
إدريس القري
لم تعد القوة في العالم المعاصر تُقاس بما تملكه الدول من أسلحة متطورة فقط، أو بما تنفقه من مليارات على صفقات تسليح عسكري. فالتجربة التاريخية منذ نهاية الحرب الباردة، ثم منذ حروب “مكافحة الإرهاب” وصولًا إلى الحروب الإعلامية الرقمية القديمة والراهنة، كشفت أن موازين الصراع لم تعد تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في ساحات أكثر خفاءً وأطول أثرًا: ساحات السرد والإعلام والتمثيل والإبداع وبناء المعنى عموماً.
في هذا السياق، يكتسب دخول دول خليجية وازنة أخيراً – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر – إلى رأسمال شركات إنتاج سينمائي وإعلامي أمريكية كبرى، دلالة تتجاوز الاقتصاد والاستثمار، لتلامس عمق التحولات في فهم السياسة والقوة والهيمنة. فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها تنويعاً للمحافظ المالية أو بحثاً عن أرباح في سوق الترفيه العالمي، بل باعتبارها تعبيراً عن وعي سياسي–ثقافي متنامٍ بأن السيطرة على الصورة، أو على الأقل المشاركة في صناعتها، باتت أحد شروط السيادة الرمزية في القرن الحادي والعشرين.
لماذا لم يعد السلاح كافياً؟
صاغ جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” في مطلع الألفية ليصف هذا التحول الجوهري في طبيعة النفوذ الدولي، حين أكد أن “القوة الناعمة هي القدرة على جعل الآخرين يريدون ما تريد، ليس عبر الإكراه أو الضغط بل عبر الجاذبية” (جوزيف ناي، “Soft Power”، 2004). لا تُصنع الجاذبية بالدبابات ولا بالطائرات المقاتلة، بل تصنع بالقيم والصور والسرديات التي تُقنع شعوب العالم قبل نخبها، بعدالة موقف ما أو بشرعية فاعل ما وأياً كانت طبيعة فعله أحياناً.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
رغم قوتها ونجاعتها التي هيمنت لعقود بعد الحرب العالمية الثانية، أثبتت التجربة الأمريكية نفسها حدود القوة الصلبة. فرغم التفوق العسكري الساحق في العراق وأفغانستان، خسرت الولايات المتحدة معركة الصورة في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وهو ما انعكس على شرعية تدخلاتها وعلى قدرتها على حشد التأييد الدولي. هنا تتقاطع السياسة مع السوسيولوجيا حين يصبح السؤال الجوهري: من يملك حق تعريف الواقع؟ تكنولوجيات العلوم الحقة التي هيمنت باسم قيم مادية كاذبة، أم علوم إنسانية تحررت من تصفية الاستعمار إلى تصفية الاستعمارية؟
يجيب ماكس فيبر عن هذا السؤال منذ قرن تقريباً حين يقول إن “السلطة لا تقوم فقط على الإكراه، بل على الشرعية، والشرعية تُبنى رمزياً” (ماكس فيبر، “الاقتصاد والمجتمع”، 1922). لا يتم إنتاج الشرعية الرمزية في وزارات الدفاع ولا الخارجية ولا الثقافة ولا شركات الإنتاج السمعي البصري المهيمنة عالمياً، بل يتم إنتاجها، وبدعم من التاريخ الإنساني وفي غفلة من المهيمنين بالقوة والإكراه، في الفضاءات الثقافية والإعلامية الحرة، حيث يتم تصحيح المغرض في تشكيل الصور الذهنية عن “الحليف” و”العدو” و”المتخلف” و”المتحضر”.
من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع هوليوود باعتبارها مجرد صناعة للترفيه أو فضاءً محايداً للإبداع الفني. لقد أدت السينما الأمريكية، كما السينما السوفييتية، منذ الحرب العالمية الثانية وظيفة أيديولوجية فعّالة، جعلتها أحد أقوى الأجهزة الرمزية الأمريكية والعالمية في التاريخ الحديث. يصف إدغار موران السينما بقوله: “ليست السينما مرآة للعالم، بل هي آلة تصنع العالم كما ينبغي أن يُرى” (إدغار موران، “السينما أو الإنسان المتخيل”، 1956).
لقد صنعت هوليوود الأساطير الحديثة، وأعادت تعريف البطولة والشر والخير والضحية والمنقذ. وفي قلب هذه الصناعة تشكّلت صورة العربي والمسلم داخل قوالب نمطية اختزالية، حيث جرى تقديمه غالباً بوصفه إرهابياً أو بدوياً متخلفاً أو تهديداً حضارياً. لم يكن هذا التمثيل بريئاً أو عفويّاً، بل كان جزءاً من بنية أعمق حللها إدوارد سعيد حين كتب أن “الاستشراق ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو نظام في السلطة يُنتج الشرق بوصفه آخرٌ أدنى” (إدوارد سعيد، “الاستشراق”، 1978).
تضاعف هذا التمثيل الجائر والمتعالي للغرب بعد أحداث 11 سبتمبر، فتحولت السينما إلى أحد أهم مواقع إنتاج الخوف، حيث صار “المسلم” شخصية نمطية جاهزة تؤدي وظيفة درامية وسياسية في آن واحد. من هنا، يصبح الدخول الخليجي إلى شركات إنتاج كبرى محاولة للانتقال من موقع “الموضوع المُمَثَّل” إلى موقع “الفاعل في التمثيل”، أو على الأقل الشريك فيه. وذلك ما نأمله إذ ليست لدينا معطيات ولا أخبار مؤكدة عن النوايا ولا عمّا هو أهم وهو المخططات وموازين القوى المتحكمة في الاتفاقيات.
حدود المال داخل البنية الهوليوودية
غير أن هذا الانتقال ليس تلقائيّاً ولا مضموناً. فامتلاك أسهم في شركات إنتاج كبرى لا يعني بالضرورة امتلاك القرار الثقافي أو السردي. تخضع هوليوود، رغم خطابها الليبرالي، لمنظومة معقدة من القيود البنيوية التي تجعل التغيير العميق بطيئاً ومقاوماً.
أول هذه القيود هو منطق السوق، حيث تُنتَج الأفلام التي يُتوقع لها النجاح التجاري، بغض النظر عن عمقها الثقافي أو عدالتها التمثيلية ثقافياً وحضارياً. في هذا السياق يقول المنتج الأمريكي روبرت إيفانز بنبرة حازمة ووثوقية: “لا يملك الفيلم الذي لا يبيع تذاكرَ رسالةً” (روبرت إيفانز، “The Kid Stays in the Picture”، 1994). وثاني القيود الإيديولوجيا السائدة التي تُشكل الإطار العام للخيال الأمريكي، بما تحمله من سردية “الاستثناء الأمريكي” ودَوْرِ المُنقذ العالمي. أما ثالث القيود فيتمثل في شبكات نفوذ تاريخية راكمت حضورها داخل الصناعة السينمائية، وأدركت منذ وقت مبكر أن السيطرة على الخيال لا تقل أهمية عن السيطرة على القرار السياسي، وبأن علاقتهما جدلية.
في السياق الذي نتحدث فيه يقول المخرج السينمائي الأمريكي مارتن سكورسيزي: “السينما فن، نعم، لكنها أيضاً صناعة تتحكم فيها قوى لا تُرى” (مارتن سكورسيزي، مقابلة مع “The Guardian”، 2019). لا تتغير هذه القوى في طبيعتها وتصوراتها ومقاصدها بمجرد دخول مستثمر جديد مهما بلغت قوته المالية، ما لم يتحول إلى شريك معرفي يمتلك رؤية سردية بديلة تستطيع الإقناع والإفحام على واجهات متعددة.
يتمثل الخطر الأكبر الذي يواجه الاستثمارات الخليجية في هوليوود في الوقوع في فخ “تلميع الصورة”، أي الاكتفاء بإنتاج أعمال تُظهر العربي أو الخليجي في صورة إيجابية سطحية، دون تفكيك البنية العميقة للسرديات السائدة. هنا يحذر سلافوي جيجك من هذا المنطق حين يقول إن “أسوأ أشكال الأيديولوجيا هي تلك التي تقدم نفسها بوصفها مجرد تحسين للصورة” (سلافوي جيجك، “Violence”، 2008).
لا تبنى السردية البديلة، من جهة أخرى، عبر شخصيات مثالية خالية من التناقض، عكس الصورة السيئة التي ينتجها الغرب منذ عقود، وإنما يتم ذلك عبر تقديم الإنسان العربي بوصفه كائناً مُركَّباً، يعيش صراعات أخلاقية واجتماعية وسياسية مثل أي إنسان آخر. ويعبر المخرج الإيراني أصغر فرهادي عن هذه الفكرة حين يقول: “حين نحاول تلميع الشخصيات نفقد إنسانيتها، وحين نظهر تناقضاتها نكسب صِدقها” (أصغر فرهادي، استجواب صحفي، 2016). يتحول السؤال هنا من صيغة كيف نبدو؟ لتصبح الصيغة كيف نُروى ومن يملك حق الرواية وبالتالي من يحدد زاوية النظر.
التأثير البطيء والعميق
هل يمكن للسينما أن تؤثر في القرار السياسي الأمريكي؟ الإجابة التاريخية هي نعم، ولكن بشكل غير مباشر وتراكمي. لعبت السينما دوراً مركزياً خلال الحرب الباردة في شيطنة الاتحاد السوفيتي وتكريس إيجابية كاملة لصورة “العالم الحر”، وذلك ما ساهم إلى حد كبير في تقبُّل سياسات خارجية غربية عموماً وأمريكية خاصة عدوانية في أحيان كثيرة.
يؤكد هنري كيسنجر أن “الرأي العام يسبق السياسة الخارجية، والسياسة التي تتجاهله تُعاقَب” (هنري كيسنجر، “Diplomacy”، 1994). من هذا المنظور، لا تعني إعادة تشكيل صورة الخليج في المخيال الأمريكي تغيير السياسة فوراً أو غداً، لكنها قد تخلق مناخاً ثقافياً يسمح، على المدى المتوسط والطويل، بتحولات أكثر مرونة في التعامل الدبلوماسي.
يبقى الرهان الأعمق مراهنة على المستوى الداخلي. فالتأثير الخارجي يظل هشّاً إن لم يترافق مع تحول داخلي في العلاقة مع الصورة والذات. يقول الأنثروبولوجي عبد الله حمودي إن “المجتمعات التي لا تنتج سرديتها الخاصة تظل أسيرة مرايا الآخرين” (عبد الله حمودي، “الشيخ والمريد”، 1988). فإذا لم يُدعَم الاستثمار في هوليوود ببناء صناعة سينمائية محلية قوية، وبحماية حقيقية لحرية الإبداع، وبتَمكين كُتّاب ومخرجين يملكون الجرأة على طرح الأسئلة الحساسة، فإن النتيجة ستكون استيراد واجهة دون تغيير في العمق. في هذا السياق يختصر السينمائي جان لوك غودار هذه الفكرة بقوله: “من لا يملك كاميرته، سيعيش داخل كاميرا غيره” (جان لوك غودار، “Histoire(s) du cinéma”، 1998).
هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي أم مجرد مناورة استثمارية ذكية؟ الجواب ليس أحاديّاً. نحن أمام إمكانية تحول، لا أمام تحول مُنجَز. هذه الإمكانية مشروطة بالاستمرارية، وبالقدرة على بناء استقلال سردي حقيقي، وبأن ينعكس هذا الانخراط الخارجي على الوعي الداخلي.
يذكرنا المفكر إدوارد سعيد بأن “التحرر يبدأ حين نروي قصتنا بأنفسنا، وليس حين نسمَح بالظهور في قصة الآخرين” (إدوارد سعيد، “Culture and Imperialism”، 1993). ففي عالم تحكمه الشاشات، تصبح القدرة على السرد شكلاً جديداً من أشكال السيادة.
السيادة في زمن الصورة
قد يكون ما نشهده اليوم بداية انتقال من منطق “الدولة الزبون” إلى منطق “الدولة السَّارِدة”، حيث لا تكتفي الدول بشراء السلاح أو النفوذ، بل تسعى إلى امتلاك الخيال والمعنى. ومع ذلك، فقد ينتهي عمل من قبيل الدخول في رأس مال صُناع المعنى والصورة والخيال والسرديات البصرية، بقوة المال، إلى مجرد تحويل لرأس المال من قطاع إلى آخر، إن لم يُدعَم برؤية ثقافية عميقة وبشجاعة سياسية تعترف بأن الصورة ليست ترفاً، بل هي أحد ميادين التنافس والصراع الأساسية على الهيمنة والتحرر. “من يملك القدرة على السرد، يملك القدرة على تعريف الواقع” (بول ريكور، “Temps et récit”، 1983). فمن لا يملك صورته، لا يملك مستقبله في هذا العالم.
إقرأ الخبر من مصدره