
The post تصاور للتاريخ.. منتخب جيل Z ف الدومي فينال لكأس العالم الشيلي appeared first on كود: جريدة إلكترونية مغربية شاملة..

The post تصاور للتاريخ.. منتخب جيل Z ف الدومي فينال لكأس العالم الشيلي appeared first on كود: جريدة إلكترونية مغربية شاملة..

عبد الفتاح لحجمري
أجيال بين المراتب والفراغات
هل يمكن لجيل من غير اسم أن يُعْلن عن نفسه في زمن الأسماء الجاهزة؟ وهل يكفي أن نُختصر في حرف لاتيني حتى نصبح مرئيين في عيون الآخرين؟ ماذا لو كان سِرّنا الأعمق أننا لم نتحوّل بعدُ إلى معادلة جاهزة، ولا إلى منتج ثقافي أو اجتماعي قابل للتداول، ولا إلى بندٍ في سجلات الشركات؟ ألسنا نحن الذين تعلمنا في أوراق صغيرة ما لم تُعلّمنا إياه الهواتف الذكية، عكس الذين سافروا على أجنحة الشاشة قبل أن يعرفوا جغرافيا العالم؟ وهل غياب التصنيف قيدٌ يكبّلنا، أم فسحة نكتب فيها سَرْدنا خارج القوالب التي فُرضت على سوانا؟
من غير أبجدية، ولا وَسْم
لم ينتم جيْلي قطّ إلى أي أبجدية متداولة في القواميس الإعلامية الحديثة. لسنا من “X” الغامض الذي يهْوَى الانزواء بين أسطر التاريخ، ولسنا من “Y” المتردد بين الألفية وما بعدها، ولسنا من “Z” التي صارت حديقة اصطناعية يمرح فيها خبراء التسويق وعلماء النفس الاجتماعي. نحن ببساطة جيل بلا بطاقة هوية رقمية، بلا شعار تسويقي، ومن غير وسْم جذاب على “تويتر”. نحن جيل مجهول الصفة، لكنه لا يجهل نفسه، جيل عاش بين الغبار والطباشير، ثم انتقل، في لحظة خاطفة، إلى شاشات ساطعة تُشبه المرايا أكثر مما تُشبه الكتب.
لقد تعلمنا في مدارس لم تكن تعرف “Wi Fi”، كتبنا على دفاتر ورقية تتحول أطرافها بمرور الأيام إلى خرائط للزمن، ونسخنا الدروس حتى تعبت أصابعنا، وحفظنا المتون حتى ذابت عقولنا، ولم يصفق لنا أحد. لم نكن رقميين البتة، وإنما كنا ورقيين، طباشيريين، حبريين.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
نعم؛ لم يكن لدينا “غوغل” لنطرح عليه الأسئلة الوجودية. كنا نسأل معلماً متعباً، يجيبنا بإجابة ناقصة، فنكملها من خيالنا؛ من هنا ربما جاءت فلسفتنا. لم نكن نحفظ التعريفات كما هي، وإنما كنا نعيد صياغتها كي نتذكرها. لهذا صار بيننا شعراء وروائيون ومفكرون، بدل خبراء “سوشيال ميديا” من دون ذاكرة.
جيلنا لم تكن له هواتف ذكية، كانت له هواتف غبية لا تعرف إلاّ الرنينَ أو الصمت. أما الآن، فالهاتف الذكي أضحى يختزل الهوية، ويوزع الصداقات، ويبيع الأحلام، ويفتح أبواب الذكاء “الاصطناعي” على مصراعيها، حتى صار الطالب يعرف ” Chatgpt ” قبل أن يعرف أفلاطون أو ابن رشد. نعم درسنا بدون “غوغل”، وحفظنا بلا “نسخ-لَصْق”، ومع ذلك اجتزنا الامتحانات، وأقمنا النقاشات، وأحببنا الكتب كما يُحب العاشق قصيدة لم تُكتب بعد. ربما كانت وسائلنا بدائية، لكنها صنعت فينا ذلك الشيء الغامض الذي لا يحمله جيل الهاتف الذكي: القدرة على الانتظار، فنّ التركيز، ولذة الخطأ. نحن الذين كنا نبحث عن معلومة في عشرة مجلدات، بينما اليوم يُفتّش عنها الطالب في شريط بحث يختصر العالم في ثانية واحدة.
المفارقة الكبرى أنّ جيل الهاتف الذكي يملك أدوات المعرفة أكثر منا، لكنه يتعثر في أبسط اختبار للذاكرة، ويملك حرية الوصول أكثر منا، لكنه يضيع في متاهة الاختيارات. نحن الذين لم نُصنّف أبداً كجيل، نحمل في صمتنا هذا التعريف النادر: نحن برهان حي على أن التعلم لا يحتاج إلى لافتة، ولا إلى وسْم، ولا إلى هوية تسويقية. يكفي أن تملك رغبة، دفترًا ممزقًا، وقلمًا ينزف ببطء.
لذلك، إذا أردتم تسميتنا، فلنكنْ “جيل اللاشيء”. إنه أجمل أسماء الأجيال، لأنه لا يوحي بحدود، ولا ينتهي عند تعريف، ولا يذوب في شاشات مضيئة. جيلنا لا أبجدية له، لكنه ممتلئ بما يكفي ليكون أبجدية بحدّ ذاته.
ولعل ما يزيد مفارقة هذا الجيل أنّه عاش الانتقال الأعنف في تاريخ المعرفة دون أن يخطط له. لقد وُلدنا في زمن لم يكن العالم فيه “متصلاً”، ولم نرَ أنفسنا فجأة في كوكب بلا حدود؛ بيد أننا انتقلنا من رفوف مكتبات متواضعة في مدارس الأحياء الشعبية، إلى فضاء إلكتروني تتزاحم فيه العناوين حتى يختفي الكِتَاب بين الإعلانات؛ ومع ذلك لم نفقد القدرة على التمييز، إذ لا يزال في ذاكرتنا حسٌّ نقدي نادر، تشكَّل بين دفاتر الرياضيات الممزقة وحصص الفلسفة التي كانت تُلقى كما لو أنها أسرار محفوظة.
جيل الهاتف الذكي يملك تطبيقات للتأمل، وأخرى لتعلُّم التركيز، وثالثة لإدارة النوم. نحن لم نكن بحاجة إلى ذلك: كان الضجيج في الفصل كافيًا لتعليمنا كيف نستحضر الصمت الداخلي، وكان انتظار الحافلة تحت المطر تمرينًا طبيعيًا على التأمل، وكان النوم يأتي من غير إشعارات ولا أجهزة لقياس “جودة الحلم”. هكذا تربينا على بداهة العيش، بينما يفتش غيرنا اليوم عن هذه البداهة في كتيبات التنمية الذاتية وفيديوهات اليوتيوب.
والأدهى أن جيلنا تعلم من الفشل أكثر مما تعلم من النجاح. سقطنا في امتحانات، نسينا دروسًا، حملنا كتبا أثقل من أكتافنا، لكن كل تلك التعثرات صنعت فينا قدرة على النهوض بمرونة لم تعد متاحة في زمن تُحذف فيه الهزيمة بمجرد لمس شاشة. في عالم اليوم، زرّ صغير يكفي لطمس الخطأ، بينما كنا نعيش معه وجهًا لوجه، نتعلم من تجاعيده الباقية في دفاترنا.
لقد تشكل وعيُنا بين جدران عارية وسبورات سوداء، فتعلمنا أنّ المعرفة ليست استعراضًا، وإنما مقاومة للصمت والفراغ. لهذا، حين نراقب جيل الهاتف الذكي وهو يُفتش عن “أكثر الوضعيات إبداعًا لالتقاط صورة مع كتاب”، ندرك المسافة التي تفصل بين من عاشوا المعرفة بوصفها جوعا حقيقيا، ومن استهلكوها باعتبارها زينة في معرض افتراضي.
ذكاء الارتجال: فن البقاء من غير أدوات رقمية
وما يُدهش حقًّا أنّ جيلاً بدون لقب، بدون أبجدية، بدون تصنيف، صار هو الجسر الذي أوصل الإنسانية من زمن الورق إلى زمن الشاشات. نحن لم نخترع الإنترنت، لكننا أول من سافر فيه بارتباك حقيقي؛ لم نصنع الهواتف، لكننا أول من تعثر بها قبل أن تصبح امتدادًا طبيعيًا للجسد. نحن جيل الوسط، الجيل الذي لم يُسمَّ لأن كل التسميات سقطت من بين يديه: لسنا قدامى بما يكفي لنكون ذاكرة، نحن ببساطة حاضر ممتد، تجربة مفتوحة، شاهد حيّ على أن الأجيال ليست أحرفًا، وإنما طبقات من المعاناة والاكتشاف والضحك.
إذا كان جيل الهاتف الذكي، يا سادة، قد تعلم أن يضغط على “زر الحذف” ليعيد صياغة العالم كما يشتهي، فإن جيلنا تعلّم أن يكتب بخطه على دفتر قديم، ويترك للتاريخ مهمة القراءة. وما أجمل أن نُعرِّف أنفسنا بتهكُّم لا يخلو من جدية، بأننا جيل اللاشيء، الجيل الذي أثبت أنّ غياب الهوية أحيانًا هو الهوية الأعمق. قد يُقال إن جيلنا لم يعرف “الذكاء الاصطناعي”، وهذا صحيح، لكنه عرف ما هو أدهى: “الذكاء الارتجالي”. كان علينا أن نخترع حلولًا صغيرة من العدم، أن نُصلح القلم بكسر عود ثقاب، أن نحوّل حقيبة مدرسية ممزقة إلى كائن صامد بقطعة خيط، أن ننجز بحثًا جامعيًا بقراءة ما تيسر من ثلاثة كتب مهترئة. لم يكن أمامنا سوى براعة اليد وخيال الذهن، بينما يملك جيل الهاتف الذكي آلاف التطبيقات لحل أبسط معادلة أو لكتابة مقال بضغطة واحدة. الفارق أن “ذكاءنا الارتجالي” يصمد أمام العطب، فيما “ذكاهم الاصطناعي” يتوقف بانقطاع الشبكة.
لقد عاش جيلي في زمن بطيء، وكان هذا البطء ثروته الحقيقية. كنا نتعلم أن الطريق إلى المكتبة لا يقل قيمة عن الكتاب نفسه، وأن ساعات الانتظار قد تكون أحيانًا أهم من لحظة الوصول. أما جيل الهاتف الذكي فقد دُرّب على السرعة حتى صار يخلط بين المعرفة والتصفح، بين الفهم والتمرير بالإصبع. ومن المفارقة أن السرعة التي يفتخر بها اليوم لم تنتج إلا هشاشة في التذكر، وقلقًا في العيش.
ومع ذلك، لا نتوهم أننا كنا أبطالاً في زمن نقيّ. لقد عرفنا الملل الطويل، عرفنا انكسار الأحلام. لكن كل ذلك صنع فينا حاسة غريبة: القدرة على الضحك من المأساة. وهذه الحاسة بالذات تكاد تنقرض اليوم؛ إذ لم يعد الضحك عند جيل الهاتف الذكي سوى “إيموجي” يرسلُ في المحادثة، بينما كان عندنا “موقفًا فلسفيًا”، طريقة للنجاة، تمرينًا على تحويل ثقل الحياة إلى خفة عابرة.
جيلنا لم يُصنف، وربما هذا سرّه الحقيقي: أننا لسنا مكرَّسين لاقتصاد السوق، ولا موضوعًا مغلقًا لعلم الاجتماع، ولا حتى فئة إحصائية تستهلك الإعلانات. نحن جيل انزلق من الشبكات قبل أن تُحكم خيوطها، جيل ضائع “في نظرهم”، لكنه في الحقيقة حرٌّ، لأنه أفلت من المصيدة الكبرى: مصيدة التسمية.
ولعل أجمل ما في الأمر أنّ غيابنا عن الأبجدية لم يمنع حضورنا في التاريخ. فنحن، بلا هواتف ذكية، بلا تصنيفات، بلا شعارات، كنا الجيل الذي اختبر الانتقال الكوني بأكمله: من الكتاب إلى الشاشة، من الخط إلى النقر، من الزمن البطيء إلى الزمن الخاطف. وما دام التاريخ لا يُكتب بوُسوم الشبكات، فإن نصيبنا من الدهشة سيظل محفوظًا: أن نكون الجيل الذي لم يُسمَّ قط، لكنه ترك في صمته كل التسميات الأخرى معلقة في الهواء.
الأثر قبل الاسم: فلسفة جيل التحمّل
كل جيلٍ بعدنا سُمّيَ بحرف أو لقب: جيل X، جيل Y، جيل Z… وكأن الحياة صارت مختصراً أبجدياً لجدول Excel عالمي. لكننا، نحن الذين وُلدنا في فجوة زمنية مربكة، لم نُمنح لا حرفاً ولا رقماً ولا حتى شتيمة. جيل الهاتف الذكي يضغط زرّاً واحداً فيتدفّق عليه العالم؛ أما نحن فقد ضغطنا أعصابنا حتى تنفجر لنحفظ بيت شعرٍ واحد.
لا تفهموني خطأ، نحن لا نزهو بفقرنا التكنولوجي. لكننا نزهو بأننا عرفنا العالم قبل أن يتحوّل إلى شاشة. عرفناه برائحة المطر لا بأيقونة الطقس، بانتظار رسالة بريدية لا بإشعار لحظي، بصوت المذياع لا بطنين “نوتيفيكايشن”. لقد وُلدنا جيلًا بدون حرف، وهذا ربما أفضل ما حصل لنا: لا أحد يستطيع حشرنا في معجمٍ أو دراسةٍ سوقية. نحن الورق في زمن الشاشة، والحبر في زمن الضوء، والصمت في زمن الضجيج. لقد تعلمنا الكتابة في دفاتر تُزيّنها زهور بلاستيكية، وكان حلمنا أن نمتلك قلم ” Parker ” أو “دفتر spirale”. جيل الهاتف الذكي يتباهى بأنه متعدد المهام: يسمع الموسيقى بينما يكتب، بينما يتحدث، بينما يرسل “إيموجي”. نحن كنا متعددِي الطوابير: ننتظر عند الفرّان، ثم في طابور الماء، ثم في طابور الحافلة التي لا تأتي. نحن الذين عرفنا الشوارع بدون ” Google Maps”، واهتدينا بالذاكرة لا بالبوصلة الرقمية. عرفنا الحب برسالة ورقية نخفيها تحت الوسادة، لا بقلب أحمر يُرسل في ثانيتين . لقد اختصرنا أنفسنا في جملة واحدة: جيل التَّحمل؛ تحملنا الملل، والبطء، والغبار، والطباشير، وصوت المعلم النشاز، وأحلامنا التي كانت أكبر من حجم جُيوبنا. قد لا نحتاج إلى لقبٍ يختصرنا ولا إلى خانةٍ تؤرشفنا، فالقيمة ليست في الحرف الذي يُلصق بنا، بل في الأثر الذي نتركه خلفنا.
القيمة في التجربة، لا في الحرف
هل يكون غياب الاسم والحرف حقاً فقدانا، أم هو دعوة لنرسم مصيرنا بألواننا الخاصة، من غير قيود مسبقة تحدد رؤيتنا؟ وإذا كان جيلنا لا يُختزل في حرف أو رمز، فهل يمكن أن ندرك قيمته حقاً، أم أن القيمة تكمن في التجربة نفسها؟ أليس في غياب التصنيف فرصة لنرى أنفسنا بعيوننا وحدها، من غير انعكاسات جاهزة لنكتشف أخيراً من نحْنُ وما الذي نستطيع أن نكونه؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

إدريس القري
تقديم:
في عالمنا المعاصر الذي يشهد توترات سياسية وأزمات اجتماعية وأمنية متعددة، كما يعرف مخاضَ إعادة رسم الخرائط تُحدث هزات عنيفة في بلدان كثيرة منها دول قوية ومتقدمة، وحيث ذهب مع الريح أمنُ واستقرارُ وراحة ورغيفُ ملايين المواطنين العالميين، الذين حلموا بأوضاع أفضل فنهضوا دون نور وعي سياسي عميق ورصين ودون تقديرٍ كافٍ لتاج الأمن والاستقرار الذي فوق رؤوسهم، وفي سياقات دولية معقدة ودقيقة نعيشها منذ أكثر من عقد، سيوافق كلُّ عاقِلٍ على اعتبار القيمة العظمى التي يحملها السلم والاستقرار في العالم اليوم، والتي تعتبر من أبرز المميزات التي يتمتع بها بلدنا العزيز وهو المملكة المغربية.
في وقت تعصف فيه أزمات عميقة باستقرار وسلم وسلامة العديد من الدول، بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا والقارة الأمريكية، وهي أزمات بالطبع متباينة الحدة والخطورة، يتواجد الشباب في بعض هذه الدول في قلب الاحتجاجات المطلبية وسياقاتها، في هذه الأوقات يبقى المغرب بفضل طيبة شعبه وحكمة قيادته ووعي مواطنيه، واحدًا من الدول القليلة التي استطاعت البقاء صامدة أمام هذه العواصف، منذ كارثة كوفيد 19، التي سجل فيها قدراته العالية في الالتحام وبعد النظر وقوة المبادرة ونجاح التخطيط. لم يكن هذا السلم الداخلي في المملكة ليُدرَك لولا الجذور الحضارية للدولة وللثقافة المغربية المستمرة لقرون، والتي انعكست في تعزيز مستمر ومتبصر للأمن والاستقرار بالمملكة، رغم العواصف التي هبت على البلاد وهي تبني وتعيد البناء في موقع جيوسياسي ليس من الصعب إدراك تشابكاته وتحدياته المُركبة. يتعلق الأمر في بلدنا العزيز بميزاتٍ ونِعمٍ لا تقدر بثمن، تصون الدولة بموجبها حقوق الناس وسلامة عيشهم الآمن، وهو ما يشير إليه الفيلسوف والفقيه السياسي الفرنسي جان جاك روسو، (“العقد الاجتماعي” 1762)، حيث يقول أن: “أمن الدولة هو مبدأ القوة الشرعية التي تضمن حقوق الأفراد.”، وبالتالي فإننا نقول بأن ميزتا الأمن والسلام في المغرب تظل وستبقى واحدة من أهم العوامل، التي عززت مكانته في الساحة الدولية في خضم ما يشهده العالم من قلاقل متزايدة.
فيما تواصل دول مواجهة الحروب الداخلية والأزمات الاقتصادية الخانقة والاحتجاجات الاجتماعية العارمة وردود الأمن العنيفة والصارمة – المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وأمريكا وهولندا … – ينعم المغرب بتوازن سياسي وأمني يستحق الثناء. لكن رغم هذه النعمة لم تخلُ احتجاجات الشباب الأخيرة من التحديات التي تثير الأسئلة حول أسباب التحولات العنيفة التي شهدتها في طيلة أيام دوامها.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} أ – عن جيل ز ولفهمه: بداية سلمية وعُنف مُنفلت.
شهدت المملكة في الأيام الأخيرة احتجاجات اجتماعية شبابية، أطلق على الداعين إليها “جيل ز 212 ” وهو جيل بين 15 إلى 30 سنة من العمر، نشأ في خضم انشار التعاطي مع خدمات التقدم التكنولوجي الرقمي، وما حمل معه من تغيير كبير لدرق التفكير والإدراك والنظر إلى الذات وإلى الآخر وإلى العالم، والوعي المدني وتقدير الحق في ارتباطه بالواجب والمسؤولية، كما جعلت هذه السياقات جيل ز ينظر إلى واقع البلاد وتجربة الجيل السابق السياسية والاجتماعية نظرة مختلفة. جيل ز جيل مختلف، فهو منفتح أكثر على العالم في تنوعه، مواكب للثورة الرقمية التي غيرت آليات وأشكال وطرق التواصل والتعبير عن الرأي، وهذه اعتبارات لابد من أخذها يعن الاعتبار في محاولة فهمه والتعامل معه.
بدأت الاحتجاجات سلمية في البداية إثر نداء على منصات مثل Discord, Tik Tok, Instagram …. أعلن أصحاب النداء للاحتجاجات منذ البداية أن أهدافهم مطالبُ بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشباب في مجالات مثل التعليم والعمل والصحة والإسكان أساسا. ومع ذلك وكما حدث في العديد من الحركات الاحتجاجية حول العالم، سرعان ما تحولت بعض هذه الاحتجاجات السلمية في بعض الأماكن إلى أعمال عنف، شملت تكسير الممتلكات العامة وإضرام النيران والنهب. يثير هذا التحول تساؤلات عميقة حول دوافعه وعمن يقف وراءه؟ يعزو إريك هوفر، (“الطاعة الجماعية” 1951) هذا النوع من العنف إلى الظاهرة الجماهيرية، حيث يقول: “يتم استغلال الأفراد المُحبَطين للانخراط في حركات العنف، من خلال الخطاب يثر السخط كوسيلة لتحقيق أهداف غير واضحة.” وبذلك تُظهر بعض احتجاجات “جيل Z” أن التحولات العنيفة قد تكون نتيجة تلاعب من أطراف مجهولة تحاول تأجيج الاحتجاجات لأهداف أخرى غير معلنة.
ب – تعليق الاحتجاجات من طرف حركة “جيل Z”.
بعد سلسلة من الأحداث العنيفة، يظهر في انتظار التأكيد، من خلال منشور على الإنترنت ظهر قبل يوم أمس، نادت حركة “جيل Z” بتعليق الاحتجاجات، مشيرة إلى أنها ليست مسؤولة عن أعمال العنف وبأنها لم تدعو لذلك مطلقا. أعلنت الحركة بشكل واضح عبر منشورها ذاك ومنذ البداية حتى، عن رفضها لكل أشكال العنف والتخريب الذي تم تحت غطاء الاحتجاجات السلمية، وهو قرار يظهر حرصها على العودة إلى ميثاق السلمية الذي أصرت عليه منذ البداية.
يشير الفيلسوف إيمانويل كانت، (“نقد العقل العملي” 1788) إلى أن الواجب الأخلاقي يتطلب من الأفراد الالتزام بمبدأ المسؤولية، فالقيم ثنائية دائما تجمع ما لك وما عليك: حريتك مقابل مسؤولية أفعالك وحقك مقابل واجباتك
يتجسد هذا المبدأ الأخلاقي في مواقف مثل تلك التي اتخذتها حركة “جيل Z”، حين قررت الابتعاد عن العنف والحفاظ على قيم السلمية كأداة رئيسية للتعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق ضمن معايير العقل والقانون وفضاءات وأُسس العيش المشترك.
ج – غياب الإطار القانوني والتنظيمي للحركة.
أحد الأسباب التي قد تفسر تصاعد العنف هو غياب إطار قانوني أو قيادة واضحة تمثل حركة “جيل Z”.، رغم انتشار مطالب هذه الحركة على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنه لم يكن لها مشروع سياسي أو برنامج فكري أو مقترح آليات عملية واضح ينظم مطالبها أو يحدد أهدافها بشكل دقيق. يقول ماكس فيبر، (“الاقتصاد والمجتمع” 1922): “يقوي غياب القيادة الواضحة من مظاهر الفوضى ويزيد من احتمالية انحراف الحركات الاحتجاجية عن أهدافها الأصلية.”
نعتقد أن الفراغ التنظيمي لحركة Gen z 212 جعلها عرضة للاستغلال من أطرافَ، قد تروج لأهداف سياسية أو اقتصادية قد تكون بعيدة عن مطالب شباب جيل ز الحقيقية. ومن هنا تأتي أهمية وجود إطار قانوني تنظيمي يمكن أن يحافظ على سلمية الاحتجاجات ويوجهها بشكل مثمر بعيدًا عن الفوضى وعن العنف، يوضح رؤيتها ويمكنها من التركيز على المراد للبلاد وللعباد كما يعلنون بعفوية بادية.
د – مواكبة السلطات المغربية لاحتجاجات “جيلZ”.
في ظل تحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف، كانت السلطات المغربية حريصة على التفاعل مع الحراك بشكل يتسم بمزيج من الصبر والصرامة والحكمة. يظهر التعامل مع الحركات الاحتجاجية في المغرب أن السلطات، تدرك تمامًا أن السلم الاجتماعي هو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة لكن التظاهر الحاش\ يتطلب يقظة أمنية وتأطيرا يحمي الممتلكات والناس من كل انفلات ممكن ومحتمل.
نعتقد على كل حال بأن هذه الاحتجاجات السلمية تحقق تفريغا لاحتقان كان يتكثف، كما أنه يوفر فرصة للسلطات الحكومية لمراجعة سياساتها التنموية وأبعادها التي تمس الحياة اليومية للناس خارج المعايير الماكرو-اقتصادية والتوازنات المالية والإكراهات الخارجية إلخ، لتحقيق مطالب المواطنين ذات الأولوية، حفاظا على المساس استقرار وأمن عام معروف تفوق المغرب في صناعته والحفاظ عليه.
لقد شكل التنسيق التنظيمي بين المواطنين والسلطات، كما رأينا، في بعض المدن خلال الاحتجاجات، شكل الصورة الأصلية والرفيعة للمغرب، وهو ما ينبغي صون أسسه وأسباب استمراريته الصحيحة، بتسوية المطالب الشبابية والشعبية ضمن استراتيجيات الدولة الكبرى في التنمية الهيكلية، التي تنهجها منذ أكثر من عقدين بنجاح غير مسبوق في تاريخ المغرب.
ه – السياق الوطني والدولي وتأثيره على الاحتجاجات.
يشهد المغرب في العشاريات الأخيرة تحولات سياسية واقتصادية، في ظل موقعه الاستراتيجي بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وبين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يجعله لاعبًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية والدولية. وفي الوقت الذي يمر فيه العالم بتغيرات سياسية معقدة، تتعرض العديد من الدول للاضطرابات بسبب النزاعات والأزمات والحروب.
في هذا السياق يُحذِّر هنري كيسنجر، (“الدبلوماسية” 1994)، من أن “استقرار الدول لا يتحقق إلا من خلال توازن داخلي، مدعوم بتفاهمات بين النخب السياسية والشعب، وهو ما يوفر للأمة القدرة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.” وبالتالي فإن الحفاظ على الاستقرار والأمن الوطني في مغربنا العزيز وكما يتبين الاستراتيجيات السياسية العليا، عنصر أساسي ليس فقط لتحقيق التوازن الداخلي، بل أيضًا في تعزيز مكانة المملكة في الساحة العالمية.
و – المسؤولية المدنية: مبدأ المواطنة والحفاظ على النظام.
من واجب كل مواطن مثقف وناشط مدني أن يؤكد على أهمية الاحتجاجات باعتبارها جزءًا من حرية التعبير التي يضمنها الدستور المغربي. إلا أن هذه الحرية يجب أن تكون مُقترنة – وهذه مسألة مبدئية في كل التشريعات والفلسفات والأديان – بمسؤولية تجاه النظام والأمن العامين. يشير جون لوك، (“رسالة في التسامح” 1689)، إلى أن “الحرية لا تعني الفوضى وإنما مسؤوليةٌ تنطوي على احترام حقوق الآخرين والالتزام بالقانون.”
تفقد حقوق الإنسان حمايتها وبالتالي معناها، بمجرد المساس بحقوق الآخرين أو باستقرار الدولة التي هي الأمة في كليتها. ذلك أن الحفاظ على النظام العام هو واجب كل مواطن، وهو ما يضمن للبلاد التقدم والازدهار لذلك لا يمكن اعتبار الاحتجاجات مشروعا شرعيا، إذا كانت تؤدي إلى تدمير الممتلكات العامة أو الخاصة، أو إذا كانت تسبب إلحاق الأذى بالمواطنين كيفما كانوا.
ز – خاتمة: نحو فهم وتواصل وتوازن أفضل.
إن المشهد الاحتجاجي في المغرب اليوم بحاجة إلى فحص دقيق وموضوعي، ومن الأكيد أن هذا ما تقوم به الدولة كواجب باعتبارها ضامن الاستقرار والأمن والتنمية. صحيح أن الاحتجاجات تعبيرًا عن مطالب مشروعة لشريحة كبيرة من الشباب – ألم نكرر هذا مرارا وتكرارا على كل المنابر المكتوبة والمسموعة والمرئية – إلا أن الحوار البناء والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، هما الطريق الأنسب لتحقيق التغيير المطلوب.
وبينما يجب الحفاظ على الاستقرار العام والأمن فإن المشاركة المسؤولة في الحياة السياسية والاجتماعية تضمن تسوية سلمية للمطالب ووعيا أكثر استراتيجية بها وبالتالي برمجتها مسبقا حسب الإمكانات، مع توظيف تواصل جماهيري مستمر واستراتيجيا واضح وذكي وملائم، لا يترك مجالا ولا ثغرات للمغرضين، في عالم يتميز بنيانه الرقمي بسلطة قوية للخبر وللمعلومة المزيفة.
يبقى أي تناول تحليلي نقدي رصين لهذه الاحتجاجات مبدئي كما نوهنا في بداية هذه المقالة الأولية، حيث أن المعطيات الحقيقية لا تزال غامضة، والنوايا الخفية التي قد تقف وراء هذه الاحتجاجات تستدعي تفكيرًا أعمق وتحليلًا مسؤولًا عند توفر المزيد من المرجعيات الموثوقة.
الخطاب الملكي انتصار للتنمية والعدالة الاجتماعية!
في سياق دولي يكتسي أهمية بالغة، لما يواجه المغرب من تحديات كبرى على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ولاسيما في ظل احتجاجات حركة “جيل Z” الشبابية، المطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية وتحسين خدمات قطاعي الصحة والتعليم ومكافحة الفساد وتوفير فرص شغل مناسبة للعاطلين، كان المغاربة على موعد عصر يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025 مع الخطاب الملكي السامي أمام البرلمان بغرفتيه الأولى والثانية، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية الحادية عشرة، حسب ما ينص عليه دستور البلاد.
…
ما يعيشه الإعلام العمومي المغربي اليوم ليس نهضة واعية بقدر ما هو إستجابة إضطرارية لإيقاع وعي شعبي متصاعد فرضه شباب جيل Z عبر وسائط التواصل الاجتماعي. فبعد أن كانت القنوات العمومية تدور في فلك التوجيه الرسمي والخطاب المعلب، وجدت نفسها فجأة أمام جمهور جديد لا يؤمن بالوصاية الإعلامية، ولا يكتفي بالمشاهدة الصامتة، بل يمارس نقده في فضاءات رقمية مفتوحة، تقاس فيها المصداقية بعدد المتفاعلين لا بعدد البلاغات الرسمية.
لقد شكلت إحتجاجات جيل Z نقطة تحول فارقة في العلاقة بين الإعلام العمومي والمجتمع. إذ أخرجت هذا الإعلام من سباته الطويل، وأجبرته على مراجعة خطه التحريري بعدما تبيّن له أن الشارع لم يعد يتابع برامجه، وأن الشباب لم يعد يجد نفسه في لغته ولا في رموزه ولا في أسلوبه المتقادم. فكان لا بد من التكيف مع المزاج الشعبي الجديد، من خلال إعادة بث برامج حوارية وإجتماعية أكثر جرأة، تستدعي ضيوفا من خارج دائرة “المألوف”، وتفتح نقاشات حول قضايا كان ينظر إليها إلى وقت قريب كـ«محظورات إعلامية».
غير أن هذا التحول، وإن بدا ظاهريا خطوة نحو الإنفتاح، فإنه لا يزال أسير حسابات ظرفية أكثر مما هو نابع من قناعة مؤسساتية بالإصلاح الإعلامي الحقيقي. فبعض البرامج التي عادت إلى الواجهة تحاول تليين الخطاب لا تغييره، وتلامس القضايا بسطحية لا تقنع جيلا تمرس على ثقافة التمحيص والبحث والتفكيك في فضاء رقمي لا يعرف سقفا محددا للنقاش.
إن الأزمة أعمق من مجرد تغييرات شكلية في البرمجة أو من تقديم وجوه جديدة تتحدث بلهجة “شبابية”. فالمطلوب اليوم هو إعادة تعريف وظيفة الإعلام العمومي ذاته، هل هو منبر يعكس نبض المجتمع بمختلف أطيافه، أم مجرد واجهة ناعمة لتبرير السياسات العمومية وتلميع صورة المؤسسات؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد مستقبل الإعلام الوطني في زمن الذكاء الاصطناعي والتواصل اللحظي.
فما يجري الآن لا يمكن وصفه إلا بكونه مرحلة من مراحل “الارتباك الإيجابي”، حيث تختبر فيها قدرة الإعلام الرسمي على التجدد في مواجهة منافسة شرسة من المنصات الرقمية، فإن إستطاع أن يحول هذا الإرتباك إلى وعي مؤسساتي وإلى مشروع تحريري قائم على المهنية والجرأة والشفافية، فحينها فقط يمكن الحديث عن صحوة إعلامية حقيقية تقودها القنوات العمومية، لا فقط لتطبع مع الحراك الشبابي ، بل لتصغي إليه وتعبر عنه.أما إن ظل الأمر مجرد إستجابة ظرفية لموجة عابرة، فإن الإعلام العمومي سيجد نفسه خارج دائرة التأثير، وسيواصل الشباب صناعة رأيهم العام بأنفسهم، في فضاءات لا مكان فيها لمن يتأخر عن إيقاع العصر السيبراني.
خاتمة، إن المستقبل الإعلامي للمغرب لن يبنى بالترقيع ولا بالمجاملات الظرفية، بل بتحرير حقيقي للقطاع السمعي البصري يفتح المجال أمام التعددية والتنافسية المهنية، ويمنح الإعلاميين حرية الإبداع والمبادرة في إطار من المسؤولية الأخلاقية والوطنية. فوجود قنوات تلفزية خاصة مستقلة ومؤطرة بقانون واضح للإتصال السمعي البصري، من شأنه أن يخلق بيئة صحية للإعلام الوطني، تنهي زمن الصوت الواحد وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها التوازن بين حرية التعبير والمصلحة العامة. حينها فقط يمكن للإعلام العمومي أن يستعيد ثقة المجتمع، لا بإعتباره ناطقا باسم المؤسسات، بل شريكا في بناء الوعي الجماعي وصياغة الرأي العام على أسس المصداقية والجرأة والإحترام المتبادل بين الدولة والمواطن.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
في الأيام التي سبقت افتتاح الدورة التشريعية، كانت الأجواء مشحونة بتوقعات غير مسبوقة. فقد انتظر جزء واسع من الرأي العام، وعلى رأسه شباب حركة “Z”، أن يأتي الخطاب الملكي حاسمًا ومفاجئًا، يحمل قرارات سياسية قوية كحلّ الحكومة أو البرلمان، باعتبارها إشارة رمزية إلى بداية مرحلة جديدة. غير أن الخطاب جاء في اتجاه مغاير تمامًا؛ إذ تبنّى نبرة هادئة ومؤسساتية، تُركّز على الاستمرارية والإصلاح المتدرج بدل القطيعة والصدام. وهنا تبرز المفارقة الجوهرية بين منطق الدولة ومنطق الشارع: فبينما انتظر المحتجون لحظة رمزية “تصحيحية”، اختارت المؤسسة الملكية خطابًا يكرّس التراكم والإصلاح الهادئ.
من البداية، حرص الخطاب على تثبيت فكرة الاستمرارية في العمل التشريعي والتنفيذي، مؤكدًا على ضرورة استكمال البرامج والمشاريع، والتحلي باليقظة والالتزام حتى نهاية الولاية. هذه الإشارة ليست تقنية فحسب، بل سياسية بامتياز، إذ تعبّر عن تمسّك الدولة بمسار الإصلاح داخل المؤسسات لا من خارجها. فبدل أن يتجاوب مع مطلب الإقالة أو الحل، فضّل الخطاب أن يذكّر البرلمانيين بأن الشرعية السياسية تُستمد من الاستمرارية والالتزام بالنتائج، لا من “لحظات الاستعراض.” بهذا المعنى، يمكن القول إن الخطاب أعاد تعريف مفهوم التغيير نفسه: فالإصلاح، في الرؤية الملكية، لا يتحقق بالصدمة بل بالتدرج؛ ولا يُفرض من الشارع بل يُبنى من داخل المؤسسات
و على الرغم من أن خطاب “حركة Z ” كان مشبعًا بلغة الغضب والرفض، فإن الخطاب الملكي جاء مشبعًا بلغة العقل المؤسساتي، مؤكدًا أن الدولة لا يمكن أن تنجر إلى الانفعال بل تتحرك بمنطق “الاستقرار المنتج”. ومن هنا، استخدم الخطاب مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية والمجالية، وثقافة النتائج، وتحسين الأداء المحلي، كإطار استراتيجي يتجاوز الظرف السياسي.
وإذا ما استحضرنا نظرية المجال العام لـ يورغن هابرماس، نجد أن الخطاب الملكي يحاول استعادة السيطرة على المجال العمومي الذي احتله المحتوى الرقمي، مذكّرًا بأن النقاش العمومي يجب أن يُدار عبر مؤسسات منتخبة لا عبر خوارزميات الشبكات. وبالتالي، فالدعوة إلى “تأطير المواطنين والتعريف بالمبادرات العمومية” هي في الواقع دعوة إلى استعادة شرعية الخطاب المؤسسي، وإعادة ربط المواطن بمصادر المعلومة الموثوقة.
كان مطلب حركة “Z” في جوهره تعبيرًا عن أزمة ثقة أكثر منه عن رغبة في تغيير الأشخاص. ومع ذلك، رفض الخطاب الانجرار نحو “الاستجابة الانفعالية”، مؤكدًا أن إقالة الحكومة أو حل البرلمان لن يعالجا جذور الأزمة، لأنها ليست أزمة وجوه بل أزمة منهجية. ومن هنا، ركّز الخطاب على تحسين الفعالية الميدانية، تسريع التنمية الترابية، ومحاربة الممارسات التي تضيّع الوقت والجهد والإمكانات. هذه المفردات تترجم انتقال الدولة من منطق “الوعود السياسية” إلى منطق الحكامة بالنتائج، أي أن الشرعية لا تُبنى على الخطابات بل على الأثر الملموس. ولعل هذا ما ينسجم مع مفهوم الشرعية الأدائية (Performance Legitimacy)، حيث تستمد المؤسسات قوتها من قدرتها على الإنجاز لا من مجرد تمثيلها السياسي.
من اللافت أن الخطاب لم يتوجه إلى الحكومة وحدها، بل وزّع المسؤولية بشكل متوازن بين البرلمان، الأحزاب، الجماعات الترابية، الإعلام، والمجتمع المدني. هذه المقاربة تُعبّر عن تصور جديد لمفهوم المشاركة: فالمواطنون ليسوا جمهورًا يُخاطَب فقط، بل طرفًا في صناعة المجال العمومي.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الخطاب كتصحيح غير مباشر لمعادلة مختلّة: فالدولة لا تستطيع أن تُصلح وحدها، والأحزاب لا يمكن أن تكتفي بدور المتفرج، والإعلام العمومي لا يمكن أن يبقى في موقع التبرير. الجميع مطالب بالعودة إلى الميدان، إلى الفضاء العمومي الحقيقي، حيث يُستعاد الحوار ويُبنى التوافق.
حين يشير الخطاب إلى ضرورة “تأطير المواطنين والتعريف بالمبادرات”، فإنه لا يتحدث عن التواصل كزينة خطابية، بل كجزء من الأمن الاجتماعي والسياسي. في ظل عصر المنصات، لم يعد غياب الرواية الرسمية مجرد قصور مؤسساتي، بل خطر يهدد تماسك المجتمع. وبناء على ما سبق، فإن المطلوب اليوم هو تحول نوعي في أدوات التواصل العمومي: إعلام مهني وشبابي قادر على تفسير السياسات، وحضور رقمي فعّال للدولة يملأ الفراغ الذي يسيطر عليه المؤثرون العدميون، إضافة إلى إدماج التربية المدنية في المناهج التعليمية لتكوين جيل يفهم معنى المشاركة والمساءلة.
في القسم الأخير من الخطاب، برز محور أساسي: ضرورة ترسيخ ثقافة النتائج، بحيث لم يعد كافيًا اتخاذ القرارات، بل أصبح مطلوبًا قياس أثرها. هذا التحول يعكس إرادة ملكية واضحة في ربط التنمية بالنجاعة، والاستثمار العمومي بالمردودية، والسياسات العمومية بالمحاسبة الواقعية، وهنا يمكن قراءة الخطاب كجزء من إصلاح ثقافة الدولة، لا كإصلاح ظرفي للحكومة.
لم يكن الخطاب الملكي مجرد ردّ على الشارع، بل كان تأطيرًا استراتيجيًا للمرحلة، فبينما انتظر المحتجون إعلان القطيعة، فضّل الخطاب أن يكرّس الاستمرارية؛ وبينما ارتفعت الأصوات مطالبة بحلول فورية، دعا الملك إلى حلول عميقة و مستدامة. لتكون الرسالة المركزية إذن هي أن الإصلاح الحقيقي لا يأتي من لحظة انفجار، بل من مسار طويل من التدرج والمسؤولية. لقد اختارت الدولة أن تحافظ على خيط الاستقرار دون أن تتجاهل الحاجة إلى التغيير، وهو خيار يعكس رؤية براغماتية تعتبر أن البناء أعمق من الهدم، وأن الشرعية لا تُكتسب بالصدمات، بل تُستعاد بالنتائج والثقة والتواصل.
معاذ السباعي°
ركز الخطاب الملكي أمام البرلمان على العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية وتوفير فرص الشغل للشباب، وهي محاور تشكل جوهر النقاش العمومي الذي برز في الأسابيع الأخيرة مع تصاعد المطالب الاجتماعية والاقتصادية في صفوف الجيل الجديد من المغاربة.
وفي خطابه أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الخامسة، دعا الملك محمد السادس إلى تعبئة شاملة من أجل تحقيق “عدالة اجتماعية ومجالية أكبر”، مؤكدا أن محاربة الفوارق لم تعد “شعارا ظرفيا” بل توجها دائما ينبغي أن يوجّه مختلف السياسات العمومية.
كما شدد الملك على تسريع وتيرة برامج التنمية، وتشجيع المبادرات المحلية، وتأهيل قطاعي التعليم والصحة، في إشارة إلى القطاعات التي تمثل مصدر قلق رئيسي للشباب المغربي.
وشكل تشغيل الشباب محورا مركزيا في الخطاب، من خلال الدعوة إلى خلق فرص اقتصادية جديدة وتشجيع الأنشطة المحلية، مع التركيز على المناطق الجبلية والقروية التي تعرف هشاشة تنموية مزمنة. كما ألحّ الملك على “الاستثمار الأمثل للتكنولوجيا الرقمية” في تتبع المشاريع وتقييم السياسات، في انسجام مع تطلعات جيل رقمي يطالب بإدارة أكثر شفافية وكفاءة.
وتعليقا على الموضوع، ترى الباحثة الأكاديمية إيمان الماجي أن تركيز الخطاب الملكي في هذا التوقيت على محاور العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية وتوفير فرص الشغل يحمل في طياته رسائل عميقة وواعية، تعبر عن فهم دقيق للتحديات التي تواجه المجتمع المغربي.
“فهو خطاب يستشرف المستقبل، ويقر بحق المواطن في الكرامة والفرص المتكافئة، في وقت يشعر فيه البعض من الفئات الاجتماعية، وخصوصًا الشباب، بأن مطالبهم تنتظر من يترجمها إلى واقع ملموس”، تضيف الماجي.
وتوضح المتحدثة، في تصريحات لصحيفة وطن 24 الإلكترونية، أن التنمية الترابية تكتسب أهمية قصوى في هذا السياق، إذ لم تعد التنمية ميدانا مركزيا فحسب، بل أصبحت رهينة قدرة الجهات والجماعات الترابية على الابتكار في البرامج المحلية، واستشراف حاجيات المواطن.
وتابعت أن الجيل الجديد من برامج التنمية الجهوية يمثل أداة فاعلة لتحقيق هذه الرؤية، من خلال جعل الصحة والتعليم والتشغيل أوراشا جهوية متكاملة، مرتبطة بالواقع المحلي لكل جهة، بما يضمن توزيع الموارد والخدمات بشكل متوازن، ويمنح الجماعات الترابية مسؤوليات أوسع في التخطيط والتنفيذ.
وترى الماجي أن “هذا التمكين يعزز من الحكامة المحلية، ويقرب المواطن من صانع القرار، ويحوّل الانشغال اليومي بالخدمات إلى تجربة ملموسة للعدالة والتنمية، مما يحد من الاحتقان الاجتماعي ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع”.
وتؤكد الباحثة أن محور التشغيل هو قلب النبض لهذه الديناميات، خاصة بالنسبة للشباب الذي يمثل قوة الفعل والرفض في آن واحد. وتشير إلى أن الخطاب الملكي يؤكد على ضرورة توسيع قاعدة التوظيف، وربط سياسات التشغيل بالبرامج الجهوية، لضمان توزيع الفرص بشكل متوازن وتحويل الطاقات الاحتجاجية إلى ديناميات إنتاجية وبناء.
“إن توفير الشغل ليس مجرد أرقام، بل هو أداة لإشاعة الاستقرار الاجتماعي وإطلاق الطاقات الإبداعية للشباب، بما يعزز من قدرتهم على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية”، تضيف الماجي.
وتختم الباحثة بالقول إن الخطاب الملكي، في ضوء الديناميات الاجتماعية الأخيرة، يشكل خارطة طريق شمولية، تعالج الجذور الهيكلية للاحتقان الاجتماعي، من خلال ربط العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية والتشغيل بسياسات جهوية متكاملة، تجعل الصحة والتعليم والتشغيل في صميم أوراش التنمية، مع تمكين الجماعات الترابية من أداء دور محوري ومسؤول.
وتصف الخطاب بأنه يحمل “رؤية ملكية استراتيجية، تجمع بين الحكمة والجرأة، وتستهدف إرساء تنمية متوازنة ومستدامة، قادرة على استيعاب مطالب المواطن، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحويل الاحتجاجات إلى فرص للتغيير الإيجابي والبناء الوطني، بما يجعل المغرب نموذجا يحتذى به في استشراف المستقبل وتحويل التحديات إلى مسارات للتقدم”.
ويعتبر مراقبون أن تركيز الخطاب على مفاهيم العدالة والمردودية والمبادرة المحلية يعكس وعيا متزايدا بعمق التحولات الاجتماعية التي تشهدها البلاد، دون أن يخرج عن الإطار المؤسساتي المعتاد للخطابات الملكية.
فالأولويات التي جرى التأكيد عليها – من التشغيل إلى التعليم والصحة – تلتقي مع أبرز ما عبّر عنه الشباب في النقاشات العمومية الأخيرة، لكنها ظلت ضمن مقاربة تنموية شاملة لا سياسية الطابع.
في المقابل، أعاد الخطاب تحميل المؤسسات التمثيلية مسؤولية تنفيذ هذه الرؤية، داعياً الأحزاب والمنتخبين إلى تحسين التواصل مع المواطنين وتوضيح المبادرات العمومية. وهو توجيه يُقرأ على أنه دعوة غير مباشرة إلى تجديد قنوات الوساطة، بعد اتساع الفجوة بين الأجيال وارتفاع منسوب فقدان الثقة في الأداء الحزبي.
ويُنتظر أن يشكل الخطاب الملكي مرجعاً للسياسات المقبلة في السنة الأخيرة من الولاية التشريعية، في وقت يترقب فيه الشباب المغربي مؤشرات عملية على ترجمة هذه التوجهات إلى قرارات ملموسة، خاصة في مجالات التشغيل، التعليم، والخدمات الاجتماعية.
°مزيد من التحليلات السياسية على صحيفة “وطن 24” الإلكترونية (www.watan24.ma)
ظهرت المقالة هذه أصداء مطالب شباب “الجيل Z” بين ثنايا الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.
الصادق بنعلال
1 – في سياق وطني بالغ التعقيد وجه الملك محمد السادس أمس الجمعة 10-10-2025 ، خطابا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة والأخيرة من الولاية التشريعية الحالية. وإذا كان مثل هذا الخطاب يمر بشكل اعتيادي في عديد المناسبات الوطنية، إلا أننا راهنا نشهد احتجاجات الشباب المغربي (جيل z)، التي انطلقت منذ أسبوعين في مختلف المدن الكبرى للمطالبة بالإصلاح الجذري لقطاعي التعليم والصحة، وإسقاط مختلف أشكال الفساد قصد الانتقال إلى مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا المنحى كان الشعب المغربي وكل شعوب العالم…
شهد المغرب في الآونة الأخيرة حراكاً شبابياً بارزاً عُرف باسم “جيل زد” (Gen Z 212)، عبّر من خلاله الشباب عن مطالبهم المتعلقة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومحاربة الفساد.
وفي ظل هذا المشهد، جاء الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة ليثير تساؤلات حول مدى استجابته لهذه المطالب المتصاعدة.
الخطاب الملكي بين الإشارة والتوجيه
جاء الخطاب الملكي، الذي أُلقي يوم الجمعة، حاملاً رسائل قوية وموجهة إلى كافة الفاعلين السياسيين…
اعتبرت الجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي) أن “استمرار” الوزارة في “سياسة التسويف والتمطيط وتجاهل المطالب الملحة والعادلة” لنساء ورجال التعليم، “يؤكد بالملموس غياب الإرادة الحقيقية” لتنفيذ الاتفاقات الملزمة والتنزيل السليم لبنود النظام الأساسي لموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية.
وسجلت الجامعة، في بلاغ لها، استمرار الحكومة ووزارة التربية الوطنية في “اعتماد أسلوب التسويف والتمطيط في التعاطي الحقيقي والفعلي مع المطالب المشروعة والعادلة، التي رفعتها الشغيلة التعليمية بجميع فئاتها لسنوات، وما زالت لحد الآن، خاصة مع استمرار سياسات الإقصاء والتفقير والتهميش والهجوم على المكتسبات التاريخية والإمعان في خوصصة وتفويت كل الخدمات العمومية وتصفية ما تبقى من مجانيتها وجودتها من تعليم وصحة وسكن…”.
واعتبرت النقابة ذاته أن إصدار وزارة التربية الوطنية للمذكرة رقم 946/25 التي تطالب المؤسسات التعليمية بإبقاء التلاميذ داخلها خلال الفترة الممتدة بين الساعة 12 زوالاً وا بعد الزوال، هو “تكريس للمنطق الأمني في تعاطيها مع مطالب التلاميذ والطلبة والأساتذة بدل إقرار سياسة تعليمية بديلة تقدم حلولا جذرية للأزمة المستفحلة”.
وقالت النقابة إن هذه المذكرة “لا تعدو أن تكون محاولة يائسة للالتفاف على الإصلاح الفعلي لمنظومة التربية الوطنية، وتكشف عن مقاربة أمنية إدارية ضيقة، عوض تأهيل نظامنا التعليمي من خلال إنصاف نساء ورجال التعليم واعتماد مناهج تعليمية هادفة تضمن الجودة والمصداقية، وتوفير فضاءات تربوية حقيقية، واحترام كرامة الأستاذ والتلميذ، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص وتكوين أجيال واعية مؤهلة ومنتجة…”.
ونددت الجامعة الوطنية للتعليم بما أسمته “سياسة القمع والاعتقالات والآذان الصماء والتسويف التي تنهجهما الدولة وحكومتها اتجاه مطالب حراك ” جيل Z” وكل مطالب نساء ورجال التعليم”، معتبرة أن المذكرة الوزارية الأخيرة “مجرد ترقيع ظرفي لن يعالج الأعطاب البنيوية للتعليم العمومي”.
وأدانت الجامعة بقوة استمرار الحكومة ووزارتها في التعليم في “نهج سياسة التسويف والتماطل والتملص من التزاماتهما، وعدم تنفيذهما لأهم مضامين اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023، معربة عن رفضها للمنهجية المعتمدة من طرف الحكومة ووزارتي المالية والتربية الوطنية في تعاطيهم مع تنزيل الاتفاقات الاجتماعية.
وأكدت النقابة على استمرارها في “معارك مقاومة التراجعات في مجال الحريات النقابية والعامة”، مطالبة بـ”الإسراع” بتنزيل كل بنود الاتفاقات المبرمة مع النقابات التعليمية.