Étiquette : THE

  • جائزة أفضل مخرج لفيلم « كان ياما كان في غزة » بمهرجان كان السينمائي الدولي

    *العلم الإلكترونية*

    تحتفل السينما الفلسطينية بإنجازٍ تاريخي، حيث فاز الفيلم الدرامي الكوميدي « كان ياما كان في غزة » للمخرجين طرزان وعرب ناصر بجائزة أفضل مخرج في قسم « نظرة ما » بمهرجان كان السينمائي الدولي، حيث عُرض لأول مرة عالميًا وسط تصفيق حار، آسرًا الجمهور والنقاد على حد سواء. 

    وتعليقًا على هذا الانتصار، أعرب المخرجان الفلسطينيان التوأمان طرزان وعرب ناصر عن امتنانهما لهذا التكريم.
      بعد عرضه الأول بالمهرجان، حظي الفيلم بإشادات نقدية حيث وصفته كلوتيلد تشينيتشي من موقع « لاود آند كلير  » بأنه « فيلم ضروري ومميز وله أهمية سياسية » وكتبت « مع كان ياما كان في غزة، أثبت طرزان وعرب ناصر استخدامهما البارع للعناصر التقنية لصناعة الأفلام في فيلم رائع، وغنائي في بعض الأحيان، من خلال استخدامهما الديناميكي للكاميرا والإضاءة الآسرة ».
      كما أشاد جوناثان رومني من موقع Screen Daily بتأثير الفيلم، قائلاً: « هذا الفيلم المكثف والمحكم يجب أن يحظى باهتمام واسع بعد عرضه في قسم ‘نظرة ما’. »
      وكتب جوردان مينتزر من هوليوود ريبورتر عن دلالات الفيلم في ظل الأوضاع الحالية « رغم صغر نطاقه، فإن الفيلم واسع الدلالة، خاصة في ضوء ما جرى منذ السابع من أكتوبر. يا ما كان في غزة يصوّر بشاعرية شخصيات تبذل أقصى ما في وسعها في مكان لا يقدم لها سوى القليل من الخيارات وفرص أقل ».


    يُمثل هذا الفوز إنجازًا آخر للأخوين ناصر في مهرجان كان العريق. فقد أختير فيلمهم القصير الأول كوندوم ليد، لينافس في المسابقة الرسمية لـمهرجان كان السينمائي عام 2013، ثم شاركا مرة أخرى بفيلمهما الطويل الأول ديغراديه الذي نافس في أسبوع النقاد بمهرجان كان السينمائي الدولي.
      كان ياما كان في غزة تجري أحداثه في غزة عام 2007 حول طالب شاب اسمه يحيى، يُكوّن صداقة مع أسامة، صاحب مطعم ذو كاريزما وقلب كبير. يبدآن معًا في بيع المخدرات أثناء توصيل ساندويتشات الفلافل، لكن سرعان ما يُجبران على مواجهة شرطي فاسد وغروره المُتضخم.
      كان ياما كان في غزة إنتاج دولي مشترك بين فرنسا وألمانيا والبرتغال وفلسطين، مع قطر والمملكة الأردنية الهاشمية. يضم الفيلم طاقمًا مميزًا من الممثلين، منهم نادر عبد الحي، المعروف بدور سامي في فيلم « فرح »، المتوفر الآن على نتفليكس؛ ورمزي مقدسي (فيلم « اصطياد أشباح »، الحائز على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان برلين السينمائي الدولي)؛ ومجد عيد (فيلم « عنكبوت مقدس » الحائز على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان كان السينمائي).
      كما يضم الفيلم مدير التصوير كريستوف جرايلوت (فيلم « Ride Above »)، والمونتيرة صوفي راين، الحائزة على جائزة أفضل مونتاج في جوائز سيزار عن عملها في فيلم « The First Day of the Rest of Your Life »، وموسيقى أمين بوحافة الذي عمل على عدة أفلام منها « الرجل الذي باع ظهره » و »أطياف ».
      الفيلم من إخراج الإخوان ناصر وتأليفهما بالتعاون مع عامر ناصر وماري ليجراند، وإنتاج راني مصالحة وماري ليجراند لشركة أفلام تامبور ومورييل ميرلين لشركة LYLY للإنتاج، يشارك في الإنتاج كل من رشيد عبد الحميد لمشروع صنع في فلسطين، أماندا تورنبول وزياد سروجي لشركة رايز أستوديوز، ميكائيل إيكلت ولينا زيمرهاكل لشركة ريفا للإنتاج السينمائي، دوروث بينيمير لشركة ريد بالونز، باندورا دا كونيا تيليس وبابلو إيرولا لشركة أكبر للأفلام، وخالد حداد كمنتج تنفيذي بشركة جوردان بايونيرز الأردنية، بالتعاون مع A.A. Films (أحمد عامر)، وكوكون فيلمز (سوسن أصفري)، راديو وتلفزيون البرتغال، وكوميتا فيلمز الفرنسية (إيديتا جانزاك- هيريارت)، تتولى MAD Distribution توزيع ومبيعات الفيلم في العالم العربي.        

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “مايكروسوفت” تحظر كلمات فلسطين وغزة والإبادة الجماعية في البريد الإلكتروني

    العمق المغربي

    بدأت شركة مايكروسوفت الأمريكية منع رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالشركة التي تحتوي على كلمات مثل “فلسطين” و”غزة” و”إبادة جماعية” من الوصول إلى المستلمين.

    ووفقا لموقع “ذا فيرج” (The Verge) الأمريكي التقني، الخميس، لاحظ موظفو شركة مايكروسوفت أن بعض رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم لم تصل إلى المستلمين.

    وعقب ذلك، راجع الموظفون رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلوها واكتشفوا أن مايكروسوفت قامت بحظر رسائل البريد الإلكتروني التي تحوي كلمات مثل “فلسطين” و”غزة” و”الإبادة الجماعية” من إرسالها إلى المستلمين داخل الشركة وخارجها.

    من ناحية أخرى، أكدت مايكروسوفت أنها طبقت مثل هذه الممارسة لتقليل “رسائل البريد الإلكتروني السياسية” داخل الشركة.

    ومنتصف ماي الجاري، أكدت إدارة مايكروسوفت في بيان، أنها توفر خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الإسرائيلية، لكنها ادعت عدم وجود أي دليل على أن هذه التقنيات تُستخدم لإلحاق الأذى بالمدنيين.

    وكشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أوائل عام 2025 أن نماذج الذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت وOpenAI تم استخدامها كجزء من برنامج عسكري إسرائيلي لاختيار أهداف القصف في غزة ولبنان.

    وفصلت مايكروسوفت، الشهر الماضي، مهندسة البرمجيات المغربية ابتهال أبو السعد وزميلتها الأميركية فانيا أغراوال بعد احتجاجهما على تزويد الشركة إسرائيل بأنظمة ذكاء اصطناعي تستخدم في إبادة الفلسطينيين بقطاع غزة.

    وكانت ابتهال وفانيا أعلنتا احتجاجهما خلال احتفال الشركة بالذكرى الـ50 لتأسيسها، الذي حضره أبرز مؤسسيها بيل غيتس.

    * الأناضول/ وكالات

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ترامب: جميع مصنعي الهواتف الذكية سيخضعون لرسوم ال25%

    أوضح دونالد ترامب الجمعة أن الرسوم الجمركية بنسبة 25 في المئة ستطبق على جميع الشركات التي تبيع في الولايات المتحدة هواتف ذكية يتم صنعها في الخارج، وذلك بعد بضع ساعات من توجيهه تهديدا حصريا إلى شركة آبل.

    وقال الرئيس الأميركي للصحافيين في البيت الأبيض إن هذا الاجراء “سيشمل أيضا (شركة) سامسونغ وجميع من يصنعون هذا المنتج”.

    ولفت الى أن القرار سيدخل حيز التنفيذ “في نهاية يونيو”، مؤكدا أن عدم تطبيقه “لن يكون أمرا منصفا”.

    The post ترامب: جميع مصنعي الهواتف الذكية سيخضعون لرسوم ال25% first appeared on ihata – إحاطة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نور الدين امرابط بالوداد الرياضي للمشاركة في مونديال الاندية

    جريدة البديل السياسي – مروان الهبري

    تعاقد نادي الوداد الرياضي مع الدولي المغربي السابق نور الدين أمرابط، من أجل تعزيز صفوف الفريق خلال مشاركته في كأس العالم للأندية 2025، التي ستُقام بالولايات المتحدة الأمريكية.

    وجاء تعاقد الوداد مع نورالدين امرابط للإستلادة من خبرته في هذه المسابقة الدولية. وسنعود لكافة التفاصيل عن هذا العقد.

    The post نور الدين امرابط بالوداد الرياضي للمشاركة في مونديال الاندية appeared first on جريدة البديل السياسي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أحكام تصل إلى السجن 3 سنوات مع النفاذ لسارقي مجوهرات كيم كارداشيان

    أ.ف.ب

    حكم على المتهمين بسرقة مجوهرات بملايين الدولارات من نجمة هوليوود كيم كارداشيان عام 2016 بالسجن ثلاث سنوات.

    والمدانون الذين مثلوا أمام محكمة الجنايات في باريس منذ أواخر أبريل، هم تسعة رجال وامرأة واحدة.

    وكانت النيابة العامة طالبت، الأربعاء، بالحكم على العقل المدبر للعملية، عمار آيت خداش بالسجن 10 سنوات، لدوره في تنظيم عملية السطو المسلح على نجمة تلفزيون الواقع الأمريكية.

    كما اعتبرت النيابة جميع المتهمين في القضية “مذنبين”.

    The post أحكام تصل إلى السجن 3 سنوات مع النفاذ لسارقي مجوهرات كيم كارداشيان first appeared on ihata – إحاطة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مايكروسوفت تحظر رسائل بريد إلكتروني تحتوي على كلمة “فلسطين”

    بدأت شركة مايكروسوفت الأمريكية منع رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالشركة التي تحتوي على كلمات مثل “فلسطين” و”غزة” و”إبادة جماعية” من الوصول إلى المستلمين.

    ووفقا لموقع “ذا فيرج” (The Verge) الأمريكي التقني، الخميس، لاحظ موظفو شركة مايكروسوفت أن بعض رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم لم تصل إلى المستلمين.

    وعقب ذلك، راجع الموظفون رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلوها واكتشفوا أن مايكروسوفت قامت بحظر رسائل البريد الإلكتروني التي تحوي كلمات مثل “فلسطين” و”غزة” و”الإبادة الجماعية” من إرسالها إلى المستلمين داخل الشركة وخارجها.

    من ناحية أخرى، أكدت مايكروسوفت أنها طبقت مثل هذه الممارسة لتقليل “رسائل البريد الإلكتروني السياسية” داخل الشركة.

    ومنتصف مايو/ أيار الجاري، أكدت إدارة مايكروسوفت في بيان، أنها توفر خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الإسرائيلية، لكنها ادعت عدم وجود أي دليل على أن هذه التقنيات تُستخدم لإلحاق الأذى بالمدنيين.

    وكشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أوائل عام 2025 أن نماذج الذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت وOpenAI تم استخدامها كجزء من برنامج عسكري إسرائيلي لاختيار أهداف القصف في غزة ولبنان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « اتصالات المغرب » و »وانا » يُشعران الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بإحداث شركتين مشتركتين

    أعلنت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات عن تلقيها إشعار ا بخصوص مشروع تركيز يتمثل في إحداث شركتين مشتركتين، هما « FiberCo » و »TowerCo »، من قبل « اتصالات المغرب » (IAM) و »وانا كوربوريت » (Wana)، بهدف تجميع الاستثمارات في قطاع الاتصالات، وتحديدا في أسواق البنية التحتية للاتصالات (البصرية والمتنقلة).

    ويشير بلاغ الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات إلى أن المشروع يتمثل في نشر بنى تحتية سلبية جديدة لشبكات الألياف البصرية حتى المشتركين (FiberCo)، بالإضافة إلى بنى تحتية سلبية جديدة لاستضافة معدات الهاتف المحمول التابعة للفاعلين في الاتصالات (TowerCo).

    ويضيف البلاغ أن FiberCo، التي ستملك مناصفة بين شركة « وانا » (Wana) وشركة « اتصالات المغرب » (IAM)، ستتولى اقامة بنى تحتية سلبية جديدة في المغرب. وتهدف هذه البنى التحتية إلى إتاحة تثبيت شبكات الألياف البصرية « الألياف إلى المنزل » (Fiber to the Home) وصولا إلى المشتركين، بالإضافة إلى توفير الوصول غير السلبي إلى هذه البنى التحتية.

    أما TowerCo، والتي ستكون مملوكة أيضا بنسبة 50% لشركة « وانا » (Wana) و50% لشركة « اتصالات المغرب » (IAM)، فستتولى اقامة بنى تحتية سلبية جديدة في المغرب. وستمك ن هذه البنى التحتية من استيعاب معدات الهاتف المحمول وتوفير الوصول السلبي إلى هذه البنى التحتية.

    وسوف تشارك أيضا في إعادة بناء البنية التحتية الحالية للطرفين عندما تكون هناك حاجة إلى استبدال الأبراج الحالية.

    وتعد شركة اتصالات المغرب (IAM) شركة مجهولة الاسم ذات مجلس إدارة جماعية وذات مجلس رقابة، رأسمالها الاجتماعي 5.274.572.040 درهم، خاضـعة لقانون المملكة المغربية، مسجلة بالسجل التجاري بالربـاط تحت رقم ،48947 الكائن مقرها الاجتماعي بشارع النخيل، حي الريـاض، الربـاط، المغرب. IAM هي شركة اتصالات تملك عدة تراخيص اتصالات تسمح لها بتقـديم خـدمات ثابتة ومتنقلة في المغرب.

    أما فيما يخص شركة وانا، فهي شركة مساهمة، رأسمالها الاجتماعي 5.857.302.900 درهم، خاضـعة لقانون المملكة المغربية، مسجلة بالسجل التجاري بالدار البيضـاء تحت رقم ،99907 الكائن مقرها الاجتماعي بشارع محمد بن عبد الله، المركز التجاري مارينا المغرب.Wana هي شركة اتصالات تملك عدة تراخيص اتصالات تسمح لها بتقـديم خـدمات ثابتة و متنقلة في المغرب.

    وتعلن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) أن الأطراف المعنية مدعوة لتقديم ملاحظاتها في أجل أقصاه يوم الجمعة 30 ماي 2025 على الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال عبر الإيداع الإلكتروني على العنوان التالي: concentration-economique@anrt. ma . أو عبر ظرف مغلق موجه إلى المدير العام للوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، ويتم إيداعه بمقر الوكالة (الطابق الرابع) الكائن بمركب الأعمال، شارع الرياض، حي الرياض، الرباط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من القول إلى النقر: تحولات التنشئة في ظل الذكاء الاصطناعي

    كحلي كمال

    مع الزخم المتسارع الذي تشهده حياتنا اليومية بفعل التكنولوجيا، أصبح من الصعب تجاهل الحضور الفاعل للتطبيقات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأمر مقتصرًا على استخدام عابر، بل أصبحنا نعيش في بيئة رقمية على الدوام، نحتك بها صباح مساء، بل أصبحت عند العديد منا أسلوب حياة.

    هذا “المرور الناعم” نحو الرقمنة العميقة، لم يأتِ بإنذار معلوم، بل تسلّل بهدوء إلى تفاصيلنا اليومية، حتى أصبح طبيعيًا أن نطلب من روبوت نصي أن يكتب، ومن تطبيق ذكي أن يقترح، ومن خوارزمية أن تنتقي لنا ما نقرأ ونشاهد. وفي مقابل هذا التحوّل، يظهر شعور خفي – وأحيانًا واضح – بأن شيئًا ما يتغيّر داخلنا: في أنماط التنشئة، في شكل العلاقات، وفي طريقة بناء الوعي، نحن لم نعتد على هذا النمط في العهد القريب، حين كان الذكاء الاصطناعي مفهومًا نظريًا، وكانت الرقمنة متواضعة ومحدودة في آثارها.

    وفي محاولة لفهم هذا التحول الرقمي وتأثيره على التنشئة والسلوك، سبق وأن كتبت عدة مقالات تناولت جوانب مختلفة من الموضوع، منها:

    التحول الرقمي ورهان القيم، الذي يتناول البُعد القيمي والاجتماعي في استخدام التكنولوجيا الحديثة؛ ذكاء ChatGPT وخوارزميات العقل الإنساني، حيث استعرضت مفاهيم الذكاء الإصطناعي وطرق اشتغاله وبعض فاعليه؛ الفضاء الرقمي بين التفاهة والمسؤولية ورهان المعالجة، الذي يطرح تساؤلات حول أثر المحتوى الرقمي على وعي الأفراد والمجتمعات؛ نحو تنظيم دولي متكامل للذكاء الاصطناعي: الاتحاد الأوروبي يضع الأسس القانونية الجديدة، الذي يستعرض الإطار القانوني الجديد للذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي، مع التركيز على قانون الاتحاد الأوروبي.

    إن التطرق لهذه المفاهيم والمستجدات القانونية، وفهم أثر المحتوى الرقمي، ومع استمرار الرصد والتفكير، جعلني أنتبه إلى دور التقنيات التكنولوجية نفسها ومحاولة ملامسة أثرها المباشر في تشكيل سلوكياتنا وأنماط تفكيرنا، وهنا تبرز أهمية نظرية الإعلامي والفيلسوف مارشال ماكلوهان، الذي عرف الوسيط في كتابه Understanding Media (1964) بأنه “امتداد للإنسان” (The medium is an extension of man)، مؤكدًا أن الوسيط ليس مجرد قناة لنقل المعلومات، بل أداة تغير طريقة تفاعلنا مع العالم وتنظيم حياتنا. ومن أشهر مقولاته أيضًا: “الوسيط هو الرسالة” (The medium is the message)، أي أن طبيعة الوسيط نفسه تؤثر على المجتمعات والوعي الإنساني بنفس قدر أو أكثر من تأثير المحتوى الذي ينقله.

    لقد شهدت المجتمعات والأفراد عبر الزمن تغيرات متتالية في سياق سيرورتها، تتداخل فيها الوسائط التقنية والتكنولوجية التي شكلت بيئات فكرية وسلوكية جديدة، فالوسائط التكنولوجية، من الكتابة إلى الطباعة ثم الآلة البخارية ووسائل الإعلام الحديثة والبيئة الرقمية اليوم، لا تنقل فقط المعلومات، بل تعيد تشكيل الطريقة التي نفكر ونتصرف بها. وهذا التوجه يدعم فكرة أن الذكاء الاصطناعي والبيئة الرقمية المعاصرة ليست مجرد أدوات، بل عوامل تغيّر عميقة في تكوين الإنسان الحديث.

    بدايةً من اختراع الكتابة بدل الشفاهة التي مهدت لنقل المعرفة عبر الأجيال، مرورًا بظهور الطباعة (ثورة غوتنبرغ) التي وسعت انتشار المعرفة بشكل غير مسبوق، فخلقت ثورة معرفية وأدت إلى تغيير في أنماط التعلم.

    ثم جاءت الثورة الصناعية مع اختراع الآلة البخارية، والتي لم تكن مجرد أداة جديدة، بل كما يشير مارشال ماكلوهان، غيّرت جذريًا “البيئة” التي يعيش فيها الإنسان، وليس فقط آلية الإنتاج. فالآلة البخارية أعادت تنظيم العمل، المكان، والزمن: فقبلها كانت الحياة مرتبطة بالمكان والزمن الطبيعي كالحياة الزراعية والعيش في القرى، لكن مع ظهورها صار بالإمكان العمل في المصانع داخل المدن، وانتقلت المجتمعات من نمط زراعي إلى صناعي. أصبح الوقت مرتبطًا بجدول المصنع، وانتقلت العلاقات الاجتماعية إلى شكل جديد مع ظهور المدن الكبرى وزيادة التنقل، مما أدى إلى تحولات عميقة في تفكير الإنسان وسلوكه.

    مع تقدم الزمن، دخلت المجتمعات في عصر الصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية، مثل التلفاز، التي صنعت بيئة إعلامية جديدة تركز على البث الجماعي للمحتوى، مما أثر في تشكيل الرأي العام والهوية الثقافية، لكنه في الوقت ذاته أعاد الإنسان إلى حالة تلقي سلبي أكثر، معتمدًا على سرديات وأطر إعلامية محددة.

    وفي العقد الأخير من القرن العشرين، انطلق عصر الإنترنت، الذي قلب هذه الديناميكيات رأسًا على عقب، ليخلق بيئة تواصلية تفاعلية تمكّن الإنسان من أن يصبح مشاركًا فاعلًا في خلق المحتوى وتبادله. لكن، كما يوضح نيكولاس كار في كتابه السطحيون، فإن هذا التحول الرقمي لم يأتِ دون ثمن؛ إذ أدى إلى إضعاف القدرة على التركيز والتأمل العميق، وانتشار سلوكيات القراءة السريعة والمشتتة، مما يعكس تأثير الوسيط الرقمي على بنية التفكير والسلوك الفردي والجماعي.

    يمكننا إذًا أن نرى كيف أن كل وسيط من هذه الوسائط، من الكتابة مرورًا بالآلة البخارية والطباعة وصولًا إلى الإنترنت، لم يكن مجرد أداة، بل كان بمثابة قوة تغييرية تؤثر في وعينا وسلوكنا. وفي ظل البيئة الرقمية الحديثة والذكاء الاصطناعي، تستمر هذه السيرورة التاريخية، حيث تتحول الوسائط إلى فاعلين ذكيين يوجّهون خياراتنا ويعيدون تشكيل التنشئة الاجتماعية، مما يجعلنا أمام تحدٍ كبير لفهم كيف يُعاد تشكيل الإنسان في هذا العالم المتغير.

    لقد أصبحت التنشئة، التي طالما ارتبطت بالأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية، تُعاد اليوم برمجتها في بيئة رقمية تهيمن عليها الخوارزميات والمنصات الذكية.

    فالأطفال، الذين كانوا يتلقّون القيم والتمثلات من الكبار عبر الحكي المباشر والتفاعل الحي، صاروا يكوّنون وعيهم اليومي من تطبيقات وتسجيلات مرئية قصيرة، ويعيدون تشكيل تصوراتهم من خلال محتوى مختار مسبقًا لا يعبّر بالضرورة عن الواقع، بل عن ما تريده الخوارزميات أن يُرى ويُستهلك. وفي هذا السياق، يلفت الكاتب الأمريكي نيكولاس كار (Nicholas Carr)، في كتابه “السطحيون: ما الذي يفعله الإنترنت بأدمغتنا؟” (The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains, 2010)، إلى أن الإنترنت لا يغير فقط ماذا نعرف، بل كيف نعرف، وأن “الدماغ يعيد تشكيل نفسه بناءً على الأدوات التي يستخدمها”، حيث تؤدي بيئة الشاشات إلى نمط من التفكير المتقطع، والقراءة السطحية، والاستجابة السريعة، مقابل تراجع التفكير التأملي والربط المعرفي العميق.

    هذا التحول امتدّ ليطال العلاقات الأسرية والاجتماعية، إذ أصبحت المنصات الرقمية تلعب دور “البيت الرمزي الجديد”، حيث يجتمع الأفراد تحت سقف واحد، لكن كلٌّ في عزلة رقمية تامة، يتفاعل مع عالمه الخاص، ويُدير حواراته من خلف الشاشة. وقد استُبدلت طقوس التواصل المباشر بعادات رقمية جديدة كالإعجاب والمشاركة والتعليق السريع، وهي مظاهر تفاعلية تفتقر إلى العمق الوجداني، وتُفكك روابط الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة. التحول الرقمي ورهان القيم

    كما أصبحت منصات الألعاب الإلكترونية ساحة اللعب الرئيسية بين الإخوة وأبناء العائلة، لكنها تُمارَس في غرف منفصلة، في حالة من الانزواء الرقمي، حيث يعيشون لحظات من التوتر أو الفرح الافتراضي، ويتأثرون بانفعالات مستمدة من شخصيات رمزية (avatars)، في الوقت الذي يملكون فيه علاقات واقعية أغنى وأقرب، لكنها تُهمل لصالح فضاءات خيالية لا تتجاوز حدود الشاشة.

    وإلى جانب ذلك، ظهرت ظاهرة اليقظة الرقمية الدائمة، حيث أصبح الأفراد – صغارًا وكبارًا – يعيشون في حالة تأهّب مستمر، يتجاوبون تلقائيًا مع رنّات التطبيقات وإشعارات الأجهزة، كما لو أن حدثًا مهمًا بانتظارهم دائمًا. يشير نيكولاس كار في كتابه إلى أن هذه الحالة من التشتت والانتباه الجزئي الدائم تُعيد تشكيل أدمغتنا لتكون مهيّأة للرد السريع، لا للتفكير العميق، ويقول “لقد أصبحنا نعيش اللحظة لا كما نختارها، بل كما تفرضها علينا الخوارزميات” فبدل أن تكون التكنولوجيا وسيلة للتحكم، أصبحت في كثير من الأحيان من يتحكم في الإيقاع النفسي والاجتماعي لحياتنا اليومية.

    لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية في خلفية المشهد الرقمي، بل أصبح فاعلًا مباشرًا ومؤثرًا في تشكيل الوعي والسلوك والتنشئة. فالخوارزميات اليوم لا تنتظر أن نطلب، بل تقترح وتوجّه وتُفلتر العالم من حولنا وفقًا لأنماط الاستخدام والتفضيلات السابقة. أصبحنا نقرأ ما يُقترَح، لا ما نختار، ونشاهد ما يُدفع لنا على الصفحات الأولى، لا ما نبحث عنه بعمق، وكأن الذكاء الاصطناعي بات يمسك بخيوط اهتماماتنا ويعيد هندستها في كل تفاعل.

    تطبيقات مثل ChatGPT أو محركات التوصية في يوتيوب ونتفليكس وفيسبوك وغيرها، لم تعد تقدم لنا مجرد محتوى، بل تصمم محيطًا معرفيًا وشعوريًا كاملاً نعيش داخله، بل وتُطوّع تنشئتنا نفسها من خلال ما تعرضه وتخفيه، ما تعزّزه وما تهمّشه. لقد تحوّلت هذه الوسائط من مجرد ناقل محايد إلى شريك في التربية والتأطير والتمثُّل.

    وكما أشار نيكولاس كار في كتابه “السطحيون: ما الذي يفعله الإنترنت بأدمغتنا؟” (The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains, 2010):

    “نحن نسمح لأنفسنا بأن نُقاد عبر مسارات اختارتها لنا شبكات ذكية، ونظن أننا نمارس الحرية، في حين أننا ننجرف داخل تيار تفاعلي لا نملك التحكم الحقيقي في اتجاهه.”

    في البيئة الرقمية المعاصرة، لم تعد التنشئة الاجتماعية تُمارَس في الفضاء الواقعي وحده، بل انتقلت تدريجيًا إلى فضاءات افتراضية تؤطرها الخوارزميات وتُفعّلها أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل السلوك وتوجيه الانتباه. تعتمد المنصات الكبرى – مثل يوتيوب، تيك توك، إنستغرام، وتطبيقات الألعاب الجماعية – على خوارزميات التوصية (Recommendation Algorithms) التي تُعيد ترتيب المحتوى بناءً على تفضيلات المستخدم، وتُنتج بذلك بيئة رقمية تُمارس فيها التنشئة بشكل غير مرئي لكنه فعّال.

    وتتغذى هذه الخوارزميات على تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analysis)، حيث تُجمع ملايين المعطيات من التفاعل، الوقت المستغرق، الكلمات المفتاحية، وأنماط السلوك، ليُعاد صياغة التجربة الرقمية بطريقة شخصية، تُوجّه كل فرد بحسب بصمته الرقمية الخاصة.

    في هذا السياق، أصبحت المجموعات الرقمية فضاءات جديدة للانتماء، يعيد من خلالها الأفراد – خصوصًا الأطفال والشباب – بناء ذواتهم داخل دوائر تفاعلية تُحدّد فيها القيم والتمثّلات عبر أنظمة التحفيز والتقدير، مثل: الجوائز الرقمية (Badges)، نقاط الإنجاز (XP – Experience Points)، تصنيفات الأداء (Leaderboards)،العملات الافتراضية (Virtual Currencies)، المهام اليومية أو التحديات المتكررة (Daily Quests)، كما نراها في بيئات ألعاب شهيرة مثل Roblox وFortnite، حيث يُكافأ المستخدم على الاستمرارية والمشاركة، ما يعزز الاعتياد والانخراط العاطفي والسلوكي في المحيط الرقمي، بل إن “الأفاتار” (Avatar) – أي الشخصية الرقمية التمثيلية التي يختارها المستخدم – باتت تُعبّر عن هويته الرقمية أكثر مما تعكس واقعه المادي، بما تحمله من رموز وحركات وأزياء مخصصة تعبّر عن الشخصية المختارة.

    تُيسّر هذه المنصات أيضًا الانخراط من خلال الدعم اللغوي التلقائي، وخيارات التفاعل متعدد الوسائط، سواء عبر الكتابة أو الصوت أو الرموز التعبيرية، ما يُقلل من الحواجز المعرفية، ويفتح المجال أمام فئات عمرية ولغوية متعددة للمشاركة النشطة. كما أن انتشار تقنيات تحويل الصوت إلى نص (Speech-to-Text)، أو العكس، أسهم في تعميق حالة الحضور الرقمي المتواصل، واليقظة شبه الدائمة.

    وبذلك، لم تعد الوسائط الرقمية مجرد أدوات، بل أصبحت بيئات تربوية ذكية، تنشئ مستخدميها عبر أنظمة تحفيز رقمية دقيقة، وسلاسل تغذية راجعة فورية، وتصميمات تكنولوجية تهدف إلى الاندماج المستمر والبقاء المطوّل، مما يجعلها شريكًا خفيًا لكن مؤثرًا في عملية التنشئة الاجتماعية في عصرنا الحالي.

    إن ما طُرح في هذا المقال لا يُمثّل موقفًا رافضا للرقمنة والذكاء الاصطناعي، ولا هو انتقاص من المستجدات التكنولوجية التي شكّلت جزءًا جوهريًا من تحولات هذا العصر، بل هو محاولة لفهم التحولات ودور الفاعل الرقمي فيها. فالبيئة الرقمية، بما تحمله من إمكانيات هائلة، ليست كيانًا منفصلًا عن الإنسان، بل هي امتداد طبيعي لإبداعه ورغبته في التطوير، كما أشار المفكر الكندي مارشال ماكلوهان حين اعتبر أن “الوسيط هو الرسالة”، وأن الوسائط ليست مجرد أدوات ناقلة، بل قوى فاعلة تُعيد تشكيل إدراكنا للعالم وتنظيم حياتنا.

    لكن هذا الامتداد لا يجب أن يتم في ظل سيولة رقمية وفي بيئة رقمية سائلة (مصطلح سيولة وماتحمله من معنى عند الفيلسوف زيغمونت باومان)، حيث كل شيء يتبدّل بسرعة، وتفتقد العلاقات والقيم والتنشئة لمرجعياتها الثابتة. بل ينبغي أن يكون بمنطق الانخراط الواعي والمسؤول والحر، الذي يُدرك أن الحفاظ على الطابع الإنساني في خضم الذكاء الاصطناعي يتطلب استحضار العقل، وحماية القيم، وضمان الحق في التأمل، والتفاعل الإنساني الحقيقي.

    وهذا ما يفرض علينا جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، أن نعيد التفكير في علاقتنا بالوسائط الجديدة، لا من أجل التراجع عنها، بل من أجل تفعيلها بما يخدم كرامة الإنسان ورفاهه، ويضمن للأجيال الحالية والمقبلة حقها في العيش الكريم داخل عالم لا تفقد فيه هويتها ولا تُعطّل فيه إنسانيتها،

    وذلك عبر الرصد والتفسير، والتدخل بالتوجيه، والتربية، والتثقيف، من أجل الحماية والاستثمار الأمثل، مع إبراز القدوة الرقمية الواعية، التي تستطيع أن توازن بين التقنية والإنسان، بين المعاصرة والوعي، وبين الذكاء الاصطناعي والحكمة البشرية.

    * إستشاري ومكون في الرقمنة والذكاء الإصطناعي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بايتاس: إصلاح المقاصة يمول جزءا من ورش الحماية الاجتماعية (فيديو)

    أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن إصلاح صندوق المقاصة يعد أحد المصادر الأساسية لتمويل ورش الحماية الاجتماعية، وذلك وفقا لما ينص عليه القانون الإطار09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية.

    وقال بايتاس، خلال ندوة صحفية أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، الخميس، إن جزءا من موارد ورش الحماية الاجتماعية يأتي من “المتأتيات العائدة من إصلاح صندوق المقاصة”.

    وشدد المسؤول الحكومي، على أن الحكومة تواصل الإعلان عن الإجراءات الجديدة المرتبطة بهذا الإصلاح كلما تم اتخاذ خطوات إضافية.

    The post بايتاس: إصلاح المقاصة يمول جزءا من ورش الحماية الاجتماعية (فيديو) first appeared on…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار مع لحسن ابن عزيزة :أردت أن أثبت أنني أستطيع أن أكتب بلغة إنجليزية كالناطقين بها

    عقد رشيد التومي وخديجة بلحياح لقاء حواريا مع الكاتب لحسن ابن عزيزة. وفي حواره مع الأستاذين الباحثين، تحدث الأستاذ الجامعي عن مساره الأكاديمي وتجربته الجامعية داخل وخارج المملكة. ويأتي هذا الحوار، الذي احتضنته جامعة ابن زهر بأكادير، خلال شهر ماي الجاري، بمناسبة إصدار ابن عزيزة لرواية باللغة الإنجليزية عن دار النشر إفريقيا الشرق تحت عنوان الحياة الرائعة لمسافر دائم .(The Splendid Life of a Frequent Traveller)

    خديجة بلحياح: لماذا اخترت الكتابة الروائية باللغة الإنجليزية، مع العلم أنه سبق لك نشر دراستين نقديتين باللغتين العربية والفرنسية؟

    فعلا لدي بعض التجربة مع اللغتين وبعض المعرفة في الأدب العربي وخصوصا الفرنسي الذي كنت من عشاقه وعندي ما يكفي من الدراية بكلاسيكياته. لكن، بحكم دراستي بكندا الأنكلوفونية على مستوى الماجستير والدكتوراه وكذا اشتغالي بتدريس الأدب الإنجليزي بالجامعة الكندية ثم المغربية، تفرغت للأدب الإنجليزي وتعمقت فيه واكتسبت أدواته النقدية والروائية. وبحكم تخصصي فكرة كتابة رواية باللغة الإنجليزية كانت تراودني منذ زمان، وبدأت كتابة روايتي باللغة الإنجليزية في البداية فقط كتمرين لغوي باللغة التي درست بها. وواصلت الكتابة عندما بدأت تتدفق، بدون اكتراث بأبعاد الكتابة بلغة غير اللغة الأم الثقافية والإيديولوجية… ولا أخفي أنني عندما حسمت مسألة اللغة أردت أن أكتب بلغة إنجليزية كالناطقين بها، لأثبت، وبكل غرور، أنني، كمغربي، أستطيع أن أكتب رواية بلغتي الثالثة بجودة لغوية عالية. لكني، في الوقت ذاته، كنت حريصا على أن يلمس القارئ أن هذه الرواية مكتوبة من طرف روائي مغربي، نظرًا لاستعمال صيغ وتداخلات لغوية من الدارجة المغربية.

    ما حسم اختيار لغة الكتابة هو أنني لحسن الحظ تتلمذتُ على يد أحد رواد النقد الأدبي جون فريزر (John Fraser) الذي كان يعتمد مقاربة جمالية استطيقية للعمل الإبداعي، وتعلمت منه أحسن درس في الذوق الأدبي. كان فريزر أحيانا يقدم لنا، في درسه النقدي الممتع المتذوق للأدب، مقطعين من نصين أدبيين حول التيمة نفسها (تيمة الحب مثلا)، مبقيا على اسمي كاتبيهما مجهولين حتى نهاية التمرين. كان المطلوب من الطالب أن يتفحص النصين ويقوم بإصدار حكم نقدي تقييمي لهما، تمرين يستهدف مهارة تطوير الذوق النقدي الأدبي لدى المتعلم لتعزيز قدرته على التمييز بين الكتابة الراقية والكتابة الأقل جودة فنيا. لذلك، فقد امتلكت أدوات الكتابة بهذه اللغة أكثر من غيرها، ولهذا كان من البديهي أن أكتب بها. للأسف، في المغرب، الذوق الأدبي مهمل في الدراسات الأدبية، إذ تعتمد عامة على التيمات. أما الطالب فلا يمتلك القدرة على الإدلاء بأسباب استطيقية معقولة للتقييم وإبداء رأي سلبي أو إيجابي تجاه النص الأدبي.

     

    رشيد التومي: لك مسار نقدي مشرف بكتابات نقدية مهمة مكتوبة بثلاث لغات وتعتبر روايتك الحياة الرائعة لمسافر دائم أول تجربة روائية لك. هل يمكن أن تحدثنا أكثر عن هذا الانتقال من الكتابة النقدية إلى الكتابة الإبداعية؟

     

    أفتخر بأعمالي النقدية رغم تواضعها وأفتخر أيضا بقدرتي على الكتابة بثلاث لغات، لكن افتخاري بروايتي التي كتبت أكبر (يضحك). مرة أخرى، كتابة الرواية كانت هاجسا لازمني طوال مساري الأكاديمي. وبشهادة لجنة مناقشة أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه في كندا، ما يميز رسالتي هو الجانب الإبداعي. فأطروحتي، التي تتناول تأثير كتاب ألف ليلة وليلة على الروائي الأمريكي ما بعد الحداثي جون بارث تدور، كلها حول مفهوم الحكي وأبعاده الجمالية والفلسفية (Storytelling). الكتابة الروائية مغامرة عظيمة وطريقها شائك، بل ومخاض عسير يواجه فيه الكاتب الكثير من المعاناة والألم. فعلى خلاف الدراسات النقدية التي كانت عامة لا تسبب لي الكثير من القلق لأن نسقها معروف ومنهجيتها تكون واضحة منذ البداية، فمع الرواية كنت أعيش القلق يوميا. علاوة على هذا، تبقى التجربة الإبداعية إنسانية مليئة بالتحديات، فمثلا حدث لي أن اضطررتُ إلى حذف عدة صفحات من مسودة روايتي، رغم أنني كنت أمضيتُ وقتًا غير هيّن في كتابتها، لأنها لم تكن تتوافق مع توجه السرد وبالتالي كان من شأنها أن تخلق تناقضا في بناء الرواية وسردها. لهذا زاد احترامي للكتاب وفهمت ما كان يقاسيه بعض الروائيين مثل غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert) الذي كان معروفا بالدقة في اختيار الألفاظ حيث كان سعيه للعثور على الكلمة الصائبة (Le mot juste) والكمال اللغوي يأخذ منه الوقت الكثير. وتفهمت، أيضا، كيف عاش إرنست همينغوي (Ernest Hemingway)مخاض وألم الكتابة الإبداعية. التجربة الإبداعية إنسانية عميقة ومعقدة، وأيضا عجيبة وغريبة، تتداخل فيها عواطف متعددة ومتناقضة. فبقدر ما كنت، في مرحلة من كتابتي، أمر بأوقات عصيبة، كنت أيضا أعيش حالة انتشاء خصوصا بعد كتابة مقطع يعجبني. وفي بعض الأحيان كانت تسكنني شخصية أيوب، الشخصية الرئيسة في الرواية، لدرجة أنني كنت أتعاطف مع محنه في الحياة ومساره لدرجة البكاء.

     

     

    خديجة بلحياح: تشكل بنسليمان إطارًا مكانيًا مهمًا في روايتك، أرجو توضيح هذا الاختيار.

     

    في الحقيقة هناك مكانان مهمان في الرواية: بنسليمان في المغرب وهاليفاكس (Halifax) في كندا، وهناك أماكن أخرى تمثل مراحل في شخصية أيوب، لكن ليست لها الأهمية نفسها. بنسليمان هي المدينة التي ترعرعت فيها وقضيتُ فيها طفولتي ومرحلة مهمة من شبابي. عشتُ فيها الحلو والمر، أوقات السعادة وأوقات التعاسة والمعاناة. ورغم هذه المعاناة، تربطني بها علاقة وطيدة، وأشعر بأنها علاقة حب وكراهية .(a love-hate relationship) ولا أنكر أن الحنين يشدني إليها دوما، باعتبارها مدينة والديّ وعائلتي ونشأتي وصداقاتي، التي كانت من أعمق وأجمل الصداقات في حياتي. أهم من هذا أن بنسليمان هي، كذلك، المدينة التي تعرفت فيها على أستاذتي جوزيت بيد كارات . (Josette Bédécarrats) كان لهذه الأستاذة أثر مهم في حياتي وشخصيتي، حيث كانت مدخلي إلى عالم الأدب، ومن أجمل الأوقات التي قضيتها في طفولتي تلك الأوقات التي كانت جوزيت، رحمها الله، تستضيفني وأصدقائي في منزلها لقراءة الكتب، وكانت تحفزنا على فعل القراءة بالشوكولاته، حتى أنني أصبتُ بفيروس القراءة حتى عندما انقطع التحفيز. كنا نستمع في تلك البحبوحة الدافئة إلى الموسيقى الفرنسية، وخصوصًا رواد الأغنية الفرنسية الأصيلة (La Vieille chanson française) مثل إديث بياف (Edith Piaf)، مولودجي (Mouloudji)، جاك بريل (Jacques Brel) ، جورج براسنس (George Brassens)، سيرج ريجياني (Serge Reggiani)، باربرا (Barbara)، جون فيرا (Jean Ferrat) ، بالإضافة إلى أمريكيين مثل بوب ديلن (Bob Dylan) وجون باييز(Joan Baez) وبيلي هوليداي (Billie Holiday) وآخرين . لكل هذه الأسباب أنا سعيد، رغم المعاناة، بأن تكون بنسليمان إطارًا مكانيًا أساسيًا في روايتي.

    ذ. رشيد التومي: في هذا السياق تحدثتم عن بنسليمان كإطار مكاني مهم في الرواية وعن تجربة أيوب بهذا الفضاء. أشرتم، كذلك، إلى أهمية كندا في هذا السياق. وأنتم تكتبون من موقع «الآخر»، ماذا تمثل كندا وشيريل بالنسبة لبطل الرواية أيوب، وما طبيعة العلاقة التي رسمتها روايتك للغرب والشرق وهل هذا التمثل متفائل أو متشائم؟ بعبارة أخرى هل هناكطبقا لمنطق ورؤية روايتكإمكانية التقارب بين الغرب والشرق؟ يبدو لي أن الرواية منقسمة حول ذاتها في ما يخص تجسيد العلاقة بين الغرب والشرق. من جهة هناك الوعي بالإرث الاستعماري ومن جهة أخرى هناك إمكانية بناء هوية جديدة للعلاقة بين الغرب والشرق في فترة ما بعد الاستعمار.

     

    حسنًا، سبب التوظيف المكاني واضح، أليس كذلك؟ الفضاء في الرواية مزدوج، كما سبق أن قلت لزميلتك. لديك بنسليمان والمطار من هذه الجهة من المحيط الأطلسي ولديك هاليفاكس وجامعة دالهاوزي وكندا بشكل عام كفضاء من الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي. والمضامين هنا مهمة. من منظور الغيرية كما نظر لها إدوارد سعيد، إنه الفرق بين «نحن» و«هم»، إنها الفجوة بين الثقافة الشرقية والغربية، الفجوة بين القيم الشرقية والغربية وهكذا دواليك. لذا فإن نسج هذا النوع من العلاقة بين أيوب، الذي يمثل الشرق نوعًا ما، وشيريل، التي تمثل الغرب بطريقة ما، هو وسيلة لتجسيد جميع القضايا المتعلقة بالاختلاف بين الثقافات. لقد سمح لي بالتحدث عن وتطوير تلك القضايا، خاصة تلك المتعلقة بالاستشراق وقضايا ما بعد الكولونيالية.. تحدثت عن الوضع الراهن، ما الجيد وما السيئ فيه، الديناميات بين الشرق والغرب بجانبيها الجيد والسيئ. ركزت الرواية على كيفية استرداد أيوب لإرادته وسيادته كمستَعمَر سابق، لكن لا تنسَ أنه، في كل هذا، توفي كل من ممثل الشرق والغرب، أيوب وشيريل، في نهاية الرواية. وبقدر أن الاثنين توفيا في نهاية المطاف فالرؤية للعلاقة بين الغرب والشرق متشائمة إلى حد ما. من ناحية ثانية يمكنك، أيضًا، أن تقول إنه بقدرما أن الرواية التي نقرأ ليست إلا ترجمة للرواية التي كتبها أيوب بما يُعرف في ثقافتنا الشعبية بالدمياطي، وهذا هو افتراض السرد، إلى لغات أخرى مثل الإنجليزية، يمكن القول إنه انتصار «للآخر». في نهاية الرواية، يقف أيوب شامخًا على الرغم من موته الجسدي، ويقف شامخًا في مواجهته مع الغرب، حيث لم يعد ذلك الفتى الذي كان في طفولته يغير طريقه خوفا عند رؤية المُسْتَعْمِر في بنسليمان. الآن أصبحت لدى أيوب القدرة على تحليل الغرب وحتى على إصدار آرائه إن لم نقل أحكامه على الثقافة الغربية؛ إلى هذا الحد، إنه انتصار، ربما انتصار باهظ الثمن، إلا أنه انتصار رغم كل ذلك.

    خديجة بلحياح: في رأيك هل هناك إقبال من طرف القراء المغاربة على قراءة الرواية المكتوبة باللغة الإنجليزية، إذ لا يخفى عليك أن أغلبية القراء ببلدنا يقرؤون باللغتين العربية والفرنسية؟ وهل يمكن مستقبلاً الحديث عن خلق أدب إنجليزي مغربي تتوفر فيه معايير الرواية العالمية؟ وهل من الممكن، مثلا، خلق أدب إنجليزي عميق في المغرب وبالمستوى اللغوي نفسه للدول الإفريقية الناطقة باللغة الإنجليزية مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا وكينيا التي أعطت أمثال وولي سوينكا (Wole Soyinka) وشينوا أشيبي (Chinua Achebe) وج.م. كوتزي(J.M. Coetzee) وشميماندا نكوزي أديتشي (Chimamanda Ngosi Adichie)؟

     

    في الحقيقة، المسألة اللغوية في الكتابة الروائية مهمة وشائكة جدا، كما سبق أن قلت. وتبادرت إلى ذهني الآن مقولة الكاتب الجزائري كاتب ياسين—الذي يعتبر «فوكنر المغرب العربي» باللغة الفرنسية—والذي تُعد روايته نجمة ربما أهم رواية صدرت في المغرب الكبير، حيث كانت حاضرة في ذهني وضميري أثناء كتابتي لروايتي. حينما سُئل كاتب ياسين عن اختياره للكتابة بالفرنسية، وصفها بـ«غنيمة حرب» « Le Français est notre butin de guerre » يتم توظيفها واستعمالها سلاحا من نوع ما في الإبداع الأدبي. وفي هذا السياق، نعلم جميعًا أن المفكرين والمنظرين والمبدعين عموما، وفي مجال الدراسات ما بعد الكولونيالية خصوصا، استخدموا لغة المُستعمِر للرد على خطابه وتفكيكه.

    لكن، رغم كل هذا، لدي بعض التحفظ في ما يخص الكتابة باللغة الإنجليزية، ولهذا إذا أتيحت لي تجربة إبداعية ثانية ليس من المستبعد أن تكون باللغة العربية أو الفرنسية. فكُتاب الرواية بالإنجليزية بالمغرب يُعدون على رؤوس الأصابع، ونخص هنا بالذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أنور ماجد وليلى العلمي وخالد بكاوي ومهاني علوي، وفي الشعر حسن مكوار والحبيب الواعي. يتميز أسلوب هؤلاء الكتاب بجودة عالية وأنا فعلا أحترم تجاربهم، لكن عندي تحفظ في ما يخص هذا التوجه لأنني أظن، على العموم، أن الكتابة بلغة معينة تجربة حياة وتجربة لغوية نابعة من أعماق الذات منذ الطفولة. ومع كل احترامي لزملائي، يصعب في الوقت الراهن الحديث عن رواية مغربية بالإنجليزية تصل إلى مستوى الروائيين الأفارقة الأنكلوفونيين الذين ذكرتهم في سؤالك.

    هناك مشكل آخر بالدرجة نفسها من الأهمية، هو مشكل الذوق الأدبي والتقييم النقدي الاستطيقي الذي أشرت إليه سابقا بالقول إن زرع وتكوين قدرة التمييز عند الطلبة بين نص يحتوي على جمالية وآخر يفتقر إليها لا وجود له عندنا. فالتكوين، على هذا النوع من التقييم الجمالي للأعمال الإبداعية، شبه منعدم في مدارسنا وجامعاتنا. فعلى العموم تُلقن الطالبة أو الطالب بطريقة أوتوماتيكية تحليل النص وموضوعاته ونسقه وكفى، بدون أي تفاعل استطيقي مع النص أو أي اعتبار للمقاييس الجمالية أو القدرة على تحديد ما إذا كان النص يستحق القراءة في المقام الأول. لازلت أتذكر أول درس ألقيته بكلية الآداب بأكادير ورد فعل طالب في السنة الثالثة أدب إنجليزي عندما سألت القسم سؤالا بديهيا اعتدت على طرحه في بداية التطرق لأي عمل أدبي في الجامعة الكندية. كان هذا السؤال «المشؤوم» يتعلق برواية برايتن روك لجراهام جرين (Brighton Rock by .Graham Greene) سؤالي كان بكل بساطة: «هل أعجبتكم الرواية؟»، بعد صمت رهيب استجمع طالب شجاعته وقال باستياء واضح: أستاذ، لماذا هذا السؤال غير اللائق؟ فالأستاذ هو من يفرض الرواية ويشرحها لنا ونحن مطالبون بفهمها والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها يوم الامتحان وكفى. هل أعجبتنا الرواية أم لا؟ هذا لا محل له من الإعراب. حاولت بكل برودة دم أن أقنع الطالب بعدم جدارة موقفه، وتأسفت على واقع تعليمنا الذي عوّد الطالب على التخلي عن الإدلاء برأيه حتى في الأدب الذي يقرؤه.

    رشيد التومي: قمت بعمل استطيقي مثير للإعجاب على عدة مستويات في بناء نصك الإبداعي. من بين هذه المستويات الجمالية نجد «التناص» (intertextuality) الحاضر بقوة وغزارة في روايتك، بحيث يمكن أن نعتبر نسيجها الفني العنكبوتي بمثابة تكريم للأدب (homage to literature). الاقتباسات والإحالات الأدبية (citations and allusions) بروايتك المسافر الدائم، شملت لائحة طويلة من الكتاب العالمين... كل هذا في تناص دقيق مع سياقات السرد ما يمنح الرواية جمالية فنية خلاقة وعمقا أدبيا وفلسفيا.

     

    طبعا هذا ليس «استعراضا للعضلات الذهنية»، لأن أغلب الاقتباسات الأدبية المستمدة من نصوص كلاسيكية مشهورة، مثل الأرض الخراب (The Waste Land) لـ ت. س. إليوت تنير كالمصابيح أحداث الرواية. بعبارة أخرى، إن هدف توظيف هذا العنصر الجمالي في روايتي، إضافة إلى العناصر الأخرى الجمالية المتداخلة في النص كالفلاش باك(flashback) وتقنية تيار الوعي (stream of consciousness) والتقعير (mise en abyme) هو محاولة كتابة رواية مغاربية عميقة وفسيحة على غرار الروايات الملحمية، مثل عناقيد الغضب لجون شتاينبك (John Steinbeck) والأخت كاري لثيودور درايزر (Theodore Dreiser) ومائة سنة من العزلة لماركيز (Marquez)، لكنها في الوقت نفسه تتماشى مع العصر في ما يخص التقنيات السردية. حاولت أن أبدع قالبا فنيا عميقا دون الغرق في طبقاته العمودية الاستعارية على حساب التسلسل الأفقي الميتونيمي لأحداث السرد.

    رشيد التومي: كنت أفكر في انشغالك الأساسي وأنت تؤلف نصك الإبداعي. هل كان لديك انشغال معين أطر فعل الكتابة لديك؟

     

    عندما بدأت كتابة هذه الرواية، كان لدي اهتمامان. كنت أريد أن تكون الرواية سلسة بما يكفي لجذب القارئ وإبقاء انتباهه ملتصقًا بها من خلال بناء وتدفق الأحداث.. لكني، في الوقت ذاته، لم أكن أرغب في كتابة رواية تقليدية. كنت أرغب في كتابة رواية ما بعد حداثية وفي الآن نفسه ما بعد كولونيالية تتناول اهتمامات ما بعد الحداثة ومابعد الكولونيالية. أعتقد أن قضايا ما بعد الكولونيالية تسير جنبًا إلى جنب مع قضايا ما بعد الحداثة. السمة الرئيسية للرواية الما بعد الكولونيالية هي الرد على النص الكولونيالي (الكتّاب الاستعماريون، الأدب الكولونيالي الكلاسيكي والنصوص الغربية المعيارية التي تعلمناها من النصوص التي أضفى عليها نقاد ومنظرو أدب الحداثة طابعا شبه مقدس .(الأدب الحداثي، رغم عظمته، لا زال يمجد المثل الغربية على الرغم من أنها تحطمت بسبب الحروب وبسبب روح العصر الرهيبة، والتشبث بهذه المثل العليا كان من مميزات هذه الحركة الأدبية الحداثية. كان يجب الوصول إليها، كان يجب تحقيقها، وكان من الصعب تحقيقها في ذلك الزمن، إلا أنها بقيت دائما تمثل أهدافا عليا وجب تحقيقها. وهذا ما يجعل الأدب ما بعد الحداثي أكثر ملاءمة للقضايا ما بعد الكولونيالية، حيث إن الأدب ما بعد الحداثي، والرواية ما بعد الحداثية بشكل خاص، ويمكنني أن أذكر العديد من الأسماء هنا —جون بارث (John Barth)، سلمان رشدي(Salman Rushdie) ، إيتالو كالفينو(Italo Calvino) والقائمة طويلة—… هؤلاء وأمثالهم شككوا حتى في تلك المثُل العليا التي كان الحداثيون يقدسونها، ولهذا السبب قاموا بتفكيك تلك المثُل بطريقة ما، تمامًا كما قام الأدب ما بعد الاستعماري بتفكيك مثُل الأدب الاستعماري.. هذا ما أردت فعله في روايتي. وكان من أهدافي أيضا، ربما يكون هذا طموحًا كبيرًا، أن تكون روايتي تجريبية. أعني أني لست الوحيد الذي كتب الرواية التجريبية. أستاذنا عبد الله العروي كتب روايات تجريبية بالعربية، وكذلك محمد برادة وآخرون.. لكنني أعتقد أنهم كانوا منشغلين جدًا بنظرية الرواية وبالعناصر التجريبية للرواية لدرجة أنهم غرقوا في العناصر النظرية للرواية، وبطريقة ما أهملوا الحبكة وسرد القصة. أردت أن أفعل كلا الأمرين ولهذا السبب، روايتي، إلى حد ما، تُقرأ كأنها رواية واقعية وفي الوقت نفسه تعتبر رواية تجريبية. كنت أرغب، نوعًا ما، في التوفيق بين الاثنين، السرد المتسلسل الذي يذكرنا بالأدب الواقعي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأردت، في الآن ذاته، أن يكون تجريبيًا. للقارئ أن يقرر ما إذا كنت نجحت في الجمع بين الاثنين أم لا.

     

     

    رشيد التومي: قبل ختم هذا اللقاء الشيق، نود معرفة الانطباعات التي تركتها لديكم ردود أفعال قراء روايتكم وما نوع القارئ الذي كنتم تستحضرونه في ذهنكم وأنتم تؤلفون نصكم الإبداعي؟

     

    في الحقيقة لست أنا من يجب أن يتحدث عن ردود أفعال القراء تجاه الرواية. كل ما يمكنني قوله—وهذا بكثير من التواضع والامتنان—أن أصداء هذه الردود كانت إيجابية جدا، وأجد هذا بالفعل مشجعا. بطبيعة الحال كنت أستحضر في ذهني القارئ وأنا بصدد كتابة روايتي. كما أشرت الى ذلك سابقا، أردت كتابة رواية تستهدف قراء مختلفين وعدة مستويات من القراءة. فالقارئ المعتاد على حبكة بسيطة سيجدها في علاقة أيوب بشيريل (Sheryl) وحياة أيوب بالمغرب وكذلك بكندا. يسمى هذا النوع الروائي «Bildungsroman»، أي رواية التشكيل التي تركز على تكوين أو نشأة بطل القصة؛ أو «Kunstlerroman» (تكوين ونشأة الفنان) إذا اعتبرت أيوب كاتبا أي فنانا (كلمةbildung بالألمانية تعني التكوين بينما تعني كلمة kunstler الفنان). إذن القارئ الذي كنت أفكر فيه وأنا أكتب الرواية ليس بالضرورة قارئا متمرسا في قراءة الأدب بل قارئ عادي يمكن أن تثير الرواية اهتمامه ويتمكن من فعل القراءة. من جهة أخرى هناك الجانب التجريبي والتقني في الرواية الذي يستهدف الذوق الفني لقارئ معتاد على قراءة سرديات معقدة. أتمنى أن أكون تمكنت من إرضاء قراء مختلفين بخلفيات متعددة دون الحياد عن أهدافي الأدبية والنقدية.

    مؤطر:

    لحسن ابن عزيزة في سطور:

    من مواليد بنسليمان، المغرب، حاصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي (PhD) من جامعة دالهاوزي بكندا سنة 1991. درَّسَ مواد في تخصصات متعددة من الأدب الإنجليزي في كندا والمغرب في مستويات الإجازة والماجستير والدراسات العليا المعمقة والدكتوراه: الشعر، الرواية، المسرح، النقد الأدبي، الأدب الإفريقي المكتوب بالإنجليزية، الأدب الأفريقي-الأمريكي، الدراسات ما بعد الكولونيالية. من بين مؤلفاته المنشورة بالعربية والإنجليزية والفرنسية:

    • Romancing Scheherazade: John Barth and the One Thousand and One Nights (FLSH, UIZ, Agadir, 2001).
    • محاكاة جون بإرث لشهرزاد.. ألف ليلة وليلة في المتخيل الأمريكي ما بعد الحداثي

    (الأردن: كنوز المعرفة، 2017).

    • L’Influence de Jules Laforgue sur T.S. Eliot (L’Harmattan, 2021).
    • The Splendid Life of a Frequent Traveller: A Novel (Afrique Orient, 2024).

    إقرأ الخبر من مصدره