهما يعتبران عماد الديمقراطية هما :”الحرية والمساواة”. وأوضح كيف أن الليبرالية فَضَّلَت احترام الحريات على حساب المساواة، بينما قَيَّدَت الاشتراكية الحريات باسم المساواة، مما جعله ينادي بتأسيس وبناء العدالة باعتبارها إنصاف على مبادئ الحرية والديمقراطية، وذلك باعتبارهما المهمة الأولى للسلطات السياسية.

    ويرى راولز بأن التشريعات حتى وإن كانت جيدة فلا بد من إصلاحها من حين لآخر، خاصة إذا كانت غير قادرة على تحقيق الديمقراطية الاجتماعية واحقاق المساواة، وهذه الفكرة تجد أساسها في أن القانون ليس عادل دائما، فهو شأنه شأن أي نسق إيديولوجي غير بريء بل يحمل في ثناياه تَوجُّهَات النخب التي تُشَرعه قصد الحفاظ على امتيازاتها، وهذا يتناقض مع العدالة الاجتماعية التي يجب أن لا تخضع للمقايضات السياسية أو للحسابات التفاضلية للنخب.

    غير أن مدى جاهزية هذه النظرية “المثالية” التي نادى بها راولز للأجرأة الفعلية، كان هو نقطة الاختلاف بينه وبين أمارتيا صن، الذي عارض نظرية جون راولز بحجة أنه قدم لنا نموذجا مثاليا للعدالة الاجتماعية لسنا في حاجة إليه، بقدر حاجتنا للعدالة الحقيقية. لهذا لم يرغب أمارتيا صن أن يكون مؤلفه عن العدالة على غرار كتاب العدالة الذي ألبسه راولز ثوبا مثاليا، ذلك لأن قضية العدالة عند أمارتيا صن لا تستقيم إن لم تكن غايتها إجرائية. فإذا كانت نظرية راولز اتسمت بطابعها المثالي الذي جعله ينجح لحد كبير في الارتقاء بها لمستوى النظرية التي تَشَرَّبَ في سبيلها من مشارب فكرية متعددة استهوت كبار رموز الفلسفة المعاصرة أمثال يورغن هابرماس ومايكل ساندل، فإن أمارتيا صن استثمر نظرية جون راولز حول العدالة وقام بإعادة صياغتها صياغة فلسفية جديدة جعلتها ترتبط به وتُنسب إليه مع أنه ليس أول من قال بها.

    فأمارتيا صن علاوة على كونه من جهابذة الفكر الاقتصادي، نجده انخرط في البحث عن متطلبات العدالة بمقاربة فكرية هادئة خصصها لنقد نظرية راولز مما مكنه من بلورة نظريته الخالصة حول العدالة الإجرائية، لكن أبحاث أمارتيا صن لم يكن الغرض منها هدم نظرية راولز أو تقويضها، بقدر ما كانت عبارة عن مساهمة أو مقاربة نقدية لمفهوم العدالة المثالي الذي أسسه راولز، من خلال سعيه الدؤوب لكشف الشوائب التي تعتريها، ذلك أن العدالة عند صن ليست مسألة تفكير فحسب، بل معادلة تقتضي أن تكون للمرء حاسة يشتم بها رائحة الظلم، لأن متطلبات العدالة تقتضي إعمال العقل في تحليل مسببات القهر وهو تصور يطابق رؤيته للتنمية باعتبارها توسيع خيارات الأفراد وتعزيز حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

    ومن جانب آخر، فإن الحديث عن الدولة الاجتماعية يقتضي توفير متطلباتها الاقتصادية التي تجعلها أمرا ممكنا، وفي مقدمتها تبني نموذج اقتصادي اجتماعي قادر على إنتاج الثروة، وخلق فرص العمل، ومحاربة كل أشكال عدم المساواة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يبرز اسم عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي، الذي وضع المنطلقات الفكرية التي تقوم عليها الدولة الاجتماعية، وفي مقدمتها القضاء على التفاوتات وعدم المساواة التي أفرزها النظام الرأسمالي واحقاق المساواة الفعلية، ذلك لأن الديمقراطية التمثيلية، بحسبه، ليست سوى أحد الأشكال غير المكتملة للمشاركة السياسية، وأن المساواة الفعلية تحتاج نظاما من الضرائب “التصاعدية” على الثروات الطائلة لتمويل الإنفاق العمومي على السياسات الاجتماعية.

    وفي سياق حديثنا عن متطلبات الدولة الاجتماعية لا يمكن القفز على الأعمال التأسيساتية لسيمور مارتن ليبست، الذي عمل على الربط المنهجي بين المتطلبات الاقتصادية والديمقراطية، ذلك أنه كلما زادت مؤشرات الرفاهية الاقتصادية، زادت فرص تحقيق الديمقراطية المستقرة، وكلما انخفضت نسب الرفاهية الاقتصادية زادت احتمالية السقوط في الديمقراطية غير المستقرة. وهذه الخلاصة دفعته للتأكيد على العلاقة السببية بين المؤشرات الاقتصادية والديمقراطية.

    من جانبه، يعتبر ألكسيس دي طوكڤيل من أوائل المفكرين الذين قاموا بدراسة أسس الديمقراطية في أمريكا باستحضار العامل الاجتماعي في تثبيت أسسها. يقول دي طوكڤيل :”إن ما شد انتباهي في أمريكا هو تساوي أفراد الشعب في أحوالهم الاجتماعية”، وأكد صراحة على ما لهذا التساوي في الأوضاع الاجتماعية من تأثير على الديمقراطية يتعدى في تأثيره تأثير القوانين، بل إنه اندهش من واقع المساواة هذا، واندهاشه منه جعله يصفه بكونه هبة من “مشيئة إلاهية مقدسة، وأن أية محاولة لتعطيل الديمقراطية تعد في هذه الحالة معاندة لإرادة الله”.

    وعليه، فعدم تدخل الدولة لإحقاق الحقوق الاجتماعية يجعلها تصنف في خانة الدول “الفاشلة أو المنهارة”، التي تعاني بحسب الأمريكي وليام زارتمان من حالة عجز تجعلها غير قادرة على مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، علما بأن مدلول الدولة المنهارة اكتسب مؤشرات مستحدثة خلفتها الأزمة الاجتماعية التي أفرزتها جائحة كورونا، بسبب عدم قدرة بعض الدول على التدبير الفعال لمخلفاتها، خاصة تلك التي بدت عاجزة وغير قادرة على الصمود في وجه المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الطارئة للجائحة ومواجهة آثارها السلبية على المجتمع.

    ثانيا: إسهامات الفاعل النقابي في إرساء أسس الدولة الاجتماعية

    في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية، تبرز أهمية الوساطة التي قامت بها النقابات العمالية، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية، التي شكلت نقطة ارتكاز في العمل والفعل النقابيين، حيث ساهمت هذه الاضطرابات والأزمات في بروز مواجهة دارت أطوارها بين أرباب العمل والأجراء الذين رفعوا شعار: “لسنا شيئا، فلنكن كل شيء”، بيد أن انتزاع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لم يتحقق إلا بعد مخاض شاق من النضالات النقابية.

    لقد ارتبط العمل النقابي بالوعي العُمالي المتمثل في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء. وقد أدرك كارل ماركس هذا الأمر عندما ربط نشأة النقابات العمالية ببداية وعي العمال وإدراكهم بأن دورهم في خدمة رأس المال سيصبح أكثر هشاشة بسبب زيادة ساعات العمل وتنمية ثروة أرباب العمل، حيث ستتولد عندهم القناعة بأن قوتهم تكمن في اتحادهم للضغط على أصحاب المصانع الذين يوظفون الطبقة الكادحة في زيادة رأسمالهم بأجر زهيد.

    وتشكل اتفاقيات منظمة العمل الدولية ودستورها الصادر سنة 1919، الأساس المعياري لحق النقابات المهنية في الترافع من أجل العدالة الاجتماعية، وهو الدور الذي تمت ترجمته والتنصيص عليه بموجب الدساتير والتشريعات الوطنية. ولتحقيق هذه الغاية يبرز الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف، كإحدى الآليات العملياتية لإجراء المفاوضة الجماعية بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين. إذ بموجبه تم التأسيس لمشروعية مشاركة النقابات في جلسات المفاوضة الجماعية. وتعرف أدبيات منظمة العمل الدولية الحوار الاجتماعي بكونه:”كل أنواع التفاوض أو التشاور بين ممثلي الحكومات، والمنظمات المهنية لأرباب العمل، والمنظمات النقابية للأجراء”، كتحسين تشريعات العمل، وحق الأجراء في التغطية الاجتماعية والحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب كل ما من شأنه أن يخلق بؤرا للتوتر والاحتقان الاجتماعي.

    لهذا شكلت الديمقراطية الاجتماعية داخل مقرات العمل محور اهتمام النقابات المهنية، التي سعت لتوفير فضاء مهني يساهم في خلق التوازن بين مصالح المشغلين ووجود تنظيمات تمثيلية لها من القوة ما يجعلها قادرة على ترجمة التمثيل النقابي لسلطة فعالة قادرة على ترجمة الدور الذي يُفترض أن تلعبه النقابات المهنية في تمثيل العمال والدفاع عن مطالبهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الأمر يجد مبرراته في كون الديمقراطية لم تعد تقتصر على المؤشرات السياسية والتقنية فحسب، بل أضحت تقاس أيضا في بعض جوانبها بفِعلِيَّة تمتع المواطنين بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية في إطار سياسة التمكين الاقتصادي للفئات المستضعفة.

    وبالتالي، فقياس منسوب الديمقراطية داخل بلد ما أصبح يتم وفق مقاربة شمولية غير اختزالية وغير تجزيئية، لأن القانون وحده، بحسب ميشيل كروزييه ليس كافيا لإحداث التغييرات المرجوة في المجتمع. وعليه، فإن التفكير في أسس الدولة الاجتماعية ينبغي أن لا ينصب على الجوانب الدستورية والسياسية فقط، بل لا بد من إعطاء المؤشرات غير القانونية الأهمية التي تستحقها، خاصة الديمقراطية الاجتماعية، لأن العديد من المجالات الاجتماعية تتعثر فيها التدابير القانونية والسياسية مما جعلها تفقد مراميها بعد أن أصبحت عاجزة عن القضاء على التفاوتات.

    فإذا كانت اتفاقية مونتيفيديو لحقوق وواجبات الدول لعام 1933 وضعت عدة معايير وشروط لتكون الدولة شخصا من أشخاص القانون الدولي، ومن ضمنها التوفر على حكومة “البند 3 المادة 1″، فإن هذا الشرط ليس القصد منه التواجد الشكلي للحكومة، بل لا بد أن يكون لها تواجد فعال يمنحها القدرة على ممارسة السلطة التنفيذية، بالشكل الذي يجعلها قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد الاجتماعية والاقتصادية، باعتبارها أساس كرامتهم ووجودهم.

    وبالنسبة للتجربة المغربية، نجد بأن المشهد النقابي المغربي يضم العديد من المركزيات النقابية منها ما هو تابع لأحزاب سياسية وأخرى مستقلة، وقد حدد الدستور وباقي النصوص القانونية المهام الاجتماعية والاقتصادية للنقابات المهنية. وإذا كانت الأخيرة في مغرب اليوم أمرا مسلما به وضرورة لابد منها للدفاع عن حقوق الأجراء، فإن الأمر لم يَكُن كذلك قبل سنة 1955، ذلك أن السلطات الاستعمارية كانت تمنع المغاربة من ممارسة الحق النقابي ورفضت أن تعترف بتأسيسها، لأنها كانت ترى فيها أداة من أدوات النضال الاجتماعي والسياسي والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية للمستعمر، لهذا كان يُسمح للفرنسيين فقط بالعمل داخل المركزية النقابية الكونفدرالية العامة للشغل، ولم يتم السماح للمغاربة بممارسة هذا الحق إلا لاحقا.

    وبعد حصول المغرب على استقلاله، صدر ظهير 16 يوليوز 1957 الذي أقر الحق النقابي للعمال والمشغلين المغاربة، كما صدر ظهير 15 نونبر 1958 الذي ينظم حق تأسيس الجمعيات، بما فيها إمكانية تأسيس جمعيات مهنية. وبعد ذلك عرف المشهد النقابي ميلاد وظهور تنظيمات نقابية جديدة، وقد تأسس فعلا عدد كبير من التنظيمات النقابية والجمعوية التي ساهمت في دعم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأجراء والمهنيين والمجتمع المدني. وتعتبر مرحلة التسعينات محطة مُؤَسِّسَة لبداية شيوع ثقافة الحوار الاجتماعي، والتي تم تدشينها فعليا بإعلان التصريح المشترك في فاتح غشت 1996، والذي نص على الحريات النقابية، والحماية الاجتماعية، وتحسين الدخل والأجور، وبعده انطلقت جولات الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف.

    وبالرجوع لحصيلة الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025 نجد أن التجربة المغربية أفرزت ثمان حوارات اجتماعية مركزية ثلاثية الأطراف: اتفاق فاتح غشت 1996؛ اتفاق 23 أبريل 2000؛ اتفاق 30 أبريل 2003؛ اتفاق 26 أبريل 2011؛ اتفاق 25 أبريل 2019؛ اتفاق 30 أبريل 2022؛ اتفاق 29 أبريل 2024، ثم اتفاق 22 أبريل 2025.

    وبخصوص كل الحوارات الاجتماعية منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025، فقد شكل مطلب الزيادة العامة في الأجور، وإخراج التشريعات الاجتماعية لحيز الوجود، خاصة القانون التنظيمي للإضراب، الذي صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 7389 بتاريخ (24 مارس 2025)، بعد قرار المحكمة الدستورية رقـم 251/25، بتاريخ 12 مارس 2025، وتبني مدونة للشغل، واحترام الحريات النقابية، والمصادقة على الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وبحق التنظيم القاسم المشترك بينها، غير أن حدود التفاعل الحكومي مع هذه المطالب اختلف من حكومة لأخرى. وهذا الاختلاف في التجاوب مع الملفات المطلبية للمركزيات النقابية أملته عدة اعتبارات فرضتها السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي طُرح فيها. أما بخصوص الجهة المشرفة عليه، فقد شكلت سنة 2011 بداية للتحول الفعلي في الإشراف الحكومي، وذلك بجعل سلطة الإشراف عليه تحت المسؤولية المباشرة للوزير الأول سابقا، كما حدث سابقا بالنسبة لـ (اتفاق 26 أبريل 2011)، أو رئيس الحكومة حاليا بالنسبة لـ (اتفاق 25 أبريل 2019، اتفاق 30 أبريل 2022، اتفاق 29 أبريل 2024، ثم أخيرا (اتفاق 22 أبريل 2025).

    وقبل سنة 2011، كانت ممارسة الحوار الاجتماعي غير منتظمة، كما كانت تشرف عليها بعض القطاعات الوزارية، كالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية (اتفاق غشت 1996)، أو السلطة الحكومية المكلفة بالتنمية الاجتماعية (اتفاق 23 أبريل 2000)، وأحيانا تمت بشكل مشترك بين السلطات الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة والسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية والشباب (اتفاق 30 أبريل 2003)، أما من حيث التجاوب مع بعض المطالب، سيما المتعلقة بالزيادة العامة في الأجور بالقطاعين العام والخاص، باعتبارها المطلب الذي يحظى باهتمام الموظفين والأجراء، فقد لوحظ أن هناك تحسن ملحوظ مقارنة مع السابق وهو أمر فرضته الرغبة في مواكبة التحولات الاقتصادية والمجتمعية، كالزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية التي لها ارتباط بالمعيش اليومي للمواطن.

    بيد أن ما يلاحظ على مخرجات الحوار الاجتماعي، هو كونها تأتي دوما في سياق اقتصادي يتميز بالزيادة المتتالية في أسعار الغذائية الأساسية، وهذا الأمر تكشفه الاحصائيات الرسمية، مثلا فقد عرفت سنة 2025 زيادة بنسبة 3,7%، في أسعار المواد الغذائية، وأسعار المنتجات غير الغذائية بنسبة 1,1%، حيث تمس هذه الزيادات التي تبقى مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة، ثمن المواد الغذائية التي تعتبر ضرورية للمعيش اليومي للفرد، وهذا الأمر ساهم في تسريع ارتفاع معدل التضخم إلى 2,2 % خلال الفصل الأول من سنة 2025.

    كما أن مخرجات الحوار الاجتماعي، تأتي خالية من أية تدابير موازية تحمي الفئات التي لا تتوفر على أجر منتظم ولا تنتمي للوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، كالأرامل وكبار السن وذوي الإعاقات، والعاطلون…، وهذه الإشكالية كشف بعض من جوانبها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2024، الذي رسم صورة مقلقة عن مشكلة إدماج الشباب في سوق الشغل، إذ حوالي 70.4% منهم يعاني من بطالة طويلة الأمد تمتد أكثر من سنة، في حين تبلغ بطالة النساء 19.4%، كما أن 33.5% منهن بدون عمل، أما في القطاع الخاص 58.9% منهن يتقاضين أجرا دون الحد الأدنى مما جعل تمثيليتهن ضعيفة في النسيج الاقتصادي.

    ختاما:

    تاريخيا لقد ارتبط الفعل النقابي بثقافة المواجهة مع السلطة السياسية، ذلك أن الميدان الاقتصادي يشكل المجال الرئيسي والأساسي للنشاط السياسي، وهذا ما يفسر ميل العديد من القادة السياسيين لاستغلال العمل النقابي بتجنيد العمال عبر الدعم السياسي الذي يُقدموه لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، مما ساهم في طمس الحدود الفاصلة بين المجال المهني “مجال الفعل النقابي” والمجال السياسي “مجال الفعل السياسي”، بالشكل الذي أدى لتوسيع دائرة تسييس النشاط النقابي، الذي بموجبه يجد أمر لا سياسي نفسه ضمن خانة الأمور والقضايا السياسية.

    فإذا كان العمل النقابي يندرج في إطار الصراع المجتمعي العام من أجل احترام الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، فإنه وهو في مسعاه للدفاع عن متطلبات الدولة الاجتماعية، قد يلتقي إراديا أو ومن حيث لا يدري مع الفعل السياسي للأحزاب السياسية، التي ترفع مطلب مجتمع العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية، مما جعل نضالات القوى النقابية المغربية تسقط في أحضان العمل الحزبي الذي أفقدها أحيانا الاستقلالية التنظيمية والذاتية.

    بحيث تحولت بعض المركزيات النقابية لأداة بيد بعض الأحزاب توظفها متى شاءت للضغط على الحكومة، مما ساهم في تشكل مشهد نقابي هجين يفتقد للصلابة والمناعة التي تجعله يقف صامدا مستقلا في مواجهة إغراءات وامتيازات العمل السياسي، إكراهات موضوعية تنضاف لمشكلة خُلود الزعامات والمشاكل التنظيمية التي تتخبط فيها بعض المركزيات النقابية كالصراع على الزعامة، كانت سببا مباشرا في فقدان الثقة في العمل النقابي، إذ تؤكد احصائيات نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، أن نسبة الانتماء والانخراط النقابيين لا تتجاوز (4,0%) على الصعيد الوطني مسجلة تراجعا عن سنة 2023 حيث كانت محددة في (4,7%).

    إن هذا النفور من الانخراط في العمل النقابي إما بشكل طوعي أو بفعل تقاعس النقابات، كانت له نتائج عكسية في عدة مناسبات وجدت الدولة نفسها في مواجهة مباشرة مع بؤر الاحتقان الاجتماعي، التي دعت إليها تنسيقيات افتراضية متنوعة إيديولوجيا وفكريا، وترفض أي تأطير نقابي لسلوكها الاحتجاجي، بل حتى بعض الحوارات التي أجرتها بعض القطاعات الحكومية مع ممثلين نقابين، قُوبلت بالرفض من قبل الفئات المعنية (كقطاع التعليم والصحة).

    والحالة هذه فإنه لا يمكن للنقابات المغربية، أن تحمل رهان الدولة الاجتماعية، وهي تعاني قصورا تنظيميا وذاتيا، جعلها تابعة تبعية مطلقة لبعض الأحزاب السياسية، ذلك لأن هناك علاقة وطيدة بين تحقيق العدالة الاجتماعية ووجود نقابات تتمتع بمناعة كافية، كما لا يمكن للنقابات المهنية أن تطمح لتطوير المجتمع وإصلاح المؤسسات وهي ذاتها في حاجة لإصلاح هيكلي، وهذه الفرضية تزكيها نسب تدني الانتماء النقابي في صفوف الأجراء والموظفين.

    إقرأ الخبر من مصدره