Étiquette : Teatro Cervantes

  •  سيرة المكان بين الأدباء والمدن

     إعداد وتقديم سعيد الباز

     

    استدعى ارتباط الإنسان الوثيق بالأمكنة حضورها القوي في الكتابات الأدبية في شتى أنواعها المختلفة. لم يعد المكان بعدا مستقلا ومحدودا في جغرافيته الضيقة، بل أضحى أحد المكونات الأساسية والفاعلة التي تتأسس عليها الذاكرة الإبداعية وتستند عليها في كتابة سيرة المدن والأمكنة وسبر أغوارها وما تحفل به من دلالات تسعى الأعمال الأدبية إلى استنطاقها وقراءة تحولاتها العميقة عبر الزمن.

    أورهان باموق.. إسطنبول، الذكريات والمدينة

     

    ينطلق الكاتب التركي أورهان باموق، في استرجاع ذكريات طفولته، من الصورة الأولى التي التقطت له في سنواته الأولى معتبرا صاحب الصورة أورهان آخر هم بمثابة شبح له وقرينه وتوأمه: «ساورتني، منذ نعومة أظافري، شكوك في أنّ دنياي بها أكثر مما أرى: كان يعيش، في مكان ما في شوارع إسطنبول، في منزل يشبه منزلنا، أورهان آخر يشبهني كثيرا لدرجة يمكن أن يُقال معها إنّه توأمي، أو حتّي قريني. لا أذكر من أين أو كيف راودتني هذه الفكرة، لابدّ أنّها انبثقت من شبكة من الشائعات وسوء الفهم والأوهام والمخاوف. لكن يتضح في إحدى أقدم ذكرياتي ما شعرتُ به تجاه شبحي الآخر». أمّا عن علاقته بمدينة إسطنبول، التي كانت ملهمته الأولى في كتابته ومصدر عوالمه المتخيلة: «… هنا نأتي إلى لبّ القضية: لم أترك إسطنبول أبدا، لم أترك المنازل والشوارع وأحياء طفولتي أبدا. ومع أنني عشتُ في مقاطعات مختلفة من وقت لآخر، إلّا أنني وبعد خمسين عاما وجدتُ أنّني أعود إلى منزل آل باموق، حيث التقطت لي أولى الصور الفوتوغرافية وحيث حملتني أمي بين ذراعيها في البداية لتريني العالم. أعرفُ أنّ هذه المثابرة تُدين بعض الشيء لصديقي الخيالي، أورهان الآخر، والعزاء الذي يقدمه لي الارتباط بيننا، لكننا نعيش في عصر يُعرف بالهجرة الجماعية والمهاجرين الخلاقين، حتّى أنني اضطررتُ أحيانا إلى تقديم تفسير للسبب الذي جعلني أبقى ليس في المكان نفسه فقط، بل في المبنى نفسه. ويعود إليّ صوتُ أمّي في أسى: «لماذا لا تذهب إلى الخارج لبعض الوقت؟ لماذا لا تحاول تغيير المشهد، وتقوم ببعض الرحلات…؟»

    عُرف كتّاب مثل «كونراد» و«نابوكوف» و«نايبول» بهجرتهم بين اللغات والثقافات والبلاد والقارات، وحتّى الحضارات. تغذّت أخيلتهم على الاغتراب، غذاء لا يأتي عبر الجذور بل عبر اقتلاع الجذور. إلّا أنّ خيالي يتطلب أن أعيش في المدينة نفسها، وفي الشارع نفسه، وفي المنزل نفسه، محدقا في المنظر نفسه. إنّ قَدَر إسطنبول قدري. وأنا مرتبط بهذه المدينة لأنّها جعلتني ما أنا عليه.

    ذُهل «غوستاف فلوبير»، وقد زار إسطنبول قبل ميلادي بمائة سنة واثنتين، بتنوع أنماط الحياة في شوارعها المزدحمة، وتنبأ في إحدى رسائله بأنّها ستصبح في خلال قرن عاصمة العالم. لكن حدث العكس: نسي العالم، بعد انهيار الامبراطورية العثمانية، وجود إسطنبول. كانت المدينة التي ولدتُ فيها أفقر وأسوأ وأكثر عزلة مما كانت عليه في أيّ لحظة عبر تاريخها الممتد إلى ألفي عام. كانت إسطنبول دائما، بالنسبة لي، مدينة الخراب وسوداوية نهاية الإمبراطورية. وقد قضيتُ حياتي أحارب هذه السوداوية أو أجعلها (مثل أهل إسطنبول جميعا) سوداويتي.

    يقودنا تأمّل الذات، ولو مرة واحدة في العمر، إلى فحص ظروف ميلادنا. لماذا ولدنا في هذا الركن من العالم وفي هذا الزمن تحديدا؟ إنّ هذه العائلات التي ولدنا فيها، هذه البلاد والمدن التي جعلها القدر من نصيبنا، تتوقع منّا الحب، فنحبّها في النهاية من أعماق قلوبنا، لكن هل كنّا نستحق الأفضل؟ أحيانا أعتقد، أنني سيئ الحظ لأنّي ولدتُ في مدينة عجوز فقيرة مدفونة تحت رماد إمبراطورية خربة. لكنّ صوتا في أعماقي يصرّ دائما على أنّ هذا كان من حسن الحظ. لو كانت مسألة ثروة، فمن المؤكّد أنني يمكن بالتأكيد أن أعتبر نفسي محظوظا لأنني ولدتُ لعائلة ميسورة حين كانت المدينة في أسوأ حالاتها (مع أنّ البعض رأوا عكس ذلك) لا أميل غالبا إلى الشكوى، قبلتُ المدينة التي ولدتُ فيها كما قبلتُ جسدي (بقدر ما تمنيتُ أن أكون أكثر وسامة وتكون بنيتي أفضل… هذا قدري ولا معنى للجدل بشأنه، وهذا كتاب معنيٌّ بالقدر».

    نسيمة الراوي.. تياترو ثرفنطيس

     

    اتّخذت الشاعرة والروائية المغربية نسيمة الراوي، في روايتها «تياترو ثرفنطيس»، من مدينة طنجة إطارا عاما لأحداثها، ومن مسرح تياترو ثرفنطيس، هذه المعلمة الفنية والتاريخية، رمزا بعيد الدلالة من خلال سيرة مكان محمّل بعدة أوجه تاريخية وأسطورية، أو كما يقول الناقد والكاتب المغربي محمد برادة عن الرواية: «جعلتْ من طنجة فضاءً لها، عرفتْ كيف تُزاوج بين كتابة الذاكرة المجروحة، وتحولات المدينة الأسطورية في سياق التحديث والانفتاح الكوْكبي. وسبق لنسيمة أن شيّدت قصائدها في ديوانها «قبل أن تستيقظ طنجة» من حَطَبِ العواطف الممتزجة بأساطير المدينة «الدولية» وما تنطوي عليه من رموز، لكنها هنا، تستوحي تفاصيل الحياة الحميمة من خلال خيْبةِ أملِ فتاة في مستقبل العمر، كانت تصبو إلى أن تقطفَ النجوم بأنامِلها». من أجواء الرواية هذا المقتطف:

    «… مساء، ونحن عائدان إلى البيت، مررنا أمام مبنى يشبه كثيرا بعض المباني القديمة التي تظهر في أفلام السينما التاريخية. توقفنا للحظة، جدّي صامت يتأمّل هذه البناية، شاركته الصمت والتأمّل، بناية ضخمة ذات معمار إسباني، ربّما وضع تصميمها فنان عاش في طنجة أيام الحماية، البناية في حالة رثة شبه مدمرة تخيلتها تبكي حظها العاثر، لكنّها تحتفظ بألق خاص رغم تعاقب السنين وعوامل التعرية والرطوبة، فما زال الهيكل قائما، بناية بطول فارع، شكلها المستطيل جعلها تحتلّ مساحة كبيرة، لها ثلاثة أبواب طليت بلون آجوري باهت، وبين كلّ بابين أسوار تتخذ شباكا حديديا يجعلك تشهد الدمار الذي حلّ في فناء هذه البناية، تتخللها نوافذ زجاجية أغلبها مهشم، عوض الزجاج بكرتون بنيّ يحجب ما بداخل البناية، وفي وسط البناية لوحة رخامية مائلة إلى الأصفر كُتب فوقها بالأصفر Gran teatro Cervantes، وتحتها وضعت سنة 1913، ربّما هي سنة تدشين هذه البناية. كم هي عتيقة هذه البناية، فوق اللوحة الرخامية مباشرة كائنات حجرية تحاول التحليق، جدران البناية مائلة للسواد… حالة من الفوضى تعمّ هذا المكان، يبرق سؤال في ذهني، لماذا تعيش هذه العزلة؟ لماذا اختفت اليد التي يفترض أن تخفف عنها بؤس السنوات؟ أتخيّل هذه البناية عجوزا وحيدة تحتضر، ولا يد هناك تودعها، أتخيّلها امرأة منكوبة تتذكر مجدها بحرقة… لا يسعني سوى أن أتعاطف مع ألمها. أنتبه لرقم 13، وأتذكّر أبي الذي أبحر إلى مجرة أخرى، ربّما نتشابه في ألمنا ونحلم بيد تنتشلنا من بركة الوحل التي نغرق فيها.

    ألتفت إلى جدّي الغارق في التأمل، أحاول إثارة انتباهه، دون جدوى، أقبض بيدي اليمنى على يده اليسرى، فيحسّ بوجودي، يبتسم ابتسامة فيها ألم ظاهر، يشير بسبابته اليمنى إلى السماء، كما فعل يوم أخبرني أنّ أبي قد صار هناك… تسلك عينيّ الاتجاه نفسه الذي تشير إليه سبابته. أرى كائنات صغيرة مصنوعة من الحجر تلتصق فوق المبنى وكأنّها تحاول اللحاق بالملائكة، أتخيّل حكايتها… أتذكّر حلمي القديم بالطيران. أربط تلك الكائنات الصغيرة بي، وبحلمي. أتمنّى أن أتحوّل إلى تمثال يثَبّتُ إلى جنب تلك الكائنات على سطح البناية الضخمة التي أغبطها لأنّها أقرب منّي إلى السماء…

    بول أوستر.. ثلاثية نيويورك

    كانت نيويورك فضاء يستحيل اختراقه، متاهة من خطوات لا نهاية لها، وأيّا كان المدى الذي ذهب إليه أو كانت إجادته معرفة الأحياء والشوارع، فإنّها كانت تتركه دائما بشعور بأنّه قد ضلّ الطريق. ضلّ الطريق لا في المدينة وحدها، وإنّما في داخل ذاته كذلك. وفي كلّ مرّة قام فيها بجولة ساوره شعور بأنّه كان يترك نفسه وراءه. وكان بمقدوره، بتكريس نفسه لحركة الشوارع، وبتقليص ذاته إلى عين مبصرة، أن يهرب من الالتزام بأن يفكّر، وقد جلب له هذا، أكثر من أيّ شيء آخر درجة من السلام، وخواء صحّيا في الأعماق. كان العالم يقبع خارجه، حوله، أمامه، وجعلت السرعة التي واصل بها التغيّر من المستحيل عليه أن يركّز على أيّ شيء بمفرده وقتا طويلا للغاية. كانت الحركة شيئا ينتمي إلى الجوهر، عملية وضع قدم أمام الأخرى والسماح لنفسه بأن يتبع انطلاقة جسمه. ومن خلال التجوّل دونما هدف، أصبحت كلّ الأماكن متساوية، ولم يعد موضعه شيئا يكترث به. واستطاع في أفضل جولاته أن يشعر بأنّه في لا مكان. كانت نيويورك هي اللّامكان الذي بناه حول نفسه، وأدرك أنّه لا يعتزم مغادرتها أبدا.

    كان لـ«كوين» في الماضي طموح أكبر، وقد أصدر في صدر العمر عدّة دواوين شعرية، وكتب مسرحيات ومقالات في النقد، وعمل في إنجاز عدد من الترجمات، ولكنّه على حين غرّة تخلّى عن هذا كلّه تماما. حدّث أصدقاءه بأنّ جزءا منه قد مات، وبأنّه لا يرغب في أن يعود هذا الجزء فيطارده. وفي ذلك الوقت حمل اسم وليام ولسون. لم يعد «كوين» ذلك الجزء منه الذي كان بمقدوره تأليف الكتب، وعلى الرغم من أنّ «كوين» واصل الوجود في كثير من الجوانب، فإنّه لم يعد موجودا بالنسبة لأحد، إلّا بالنسبة لنفسه. واصل التأليف، لأنّه الشيء الوحيد الذي أحسّ بأنّ بمقدوره القيام به، وبدت الرواية البوليسية حلا معقولا، ولم يعان كثيرا في ابتكار القصص المركبة التي تقتضيها هذه الروايات، وكتب بصورة جيّدة، رغما عنه غالبا، كأنّما أتى ذلك دون الاضطرار إلى بذل جهد يذكر، ولأنّه لم يكن يعتبر نفسه مؤلّف ما يكتبه، لم يساوره الشعور بالمسؤولية عنه، وبالتالي لم يكن في قرارة نفسه مضطرا للدفاع عنه. فقد كان وليام ولسون، في نهاية المطاف، اختراعا، وعلى الرغم من أنّه وُلد في أعماق «كوين» نفسه، فإنّه يحيا الآن حياة مستقلة. وقد عامله «كوين» باهتمام، بل وبإعجاب في بعض الأحيان، ولكنه لم يمض قط إلى حدّ الاعتقاد بأنّه ووليام ولسون شخص واحد، ولهذا السبب فإنّه لم يكشف عن وجهه قناع الاسم المستعار الذي يستخدمه… وفي البداية، عندما علم أصدقاؤه بأنّه قد توقّف عن الكتابة، راحوا يسائلونه عن الكيفية التي يعتزم بها أن يتدبر أمر حياته، فأبلغهم جميعا بالشيء ذاته: أنّه قد ورث رصيدا موقوفا عن زوجته. ولكنّ الحقيقة هي أنّ زوجته لم يكن لديها مال قطّ، والحقيقة أيضا أنّه لم يعد لديه أيّ أصدقاء.

    محمد زفزاف.. الثعلب الذي يظهر ويختفي

     

    تدور أحداث رواية محمد زفزاف «الثعلب الذي يظهر ويختفي» في مدينة الصويرة في مرحلة تاريخية محددة تعود إلى زمن كانت فيه قبلة لحركة الهيبيين، رصد فيها هذه الظاهرة وأخضعها للكثير من التأمل في مظاهرها المختلفة والغريبة، محاولا استبطان مكامن النفس البشرية والكشف عن أسرارها.

    «… كانت الشباك هناك على بعد أمتار مبسوطة فوق الرصيف، وكانت المراكب وكان البحر وكانت الجزيرة وكان الأفق، وكان عالم آخر وراء الأفق، أمريكا. ربما كان هناك أناس آخرون على الشاطئ المقابل من الشرق الأمريكي يتناولون أيضا سردينا، ويفكّرون فينا في نفس اللحظة. يفكّرون أن العالم ضيق وأنّ ما يفصلنا عنهم سوى مجرى مائي. كانت الأسماك تلمع تحت أشعة الشمس وهي تُفرغ في الصناديق أمامنا. أمّا فواكه البحر الأخرى المشهية فكانت تُجمع بعناية مثل سرطان البحر والجمبري والمحار، وكان الناس متجمعين حول الرصيف واقفين أو جالسين ينظرون إلى عملية نقل الأسماك من المراكب، أو ربما يتاجرون لا أدري. رائحة السردين المشوي تنبعث من كلّ مكان، والناس يلتهمونه بنهم ولذة. الهيبيون لم يكونوا يفضلون أكله بالخبز. الشواؤون يعرفون ذلك جيدا، ولذلك فحصصهم من الخبز كانت تُحوّل إلى المغاربة.

    … منذ ثلاثة أيّام لم أنم بما فيه الكفاية. السهر موجود هنا في كلّ مكان. تلتقي أشخاصا في كلّ الأماكن، يتحدثون إليك بسهولة، بتلقائية كبيرة، وبدون خوف. منهم من يقتسم معك السندويش، ومنهم من يقتسم معك زجاجة الليمونادة أو كأس الشاي. منهم من يعرض عليك السفر إلى الجنوب أو إلى الشمال بدون مقابل. السيارات كثيرة تظهر في هذا اليوم لتختفي في اليوم الآخر. كان يعجبني أن أتمشى بدون هدف، أنتقل من هذا الدرب لذاك، الهيبيون في كلّ مكان. الهيبيون يسكنون فنادق رخيصة أو بيوتا ضيقة ومظلمة في الغالب، هنا أو هناك في درب أهل أكادير، في درب الملاح القديم، في بني عنتر، في الحدادة، في صانديو. إنّهم مثل الفئران، تخرج لتقتات ثم تعود إلى الجحور.

    … كانت الساحة توشك أن تخلو من المغاربة. وكانت أفواج من الهيبيين تعبر الساحة، حفاة أو منتعلين. وفي مواجهة المقهى سيارات تحمل أرقاما وعلامات لدول مختلفة، لم تكن سيارات فخمة أو حديثة، ولكنّها من النوع الذي يصمد في وجه الطرقات كيفما كانت. أنهيتُ الكعك وأشعلتُ سيجارة. صوت التليفزيون في الداخل يصلني زاعقا. كنتُ أسمع بعض الكلمات المصرية دون أن ألتقط جملة واحدة. لاشك أنّه مسلسل مصري يتحدث عن الحب أو عن سيرة الرسول أو مشاهير التاريخ في الإسلام، هذه هي المواضيع المفضلة لدى عرب المشرق، أو على الأقل، هذا ما يعرضه تليفزيون الرباط.

    … بعد أيام غادرتُ ذلك الفندق واكتريتُ بيتا في القرية بثمن أرخص بكثير. وكلّما رخصت الحياة طالت الأيام هنا. وماذا أفعل في الدار البيضاء؟ ليس عندي فيها لا الحسن ولا الحسين… كلّ ما عندي هناك غرفة قذرة ومرحاض ودوش وقطعة إسفنج أنام عليها وحصير وكتب متراكمة فوق الأرض…

    طالما طرحتُ على نفسي هذا السؤال وأنا في القسم أمام التلاميذ. ثمّ ماذا سيصبح عليه هؤلاء الهيبيون والهيبيات؟ إذن فلنترك الجواب للعقدين القادمين. دائما يجب النظر إلى المستقبل. وهذا لا يفعله الناس عادة. وذلك هو سبب مشاكلهم اليومية. انظر إلى ما مضى وتأمّل في ما سيكون. فلنتأمل بالرغم من أننا لا نملك اليقين. بقدر ما نقوم بتلك العملية نكون أقرب إلى وضع أنفسنا في أحجامها الحقيقية. فالذين من حولنا إمّا أن يضخمونا أو يخربونا. وغالبا ما ينفخون في البالون ثم يثقبونه.

    علاء الأسواني.. الأشجار تمشي في الإسكندرية

    اختار الروائي المصري علاء الأسواني، في روايته الأخيرة «الأشجار تمشي في الإسكندرية»، فضاء هذه المدينة الأسطورية خلال فترة تاريخية محددة عقب الثورة المصرية. تناول فيها الكاتب سيرة هذه المدينة وعوالمها الغريبة بين مختلف الأجناس والأديان أجانب ومصريين من أهل البلاد، لكنّهم يشكلون مع ذلك نسيجا متجانسا فريدا من نوعه. الرواية ترصد هذه اللحظة التاريخية التي ستفقد فيها هذه المدينة سمتها الاستثنائية، حيث ستعصف الثورة بكلّ ما كانت تتميّز به، فقد تعرضت تجارة الأجانب، ومن منهم من أصول غربية، إلى التأميم ما اضطرهم إلى هجرتها، أو تمّ التوجس منهم والنظر إليهم على أنّهم أجانب مشكوك في ولائهم للبلاد، ومصريون من أبناء البلد جُردوا من ألقابهم أو مكانتهم الاجتماعية، بينما البعض منهم ممن ناصروا الثورة وآمنوا بمبادئها الثورية سرعان ما أصيبوا بخيبة أمل شديدة.

    في الرواية نجد إحدى شخصياتها الفنان التشكيلي أنس الصيرفي يصف مدينته: الاسكندرية بالغة اللطف والرقة. سوف تحتضنك هذه المدينة بغض النظر عن لغتك ودينك وأصلك. أين في هذا العالم ستجد مدينة أخرى تقصّ فيها شعرك عند حلّاق يوناني وتتناول غداءك في مطعم مملوك لزوجين إيطاليين وتعلّم أولادك في مدرسة فرنسية ثم إذا وقعت في مشكلة قضائية يدافع عنك محام أرمنيّ؟ كم مدينة في العالم تحتفل بنفس الحماسة والبهجة، بأعياد المسلمين والأقباط الأرثوذكس والمسيحيين الكاثوليك والبروتستانت واليهود؟ معظم روّاد الفنّ التشكيلي عاشوا في اسكندرية». وفي حوار الشخصية نفسها يتنبأ أنس الصيرفي بمصير مدينة الاسكندرية:

    – هل سمعت عن زرقاء اليمامة؟

    – لا.

    – زرقاء اليمامة امرأة عربيّة عاشت قديمًا. كانت معروفة بقوّة بصر خارقة وكانت قبيلتها تستعملها لاستطلاع تحرّكات الأعداء. بفضل بصرها الخارق كانت تكشف تحرّكات الأعداء مبكرًا ممّا جعل قومها ينتصرون في كلّ حروبهم. وذات يومٍ استطلعت زرقاء اليمامة الطريق وقالت لقومها: «إنّي أرى الأشجار تمشي».

    فلم يصدّقها أحد. سخر الناس منها واتّهموها بأنّها كبرت وخرفت ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّ الأعداء غطّوا أنفسهم بغصون الأشجار وهجموا على قومها وهزموهم وكانوا يستحقّون الهزيمة لأنّهم لم يصدّقوا زرقاء اليمامة. الفنّان مثل زرقاء اليمامة، يبصر دائمًا قبل الآخرين.

    ابتسمت ليدا وقالت:

    – وأنت ماذا ترى الآن أيّها الفنّان؟

    قلت:

    – الأشجار تمشي في الاسكندريّة…»

    حازت الرواية أثناء صدورها مترجمة الكثير من التقدير، فجريدة التايمز اللندنية نوهت بها: «كما سلفه نجيب محفوظ، علاء الأسواني هو كاتب عالمي، يجعل من القضايا المصرية قضايا إنسانية، ويضيء بمنتهى الجمال عالمنا المدهش دائمًا، والحزين والمربك أحيانًا». أما مجلة لوبوان الفرنسية فاعتبرت رواية «الأشجار تمشي في الاسكندرية» من ضمن أفضل 30 كتابا صدرت في فرنسا سنة 2024. مضيفة: «أنّ موهبة الكاتب في السرد تجلّت في أبهى صورها في هذه الرواية، حيث يكشف الأسواني من خلال مجموعة من الصور الشخصية الرائعة كيف قضى نظام دكتاتورية ناصر على المدينة الكوزموبوليتانية التي شهدت طفولته وشبابه، وحيث تعايشت الشعوب والأديان معا بحرية في دفء هذه المدينة الأسطورية».

     

     

     رف الكتب

     التشظي

    الشاعر والكاتب الصحفي الراحل عبد الحميد بن داوود كان أحد أكبر المخلصين للكتابة الشذرية التي بثّها في الكثير من كتاباته الصحفية وشكّلت متابعة قوية من القراء المهتمين بهذا النمط من الكتابة العسيرة. من حسن الحظ أنّ بعضا من نماذجها احتواه كتابه اليتيم «التشظي» الذي يبرز بالتأكيد كاتبا منخرطا بالكامل في حياة تعبّر عن ذاتها من الداخل، ومن حرارة وجودها وكينونتها بقدر ما تسخر وتدين دون تحرّج أو استكانة إلى إملاءات مسبقة قد تمليها المواضعات الفكرية أو الإيديولوجية. هذه الإقامة التي توخّاها الكاتب عبد الحميد بن داوود خارج النسق من أجل كتابة حرّة، لأن الشذرة وحدها هي الفكر الحرّ على حدّ قول رولان بارت. هذه الكتابة ألزمته في المقابل أن يحيط ذاته بالعزلة الرمزية والزهد الكامل بأيّ لبوس أو صفة حتى لو كانت الكتابة بنفسها. ومن الحقّ أن يقال إنّها كتابة تخلق سياقها الخاص وغير معنية بتوافقها مع راهنها ومتطلباته التي هي في الحقيقة سياج لها ومتاريس منصوبة من أجل ألّا تحقق سوى ذاتها وحضورها وفق منطقها الخاص. لهذا كان اختيار عبد الحميد بن داوود اختيارا صعبا في أن يكون شذريّا من هذا الزمان، وأن يبوح في ثنايا شذراته بالألم الفظيع الذي يصبح المكافأة الوحيدة لذات لا تقول حصريا سوى ذاتها كما قال: «قل ذاتك وكافئ ألمك العظيم!». من شذرات كتابه «التشظي» نقرأ:

    *أنا لا أعتقد أنّ الإنسان كان في بداية من البدايات الموغلة في القدم، قردا.
    فلو كان بالفعل للإنسان هذه القدرة على التحوّل، لكان أصبح إنسانا !!

    *لا تستطيع أن تجلس على كرسي دون أن تتخذ أنت ذاتك شكله…

    إنّه خبث الأشياء !

    *كلنا في عيون الليل زنوج.

    *أبدا أجهل لمَ لأكره الفقر وأحب الفقراء.

    *في مواقف التردد تعلمنا حكمة النعامة درسا كبيرا في الشجاعة على عكس ما يفترى عليها:
    – الرأس الذي لا يملك قدرة الاختيار وجرأة الحسم، جدير به أن يدفن نفسه حيا في الرمال!

    *النــائم فوق الحصــير أبـدا لا يخشى السقــوط!

    *الناي لسان الصحراء بامتياز.

    *أيّها الصمت، يا حارس أسرار هذه العصور الثرثارة، بُثّ في رحم أذني بعضا من حملك الثقيل كي أصفع هذا الوقت…

    *كتابـة قصيدة: إدخال الــعالم فـي ثقب إبرة.

    *هـكذا هو باب الفــكر:
    لا ينفتح إلا علـى سـوء الفـهم، ولا ينــغلـق إلا على الكآبــة…

    *تعلّمنا حكمة الشجر أنّ الناضج هو أوّل ما (من) يسقط.

    *الديمقراطية هذه النبتة الحرون، يمكن زرعها وإنضاجها في رمشة عين، (وبثمن بسيط في عين من تعوّد ذبح المجتمع):
    فقط على جميع الناس أن يناموا جميعا!

    *لو كنت ما زلت لم أولد بعد، وكان بيدي القرار، لقررت أنّ هذا الوقت ملائم تماما، ومناسب جدّا، لكي لا أولد!

    *اغتصاب الحقيقة ليس هو تزييفها، بل ادّعاء امتلاكها.

    *تعلمنا السياقة درسا فادحا:
    أنظر أمامك، فلا وراء إلا ما ينعكس على المرآة!

    *إذا لم يستقم السؤال فلا تعول على المسؤول أن يستقيم!

    *لـمـاذا كـلّمـا ركبتني القصيــدة خفّ وزنـي؟

    *الدم النائم يحتاج إلى سيلان، كي ينتبه.

    *كلّـمـا فـكرت أنّي أفكــر أرانـي مـحدودبـا داخــل صـدفة.

    *أيّ مبدع غيرك أيّها الطفل… أيّ مبدع غيرك يرفع صوته عاليا كي يكلم الحــجـر!

    *وحدهم المجرمون لا يحلمون بالقتل.

    *الثرثرة: إحالة مبكرة على المعاش، من الوجود.

    *حيــن تـأخذنـي لـوثة فــكر، أرى عيـونـي القـريـبة تبــحلـق في عيــونـي الــسحيـقة.

    *ذيل الأفعى لا يقتل، ومع ذلك، فهو دائما وبحكم التبعية، يقاسم الرأس تهمة القتل!

    *تطور البشرية مرّ عبر اكتشاف معبرين كبيرين: النار والكتابة.
    لذلك، فنهاية البشرية لابد وأن تبدأ مع الإفراط في استعمال هذين العنصرين!

    *ليس الموت هو الحقيقة الأولى ولا الحقيقة الأخيرة… لكنّه الحقيقة الدّائمة.

    *أيها الليل كم تظل صاحيا حتى في نومي.

    *كـلما هـممت بــغسـل هـذا العالم في المــاء، إلا وألــقيـت نفسـي مـطوقـا بــرعـب هــذا الاحتــمـال.
    أن أدنــس المــاء ولا يتــطهر الــعالــم.

    *يا لفرحة التجار بالكتب المقدسة… إنها الفرصة الثمينة لهضم حقوق المؤلف .

    *كم من سديم يلزمني كي أراك في صفائك الأجلى؟ وكم من حقل ظلام يلزمني أن أعبر؟
    كم يلزمك من عدو كي تتيقن من نبلك؟

    *يولد الإنسان جمرة ساخنة ثم يشرع في الانطفاء عند ارتطامه ببرد العالم.

    *صباحا تستفيق الثرثرة كسعاة البريد كي توزع رسائل لا تدرك كنه أسرارها… أمّا الصمت، فإنّه يظلّ قابعا تحت أغطيته، يرفع رأسه من لحظة لأخرى كي يكنس أخطاءها.

    *ما نقيد بالكتابة يحتاج أيضا إطلاق سراح.

    *أفلاطون أيّها الأحمق: كيف تشيّد جمهوريتك الفاضلة على سطح غيمة وتطرد منها الشعراء؟!

    *اللغة: ولادة.
    اللغو: عقم.
    أمّا التاريخ، فهو لا يقوم إلا على الفصل العميق بينهما.

    *أخطر انفصال للكائن عن الأرض جاء مع انتعال أوّل كائن لأوّل حذاء… لذلك تبدو أصابع القدم بلا وظيفة، وبلا معنى أيضا!

    *لحدّ الآن لم يفلح الرصاص يوما في محو شعب… لذلك، فإنّ إطلاق اليأس يبقى أخطر من إطلاق الرصاص على الإطلاق.

    *ماذا أهديك أيّها الليل ردا للجميل غير موتي الكبير وهذا الصمت الذي يستدعيني لإتقان التأبين.

     مقتطفات

     تاريخ التعب.. من العصر الوسيط إلى أيامنا هذه

     

    يلاحظ مؤلف كتاب «تاريخ التعب، من العصر الوسيط إلى أيّامنا هذه»، جورج فيغاريلو George Vigarello، أنّ كلّ شيء يتغيّر، كلّ شيء يكشف عن تاريخ أكثر تعقيدا مما يبدو، وأقلّ خضوعا للدراسة أيضا، ومن بين ذلك تاريخ التعب. تاريخ غني بالتحولات التي تشير إلى تحولات أخرى، معبئا توظيف الفاعلين والثقافات والمجتمعات، لأنّ إدراك التعب في الإطار الذي هو إطارنا نحن، إطار تاريخ الغرب، يتنوع من حقبة إلى أخرى، ويتبدل تقويمه، وتتغيّر أعراضه، وتنتظم كلماته، وتتسع تفسيراته. مسار هائل، حيث علينا عبور تواريخ عديدة: تاريخ الجسد، وتاريخ تمثلاته وممارسات الصحة، وتاريخ أشكال الوجود والكينونة، وتاريخ البنيات الاجتماعية، وتاريخ الحرب أو الرياضة، فضلا عن تاريخ بناءاتنا النفسية، ووصولا إلى حميميتنا.

    يضيف فيغاريلو أنّ نطاق التعب لا يفتأ يتمدد في عصرنا هذا على نحو لا يقاوم، فيقترح علينا رحلة استكشافية تجوب مسافة خمسة قرون من تمثلات هذه الحالة الجسدية والنفسية، وما يرتبط بها من ذهنيات. لقد اقترن التعب، على سبيل المثال، خلال العصر الوسيط بأجساد المحاربين المنهكين، أو المسافرين، مثل أولئك الحجاج الذين كانوا يتحملون المعاناة، في رحلات طويلة، يبتغون منها خلاصهم. أمّا في الفترة الكلاسيكية، فاقترنت الشكوى من التعب بنخبة «أصحاب العباءة» والمهن الجليلة وقتئذ… ويجب أن ننتظر حلول القرن التاسع عشر لنسمع عن تعب العمال أو الشغالين، كما في روايات إميل زولا على سبيل المثال. أمّا في القرن العشرين، الذي تميّز بالتضخم التكنولوجي والتوسّع العمراني وظهور علم النفس، فقد شهد ازدهار مفهومي الإرهاق والإجهاد.

    ويذهب المؤلف إلى أنّ الاحتراق النفسي الذي يسم عصرنا هذا يظهرنا، في الواقع، على «تعب تحقيق الذات» الناجم عن التوتر المستمر بين «الذات المتضخمة» الخاصة بالأفراد الراغبين في اختيار حياتهم، وبين القيود المتعددة، المهنية والاجتماعية، التي لا يمكنهم الإفلات منها. إنّ أشكال التعب «المتميّزة»، تلك التي تحشد القيل والقال، والتي تفرض نفسها بوصفها أولوية في أعين الجميع، هي التي تتطور مع الوقت. لقد تبيّن أنّها «فئوية» وتخلق أوساطا. إنّها تستجيب لنظم اجتماعية، وتشير إلى أنماط وجود جماعية. إنّ تعب المحارب مركزي في العصر الوسيط، منطلق بحثنا، داخل حضارة يجسّد فيها الجيش القيمة الأولى. إنّه مبجل ومضخم، في حين تعب الفلاح محتقر. ويُحتسب التعب حتّى في خوض المبارزات، التي كانت في القرن الخامس عشر تُعلي من شأن المنتصر، حسب عدد الطعنات التي يبديها المحاربون وقت التحدي.

    يعتبر الكاتب القرنين العشرين والحادي والعشرين عصرا أضفى الطابع السيكولوجي المكثف على السلوكيات والأحاسيس، فقد أدخل اختلافات غير مسبوقة. أكيد أنّ المشقة البدنية، موضوع صراعات من أجل الاعتراف بها، لم تختف..، لكنّ تركز الانتباه على الآثار المتعددة للغاية: الهمّ، والقلق، واستحالة تحقيق الذات…

    ويعتبر جورج فيغاريلو مؤرخا وأنثروبولوجيا متخصصا في القضايا المرتبطة بالصحة والجسد ومدى تأثيرهما على الوضع الثقافي في مختلف المراحل التاريخية. شغل مدير مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية الفرنسية، ونشر مجموعة من الكتب بتعاون مع كتاب آخرين، من أهمها «تاريخ الجسد» 2006، و«تاريخ الرجولة» 2011 و«تاريخ العواطف» 2016.

     

     متوجون

     القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية

    تمّ الإعلان عن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2025، التي تضمنت الروايات التالية: «دانشمند» للروائي الموريتاني أحمد فال الدين، «أحلام سعيدة» للروائي المصري أحمد الملواني، «وادي الفراشات» للروائي العراقي أزهر جرجيس، «المشعلجي» للروائي المصري أيمن رجب طاهر، «هوّارية» للروائية الجزائرية إنعام بيوض، «أغنيات للعتمة» للروائية اللبنانية إيمان حميدان، «المسيح الأندلسي» للروائي السوري تيسير خلف، «الأسير الفرنسي» للروائي السوري جان دوست، «الرواية المسروقة» للروائي المصري حسن كمال، «ميثاق النساء» للروائية اللبنانية حنين الصايغ، «ما رأت زينة وما لم ترَ» للروائي اللبناني رشيد الضعيف، «وارثة المفاتيح» للروائية السورية سوسن جميل حسن، «الآن بدأت حياتي» للروائي السوري سومر شحادة، «البكّاؤون» للروائي البحريني عقيل الموسوي، «صلاة القلق» للروائي المصري محمد سمير ندا وأخيرا «ملمس الضوء» للروائية الإماراتية نادية النجار.

    وتمّ اختيار القائمة الطويلة من قبل لجنة تحكيم مكوّنة من خمسة أعضاء، برئاسة الأكاديمية المصرية منى بيكر، وعضوية كل من بلال الأرفلي أكاديمي وباحث لبناني، وسامبسا بلتونن مترجم فنلندي، وسعيد بنكراد أكاديمي وناقد مغربي ومريم الهاشمي ناقدة وأكاديمية إماراتية.

    ووصفت رئيسة لجنة التحكيم الأكاديمية، المصرية منى بيكر، الأعمال الروائية المختارة ضمن القائمة الطويلة: «تتميّز الروايات الستّ عشرة التي اختيرت ضمن القائمة الطويلة هذا العام بتنوّع موضوعاتها وتنوع القوالب الأدبيّة التي عولجت بها. هناك روايات تعالج كفاح المرأة لتحقيق شيءٍ من أحلامها في مجتمع ذكوريّ يحرمها بدرجات متفاوتة من ممارسة حياتها، وأخرى تدخلنا إلى عوالم دينيّة وطائفيّة يتقاطع فيها التطرّف والتعنّت المُغالى به مع جوانب إنسانيّة جميلة ومؤثّرة. كما تناولت الكثير من الروايات موضوع السلطة الغاشمة وقدرتها على تحطيم آمال الناس وحيواتهم، وقد استطاع بعض الروائيين معالجة هذا الموضوع بنفَسٍ مأساوي مغرقٍ في السوداوية، وتناوله آخرون بسخرية وفكاهة تَحُدُّان من قسوة الواقع وتمكّنان القارئ من التفاعل معه بشكل فاعل. أمّا من ناحية القوالب الأدبيّة، فتضمّنت القائمة عدّة روايات تاريخيّة، تناول بعضها التاريخ الحديث، فيما عاد بنا البعض الآخر إلى العهد العبّاسيّ أو إلى فترة محاكم التفتيش واضطهاد المسلمين في الأندلس. كما تضمّنت القائمة أعمالًا أقرب إلى السيرة الذاتيّة، وأخرى تشابه القصص البوليسيّة إلى حدّ كبير ».

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أسماء أدبية تحلق فوق سماء طنجة

    إعداد وتقديم: سعيد الباز

    (طنجة/ الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا)

    ظلّ الأدب في عمومه مرتبطا بعنصر المكان وعلى وجه التحديد بمدن معينة اكتسبت، على مدار السنين، هذه القدرة الجاذبة والآسرة معا. قد يكون من المحتّم اعتبار ارتباط الأديب والفنان بأمكنته الخاصة، التي حددتها له ظروف النشأة والانتماء، شيئا طبيعيا يصل حدّ البداهة المتناسبة مع منطق الأشياء، بحيث لا يمكن فصل إبداع الكاتب عن أمكنته كما هو الحال مع نجيب محفوظ وحارات مدينة القاهرة، أو فرناندو بيسوا ولشبونة، أو جيمس جويس ومدينة دبلن، أو فرانز كافكا ومدينة براغ… لكن المثير في المسألة أن نصادف ظاهرة الارتباط الروحي بين كتّاب شكّلت الأمكنة والمدن، التي وفدوا إليها بالصدفة أو بالقصد، ملاذا أدبيا ومعينا لإبداعاتهم أو حتّى مهربا من أزماتهم النفسية وقلقهم الوجودي. هذه الظاهرة شهدتها مدينة طنجة حيث حجّ إليها الكثير من الكتاب والفنانين، إمّا للإقامة بها أو زيارتها على فترات متقطعة. هكذا، كان عميد هؤلاء الكاتب والموسيقي الأمريكي بول بولز وكوكبة كبيرة من الكتاب والفنانين، أبرزهم جان جينيه والمسرحي الأمريكي تينسي ويليامز وجيل من الكتاب الأمريكيين أمثال ويليام بوروز وجاك كيرواك… أمّا الكاتب المسرحي صامويل بيكيت فكان يأوي إليها لما تمكّنه من أجواء العزلة المحببة لديه… في المقابل كانت طنجة، أيضا، ملهمة للكثير من أبنائها الكتّاب لعل أشهرهم محمد شكري… وهذا ما يمنحنا، على الأقل، زاويتي نظر مختلفتين وبعدين متميزين للمكان. لكن، في كلّ الأحوال، يمكن القول إنّ مدينة طنجة تنضاف حتما إلى المدن الآسرة والملهمة على مستوى الإبداع الأدبي والفني للكثير من الكتّاب والمبدعين، يشهد على ذلك حضورها المكثف مغربيا وعالميا في العديد من الأعمال الأدبية والفنية.

     

    بول بولز.. في طنجة

              

    بول بولز (1910-1999) Paul Bowles موسيقي وروائي ومترجم أمريكي أمضى جلّ حياته حتى وفاته في طنجة، كتب أعماله الروائية والقصص من وحي إقامته بها خلال سنوات الأربعينات والخمسينات، حيث كانت تضم خليطا من الأجناس وتجتذب إليها ألمع الكتاب والفنانين الأمريكيين والأوروبيين، خاصة في مرحلة طنجة الدولية.

    كانت نظرة بولز إلى طنجة والمغرب مختزلة في هذه المرحلة التي تحكمت في رؤيته ومن بينها الطقوس الاجتماعية والدينية.

    كتب بولز روايات عديدة مثل «السماء الواقية» و«دعه يسقط» و«بيت العنكبوت». وقام بجمع للموسيقى المغربية الشعبية وتسجيلها في جهد توثيقي كبير، إضافة إلى ترجمته لحكواتيين مغاربة نالت أعمالهم شهرة واسعة في أمريكا على الخصوص.

    لم يسبق لبول بولز أن فكّر يوما في زيارة مدينة طنجة أو بالأحرى الإقامة فيها. كانت الفكرة من وحي وتشجيع الكاتبة الأمريكية جيرترود شتاين التي نصحته رفقة صديقه الموسيقي والملحن آرون كوبلاند أثناء إقامتهما في بيتها في فرنسا. يحكي بول بولز في سيرته الذاتية «بدون توقف»: «مرّة ونحن نتناول طعام الغداء أثرتُ أنا وآرون كوبلاند موضوع الصيف. كنتُ متشبثا بفيل فرانش وواصل آرون ذكر اسم (سانت جين دو لوز) عبر المحيط الأطلسي. بالنسبة لجيترورد شتاين فكلتا الفكرتين سيئة جدا. «أنتم لا ترغبون حقا في الذهاب إلى فيل فرانش، أليس كذلك؟» قالت. «ستجدون كلّ من هبّ ودبّ هناك. كما أنّ المكان موحش والطقس رديء. عليكم بالذهاب إلى طنجة. أنا وأليس قضينا ثلاثة مواسم صيف هناك. إنّها مكان رائع. سيحبّ فريدي (تقصد بول بولز، الذب أطلقت عليه هذا الاسم) المكان خصوصا وأنّ الشمس تشرق كلّ يوم على الأقل خلال الصيف». هكذا مع توالي الوجبات كنّا نراكم معلومات جديدة حول طنجة. أخيرا، قررنا الانطلاق إلى طنجة… ستكون الرحلة إلى المغرب فترة استراحة خلال موسم الصيف. كانت الفكرة توافق رغبتي تماما، أي الانطلاق بعيدا عن نيويورك. ومع أنني كنت أجهل ما سأصادفه هناك فلم أبال البتة. علمتُ بأننا سنجد في انتظارنا منزلا في مكان ما، وبشكل من الأشكال «بيانو» والشمس كلّ يوم. بدا لي هذا كلّ ما أحتاج إليه».

    كان وصول بول بولز ورفيقه الموسيقى آرون كوبلاند إلى طنجة عبر سبتة وتطوان حيث يصوّر هذه اللحظة: «بمدينة تطوان تضاعف الإحساس بالفوضى والجنون. كان المغاربة أكثر إثارة وضوضاء حيث كانوا ينخرطون في جدالات حامية تبدو دائما على شفا الانزلاق إلى مشارف العنف الجسدي… يخلق كلّ مغربي الانطباع بأنّه يمثل جزءا من مسرحية ضخمة إذ لا ينخرط فقط مع الآخرين في شجار بل أيضا مع الجمهور الذي يقابله (جمهور افتراضي ذلك أنّ لا أحد يعيرهم الانتباه سوى آرون وأنا) يواجه كل واحد منهم الجمهور غير المرئي وينظر إليه شزرا بينما تشي تقاسيمه بالغضب وعدم التصديق… «هذا بيت المجانين، بيت المجانين!» لكنني أجبته برضا: «إنّه عرض لا ينقطع على أيّ حال» حتى قبل أن أصل إلى طنجة، كنت أعلم بأنني لن أصاب أبدا بالسأم وأنا أشاهد المغاربة وهم يؤدون أدوارهم… لو قلت إنّ طنجة سحرتني كمدينة أحلام فإنني أقصد بذلك المعنى الحرفي للكلمة. فطوبوغرافيتها تزخر بمشاهد حلمية نموذجية: شوارع مغطاة كما لو كانت ردهات تفضي أبوابها إلى غرف في كل جهة، سطوح متوارية تطل على البحر، ساحات صغيرة مشيّدة على أرض خفيضة حتّى لكأنّها تبدو كقاعات للبالي مشكلة من منظور خاطئ مع طرقات تؤدي إلى وجهات كثيرة… حتّى ذلك الحين كانت طنجة بمنأى عن حالة التردي التي نجمت عن زحمة المواصلات غير أنّه كانت هناك العديد من سيارات الأجرة المرصوصة على جنبات الطريق إضافة إلى العربات في السوق الكبير… كانت المدينة مكتفية بذاتها كمدينة ألعاب تمّ تجميد حياتها الاجتماعية والاقتصادية في وضع ثابت ودائم فرضته الإدارة الدولية وأجهزتها الأمنية الفعّالة. تنعدم حوادث الإجرام، فلم يكن واردا في الحسبان عدم احترام الأوروبي الذي يعدّ حضوره إضافة إيجابية للجماعة. (لا يصح الأمر بتاتا بالنسبة للإسبان الذين كانوا بالآلاف وبالتالي لم يكن ينظر إليهم كأوروبيين).

    جان جنيه وتينسي وليامز.. في طنجة

          

    يروي الكاتب المغربي محمد شكري لقاءه الغريب، أواخر الستينيات من القرن الماضي، في طنجة بالكاتب الفرنسي جان جنيه الذي اختار في البداية الإقامة فيها ثم بعد ذلك العرائش حيث دُفن بها، قائلا: «كنتُ في مقهى سنترال مع جيرار بيتي   Gérard Beatty فجأة قال: أنظر ! ها هو ذا جان جنيه.

    يمشي ببطء، يداه في جيبيّ سرواله، ملابسه مهملة، وسخة، ينظر باستمرار نحو سقيفة مقهى سنترال. توقف. التفت إلى مقهى فوينتس Fuentes ثمّ اتّجه إلى مقهى طنجة. قلتُ لجيرار: أريد أن أعرفه.

    قال بانفعال: من الأحسن ألّا تفعل.

    – لماذا؟

    -إنّه يتضايق من معرفة الناس بسهولة. الانسجام معه صعب. هكذا سمعتُ عنه.

    أنا نفسي كنتُ قد سمعت عنه أشياء كثيرة. كان قد قال لي مسؤول في المركز الثقافي الفرنسي: إنّ من يقترب من جنيه عليه أن يتوقع إمّا صفعة أو قبلة على وجهه. قررت أن أتحدّى جيرار وما سمعته عن جنيه.

    يجلس في مقهى طنجة إلى جانب شاب مغربي. تحدثنا، جيرار وأنا، حوالي ساعة عن الكتاب والفنانين الذين زاروا طنجة. عيني على النمل البشري في الساحة وعيني على صلعة جنيه اللامعة في الشمس، رأيته ينهض. الثالثة مساء، قلت لجيرار: راقب ما سيحدث.

    ثم نهضت واتجهت نحو جنيه. سمعت جيرار يقول لي بانزعاج: إنّك أحمق. ارجع إلى مكانك.

    التفتُ إليه باسما. أضاف: إنّك سترتكب حماقة.

    تقدمتُ إليه. توقف. يداه في جيبيه كما من قبل، مُنْحَنٍ قليلا على نفسه. انتفض بحذرٍ ناظراً إليّ بإحداد. سأعرف في ما بعد أنّ هذه هي حركته أمام شخص لا يعرفه. قلتُ له: أنت مُسيو جنيه، أليس كذلك؟

    تردد قليلا ثم سالني: من أنت؟

    – كاتب مغربي. (لم أكن قد نشرتُ آنذاك غير قصتين في مجلة الآداب البيروتية) مدّ لي يده.

    – مرحبا.

    رأيت جيرار ينظر إليّ من خلال نافذة المقهى بدهشة وابتسام، سرنا، بدأنا نتحدث عن الكتاب المغاربة وبعض المشاكل التي يلاقونها في الكتابة وصعوبة النشر، في طريق الصيّاغين سألته: هل تعجبك طنجة؟

    -لا بأس بها.

    لم أكن قد قرأتُ بعد كتابه «مذكرات لص» وما قاله عنها «طنجة وكر الخونة».

    – أليست من بين أجمل مدن العالم؟

    – بالتأكيد لا، من قال لك هذا؟

    – هكذا سمعت.

    – ليس صحيحا. هناك مدن في آسيا أجمل بكثير.

    أمام فندق المنزه، مدّ لي يده قائلا: أنا متعوّد على القيلولة. غدا، إذا شئت، يمكن لنا أن نلتقي في السوق الداخلي حوالي الثانية بعد الزوال. مع السلامة.

    – مع السلامة.

    كانت أوّل كلمة عربية أسمعها منه.

    أمّا عن اللقاء الأول لكاتب مغربي بالكاتب المسرحي الأمريكي الشهير تينسي وليامز، صاحب أكثر الأعمال المسرحية العالمية شهرة مثل «عربة اسمها الرغبة» و«قطة على سطح صفيح ساخن»… فقد كان هذا اللقاء بمحض الصدفة بالروائي المغربي محمد زفزاف حسب ما يرويه محمد شكري في كتابه «تينسي وليامز في طنجة»: «زرت بول بولز في منزله. قال لي بالإسبانية:

    – تينسي سيكون هنا يوم الأحد.

    – أخيرا يعود إلى طنجة.

    لم أمكث طويلا. كان لي موعد مع محمد زفزاف في مقهى مانيلا. وجدتُ زفزاف… يلامس بأصابعه شعيرات لحيته الخفية ويمسّد شعر رأسه الغزير المنفوش. قلتُ له: تينسي وليامز سيكون هنا يوم الأحد، هذا ما قال لي بول بوولز، لقد جئتُ من عنده الآن.

    – إنّه موجود اليوم هنا. لقد قابلته منذ لحظات في مرسم أحمد اليعقوبي. كان مصحوبا بشاب أمريكي أو إنجليزي. كان معي شاب مغربي يدرس الرسم في بولونيا.

    – غريب. أضفت: ما هو الانطباع الذي أخذته عن تينسي وليامز؟

    ابتسم وقال: يبدو أنّه يخشى الغرباء، لكن ملامحه تكشف عن أنّه ينجذب إليهم بعد أن يألفهم. كان يلبس سُتْرة جميلة ونظيفة. إنّه ليس من هؤلاء الكتاب الذين يهملون هندامهم. صديقه الشاب كان يحمل آلة تصوير فخمة. كان تينسي يبدو مرحا. لقد جعلته بعض حركات اليعقوبي يقهقه بصوت صاخب…

    بدا لي زفزاف مثل شبح في الليل: بشرته ذات سمرة خفيفة وكل ثيابه سوداء، قلت له مازحا: ألم تخفه بمنظرك هذا؟ إنّك تبدو مثل شيطان بلحيتك المدببة وشعرك الذي يشبه عش نسر.

    قال ساخرا: لقد أثرتُ انتباهه. رأيته ينظر إليّ بإعجاب وإن لم نتبادل غير كلمات. لو لم يستعجل اليعقوبي خروجنا، أنا وصديقي، لصرنا صديقين. لقد بدا لي أنّ اليعقوبي كان يريد أن يستأثر بتينسي وهذا من حقه، لكن لا بد أن تقابله أنت عند صديقك بول بولز…

    ويعقب محمد شكري مازحا على محمد زفزاف: إنّ هدوءك زائف. إنّك تبدو لي دائما مثل مجرم خطر أو لص كبير !

    قهقهنا. هذه عادتنا عندما نتقابل. لا حزن ولا شكوى.

    – حاول أن تكون صديقا لتينسي وليامز كي تكتب عنه كتابا كما فعلت مع جان جنيه.

    – سأحاول، إنّ حياته أيضا مثيرة.

    بهاء الدين الطود.. أبو حيان في طنجة

    يقوم الروائي المغربي بهاء الدين الطود، في روايته «أبو حيان في طنجة»، باستحضار شخصية أبي حيان التوحيدي الشخصية التراثية القديمة العابرة للقرون كمهاجر سري، ليخوض من خلاله القضايا المعاصرة:

    «- تقول في تصريحاتك في المحضر، إنّك قدمت من بغداد عبر المدن التي ذكرتها، وإنّ اسمك هو «أبو حيان التوحيدي».

    – أجل سيدي أطال الله عمرك، أعترف بذلك.

    سكت برهة مفكرا، وكمن يحاول اختزال الاستنطاق قال لي: سأكون مضطرا لأن آمر بإيداعك مستشفى الأمراض العقلية إلى أن تعود إلى رشدك، لكن إذا ما عدلت طواعية عن ادعاء الحمق، واعترفت باسمك الحقيقي، ومقر إقامتك، ووسيلة دخولك إلى إسبانيا، فسأكون رحيما بك، وستنجو من العقاب.

    سكت قليلا وأضاف: أمّا إذا كانت لك عاهة عقلية، كأن تكون مختلا، فيجب أن تعترف بمرضك.

    – وما هو دليلك يا سيدي على أنني لم أعترف بالحقيقة، أو أني مصاب بعاهة عقلية كالجنون؟ لا قدر الله.

    قلت في عجلة من أمري، وأضفت: إنّي يا سيدي لا أتستر على شيء، لا عن أخبار ولا عن مرض، وقد اعترفت باسمي الحقيقي وباسم بلدي الحقيقي، وبالسبل التي سلكتها، إلى أن حللت بالمغرب، وكذلك بالأندلس.

    انتفض صوته واشياً تبرمه من جوابي: إنّك جاوزت المراوغة حدّ اليقين بأنّك شخص معتوه، فمن سيصدق أقوالك الخرافية، تسافر من فاس في قافلة متوجّهة إلى «غرناطة»، وتحلّ بقصر كتامة و«ثغر أصيلا»، وتسمع أخبارا من أفواه رجال عايشوا أحد ملوك الدولة الإدريسية المنقرضة منذ قرون، ثم تقول بأنّك لست مجنونا؟

    أجبته: إنّ الجنون أيّها الحاكم لا يقوى أحد منّا على إخفائه إن كان مصابا به، فأيّ تعبير لغوي شائن أو غير منطقي صدر عنّي؟ وأيّة حركة، أو تصرّف غير عادي لاحظت، أو لاحظ غيرك، أنّه قد طرأ على سلوكي؟

    توقفت للحظة أسترجع أنفاسي، ورأيت الذهول مرسوما على محيا الحاكم، فتابعت حديثي لمزيد إقناعه، وقلت له: إنني يا سيدي أتصرّف تصرّف العقلاء، وإذا كان قد صدر منّي سلوك غير سوي، فليس معنى ذلك أنني أحمق، فقد يصدر عن العقل بعض ما لا يصدر إلّا عن مجنون، علما بأنّ الحمقى يطغى انحرافهم على اعتدالهم، وفي وضعي فإنّي متّسق مع نفسي وعقلي، ولم أخف شيئا من أخباري ولا من حياتي.

    فاجأني مقاطعا: إذا كان الحال كما تقول، أي أنّك رجل عاقل متّسق معتدل، فلماذا تزعم أنّك «أبو حيان التوحيدي»؟

    – إنّها الحقيقة، بغضّ النظر عمّا إن كانت لي أو عليّ، وهل تعرف يا مولاي شخصا غيري يحمل هذا الاسم؟

    لم يقوَ على طمس ابتسامة ماكرة دالة على استخفافه بمنطقي، وأجاب: بطبيعة الحال أعرف «أبا حيان التوحيدي»، وليس هناك من المتعلمين المطلعين على تاريخ الأدب من يجهل أبا حيان التوحيدي المتوفى منذ قرون. أجل، قد يتكرر اسمه، هذا وارد. أمّا أن تنتسب إلى زمانه وتنتحل اسمه وصفته وحياته، حتّى أنّك تزعم بأنّ تاريخنا الحالي هو عام 400 هجرية، ثمّ تقول بأنّك لست مجنونا! من يقوى على تصديق هذا الهراء؟».

    نسيمة الراوي.. تياترو ثرفنطيس

     

    في رواية «تياترو ثرفنطيس» تتخذ الشاعرة والروائية المغربية نسيمة الراوي من هذه المعلمة الفنية والتاريخية في مدينة طنجة محور عالمها الروائي الذي أسندت إليه دور الشخصية الروائية التي تؤطر الرواية بشكل عام. هذا المسرح الذي ارتبط بتاريخ طنجة منذ مطلع القرن العشرين وأصبح شاهدا على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ طنجة.

    يقول الناقد والكاتب المغربي محمد برادة عن رواية «تياترو ثرفنطس»: «جعلتْ من طنجة فضاءً لها، عرفتْ كيف تُزاوج بين كتابة الذاكرة المجروحة، وتحولات المدينة الأسطورية في سياق التحديث والانفتاح الكوْكبي. وسبق لنسيمة أن شيّدت قصائدها في ديوانها «قبل أن تستيقظ طنجة» من حَطَبِ العواطف الممتزجة بأساطير المدينة «الدولي» وما تنطوي عليه من رموز، لكنها، هنا، تستوحي تفاصيل الحياة الحميمة من خلال خيْبةِ أملِ فتاة في مستقبل العمر، كانت تصبو إلى أن تقطفَ النجوم بأنامِلها». من أجواء الرواية هذا المقتطف:

    «… مساء، ونحن عائدان إلى البيت، مررنا أمام مبنى يشبه كثيرا بعض المباني القديمة التي تظهر في أفلام السينما التاريخية. توقفنا للحظة، جدّي صامت يتأمّل هذه البناية، شاركته الصمت والتأمّل، بناية ضخمة ذات معمار إسباني، ربّما وضع تصميمها فنان عاش في طنجة أيام الحماية، البناية في حالة رثة شبه مدمرة تخيلتها تبكي حظها العاثر، لكنّها تحتفظ بألق خاص رغم تعاقب السنين وعوامل التعرية والرطوبة، فما زال الهيكل قائما، بناية بطول فارع، شكلها المستطيل جعلها تحتلّ مساحة كبيرة، لها ثلاثة أبواب طليت بلون آجوري باهت، وبين كلّ بابين أسوار تتخذ شباكا حديديا يجعلك تشهد الدمار الذي حلّ في فناء هذه البناية، تتخللها نوافذ زجاجية أغلبها مهشم، عوض الزجاج بكرتون بنيّ يحجب ما بداخل البناية، وفي وسط البناية لوحة رخامية مائلة إلى الأصفر كُتب فوقها بالأصفر Gran teatro Cervantes، وتحتها وضعت سنة 1913، ربّما هي سنة تدشين هذه البناية. كم هي عتيقة هذه البناية، فوق اللوحة الرخامية مباشرة كائنات حجرية تحاول التحليق، جدران البناية مائلة للسواد… حالة من الفوضى تعمّ هذا المكان، يبرق سؤال في ذهني، لماذا تعيش هذه العزلة؟ لماذا اختفت اليد التي يفترض أن تخفف عنها بؤس السنوات؟ أتخيّل هذه البناية عجوزا وحيدة تحتضر، ولا يد هناك تودعها، أتخيّلها امرأة منكوبة تتذكر مجدها بحرقة… لا يسعني سوى أن أتعاطف مع ألمها. أنتبه لرقم 13، وأتذكّر أبي الذي أبحر إلى مجرة أخرى، ربّما نتشابه في ألمنا ونحلم بيد تنتشلنا من بركة الوحل التي تغرق فيها.

    ألتفت إلى جدّي الغارق في التأمل، أحاول إثارة انتباهه، دون جدوى، أقبض بيدي اليمنى على يده اليسرى، فيحسّ بوجودي، يبتسم ابتسامة فيها ألم ظاهر، يشير بسبابته اليمنى إلى السماء، كما فعل يوم أخبرني أنّ أبي قد صار هناك… تسلك عينيّ الاتجاه نفسه الذي تشير إليه سبابته. أرى كائنات صغيرة مصنوعة من الحجر تلتصق فوق المبنى وكأنّها تحاول اللحاق بالملائكة، أتخيّل حكايتها… أتذكّر حلمي القديم بالطيران. أربط تلك الكائنات الصغيرة بي، وبحلمي. أتمنّى أن أتحوّل إلى تمثال يثَبّتُ إلى جنب تلك الكائنات على سطح البناية الضخمة التي أغبطها لأنّها أقرب منّي إلى السماء…

    خابيير بالينثويلا.. طنجرينا

    رواية «طنجرينا» للكاتب الإسباني خابيير بالينثيولا Javier Valenzuela بترجمة الشاعر المغربي محمد العربي غجو. طنجرينا رواية «عن مدينة طنجة التي تقع على تقاطع بحار وقارات، تقاطع أعراق وثقافات وعادات وأمزجة، غنية على نحو يجعلها منفردة لا شبيه لها بين المدن في كلّ الأزمان: في الزمن الاستعماري وفي الزمن الراهن».
    تدور أحداث رواية «طنجرينا» في مدينة طنجة من خلال خطين روائيين متباعدين زمنيا لكنهما مترابطان في تشابكهما. إطار أوّل تجري أحداثه بداية من سنة 1956 التي تؤشر إلى تاريخ استقلال المدينة حيث عبّرت شخصيات الرواية ذات الأصل الإسباني، (الفارون من حكم فرانكو الدكتاتوري)، عن قلقهم وتوجسهم تجاه مصيرهم بعد الأحداث. وإطار ثانٍ يبدأ انطلاقا من سنة 2002 ويغلب عليه طابع التحري المعروف في الروايات البوليسية. رغم التعدد على مستوى الشخصيات والأزمنة وتشابك الأحداث لا تخلو الرواية من تحليل سوسيولوجي وتاريخي وسياسي. يطبعها في النهاية الكثير من التشويق وإثارة الدهشة. استطاع الكاتب بحرفية، رغم سمة التعدد والتباعد بين الأزمنة والأحداث، إدارة هذا التعدد والاختلاف بمهارة وكأنّها تجري معا في الوقت نفسه، إضافة إلى استحضار شخصية محمد شكري ضمن أحداث الرواية.
    ولأخذ نظرة على أجواء الرواية نقرأ: «يقول الطَّنْجِيُّوْن، إن مدينتهم كانت المكان الأوَّل الذي رست فيه سفينة نوح بعد الطوفان. أمر ممكن، لِمَ لا؟ فطَنْجَة كانت دائماً ملجأ بالنسبة إلى الجميع، بالنسبة إلى الجيران الإسبان: هنا عثر اليهود والمسلمون المطرودون من أرضهم، بفعل تعصُّب محاكم التفتيش التابعة للملوك الكاثوليكيِّيْن وخلفائهم، على ملجأ. الأمر نفسُه حدث في القرون التالية، مع أبناء البلد أنفسهم من ذوي الأفكار والأنماط الحياتية غير التقليدية. ظلَّت طَنْجَة لقرون، بَوَّابَة عبور بالنسبة إلى الأوروبيِّيْن إلى مملكة المغرب الغامضة والمنيعة، والمكان الذي استقرَّ به القناصل والتجَّار. تناوبت الجوامع والكنائس والبِيَع، مع الكباريهات والبنوك ودُور الدعارة ومتاجر المجوهرات. وتَسَاكَنَ العرب والأمازيغ واليهود، باعتبارهم سكَّاناً أصليِّيْن، مع مهاجرين أندلسيِّيْن وأرستقراطيِّيْن إنجليز وكُتَّاب طليعيِّيْن أمريكيِّيْن، وجمهوريِّيْن إسبان وأثرياء تفرَّغوا للحياة العذبة dolce vita  وأنواع الجواسيس والمُحتالين، ومُهرِّبي السجائر ومُزوِّري الجوازات وتجَّار الذهب المشكوك في مصدره. بعضُهم أتى للبحث عن عمل أو إبرام صفقة تجارية، البعض الآخر أتى سعياً في إثر حُلْم أو شبح أو بحثاً عن نفسه. طَنْجَة كانت تنتمي للجميع ولا تنتمي لأحد».

    أمّا عن الكاتب خابيير بالينثويلا، فهو صحافي وكاتب من مواليد غرناطة سنة 1954، اشتغل لمدة ثلاثين عاماً في جريدة «إلباييس» اليومية وكان نائباً لمديرها في مدريد، ومراسلاً لها في بيروت والرباط وباريس وواشنطن. تقلد ما بين عامي 2004 و2006 منصب المدير العام للإعلام الدولي لدى رئاسة الحكومة الإسبانية. في عام 2013. له أربعة عشر كتابا ضمنها أربع روايات في جنس الرواية السوداء، تدور أحداث ثلاث منها في مدينة طنجة وهي: طنجرينا (2015)، ليمون أسود (2017) وعلى الموت أن ينتظر (2022).

    منير بولعيش.. لن أصدّقك أيّتها المدينة

                         

    ينتمي الشاعر منير بولعيش (1978-2010) إلى الجيل الجديد، لم يصدر في حياته سوى ديوان شعري (لن أصدقك أيتها المدينة) لم يكتب سوى عن مدينته طنجة من خلال قصيدة نثر متقدمة جدا في بنائها واختياراتها الجمالية المتطورة، لكن الموت، الذي اختطفه باكرا، أوقف مسيرة شعرية كانت تعد بالكثير.

     

     القصيدة خرجت إلى الشارع

    القصيدة خرجت إلى الشارع
    فمن سيوقف هذا الطوفان؟ من يوقفني؟
    القصيدة التي خرجت إلى شارع باستور كم تشبهني
    أنا الذئب الذي يقتات على الجثث المتحللة.

    القصيدة التي خرجت إلى بار البريد
    غافلتني
    وعانقت بائع الملابس الداخلية الرثة
    وقبلت بائع التبغ
    الذي يسرح شعره
    بعناية
    ويبيعني السجائر المهربة
    بالتقسيط المريح

    القصيدة التي خرجت إلى البولفار
    لم تجد امرأة
    تتغزل بها
    فارتمت في حضني
    ونامت

    القصيدة التي خرجت لزنقة الشياطين
    تضمر بروقا نائمة
    وثورة بركان
    يأخذ قيلولته في ساحة الأمم

    القصيدة التي خرجت إلى الشوارع الخلفية
    لوحت بشارة النصر
    إلى هيراقليس
    الذي كان يقرأ دوره في الإلياذة
    ويصرخ:(هل هذا أنا؟)

    القصيدة التي خرجت إلى الشارع
    أخلفت موعدها مع العربي اليعقوبي
    القصيدة التي لا تنتهي…
    القصيدة التي تشبه محراث جوزيه بوفيه
    القصيدة التي تخرج إلى الشارع…
    القصيدة التي تسكن في الشارع…
    القصيدة التي…
    القصيدة التي خرجت إلى شارع الحرية
    خرجت ولم تعد !!

    رياح الشّرقي

    ليس سرّا

    أنّ أسوار طنجة ليست عالية

    وإن ركضنا كلّ خريف

    خلف طائرات الورق

    وعكس رياح الشرقي معركة خاسرة

    تدركين…

    أنّ رياح الشرقي مثلك: صرصر عاتية

    لذا خلّي عنك فستان السهرة

    واعقصي شعرك ذيل فرس

    شتنبر: محفل مقيم للجنون

    وريح الشرقي

    قد تشاكس تسريحتك الأنيقة

    وتربك فستانك من أسفل فوق مستوى

    الرغبات

    وعلى مرأى المدينة

    المتعبة بالفضول

    والمشرئبة جهة الرياح الشمالية.

    ++++++

     

     رفّ الكتب

     حسن المودن.. من قال إنّ الناقد قد مات؟

    يقدّم لنا كتاب «من قال إنّ الناقد قد مات.. ضدّ بارت وماكدونالد ومانغينو» للناقد والكاتب المغربي حسن المودن، الصادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، من خلال نبذة مختصرة، فكرته الأساسية وأطروحته التي تنصبّ على تفنيد جملة من المفاهيم الرائجة في النقد الأدبي الحديث حول موت الناقد أو المؤلف أو الأدب. من أهمها موت المؤلف الذي أعلن عنه رولان بارت سنة 1968، أو دومنيك مانغينو في كتابه ضد سان بروست أو نهاية الأدب سنة 2006، أو رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» سنة 2007.

    «يأتي هذا الكتاب بعكس ما ادّعته دراسات سابقة: فهو ضدّ موت الناقد لرونان ماكدونالد، وضدّ موت المؤلّف لرولان بارت، وضدّ نهاية الأدب لدومنيك مانغينو. لكن هذا لا يعني أن نحتفظ بتلك الفكرة التقليدية عن الناقد والمؤلّف، ونمارس النقد البيوغرافي على الطريقة التقليدية. فأن تكون اليوم ضدّ موتهم يعني أن تعيدهم إلى الحياة، ولكن من خلال فكرة جديدة، من خلال نقد بيوغرافي بصورة مختلفة، من خلال نظرة جديدة إليهم. أن نقدّم ما يكفي من الحجج التي تكشف أنّ الناقد الأدبي لا يموت ولن يموت. لكنّه يتجدد ويبتكر لنفسه في كلّ مرّة أسباب الحياة. وبهذا فإنّ الجديد في هذا الكتاب أنّه يكشف عن جوانب من هذا المعنى الجديد للأدب، للنقد، للناقد الأدبي، للمؤلّف الأديب: أي أنّه يريد أن يوضح أنّ هناك بدايات جديدة بعد تلك النهايات إن سلّمنا بوجودها، وأنّه بدل خطاب النهايات، سيكون من الأفضل، بلا شكّ، أن نتحدث عن خطاب البدايات».

    من الكتاب نقرأ: «ما يوجد في قلب مسرحية أوديب الملك ليس هو جريمة قتل الأب، بل جريمة قتل الابن: ذلك لأنّ مسرحية سوفوكل غارقة في هذا الاستيهام الخاص بجريمة قتل الابن، لأنّ لايوس قد كان سببا في موت طفل ملك آخر، فلذلك جرّ على نفسه، وعلى شعبه، لعنة الآلهة وعقابها، وفي قلب المسرحية، هناك هذا الأمر الذي أصدرته جوكاست بعلم لايوس أو بغير علمه بأن يموت طفلها الذي أنجبته… وبهذا فإنّ مسألة قتل الابن هي الجريمة المركزية، وتبقى مسألة قتل الأب ثانوية في المسرحية. هناك تلك الفكرة التي تقول إنّ الطفل يمكنه قتل أبيه. لكنّ الفكرة الأكثر عنفا التي لا تقبلها الذوات ولا المجتمعات هي: أن تقتل الأمّ طفلها، أو أن يقتل الأب طفله… وفي الواقع فإنّ جريمة قتل الطفل هي المهيمنة في الميثولوجية الإغريقية».

    الأستاذ حسن المودن أستاذ التعليم العالي، باحث ومترجم، متخصّص في التحليل النفسي للأدب وبلاغة الحجاج وتحليل الخطاب، لديه الكثير من الإصدارات بين التأليف والترجمة. حصل على جائزة كتارا في الدراسات النقدية سنة 2016.

     متوّجون    

     أحمد لمسيح.. جائزة المغرب للكتاب

         

    فاز الشاعر أحمد لمسيح بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر برسم دورة 2023، عن ديوانه «جزيرة فَ السما». تضمن الكتاب الشعري نصوصا أنجزت بين يناير ومنتصف يوليو من سنة 2021.

    الشاعر أحمد لمسيح رائد من رواد الشعر الزجلي في المغرب وذو مسيرة شعرية حافلة توالت عبر أعمال شعرية بنت لنفسها ذاكرة شعرية زجلية مغربية من خلال أعمال كثيرة من بينها: «شكون اطرز الما» سنة 1994 و«توحشت راسي» 1999 و«حريفات» سنة 2000 و«حال وأحوال» سنة 2003 … و«بين وبين» سنة 2020… كما ترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية والهولندية والإنجليزية (بأمريكا) والإسبانية في كل من إسبانيا والشيلي.

    ++

    مقتطفات

    الدولة المستوردة.. تغريب النظام السياسي

    لماذا لم تتخلص الدول الفقيرة من بقايا الاستعمار، ولماذا يعاني المثقفون في هذه المناطق من التناقض؟

    إن تصفية الاستعمار، التي كان من المفترض أن تمنح مجتمعات العالم الثالث وسيلة للعثور على تنظيم يتطابق مع تقاليدها، لم تفعل ذلك.

    بالتوازي مع استخدام خطاب يتبنى القطيعة مع الغرب، يقوم زعماء الجنوب باستيراد القانون ونموذج التنمية، والنظام الديمقراطي التمثيلي الغربي، حتى إن كانوا يكيفونه مع أنظمتهم، إن هؤلاء القادة والمحيطين بهم ومثقفيهم يفكرون ويتحركون وينشؤون وفقا للنماذج الغربية، لكن، وربما باستثناء حالة اليابان، يخفق هذا التغريب لاستحالة استنباته في عالم الجنوب، ويعكس هذا الإخفاق التطورات التي عرفها العالم المعاصر منذ عام 1945 فيسلط الضوء على تاريخ الهند والعالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والصين بل وحتى على الشكوك التي تواجهها النهضة اليابانية اليوم. وعلى عكس توقعات النخب، كان التغريب الفاشل سببا في العديد من الأزمات المجتمعية وعاملا للفوضى في العلاقات الدولية.

    إن عالما يعاني من عدم التجانس، وعاجزا عن توحيد قواعد اللعبة والاعتراف بالاختلافات، يشكل، دون شك، أكبر التهديدات التي تواجه الإنسانية.

    المثقفون المستوردون:

    يرتبط دور المثقف في عملية التغريب بمفارقة: فبالرغم من هويته التي تستند على أساس انتمائه إلى ثقافة يعتبر مؤتمنا عليها، إلا أنه ينتصب كمستورد لنسق من الفكر والفعل قادم من مكان آخر. ومن ذلك تظهر مسيرة المثقف في العالم الإسلامي بأنه يمكن تفسير هذا التناقض بسهولة.

    طالما أن المثقف يخلق حيزه الخاص، سرعان ما يجد نفسه في تعارض مزدوج مع السلطة الرسمية من ناحية، ومع أشكال الاحتجاج على هذه السلطة الصادرة من قطاعات المجتمع التقليدية من الناحية الأخرى. ولأنه يتطلع إلى التزود بموارد مستقلة للنفوذ وإلى شغل مكانة خاصة في المجتمع، فإنه يصدم بسلطوية العاهل مثلما بالعمل القائم بمجرد استنساخ معرفة دينية غير خاضعة إطلاقا لصنعة المثقف. وتعتبر علاقة المجابهة بين سلطة أبوية جديدة ومأثور سلفي عقبة رهيبة أمام احتراف المثقف. إذ لا يمكنه الإفلات من هذه المجابهة إلا بالاستعارة بطريقة ضخمة إلى حد ما من تصورات الفكر الأجنبية، مما يتسبب في تعرضه لأخطار أخرى ولإخفاقات جديدة.

    المصدر: برتران بادي، الدولة المستوردة.. تغريب النظام السياسي، مدارات للأبحاث والنشر، 2017.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • موت وحياة مسرح سيرفانتيس.. بقلم // الزبير بن بوشتى

    في عام 1903 حل « مانويل بينيا رودريغيز » رفقة زوجته « إسبيرانسا أوريّانا » بطنجة قادما إليها من إشبيلية في هجرة البحث عن الثروة. استقر في المدينة الدولية حيث تتعايش الجنسيات وتتساكن الأديان. لم تكن هجرة « مانويل بينيا » إلى هذه البقعة الموعودة من شمال إفريقيا اختيارا اعتباطيا، بل كان هدفا للالتحاق بعم زوجته الثري، « أنطونيو نونيز رينا ». 

    بمستقره الجديد استأنف « مانويل بينيا « مهنة الصيد على الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، كما زاول في وقت لاحق بيع العلق الطبي الذي يحصده من بئر بستان عم زوجته المعروف باسم « لاويرتا ديل سينيور فراسكيتو الإشبيلي ». عند وفاة عم « إسبيرانزا أوريانا »، استحوذ الزوجان على جميع الممتلكات بوصفهما الوريثين الوحيدين، ثم برقت فكرة في ذهن « مانويل بينيا رودريغيز »، لمَ لا ينشئ مسرحا في طنجة إرضاء لزوجته العاشقة للمسرح؟ ويسنح للثقافة الإسبانية أن تحظى بوضع اعتباري أفضل في قلب طنجة الدولية. 



    سيرفانتيس قبل أشغال الترميم

    اقتطع الصياد السابق الذي أضحى تاجرا ثريا مساحة كبيرة من بستان الخضر المطل على البحر. ويعد المكان مثاليًا لاحتضان مبنى المسرح الكبير المتموقع خارج الأسوار بالضبط، حيث بنى الفرنسيسكان كاتدرائية كاثوليكية ذات مدرسة ومستشفى. 

    في عام 1911، دفع مانويل بينيا 650 ألف بيزيتا، وكلف المهندس الإسباني « دييجو خيمينيز أرمسترونج  » ببناء هذا المسرح. لم يكن المهندس المعماري غريبا عن المدينة التي شهدت ميلاده عام 1844، وعاد ليشتغل بها بعد دراسته في باريس حيث أنجز بها عددا كبيرا من المباني لحساب البرجوازية اليهودية. في هذا الشارع المنحدر الصغير المتعرج، شارع أنوال الحالي، والذي كان يحمل اسم « إسبيرانسا أوريّانا » تخليدا لحاضنة المشروع، سينطلق ورش بناء قام « دييغو خيمينيز أرمسترونج  » باستيراد جميع مواده من إسبانيا. سيرتفع شامخا مبنى مسرح « سيرفانتيس » الكبير الذي تخيله على طراز فن « الآرت نوفو » من الإسمنت المسلح تتوجه قبة ذات زرقة سماوية.



    سيرفانتيس صور بداية الأشغال

    أدرك « دييجو خيمينيز » أقصى درجات الخيال بإنجازه لهذا المبنى حيث واجهته تحتفي بمركزية جسد تتوجه قبتان ترتفعان قليلا. حداثة السيراميك تتناغم وتماثيل الأسطورة التي تعتلي أرقام تاريخ الافتتاح 1913 المحاطة بأزهار تتماوج وتتشابك متماهية مع أقنعة إغريقية. في المستوى الأدنى قليلا تماثيل أصغر تعزف على آلات القيثار، البوق والدف. يبدو المهندس باستخدامه الطليعي للإسمنت المسلح (الذي كان آنذاك في طور التجريب) مجددا ومبتكرا لأسلوب متفرد، بحيث برع في مزج مواد (الجبص، الخزف) والرسم الجداري بالنحت واللون. هي سمات أساسية لهذا النصب التذكاري الذي تم إنجازه من قبل فنانين كبيرين: « فيديريكو ريبيرا » الذي جاء خصيصًا من باريس، لصباغة رسومات السقف بأسلوب بارع، و « كانديدو ماتا »، مصمم المنحوتات الداخلية والخارجية.

    أما الستائر الخلفية فقد أنجزها الرسام الإيطالي والسينوغراف « جورجيو بوساتو » (1836-1917)، المعروف بعمله كسينوغراف في أهم المسارح الإسبانية في سرقسطة، أوفييدو، وتوليدو، وملقة، وإشبيلية، كما صمم سينوغرافيا العرض الأول لأوبرا «عايدة» في القاهرة بمناسبة افتتاح قناة السويس عام 1871. 



    بمناسبة حفل افتتاح سيرفانتيس

    في مساء شتوي ناعم من يوم 11 دجنبر 1913 افتتح مسرح « سيرفانتيس » بحضور شخصيات الإدارة الدولية والمندوب السلطاني وجمهور المثقفين والفنانين، ملؤهم الافتخار بكون مدينتهم أضحت تحظى بأكبر مسرح في شمال إفريقيا، مسرح ذي طراز إيطالي صُفّت مقاعده ال 919 على شكل نصف دائرة على أرضية خشبية تفتح آليا لتختفي المقاعد داخلها متحولة بمناسبة الحفلات الكرنفالية، إلى حلبة رقص. 

    تمكن مسرح « سيرفانتيس » منذ بداياته أن يمنح دفءَ اللجوء لإسبان الشتات من منفيي ومعارضي النظام الفرنكوي، بل وأن يمنح إشعاعا للمنتوج المسرحي والغنائي لفناني شبه الجزيرة الإبيرية، أضحى بفضله للثقافة الإسبانية دورا محوريا في قلب المدينة الدولية التي كان يستحوذ على محافلها حضور طاغ للثقافتين الإنجليزية والفرنسية.



    سيرفانتيس صور بداية الأشغال

    عوَّد مسرح « سيرفانتيس » جمهوره منذ البداية على برمجة متنوعة من أوبرا وعروض مسرحية (مع « ماريا غيريرو » و »مارجريتا زيرغو » والفرنسية « سيسيل سوريل » والنجوم المصريين « يوسف وهبي » و »فاطمة رشدي »)، دون أن يبخل عن هواة المسرح بالمدينة الذين أسسوا فرقة « الهلال » المسرحية التي قدمت عدة مسرحيات على خشبته منها: «عطيل» باللغة العربية عام 1929.

     بيد أنه وبالرغم من نجاحه، ونـظرا لكبر حجمه وثرائه المعماري وتجهيزاته الباهظة السومة، ظلت تكلفة تسييره عالية جدا ولم تسمح لمالكيه بتحقيق أرباح مادية جديرة بتأمين مردود متوازن يغطي مصاريف البرمجة والصيانة وأجور العاملين، وحيال ثقل الديون وتراكمها اضطر « مانويل بينيا » وزوجته « إسبيرانزا أوريّانا » التنازل عنه للدولة الإسبانية في عام 1928 مقابل 450 ألف بيزيتا.



    سيرفانتيس صور بداية الأشغال


    تعاقب على ركح مسرح « سرفانتس »، في عصره الذهبي، أشهر نجوم الغناء والمسرح لإمتاع عشاقهم من مغاربة وإسبان: « كارمن » الإشبيلية ، « إمبيرتو » الأرجنتيني، « خوانيتا رينا »، و الشهيرة « لولا فلوريس » و أيضًا « أنطونيو مولينا »، مغني الفلامنكو « مانولو كاراكول » و الكوبي « أنطونيو ماتشين »، « خوانيتو فالديراما » الذي ألهمه مقامُه في طنجة عام 1947، إثر لقائه بالإسبان الفارين من نظام فرانكو، تأليف أغنيته الخالدة « الإميغرانتي » (المهاجر) التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. لم يتخيل المغني الإسباني أن يعيش مثل هذا الابتهاج الشعبي وهو يتابع اكتظاظ الجمهور أمام واجهة المسرح. أغلب الإسبان لم يكن لديهم تذاكر لمشاهدته على الخشبة، إلا أنهم جاءوا جميعًا للاحتفاء بالنجم الذي يختزل الوطن. روى « فالديراما » لاحقًا أنه كتب الأغنية بمجرد عودته إلى فندقه بعد الحفل متأثرا بالدموع التي رمقها من بعيد تبلل جفون كل هؤلاء المنفيين.

    عاش المسرح عصره الذهبي في النصف الأول من القرن العشرين مع أوبراه وحفلاته الموسيقية « الثرثويلا zarzuelas (الأوبرا الكوميدية الإسبانية). ولكن منذ الخمسينيات من القرن الماضي، شرع وهجه الثقافي بالخفوت مع تراجع مهول في إقبال الجمهور. ولمعالجة الوضع المتدهور اعتمد مسيروه على نوع آخر من الفرجة، ألا وهي المصارعة. تحول مسرح سيرفانتيس الكبير لفترة طويلة إلى قاعة مصارعة! الكاثوليك واليهود والمسلمون … يأتون سوية لمشاهدة عروض هذا النوع من الفرجة التي هي في منتصف الطريق بين الرياضة والمسرح.


    بعد استقلال المغرب عام 1956، وبينما أفواج الإسبان تتسابق لمغادرة طنجة اضطرت الحكومة الإسبانية للتخلي عن مسرح سيرفانتيس، عرف حياله المسرح العتيد كيف يجدد جلده ليتحول لبعض الوقت إلى قاعة سينما. قاوم باستماته ظروف الإهمال بأنشطة متباعدة أملتها مناسبات ذات طابع إنساني كتلك التي عاشها خلال حرب الجزائر، بحيث أقيمت به حفلات فنية للتبرع بإيراداتها إلى جبهة التحرير الوطني. شيئًا فشيئًا، تتباعد مواعيد الأنشطة وتتراجع أصداؤها إلى أن خفت نهائيا مع قرار إغلاقه سنة 1972 ليدخل غرفة الموت الإكلينيكي.

    بعد ثلاثة عقود عانى خلالها مسرح « سيرفانتيس » ما عاناه من الإهمال والنسيان، شرع بصيص أمل ينبعث مع فجر سنة 2000، إذ أبدى الجانبان المغربي والإسباني رغبتهما لإنقاذ المعلمة التاريخية وقد تم تصنيفها في عام 2007 تراثا وطنيا.


    على إيقاع المفاوضات المغربية الإسبانية التي استغرقت وقتًا طويلاً، احتفل المسرح بذكراه المئوية التي صادفت 2013 في حزن وترقب. كتب فنانو ومثقفو الضفتين، نشدوا وناشدوا مسؤولي البلدين لإعادة الحياة إلى شرايينه حيث واجهته الموشاة بالخزف الأصفر والأزرق تبكي مئوية أماسيه الخوالي.

    استقر قرار مجلس الوزراء الإسباني في 9 فبراير 2019 على أن تتبرع إسبانيا ببناية مسرح « سيرفانتيس » للمغرب، تبرع غير قابل للنقض. يأتي هذا النقل، الذي يجب أن يصادق بموجبه البرلمان الإسباني على تمليك المسرح للدولة المغربية، بحيث بات من المقرر أن تنطلق أشغال الترميم في عام 2018، لولا تأجيلات متكررة صادرة عن لجنة اليونسكو للتمحيص والتدقيق في التصاميم التي يشترط استجابتها للمعايير العلمية والفنية وفق البناء الأصلي. بعد كل هذه التعقيدات، انطلق ورش أشغال الترميم وإعادة التأهيل في أكتوبر 2021 للمبنى التي يحرص المغرب على أن تراعي الهندسة الأصلية لواجهته وداخله، حفاظا على طابعه التاريخي.

    إقرأ الخبر من مصدره