Étiquette : يكاد

  • الثورة الثقافية

    لا شك أن ثمة تشابه قائم بين “المجتمع البشري” المكون من أفراد و جماعات تنتمي لهوية و ثقافة مشتركة بينهم، من جهة، و بين “المجتمع الدولي” المتكون من عديد الدول و المنظمات الدولية، و هو تشابه قد يبلغ درجة التطابق بينهما، وهذا حادث بالرغم من وجود اختلاف نظري يتجلى بالدرجة الأولى في تسجيل تميز أفراد المجتمعات البشرية، باعتبارهم أشخاصا “ذاتيين”، عن “الدولة” باعتبارها تقع في دائرة الأشخاص “المعنويين”.

    من خلال الواقع البشري، الذي حدد العلماء خصائص مكوناته عبر بحوث علمية استهدفت الإنسان كموضوع لدراسة امتدت منذ العصور البدائية و لازالت مستمرة إلى العصر الحالي بأشكال أكثر دقة و موضوعية، من خلال هذا الرصد الدقيق، تمكنت الدراسات المتنوعة من التوصل إلى قاعدة عامة يكاد يجمع عليها الكل، فالأفراد المنتمون لمجتمع بشري ما، كيفما كانت طبيعته أو موقعه على ظهر البسيطة، يختلفون عن بعضهم البعض، فمنهم من يوصف بالحكمة و منهم من يتصف بالبلاهة، ومنهم النابغ و البليد، القوي و الضعيف، الذكي و الغبي، المبدع و الخمول. فهل يجوز القول بوجود نفس الاختلاف حينما يتعلق الأمر بالحديث عن شعوب الدول؟ هذا السؤال يُعْتَقدُ أن الإجابة عنه تسمح بالحسم في موضوع الإجابة عن السؤال المتعلق بطبيعة الدول و درجة كل واحدة منها على حدة في سلم المجتمع الدولي.

    لا يكاد يجادل أحد في خلاصة واضحة تفيد بأن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تحتفظ في الواقع بمكانتها كأقوى دولة في العالم، و المثير في هذه الخلاصة البديهية أنها نتيجة تقرير استطلاعي عن آراء عشرين ألف شخص يحملون جنسيات ثمانين دولة في العالم و هو تقرير أصدرته جامعة أمريكية اسمها بنسلفانيا، ولم يعتمد التقرير خلال إنجازه على التفاهات و المتمنيات، بل اعتمد في تقييمهلأيةدولة على قوة اقتصادها، وتأثيرها السياسي على المستوى العالمي، و قدراتها العسكرية، التي تُسْتنبط بالأرقام الواردة فيمخصصاتالدفاع بالنسبة لكل واحدة من الدول، وهذا بالطبع مضاف إلى معايير أخرى تتعلق بدرجة انتشار العلوم و الصناعات و الأمن الغذائي و الصحي.

    في مقابل الدول القوية الجبارة، و في طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، يوجد على الطرف النقيض أسراب من “الكائنات” التي لا تحمل من الدولة سوى الإسم، وهي دول يمكن القول، دون مبالغة أو أي تحفظ، إنها دول فاسدة لا من حيث بنيتها و مَنْشَئِها و لا من حيث طريقة إدارة شؤونها، فهي دول يمكن تصنيفها بسهولة و يسر ضمن الفئة “الفاسدة”، إذ ينتشر فيها الفساد و تعم فيها البلادة و سوء التدبير مع ارتفاع صارخ لنسبة اللصوصية و النهب، و تشخيص هذه الأعراض السلبية التي تضرب الدولة الفاسدة ليس بالأمر العسير أو المضني، فيكفي الاطلاع على مرفق واحد من مرافق هذا الصنف من الدول، أو على واحدة من مؤسساتها الإدارية، حتى يتضح حجم الفساد الكبير الذي يلحقها من جراء تنصيب اللصوص و الأفاكين عليها، و حلول النصابين و البلداء على ولاية شؤونها.
    و مادامت مؤسسات الدولة ذات الطبيعة العمومية تعتبر، بحكم قواعد المنطق، أعضاء حيوية داخل جسم الدولة، فإن الدولة تلك لن يكون بمقدورها بلوغ الوسائل الكفيلة بطرد الضعف و إحلال القوة محله، بل إن وضعا كهذا يجعلنا نميل للاعتقاد بأنها كائن عليل يعاني الأسقام و الأوبئة، و أنها لا محالة بالغةٌ مرحلةً متقدمةً في درجات الضعف و الهوان ينبأ بزوالها.

    من هنا يجوز التقرير، دون مواربة، أن مسألة بقاء دولة من هذه الفصيلة على قيد الحياة و استعادة وظائفها لبلوغ درجات القوة و العنفوان، لن يتحقق عبر مجرد معالجة سريرية، بل عبر اصلاح جذري حقيقي، إصلاح يستطيع وضع نهاية لعبث البلهاء و اللصوص و محو المرتشين و المتطفلين من خارطة المؤسسات العامة، وذلك بنصب المشانق لهم.

    إن الإصلاح الجذري، الذي بوسعه إنقاذ دولة مثل المغرب، لا يمكن أن يتم إلا عبر وسيلة الثورة السلمية الجارفة، ثورة حقيقية تقضي على أخلاق الفاسدين، و تعيد الكفاءات الحقيقية لمواقع التدبير و الإدارة لتحل محل ” الفاسدين” في مختلف درجات المسؤولية.
    قد يبدو الأمر صعب المنال و التحقيق، وهو بالفعل كذلك، لسبب بسيط، فالأمر يحتاج في الأمر لقيام ثورة ثقافية.

    إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التنوع والحداثة الاجتماعية : المغرب وسنغافورة يتقاسمان التوجه نفسه

    التنوع والحداثة الاجتماعية : المغرب وسنغافورة يتقاسمان التوجه نفسه

    الثلاثاء, 13 سبتمبر, 2022 إلى 15:16

     

    سنغافورة –  أكد مستشار جلالة الملك، السيد أندري أزولاي، أن المغرب وسنغافورة يتمتعان بميزة تتمثل في كونهما يتقاسمان التوجه نفسه، وهو توجه التميز والحداثة الاجتماعية.

    جاء ذلك في كلمة للسيد أزولاي أمام مؤتمر سنغافورة (4-11 شتنبر) حول تلاحم المجتمعات، الذي افتتحته رئيسة الدولة، السيدة حليمة يعقوب، وشارك فيه الوزير الأول السنغافوري، السيد لي هسين لونج، وعدد من أعضاء حكومته.

    ونوه السيد أزولاي، في جلسة عامة ضمن هذا المؤتمر أمام 800 شخصية من 40 بلدا، بهذه المبادرة “المتميزة التي كرستها سنغافورة التي اختارت أن تجعل من الديانات العشر، التي تشكل جوهرها، مؤهلا ومصدر قوة وبوتقة لأمة صاعدة تسودها الريادة والنجاح في توافق تام على الصعيد الدولي”.

    وأكد مستشار جلالة الملك أن “سنغافورة لطالما تفردت بالنجاح الاستثنائي لنموذجها الاقتصادي الذي تسنده دينامية لا يكاد يجادل أحد في إيقاعها ونموها الباهر منذ أزيد من نصف قرن”، مبرزا “الطموح الريادي والحكيم للأب المؤسس لجمهورية سنغافورة، الوزير الأول لي كوان يو، الذي نجح في تمكين بلاده من مستوى معيشي أرفع مما هو مسجل في الدول الأكثر غنى والأكثر تطورا في العالم الغربي”.

    وأضاف السيد أزولاي أنه، “يتعين اليوم أن نقرأ هذا الأداء الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي في ضوء نجاح آخر نموذجي وغير مسبوق، يتمثل في مجتمع عرف كيف يرسخ هويته الوطنية في ظرف نصف قرن انطلاقا من المشروعية ومن الانبثاق الرصين والمواطن للتعدد المثير للإعجاب لتنوعه الديني والعرقي والثقافي”.

    وباستحضاره لهذه الدينامية المتفردة في العالم، أبرز مستشار جلالة الملك التجذر القوي للمغرب في مسار توطيد مشروع مجتمعي معتز بإسهامات كل الحضارات التي شكلت تاريخه، ما يفرض اليوم الاحترام والإنصات لما تقوله المملكة، مثلها مثل سنغافورة، في زمن تعصف به العقليات المتحجرة لأولئك الذين لا يعرفون كيف يقاومون إغراء الإنكار، والشرخ الثقافي والروحي، ونسيان حتمية ذاكرتهم التاريخية.

    هذه الحقيقة المغربية التي كرستها ريادة جلالة الملك محمد السادس، “الشخصية البارزة لما يمكن لأرض الإسلام وللانفتاح واحترام الآخر أن يقدموه لمنتظم دولي يبحث عن معالم”، كانت في صلب مباحثات متتالية أجراها مستشار جلالة الملك مع وزراء الشؤون الخارجية، والتعاون الاقتصادي، والثقافة، والجاليات والشؤون الإسلامية.

    وعلى هامش هذا المؤتمر وهذه المباحثات، اختار وزير الشؤون الخارجية، السيد فيفيان بالاكريشان، نقل حفل الغذاء المقام على شرف مستشار جلالة الملك إلى المعبد اليهودي بسنغافورة عوضا عن مقر الوزارة كما كان مقررا سلفا.

    ومن خلال هذه المبادرة، أراد السيد بالاكريشان أن يحتفي بالمغرب وبالحاخام الأكبر لسنغافورة، السيد مردخاي أبيرغيل، المغربي المناضل الملتزم بحوار الأديان والثقافات في هذا الجزء من القارة الأسيوية، من سنغافورة إلى هونغ كونغ، ومن شنغاي إلى كولالمبور وجاكارتا.

    ونوه السيد بالاكريشان في هذا الصدد بمبادرة الحاخام الأكبر بفتح المعبد اليهودي وبيته في وجه ممثلي جميع طوائف سنغافورة بمناسبة عيد الفصح، بما يفسح المجال لإشاعة تقليد ميمونة، الحدث البارز المميز لطقوس التآخي لليهودية المغربية، في آسيا.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وقفات مع الشعر المغربي الحديث والمعاصر

    حلقة أولى:

    لا نهدف إلى إحياء نقاش عمر طويلا حول مسألتي التحقيب والتجييل ومدی نجاعتهما في مقاربة الظاهرة الأدبية عامة والظاهرة الشعرية على وجه الخصوص.تكفي الإشارة إلى أن التصنيف الجيلي لم يعرف طريقه إلى الشعر المغربي إلا مع منتصف الثمانينيات عندما وفر الإنتاج الشعري المغربي تراكما سمح بفرز معالم ظلت تعلن عن نفسها باحتشام تارة وبجرأة واعتزاز بالنفس تارة أخرى. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الحديث في المغرب عن أجيال الشعراء: شعراء الستينيات وشعراء ال32سبعينيات وشعراء الثمانينيات ومن أتى بعدهم.

    إن القصيدة المغربية الحديثة عرفت من التطور خلال هذه العشرية الثماننية ما لم تعرفه خلال العشرين سنة التي سبقته.

    إن القصيدة المغربية صيرورة في الزمان والمكان ولا يجوز في الشعر الحديث عن القطيعة إلا بقدر ما هي تجاوز بالمفهوم الذي لا يمكن معه غض الطرف عما سبق من تجارب.

    إن شعراء الثمانينيات ولدوا في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وترعرعوا في ظل خيبات الاستقلال السياسي. وتفتق وَعْيُهم عن معايشة أحداث جسام عرفها المغرب.

    لقد كان ذلك مدعاة لطرح أسئلة جذرية وعميقة عن مسار القصيدة. وتبلورت مجموعة من تلك الأسئلة بشكل مباشر في الخطاب النقدي المغربي الذي رافق القصيدة آنذاك، والذي أضحى يعالج قضايا الشعر بجرأة أكبر. كما قامت الملاحق الثقافية للجرائد الوطنية[1] بعمل رائدٍ في هذا المجال. ولكن الوجه البارز لتطور نقد الشعر الحديث بالمغرب كشف عن نفسه من خلال إصدار كتب نقدية[2] منحت أهمية كبرى للقصيدة العربية الحديثة بالمغرب.

    قد تبدو تلك الكتب والمقالات بمقاییس اليوم، كلاسيكية بواقعیتها الفجة وعجزها عن القبض على ناصية القصيدة من حيث هي بناء فني قبل كل شيء، ولكن «المصطلح المشترك» و«درجة الوعي في الكتابة» و«ظاهرة الشعر العربي المعاصر بالمغرب» وما تلاها من إصدارات نقدية وخاصة كتاب الشاعر عبدالله راجع «القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد»، بالإضافة إلى الأطاريح الجامعية التي تناولت الشعر المغربي بالدرس والتحليل، كل هذه الجهود مست جوهر القصيدة المغربية وإن بشكل متفاوت، وكان مجرد ظهور كتاب في الموضوع يعد حدثا أدبيا وثقافيا كبيرا.

    ولإبراز الأهمية القصوى التي أصبح الوعي النقدي يحظى بها مع بداية الثمانينيات، ينبغي التوقف عند ظاهرة أخرى كان الشعر العربي قد عرفها في وقت سابق، ونعني بها ما كان يعرف بالبيانات الشعرية، التي أصبحت تعبر عن وجه من أوجه التحول الذي عرفه الشعر الحديث بالمغرب، وهي في مجملها صيغة للاحتجاج على المشهد الشعري وطرح للبدائل.

    ويمكن القول إن أقوى بيان صدر في هذه الفترة هو «بيان الكتابة»[3]للشاعر محمد بنيس الذي ما زال إلى الآن يحظى بفاعليته كمرجع أساس لتلك اللحظة الشعرية وباستشراف نادر للتحول الذي ستعرفه القصيدة المغربية الحديثة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

    لا يتسع المجال هنا للحديث عن جميع القضايا التي أثارها «بيان الكتابة» ونكتفي بالإشارة إلى أنه أعاد للتنظير الشعري اعتباره بعدما ظل مغيبا أو يكاد بالمغرب، ورسم صورة بئيسة للشعر المغربي الذي «لم يستطع طوال تاريخه أن يمتلك فاعلية الإبداع، أي القدرة على تركيب نص مغاير يخترق الجاهز المغلق المستبد، إلا في حدود مساحة مغفلة إلى الآن». وأنه في السبعينيات التي عرفت فيها القصيدة العربية تحولا في الأقطار الأخرى، ظل الشعر في المغرب تنويعا على العمل السياسي، تابعا له. مما عرض النص الشعري للاختزال، ما دام الحديث السياسي قد حدد وظيفة الشعر في الجواب على السؤال السياسي، لا السؤال الشعري – التاريخي. ويطمح إلى بناء وجهة نظر تستند إلى الخصوصية المغربية التي «لا يمكن، في حال إلغائها، نشدان أي ممكن من ممكنات تحول النص الشعري في المغرب».

    وهكذا فإن «بيان الكتابة» هو في عمقه محاولة لصياغة مفهوم جديد للشعر المغربي الحديث. ضمن الحركة العارمة التي كانت تجتاح القصيدة العربية الحديثة عموما، وبمراعاة الخصوصية المغربية التي حتمتها الظروف السوسيو – ثقافية التي لعبت دورا حاسما في صياغة السؤال الثقافي بالمغرب.

    إن هذه المحاولات النقدية على اختلاف صيغها وتنوع رؤاها شكلت في واقع الأمر وجها من أوجه التحول الثقافي الذي أحدث رجة على مستوى المفاهيم والتصورات. ولا يمكن أن نتصور حجم ذلك التحول إلا إذا استحضرنا كم هي ماسة حاجة الإنسان إلى قضية يكتب عنها ويصارع من أجلها.

    ومن المفارقات التي تشد الانتباه أنه على الرغم من جسامة الأحداث التي عرفتها المرحلة، فإن أغلب شعراء الثمانينيات واجهوا الكتابة الشعرية بعُرٍيْ إيديولوجي وبلا انتماء إلا للشعر.

    ماذا يمثل هؤلاء الشعراء داخل المشهد الشعري المغربي؟ من الصعب الإحاطة بكل منعرجات هذا السؤال في ظل غياب دراسات شاملة عن «شعراء الثمانينيات»، خاصة أن أغلبهم ما زال يمارس الكتابة الشعرية إلى الآن.

    هامش:

    [1] – شكل الملحقان الثقافيان لجريدتي«العلم»و«الاتحاد الاشتراكي» سلطة مرجعية في الأدب المغربي عامة، والشعر منه بصفة خاصة.

    2 – الأعمال التي أنجزت عن الشعر المغربي الحديث قليلة جدا بالنظر إلى الأهمية التي يحتلها في المشهد الثقافيا لمغربي. وإذا استثنينا المقالات التي تنشر في الملاحق الثقافية، والدراسات التي تصدر في المجلات والدوريات فإن عدد الكتب التي كرست لدراسة الشعر المغربي الحديث قليل، وتعتبر دراسة محمد بنيس وعبد الله راجع أهم ما أنجز في هذا الإطار إبان عقد الثمانينيات.

    3ـ – مجلة «الثقافة الجديدة» العدد 19 سنة 1981. وقد أعيد نشر البيان ضمن كتاب محمد بنيس «حداثة السؤال« الصادر عند دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 1985.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • اعتداءات ملعب وهران تفضح نظام العسكر وسلوك التجييش

    الدار/ تحليل

    ما حدث في ملعب كروم بوهران في نهائي كأس العرب من اعتداء على لاعبين شباب يلعبون خارج ملعبهم يعكس بوضوح نتائج حملات الشحن الإيديولوجي والنفسي التي يتعرض لها الشعب الجزائري على يد الكابرانات وإعلامهم المأجور. لا شيء بتاتا يبرر تعرّض منتخب لكرة القدم لكل تلك الاعتداءات وبتلك البشاعة على يد المنتخب المضيف، وهو حدث يكاد يكون نشازا في تاريخ كرة القدم العربية بل والعالمية. التبرير الوحيد الذي نراه انطلاقا من حيثيات هذه المباراة وما قبلها وما بعدها هو أن النظام العسكري في الجزائر بلغ مستوى من الجنون والهوس حد اعتبار كل المواجهات مع المغرب، بما في ذلك المواجهات الرياضية، بمثابة حرب قاتلة ينبغي ربحها حتى بأوسخ الطرق والأساليب.

    فمنطق الأشياء أن يكون المبادر إلى العنف والضرب والاعتداء هو لاعبو المنتخب المنهزم، أي المنتخب المغربي. هذا ما يحدث عادة في كل المواجهات الكروية النهائية التي تعرف خسارة منتخب ما ضد آخر. لكن ما رأيناه في ملعب وهران هو سيل جارف من الحقد والكراهية والعنف يستوطن في قلوب لاعبي المنتخب الفائز للعجب. الطريقة التي تعامل بها اللاعبون الجزائريون مباشرة بعد نهاية المباراة وإحرازهم كرة المباراة تُظهر لكل من تابعها أن الأمر كان مبيّتا من قبل، وأن هؤلاء المراهقين الذين يشكلون النخبة الجزائرية كانوا قد تعرضوا من قبل لموجة من الشحن والتعبئة العدائية، وربّما تلقوا تعليمات مباشرة بأن يحولوا المباراة إلى مجزرة مهما كانت نتيجتها.

    لقد سبق للمنتخبات المغربية بمختلف فئاتها الصغرى والمتوسطة والكبرى أن استقبلت المنتخب الجزائري على أرض المغرب، وفي مباريات حاسمة أحيانا، لكن تاريخنا الكروي المشرف، لم يتضمن أبدا مشهدا مخزيا ومؤلما كالذي رأيناه في ملعب وهران يوم الخميس الماضي. لقد كنا دائما في المغرب نعتبر مباريات كرة القدم مجرد لعبة فيها الخاسر والرابح، ولا يستدعي الأمر تحميلها أي خلفية سياسية. لكن الأمر يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بنظام عسكري متخلف، فالخسارة بالنسبة لهذا النوع من الأنظمة التي أصبحت معدودة على رؤوس الأصابع، تمثل دائما مؤشرا سلبيا يذكر باحتمال الخسارة على أرض المعركة في مواجهة جيوش الخصوم ومدرعاته وآلياته.

    للأسف هكذا كان يصور نظام شنقريحة لشباب المنتخب الجزائري مباراة نهائية في كرة القدم بفعل تدخل الإعلام الرسمي. لكم أن تتصوروا لو التقى المنتخب الجزائري في المباراة النهائية بنظيره اليمني على سبيل المثال. من المستبعد جدا في هذه الحالة أن يقدم لاعبو المنتخب الجزائري على ما قاموا به من ممارسات عدائية وعنيفة ضد اللاعبين الآخرين، لأنهم ببساطة إنما استندوا في هذا السلوك العدواني على ما تراكَم في نفوسهم ولا شعورهم الجمعي طوال الأيام الماضية من رسائل الكراهية والحقد التي تعرضوا لها. لا يتعلق الأمر إذن باختيار حر نابع من ظروف المباراة وتطورات أحداثها، وفرضته مثلا نرفزة كروية عابرة، بل إن ما رأيناه وتابعه الملايين من المشاهدين العرب يمثل نتيجة طبيعية للتجييش الذي يمارسه إعلام العسكر.

    ولعلّ في وسط هذ المشهد، على الرغم من آلامه وأوجاعه، جانب إيجابي يتمثل في الفضيحة الأخلاقية التي لحقت نظام العسكر، الذي أضحى واضحا أنه إنما يسعى لتنظيم التظاهرات الرياضية فقط لتصفية حساباته الضيقة وممارسة طقوسه العدائية، الموجهة على الخصوص ضد المغرب. لقد تابع أشقاءنا العرب بأم أعينهم كيف انفجرت أحاسيس الكراهية في أقدام وأيادي اللاعبين الجزائريين على الرغم من فوزهم بالمباراة، وفضحت هذه المشاهد المخزية الجزائر على رؤوس الأشهاد، وهو أمر لا شك في أنه يعزز ويؤكد بالملموس ما يحاول المغرب أن يشرحه للعالم منذ عقود على حد قول الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني: “ليعرف الناس مع من حشرنا الله في هذا المنطقة”.

    من أحداث واعتداءات وحشية على أطفال في عمر الزهور ،من قبل لاعبين جزائريين مشحونين وجمهور جزائري مضلل من قبل الإعلام الكابراناتي ، يكشف مرة أخرى طبيعة النظام الجزائري الدموي الذي يكن حقدا دفينا للمغرب وشعبه… إذ لا هم له إلا مراقبة المغرب وتتبع كل حركاته وسكناته وكأنه كلب حراسة منبطح وعيناه البراقتان تراقبان تحركات الفريسة، لكن الكلب بقي وسيقى على حاله وعلى نفس الوضع الذي هو عليه والمغرب يتطور وينمو ويتحول وسيأتي زمان ينفق فيه الكلب دون تحقيق ال… عرض المزيد

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تقرير: جائحة كورونا تعيد العالم خمس سنوات الى الوراء

    في مواجهة تزامن غير مسبوق من الأزمات، وخصوصا وباء كوفيد-19، تراجع العالم خمس سنوات على صعيد التنمية البشرية، ما يثير “الريبة” و”الإحباط” في جميع أنحاء العالم، وفق ما جاء في تقرير نشرته الأمم المتحدة الخميس.

    وحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في التقرير بأنه لأول مرة منذ تبنيه قبل ثلاثين عاما، انخفض مؤشر التنمية البشرية الذي يأخذ في الاعتبار متوسط العمر المتوقع والتعليم والمستوى المعيشي، لعامين على التوالي في 2020 و2021.

    وقال رئيس الوكالة التابعة للأمم المتحدة أكيم شتاينر في مقابلة مع وكالة فرانس برس “هذا يعني أننا نموت في عمر مبكر أكثر وأننا أقل تعليما وأن دخلنا ينخفض”.

    وشدد على أنه “عبر هذه المعايير الثلاثة، يمكن تكوين فكرة عن السبب خلف مشاعر اليأس والإحباط والقلق بشأن المستقبل التي بدأ الناس يحسون بها”.

    وبعدما بقي المؤشر في ارتفاع متواصل منذ عقود، عاد في 2021 إلى المستوى الذي كان عليه في 2016 “ماحيا” بذلك سنوات من التطور.

    والسبب الرئيسي هو كوفيد-19 إلى جانب الكوارث المناخية التي تتزايد والأزمات التي تتراكم من دون إعطاء الشعوب وقت ا لالتقاط أنفاسهم.

    وأكد شتاينر “مررنا بكوارث من قبل وحدثت نزاعات من قبل لكن تضافر ما نواجهه اليوم يمثل انتكاسة كبيرة للتنمية البشرية”.

    وهذا التراجع يكاد يكون معم ما على العالم أجمع، إذ يطال أكثر من 90% من الدول، حتى لو أن التباين لا يزال صارخا بين مختلف البلدان. ولا تزال سويسرا والنروج وإيسلندا في رأس القائمة، فيما تصنف جنوب السودان وتشاد والنيجر في أسفلها.

    وإن كانت بعض الدول بدأت تتعافى من تبعات الوباء، فإن دولا عديدة من أميركا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا والكاريبي لم تكن تعافت بعد حين حلت عليها أزمة جديدة مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

    وقال أكيم شتاينر “لا شك أن الآفاق للعام 2022 قاتمة” على ضوء الانعكاسات الخطيرة للحرب في أوكرانيا على الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وهي انعكاسات لم يأخد بها المؤشر الحالي الذي يتوقف عند أرقام 2021.

    ونتج تراجع مؤشر التنمية البشرية إلى حد بعيد عن تراجع متوسط العمر المتوقع بأكثر من عام ونصف بين 2019 و2021 (71,4 سنة في 2021 مقابل 73 سنة في 2019)، في حين كان يرتفع بصورة عامة بضعة اشهر كل سنة.

    وأوضح واضع التقرير بيدرو كونسيساو خلال مؤتمر صحافي أنه “بالرغم من الانتعاش الاقتصادي الكبير في 2021، فإن متوسط الحياة المتوقعة يواصل تراجعه” واصفا هذا التراجع بأنه “صدمة غير مسبوقة”.

    وأضاف أنه “في الولايات المتحدة تراجع متوسط الحياة المتوقع عامين، والتراجع أكبر من ذلك في دول أخرى”.

    كما لفت التقرير إلى “القلق” الذي يعم العالم وسكانه بسبب هذه الأزمات المتراكمة و”انعدام اليقين” الناتج عنها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • منطقة القبائل.. حقوق مهضومة

    الدار/ تحليل

    الجهود الدبلوماسية الجبّارة التي يبذلها فرحات مهني زعيم “جمهورية القبائل المحتلة” من أجل التعريف بقضية الشعب القبائلي ومطالبه وحقوقه التي هضمها نظام العسكر تكاد تكون جهودا استثنائية وتاريخية بالنسبة لقضية هذا الشعب المضطهد، والذي يصبو إلى حريته. لنتأمل قليلا ما يحدث في الجزائر، هناك شعب أمازيغي عريق يحمل ثقافة متوارثة منذ مئات السنين ويتعرض لإقصاء وتهميش مقصودين من طرف نظام فاسد ومستبد لا يؤمن بمبدأ الحقوق الثقافية التي يجب أن تتمتع بها الأقليات، فضلا عن الأغلبية. فنحن لا نتحدث عن أقلية ديمغرافية محدودة وإنما عن شعب يكاد يناهز 50 بالمائة من ساكنة الأراضي الجزائرية. هذا الشعب يطالب منذ عقود طويلة باعتراف رسمي بثقافته ولغته يتجاوز مسألة الدسترة الشكلية ومساواتها على الأقل بنظيرتها العربية.

    وفي انتظار تحقيق هذا المطالب التي طال انتظاره، يواجه المواطنون القبايليون نهجا من العنصرية والتهميش المقصود من طرف الدولة، التي لطالما ساومتهم بمنحة الدسترة لسنوات طويلة من أجل ربح الوقت وتحقيق غايات سياسية وانتخابية ظرفية. فعلى الرغم من المكانة الرمزية التي يعطيها الدستور الجزائري للغة الأمازيغية إلا أنها ظلت لغة من درجة ثانية حتى على مستوى ترتيب الإشارة إليها في هذه الوثيقة بها. ووسط هذا الوضع المستفز بالنسبة لشعب عريق كهذا الشعب، ينتظر النظام العسكري أن يستمر الصمت وأن يترسخ الخوف ويرضى القبائليون بما يمنح لهم بين الفينة والأخرى من فتات الوعود التي لم تستطع السلطة أن تنفذ منها ولو نزرا يسيرا. في ظل هذا الواقع المتخلف في التعامل مع التنوع الثقافي داخل بلد كالجزائر، تصبح المطالب الاستقلالية لمنطقة القبائل ذات مشروعية كبيرة وممتدة.

    يكفي أن يتم إطلاق استبيان للرأي في أوساط الجزائريين من أصول قبائلية، وخصوصا المقيمين منهم بالخارج، ليتبين أنهم لم يعودوا فعلا يقبلون الخضوع لفَشَلين مركبين. نعم، فوضع الشعب القبائلي أسوأ بكثير من باقي فئات الشعب الجزائري. هناك مظلمتان مسجلتان في حقه. من جهة يعاني من الاستبداد وغياب التنمية ونهب الثروات مثله مثل باقي الجهات والأعراق الجزائرية الأخرى، وفوق هذا الظلم الاجتماعي، ظلم ثقافي ولغوي وتاريخي يهضم هذا الشعب حقّه في رؤية لغته وهي تدرّس في المؤسسات التعليمية أو تستعمل في الإدارة أو على الأقل في إشارات المرور واللافتات المعلقة في الميادين العامة. ما الذي سيضير العسكر إذا ما حوّلوا اللغة الأمازيغية إلى ورش ليتم تفعيل وجودها الدستوري في الواقع وفي المؤسسات الجزائرية؟

    هل تعرفون لماذا لا يقْدم العسكر على هذه الخطوة؟ هناك سببان رئيسان: السبب الأول، سبب انتخابي، فهذا التفعيل للطابع الرسمي للغة الأمازيغية القبائلية ورقة يعلب بها الجيش في مختلف المحطات الانتخابية، إذ تنظر السلطات الجزائرية باستمرار إلى منطقة القبائل كخزان انتخابي لا أقل ولا أكثر، تساوم سكانها من أجل المشاركة في “الأعراس الديمقراطية” التي يصنعها العسكر ويديرونها. والسبب الثاني سبب نفسي. نعم إنه الخوف من قوة الثقافة والإرث التاريخي الذي تمثله الأمازيغية بالنسبة للشعب القبائلي. يخاف الكابرانات من أن يتحول الحضور الثقافي العادل للثقافة واللغة الأمازيغية إلى عامل ضغط اجتماعي ضد هذا النظام. لا يجب أن ننسى أن جلّ الحركات الحقوقية والسياسية المطالبة بمدنية الدولة وبدمقرطة النظام كانت ولا تزال تخرج من هذه المنطقة التي تمتلك تاريخا طويلا من النضال ضد العنصرية والاستعمار والإقصاء والتهميش.

    ولأن للثقافة وطأتها ونفوذها الجارف فإن نظاما عسكريا كرتونيا كنظام شنقريحة يرتعش ويرتعد من مجرد شعار ثقافي يطالب بالإنصاف الثقافي لفئة وعرقية جزائرية وازنة. أما المطالب المتنامية اليوم باستقلال هذه المنطقة عن سلطة العسكر في الجزائر فإنها تمثل كابوسا لهذا النظام الذي استنزف رصيد الشرعية المزيفة التي كان يقتات عليها بسبب ممارساته وسلوكاته المتناقضة خارجيا وتجاه جيرانه على الخصوص. لكن هذا المصير الاستقلالي لمنطقة القبائل هو القدر الذي ينتظر هذا البلد ما دامت هناك سلطة عسكرية متخلفة تبيح لنفسها التدخل في استقرار ووحدة تراب دولة أخرى بينما تفرض هي سلطتها على شعب عريق بالقوة والحديد والنار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • على المغرب تجاوز الطعنة التونسية والتحضير لما هو آت

    لقد كان التفاعل القوي والعفوي للشعب المغربي مع الضربة الخادعة للنظام التونسي في مستوى الأهمية التي يوليها كل المغاربة لقضية الصحراء المغربية وتشبثهم بوحدتهم الترابية. وقد كان لافتا التعبئة الشعبية منقطعة النظير التي تسبب فيها استقبال الرئيس التونسي لزعيم الانفصاليين. إلا أنه وبعدما مرور بعض الوقت، وبدأت تهدأ النفوس، قد حان الوقت لضبط النفس والتعامل مع هذا التطور في الموقف التونسي تجاه قضيتنا الوطنية بكثير من الاتزان واليقظة وبعد النظر.

    وفي هذا الصدد، سيكون في مصلحة المغرب أن تتوقف كل الجمعيات والأحزاب عن شجب ما قام به النظام التونسي. فلا شك أن الرسالة قد وصلت لمن يهمه الأمر في تونس، خاصةً الشعب التونسي، الذي تجمعنا معه علاقات أخوية متينة، والذي يعتبر أكبر ضحية للانقلابات الدستورية التي قام بها رئيسهم وللطعنة الخادعة التي وجهها للمغرب. ما علينا الآن أن نقوم به هو أن نترك الدبلوماسية المغربية وذوي الاختصاص يعملون في صمت وفي الكواليس من أجل الدفاع عن مصالح المغرب والحفاظ عن المكتسبات الدبلوماسية الجمة التي تحققت خلال السنوات الخمس الماضية. بموازاة مع ذلك، على الأحزاب السياسية المغربية أن تشمر على سواعدها وتقوم بالعمل الذي من شأنه أن يعود بالنفع على مصالح البلد على المدي القريب والمتوسط والبعيد. ويكمن هذا العمل في التواصل مع الأحزاب السياسية المعارضة لنظام قيس سعيد وتعزيز علاقاتها المؤسساتية معها تمهيداً للوقت الذي قد يسقط فيه هذا النظام. الكل يعلم بأن الرئيس التونسي يواجه معارضة شرسة من العديد من الأحزاب والنقابات وأن فئات عريضة من الشعب التونسي غير راضية عن الانقلابات الدستورية التي قام بها ضد العملية الديمقراطية. وبالنظر للضغوطات الخارجية التي يتعرض لها الرئيس سعيد على يد الولايات المتحدة وظهور بوادر أخذ كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية لبعض المسافة مع هذا النظام، بعدما كانتا من بين الدول التي دعمته ضد حزب النهضة، والمعارضة الشرسة التي يواجهها من طرف الأحزاب المتشبثة بالخيار الديمقراطي، فمن غير المستبعد أن ينج الشعب التونسي في التخلص من قيس سعيد في الشهور أو السنوات القليلة القادمة. إن الشعب الذي أنهى حكم نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي كان متحكما في كل دواليب الحياة السياسية والاقتصادية، قادر على تنحية رئيس لا يكاد يثبت أقدامه على رأس الدولة التونسية ويمر من أزمة اقتصادية خانقة قد تدفع بالشعب التونسي إلى الثورة في أي لحظة. ومن ثم، فعلى الأحزاب المغربية تعزيز علاقاتها مع نظيرتها التونسية وتفادي أن تقوم الجزائر باختراقها وضمها كذلك لصفها.

    فالخوف كل الخوف أن تستمر حملة التنديد ضد تونس وأن يقوم نظام الرئيس قيس سعيد باستعمالها لصالحه لتبرير الموقف الذي اتخذه من قضية الصحراء المغربية وأن يحاول تصوير المغرب على أنه دولة توسعية تسعى للنيل من مصالح جيرانها، وهي السردية التي عمل النظام الجزائري على الترويج لها منذ ستة عقود. إن استمرار نشر هذه البلاغات الاستنكارية قد يتسبب في استعداء الشعب التونسي، الذي علينا أن نقوم بكل شيء من أجل الحفاظ على علاقاتنا الأخوية معه. كما علينا تفادي الدخول في الحروب الكلامية في وسائل التواصل الاجتماعي وأن نتعامل مع كل ما يتم نشره بكثير من الحذر وأن نكون على يقين أن النظام الجزائري هو من يقف وراء المناشير المعادية للمغرب وأنه يهدف إلى إذكاء نار الفتنة بين الشعبين المغربي والتونسي. فنحن لسنا بحاجة إلى استعداء الشعب التونسي، بل علينا أن نظهر له أننا نفرق ما بين نظامه وما بين عموم التونسيين وأننا نتفهم وضعيتهم.

    وهنا علينا ألا ننس أنه، وإن كان من الصعب تقبل الخطوة التي قام بها النظام التونسي، فإنها لن تقدم ولن تؤخر شيئا بالنسبة للعملية السياسية المتعلقة بقضيتنا الوطنية ولن تقوم بنسف المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في الأونة الأخيرة. إن تونس لم تكن قط ذلك البلد الذي يتمتع بوزن سياسي كبير على المستو الإقليمي أو الدولي الذي قد يمكنه من خلخلة موازين القوى فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية أو أن يرجح كافة طرف على آخر. كما أن تونس تمر من أحلك فتراتها منذ استقلالها وتوجد على حافة الانهيار ولن يكون بإمكانها أن تشكل سنداً كبيراً للجزائر في إطار سعي هذه الأخيرة لنسف ما حققه المغرب. صحيح أن هذا الموقف التونسي يعتبر بمثابة انتصار دبلوماسي مؤقت بالنسبة للنظام العسكري الجزائري، ذلك أن يعطيه دفعة مهمة من الناحية المعنوية ويخرجه من العزلة الدبلوماسية التي عاشها منذ عدة سنوات. كما يعطي الانطباع بأن الجزائر استعادت قواها وأصبحت تستعيد مكانتها السياسية والدبلوماسية على المستوى الإقليمي. إلا أنه من الناحية السياسية والدبلوماسية، فإن الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي لن تغير من الدينامية التي يوجد فيها الموقف المغربي. هذا لا يعني أنه ينبغي التخلي عن تونس وتسليمها في طابق من ذهب للنظام الجزائري. على العكس من ذلك، ينبغي للمسؤولين المغاربة القيام بكل ما في وسعهم من أجل منع هذا الأخير من تحويل تونس إلى حديقته الخلفية. وفي هذا الصدد، سيكون حري بالمغرب أن يعمل على تفادي قيام الرئيس التونسي بخطوة إضافية وأن يقوم بالاعتراف بالجمهورية الورقية للبوليساريو. فلن يكون ذلك السيناريو في مصلحة المغرب وسيجعله في عزلة على المستو الإقليمي، وسيمكن الجزائر من لعب دور الزعامة الذي حلمت بلعبه في المنطقة على حساب المغرب.

    ولعل خير سبيل لتحقيق ذلك هو أن يعمل المغرب على تعزيز نفوذه ووزنه الاقتصادي في تونس وألا يترك المجال فارغاً للجزائر لتستفرد بهذا البلد وتجعله حكراً عليها. لقد كان من الطبيعي أن تكون ردة فعل الكثير من المغاربة بعد الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي ضد المغرب مطالبة الحكومة المغربية باتخاذ إجراءات اقتصادية عقابية ضد تونس، في مقدمتها انسحاب التجاري وفا بنك من هذا البلد وإلغاء العمل باتفاق التبادل الحر بين البلدين. لا شك أن اتخاذ قرارات مثل هذه قد تجعلنا نحس بنوع من الرضا الآني وبرد الصاع صاعين. إلا في حالات مثل هذه، ينبغي لنا أن نترك عواطفنا جانبا، ذلك أن قرارا من هذا النوع سيخدم مصالح خصوم المغرب، وسيعزز السردية التي بدأت الآلة الدعائية الإعلامية الجزائرية تروج لها وهي أن المغرب يسعى للنيل من اقتصاد تونس لتعزيز نفوذه الاقتصادي على المستوى الإقليمي. كما أن أول متضرر من هذه القرارات سيكون هو الشعب التونسي الذي يعتبر ضحية السياسات التي يتبعها الرئيس سعيد. إن ما تقتضيه هذه المرحلة هو الاحتكام لصوت الحكمة والعقل. وتقول الحكمة إنه ليس في مصلحة المغرب أبداً إعطاء أي انطباع بأنه يسعى للنيل من مصالح هذا الشعب، بل أن يظهر له أنه لا زال متشبثاً بالحلم المغاربي وبأن تضطلع تونس بدور ريادي في تحقيقه وأنه يسعى لتحقيق رفاه وازدهار كافة شعوب المنطقة. ينبغي للمغرب أن يعزز حضوره الاقتصادي في تونس وأن يجعل منه الورقة التي ستساعده في المستقبل على إرجاع تونس لصوابها ولمواقفها الحيادية تجاه قضية الصحراء. كما على كل القوى الحية في المغرب أن ترفع وعي الرأي العام التونسي بأهمية اتفاق التجارة الحرة الذي يربط البلدين وأن هذا الأخير يصب في مصلحة بلادهم. فمن شأن حملة إعلامية من هذا القبيل أن تساعد التونسيين على فهم مدى أهمية الحفاظ على علاقات وطيدة مع المغرب وأن تدفع الفاعلين الاقتصاديين التونسيين إلى الضغط على الحكومة التونسية لثنيها عن القيام بأية خطوة من شأنها أن تؤدي بالبلدين إلى القطيعة الدبلوماسية. كما على القوى الحية المغاربية ألا تدخر جهداً لرفع مستوى وعي الرأي التونسي بالحيثيات والتفاصيل التاريخية لملف الصحراء المغربية وقطع الطريق أمام الألة التضليلية الجزائرية. وهنا علينا أن نستحضر أنه منذ نشوب النزاع حول الصحراء، لم تكتف تونس بالحياد الإيجابي، بل دعمت المغرب بشكل واضح. ولعل ذلك ما حدث عام 1982 حينما قبل الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية مشاركة وفد البوليساريو باعتباره عضوا في المنظمة. وقد كانت تونس من بين 18 بلداً وقفوا إلى جانب المغرب في التنديد بهذه الخطوة، كما كانت من بين تسع دول انسحبت من أحد اجتماعات المنظمة في شهر أبريل 1982.

    ومن جهة أخر، أظن أنه جاء الوقت لنقف وقفة تأمل وتشخيص مواطن الخلل في الدبلوماسية المغربية وأن نعمل بشكل استباقي للحيلولة دون الجزائر من تحقيق مكتسبات دبلوماسية جديدة. فمن سابع المستحيلات أن تكون حياة الإنسان أو حياة الأمم كلها انتصارات واختراقات دبلوماسية. ومن الطبيعي أن تكون هناك كبوات أو هفوات بين الفينة والأخرى، وذلك ليس عيبا. ولكن حينما تقع تطورات من هذا القبيل، ينبغي القيام بتشخيص الوضع واستجماع كل القوة واستعمال كل الأوراق المتاحة من أجل مواجهة الخصوم بشكل فعال وإحباط كل مخططاتهم الهدامة.

    كما ينبغي التسليم بأن المغرب دخل في مرحلة جديدة وجد حساسة في حربه الدبلوماسية ضد الجزائر وحلفائها، خاصة وأن نظام الجزائر قد استفاد من الفقاعة المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والبترول وأنه يعتبر من أكبر المستفيدين من الحرب الدائرة في أوكرانيا. وبالتالي، فعلى غرار ما قام به هذا النظام في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حينما استعمل قوته المالية من أجل شراء دعم الدول الإفريقية، فإنه لن يدخر جهداً من أجل اتباع نفس السياسة خلال المرحلة القادمة.

    فالجزائر تعرف أنها خسرت العديد من المعارك الدبلوماسية ضد المغرب خلال السنوات الخمس الماضية وأن هذا الأخير أصبح أقوى مما كان عليه في الماضي، خاصةً بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء والدعم الواضح للموقف المغربي الذي قدمته كل من إسبانيا وألمانيا، وكذلك افتتاح أكثر من 30 بلداً افريقيا لقنصلياتها في أقاليمنا الجنوبية. كما تعلم أن أحد الأهداف الرئيسية التي يشتغل عليها المغرب لوضع حد للنزاع بخصوص الصحراء المغربية هو طرد البوليساريو من الاتحاد الافريقي. وبما أن عضوية الجمهورية الورقية للبوليساريو تعتبر هي آخر ورقة دبلوماسية تمتلكها الجزائر، فإنها ستعمل لا محالة على استعمال السيولة المالية التي حصلت عليها خلال الشهور الستة الماضية من أجل استمالة بعض الدول الإفريقية التي فتحت قنصلياتها في الصحراء المغربية من أجل التراجع عن قرارها.

    ولعل أهم مؤشر عل ذلك هو وصول وفد البوروندي لتونس للمشاركة في اجتماع تيكاد الأسبوع الماضي على متن طائرة تابعة للرئاسة الجزائرية. كما أن المؤشر الثاني والأهم هو استقبال الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، لرئيس غينيا بيساو بداية هذا الأسبوع، بعدما كان هذا الأخير قد انسحب من المشاركة في مؤتمر تيكاد احتجاجاً على مشاركة زعيم مليشية البوليساريو في ذلك المؤتمر. إن القاسم المشترك لهذين البلدين هو أن كلاهما فتحا قنصليته في أقاليمنا الجنوبية بعدما كانا من بين أول الدول التي اعترفت بالجمهورية الورقية للبوليساريو وكانت من بين أول المدافعين عن انضمامها للاتحاد الإفريقي. فكلا البلدين كانا بين الدول الإفريقية الستة وعشرين التي وجهت رسالة للأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية في شهر فبراير عام 1982 وطلبت منه توجيه دعوة رسمية لزعيم البوليساريو للمشاركة في اجتماعات مجلس وزراء المنظمة بصفته عضوا فيها، وهو ما استجاب له الأمين العام للمنظمة Edem Kodjo. كما أن القاسم المشترك بين هذين البلدين هو أنهما يعتبران من بين العشر دول افريقية الأول التي كانت قد اعترفت بالجمهورية الورقية بحلول شهر مارس 1976 (إلى جانب كل من الجزائر ومدغشقر وبنين وأنغولا والموزمبيق وكوريا الشمالية وطوغو وراندا). وبالتالي، يظهر بأن الجزائر تحاول استرجاع نفوذها على الدول التي كانت تدور في فلكها حتى وقت قريب والتي استطاع المغرب استمالتها لصالح موقفه بفضل السياسة الإفريقية التي تبناها الملك محمد السادس منذ ما يزيد عن عقد من الزمن.

    عل ضوء التطورات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية وعزم الجزائر على تقويض كل الخطوات التي يقوم بها المغرب لتعزيز نفوذه في إفريقيا لتهيئ الظروف لطرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي، يظهر أن المغرب في حاجة إلى خلق زخم جديد في العلاقات التي تجمعه مع شركائه الأفارقة. وأما عجز مختلف الوزراء المنتمين لهذه الحكومة أو أولئك الذين تقلدوا المسؤولية في الحكومة السابقة على البناء على الزخم الذي خلقته الزيارات التي قام بها الملك محمد السادس للعديد من بلدان القارة خلال الفترة ما بين 2013 و2017، تظهر أن هناك حاجة ملحة لاستئناف عاهل البلاد لزياراته المكوكية للبلدان الإفريقية. فقد أظهرت لنا التجربة أن تلك الزيارات ساهمت إلى حد كبير في استعادة المغرب لمكانته ونفوذه على المستوى الافريقي ومهدت الطريق لرجوعه للاتحاد الإفريقي. ورأينا كيف أن تلك الزيارات والاتفاقات التي رافقتها دفعت العديد من البلدان إلى مراجعة مواقفها بخصوص قضية الصحراء المغربية، مما مهد الطريق أمام فتح قنصلياتها في الصحراء أو في تبنيها لموقف الحياد الإيجابي.

    إن الاستقبال الذي خصه الرئيس الجزائري لرئيس غينيا بيساو يعتبر مؤشرا واضحا على نوايا النظام الجزائري وعزمه نسف كل ما حققته الدبلوماسية المغربية في إفريقيا جنوب الصحراء خلال العقد الأخير. ومن ثم فإن أهم ورقة ينبغي للمغرب أن يلعب عليها هي رجوع الدبلوماسية الملكية للساحة الإفريقية. بناء على النجاحات التي حققتها هذه الدبلوماسية في السابق، فلا شك أن حملة دبلوماسية في الشهور القادمة ستساهم إلى حد كبير في إحباط المخطط الجزائري ومساعدة المغرب على الحفاظ على مكتسباته الدبلوماسية.

    وسيراً على هذا الاتجاه، ينبغي أن تكون موريتانيا هي أول محطة من بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي ينبغي زيارتها في المرحلة القادمة. من المعلوم أن الجزائر حاولت على مدى العقود الأربعة الماضية استمالة موريتانيا للاصطفاف إليها في دعم أجندتها. وقد تمكنت الجزائر من تحقيق ذلك عن طريق الترغيب والترهيب ومن خلال الترويج لسردية مفادها أنه في صالح موريتانيا أن يكون بينها وبين المغرب دولة أخرى للنأي عن نفسها عن التهديد المزعوم الذي يشكله المغرب على وحدتها وسلامة أراضيها.

    وكانت العلاقات بين المغرب وموريتانيا قد دخلت نوعاً من التوتر خلال فترة الرئيس السابق محمد عبد العزيز. وكان من بين مظاهر التوتر بين البلدين لما يزيد عن خمس سنوات استقبال هذا الأخير لأعضاء البوليساريو بشكل منتظم وتركه لمنصب سفير موريتانيا لدى المغرب شاغرا لمدة خمس سنوات، ورفع العلم الموريتاني في الكويرة عام 2015 ورفضه استقبال وفد وزاري مغربي قبل انعقاد القمة السابعة والعشرين للاتحاد الإفريقي التي كانت مقررة في شهر يوليوز 2016، بالإضافة إلى حادثة الكركرات. وقد تميزت فترة عبد العزيز بتقرب كبير نحو المحور الجزائري وبانحرافه عن الحياد الحذر الذي نهجته موريتانيا تجاه الصراع المغربي-الجزائري حتى عام 2009 على الرغم من أنها اعترفت بالجمهورية الصحراوية كرها عام 1984. ولعل من بين مؤاخذات الرئيس الموريتاني على المغرب كون الملك محمد السادس لم يقم بأي زيارة لموريتانيا منذ أن دشن حملته الإفريقية بينما قام بزيارة العديد من البلدان الأخرى مرتين أو أكثر. وعلى الرغم من عودة شيء من الدفء للعلاقات بين البلدين بعد انتخاب الرئيس محمد ولد الغزواني، إلا أن العلاقات بين البلدين لم ترق بعد لمستوى العلاقات التاريخية والثقافية والروحية بين البلدين. كما أن المغرب لم يعط بعد ضمانات لموريتانيا بأنه يضعها في صميم ألوياته وأنه يسعى لبناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد معها أو أنه يسعى لجعلها في صلب سياسته الإفريقية. وببقاء نفس العوامل التي أعاقت التقارب بين البلدين، يبقى المجال مفتوحا أمام الجزائر لاستغلال الفراغ الذي يتركه المغرب لإقناع موريتانيا للانضمام لمعسكرها. كما كنت قد أشرت إلى ذلك في مقال نشرته عام 2016، فإن أحد الهواجس التي تؤرق الموريتانيين هي أن يصبح بلدهم محاطاً ببلدين غير صديقين. فمن المعلوم أن العلاقات بين موريتانيا والسنغال تعيش دائما على وقع التوتر، بينما العلاقات بين المغرب وموريتانيا تعرف الكثير من الفتور. وفي الآن نفسه، تجمع المغرب بالسنغال علاقات استراتيجية متعددة الأبعاد وتعتبر السنغال من بين أهم حلفاء المغرب في القارة. وما دام المغرب لم يرقي بعد لعلاقاته مع موريتانا لمستوى استراتيجي ولم يعطيها ضمانات ملموسة حول نواياه الحسنة، فإن موريتانيا، تنظر بعين الرب للعلاقات المغربية-السنغالية وتفضل إنشاء دولة بينها وبين المغرب لتفادي حصارها بين المغرب والسنغال. بطبيعة الحال، فإن الجزائر عملت وستعمل على استغلال تقصير المغرب تجاه موريتانيا لإذكاء هذا الانطباع الخاطئ والحيلولة دون وقوع تقارب بين البلدين. ولتفادي هذا السيناريو إطلاق مسلسل جديد في العلاقات بين البلدين، فمن مصلحة المغرب أن يضع من بين أهم أولوياته بناء شراكة استراتيجية حقيقية بين البلدين ومساعدة البلد على إنجاح جميع المبادرات الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها الرئيس الموريتاني، في مقدمتها المخطط الذي أطلقه في الآونة الأخيرة من أجل النهوض بالفلاحة. كما سيكون في مصلحة المغرب إعفاء الموريتانيين من التأشيرة لدخول المغرب، خاصة وأن هناك إقبالا متزايدا للموريتانيين على القنصلية المغربية للحصول على تأشيرة لدخول المغرب.

    إلا أن أي زخم حقيقي في العلاقات بين البلدين لن يتحقق إلا من خلال جعل موريتانيا من بين الوجهات الأول في إطار الجولة الإفريقية التي ينتظر كامل المغاربة بفارغ الصبر أن يقوم بها جلالة الملك للحفاظ على المكاسب الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي حققها المغرب خلال السنوات الخمس الماضية. لقد أظهرت الدبلوماسية الملكية نجاعتها وقدرتها على تدليل كل الصعاب وتخطي كل العقبات التي وقفت أمام المغرب خلال العقود السابقة في طريق الحصول على دعم أصدقائه وأشقائه الأفارقة. وأمام ظهور بوادر تظهر عزم الجزائر الرمي بكل ثقلها في إفريقيا لنسف كل ما حققه المغرب، فإن هذا الأخير في حاجة ماسة لدبلوماسيته الأولى لمواجهة المد الجزائري ووأده أو على الأقل التخفيف من انعكاساته السلبية على الديناميكية الإيجابية التي دخل فيها الموقف المغربي منذ ما يزيد عن خمس سنوات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الإنقلابيون المزورون.. الدولة المغربية لا عمق معلوم لها!!

    إدريس بنيعقوب 

    أغرمنا، إلى درجة الهوس، في زمن مضى بالممثل السينمائي الهندي الشهير أميتاب باشون. تعرف عليه جمهور سينما الزمن الجميل في المغرب، أكثر مما تعرفوا على ممثلين مغاربة أو عرب أو حتى على رؤساء دول وغيرهم. كانت أفلامه تعبر عن حجم معاناة البسطاء المهمشين والفقراء والمظلومين، وتغول المافيات والمفسدين النافذين. أفلام جسدت “إيديولوجيا” التنفيس الجماهيري العظيم. كانت أدواره التمثيلية وهو يصرخ ضد الظلم، تنفس عن ضغط و غبن عميق لدى مقهوري المجتمع المغربي، وكانت تمتص غضبهم الواقعي القابل للإنفجار، فلم يكن هناك فيسبوك حينها يقوم بالمهمة. فمغبونوا الأمة خبزيا أو سياسيا أو ثقافيا، كانوا لا يغادرون فرصة تتاح لهم، دون أن يتغابنوا بشكل جماعي، خصوصا أثناء استهلاك أفلامه التي كانت فرصة لتمرير أفكار يقاس عليها الوضع المغربي حينها.

    مغبونون لم يجدوا طريقهم للانتقام من القهر، فوجدوها في أميتاب باشون الهندي، الذي تبعد بلاده آلاف الكيلومترات عن المغرب، لكن أفلامه فعلت مفعولها في حس الرعية وقتها.

    لازلت أتذكر فيلمه السياسي الشهير “انقلاب”. عرض عندنا في سينما المغرب بشارع بركان بمدينة أحفير الحدودية ذات شتاء من سنة 1988، والذي اعتبر عرضه آنذاك حدثا تاريخيا بكل المقاييس، كاد أن يخلد رفقة الأيام المجيدة، بل وثقت به حقبة وذكريات فأصبح يقال عام فيلم انقلاب.

    إبن الخامسة عشرة آنذاك، كنت أيضا رفقة زملائي في إعدادية سيدي محمد بن عبد الرحمان بالمدينة كباقي كل سكانها  والمداشر المحيطة بها، من عشاق السينما الهندية وتحديدا البطل والفارس أميتاب باشون في أهم أفلامه، فقد كانت العدوى كبيرة وقوية ولربما أصابتنا منذ كنا في بطون أمهاتنا من كثرة ما سمعنا، ونحن أجنة، من كلام عن الهنود.

    طبعا لم يكن هناك لا نتفلكس ولا انترنيت، فقد كانت السينما المتنفس الوحيد والأوحد خارج الدراسة والعمل. معلمون، مياومون ومأجورون وتجار وموظفون وغيرهم، كان همهم هو تأمين مبالغ لشراء تذاكر السينما، حينها عندنا كانت أجرة عمل مأجور يومي لا تتعدى 25 درهما ليوم عمل، بعد سنوات جفاف عجاف.

    جغرافيا المنطقة اختار لها الله مجاورة الشقيقة الجزائر. في ذلك الزمن فعل الإعلام الجزائري فعلته العميقة في ثقافة ساكنة المنطقة، بما كانت تتميز به التلفزة الجزائرية من تجديد وحوارات سياسية وثقافية وبرامج دينية مختلفة عن ركن مفتي ثمانينيات القرن البائد، الذي كانت تبثه تلفزة البصري آنذاك. فقد كان في تلفزة العسكر الجزائري الشيخ محمد الغزالي في دروس وأحاديث أسبوعية، لعبت هي أيضا دورها الذي لايستهان به.

    إلى جانب ذلك، تمتع سكان المنطقة حينها برفاهية إعلامية، من خلال ما تعرضه القناة الجزائرية من مسلسلات مصرية وعالمية جديدة، ورسوم متحركة غنية جدا، وأفلام هوليوود وغيرها حديثة الصدور.

    حدث كل هذا في ظرف زمني، كانت فيه التلفزة المغربية تعيش ما قبل تاريخ الإعلام، رغم أن البصري أطلق حينها حملة ما عرف “بالتلفزة تتحرك’ غير أنها لم تتحرك كثيرا!

    وأذكر أننا، شاهدنا مسلسل رأفت الهجان الشهير في نفس السنة التي انتج فيها وعرض في مصر. لفد تعرف جيلنا على الراحل المهدي المنجرة، من خلال مشاركته في بعض برامج وحوارات وندوات تلفزة الجزائر، وتعرفنا عليه حينها بأنه مغربي. التحليلات السياسية والعسكرية لاسيما لحرب الخليج وحضور قادة عسكريين كبار كالراحل سعد الدين الشاذلي، وغيره في التلفزة الجزائرية حينها. تأطير إعلامي قوى ثقافة الشباب، وفتح لهم مسارات نظر أعمق بكثير مما كانت تقدمه التلفزة المغربية، مما يشكل أحد أخطر وأكبر أعطاب الإعلام العمومي المغربي، الذي ترك مهمة تأطير الرعية اليافعة أساسا، إلى قنوات إعلام أجنبية مؤثرة في الذهنيات والسلوك.

    عودة إلى سينما أحفير، أتذكر أننا كأطفال، كان علينا المغامرة في لعبة قمار شعبية شهيرة في المنطقة (الشكشاكة)، بحوالي عشرين سنتيما في إحدى خانات طاولة اللعبة، حتى نتمكن من جمع حوالي درهم ونصف لكل واحد منا، للتمكن من الدخول للسينما. كانت بوابتها الوحيدة مكتظة ومزدحمة إلى الشارع. حضور غفير وصراع في الباب من أجل الظفر بكرسي مريح للمشاهدة. نحن الصغار لم نلج إلا في آخر الحشد، فكان لزاما بل و مفروضا أن نجلس في الرتبة “أ”، أي في مقدمة قاعة العرض الوحيدة بالسينما، حيث المشاهدة صعبة بعنق ممدود للأعلى بشكل متعب، والنظر إلى شاشة طويلة لا يرى منها الشيء الكثير بوضوح.

    الفيلم الهندي الذي حجت إليه الركبان، كان يروي قصة شخص نزيه، عمل في الدولة بصدق وأمانة وتعرض للمؤامرة وللظلم والاضطهاد، فكافح عن طريق بوابة السياسة والأحزاب والانتخابات من أجل الإنتقام، إلى أن صار رئيس حكومة بلاده. طبعا البطل هو أميتاب باشون معبود الجماهير. عندما تقلد المنصب، عقد أول اجتماع لحكومته على وقع الرصاص والدم. في ذلك الاجتماع بوزرائه، خطب فيهم خطبة مفعمة بمشاعر وشعرية السينما. فضح كل واحد منهم وعرى عن فسادهم وخذلانهم للشعب كل في القطاع الموكول له تسييره، ثم أصدر حكمه عليهم بالاعدام على يديه.

    عندما أنهى تنفيذ العملية بواسطة رشاش أسود، سلم نفسه لرجال الأمن الذين قاموا بتكبيله. غير أن الجماهير كانت تحبه فحاولت الصدام مع الأمن من أجله. هنا امتطى أميتاب باشون سطح  سيارة الشرطة ليخطب في الجماهير عن الفساد وعن ضرورة التغيير. ختم خطابه بصرخة مفعمة بالتمثيل بأعلى صوته يوجهها كدعوة للشعب ” انكلااااااااب”، أي انقلاب، وليس انكلاب من الكلب.  حينها اهتزت سينما المغرب بأحفير بصوت رجل واحد، وبحماسة عسكرية مجلجلة مدوية، اهتزت لها أركان السينما المهترئة أصلا، رددوا، بشكل لغوي سليم، وراء الممثل على الشاشة كلمة انقلااااب عدة مرات، حتى أصبنا بقشعريرة الممسوس، أو الذي أصابته الجذبة الربانية، كان ذلك في زمن “أثثه” جيل النضال وأجيال اليسار المتعطشة إلى الحريات و الديمقراطية.

    لازلت أذكر بل وأسمع صدى ذلك الصوت الرهيب المهيب في كلمة انقلاب. تلك الكلمة كانت تشكل عقدة للمخزن، وكانت توقظ في خياله ذكريات محاولات قلب النظام الفاشلة وانقلابات السبعينيات المؤلمة والمخيفة في نفس الوقت، كان مآلها الفشل لأن الدولة لها جذور وفروع في كل مكان.

    وأنت تنصت إلى ذلك الصوت المرعب، تخال نفسك وسط جيش يستعد للخروج للشارع، للسيطرة على الإذاعات و الشوارع ومفاصل أهم المدن والطرقات، استعدادا لإصدار البيان رقم واحد.

    ترددت كلمة انقلاب على نفس الإيقاع والحس،  فقد تقمص جهمور أحفير المغربي شخصية الممثل المأجور عن دوره في الفيلم، وأصابته هستيريا الكلمة الغامضة المفعمة بحلم الشجاعة والبطولة في محاربة الظلم، إلى أن أشعلت أضواء قاعة العرض فخفت وهج الحماس وطلب من الجمهور، الذي تباطئ في مغادرة القاعة، الإنصراف إلى مثواه المعتاد مع منتصف الليل تقريبا.

    على بوابة السينما كانت “المفاجئة” المعتادة. شرطيان من الحرس القديم، رفقة عنصرين من القوات المساعدة للزمن نفسه، بصحبة شيخ أو عون السلطة وموظف عن الشؤون العامة، الذين كلهم كانوا يشكلون فريق أمني لضبط الحركة مع بداية الليل. أولى أوامر الشرطة في البوابة الوحيدة هي إظهار بطاقة التعريف الوطنية. البطاقة كانت عملة نادرة حينها، من يملكها أو يملك المبلغ المالي لإنجازها فقد كان من الشجعان القادرين على دخول الكوميسارية بل ومن علية القوم.

    صفع وركل ورفس لكل من لم تكن معه البطاقة. بل حتى بعض ممن كانوا يحملونها تعرضوا لدفعة مذلة إلى الشارع أو لكمية معتبرة من السب والشتم، وفق قواميس أعدت بشكل خاص ووفق معايير الانتماء الطبقي والمهني آنذاك، خصوصا رجال التعليم وما عرف عن نشاطهم السياسي والنقابي وقتها.

    كان هناك من تعرض لنوبة تبول لا إرادي حادة، هناك من بكا بكاء المكلوم في أمه، وآخر استعطف والتمس وقبل اليدين، وآخر توسل بالأنبياء وبالرسول الكريم وصحابته الكرام، وآخر زج به إلى سيارة إسعاف كان يستعملها “المخزن” في نقل المشتبه بهم التوفر على أضعف الإيمان المحتمل للإخلال بالأمن العام.

    أما نحن أصحاب الجثث الصغيرة جدا، فقد ساعدنا الرب الرحيم للقيام بعملية دقيقة ومدروسة بعناية، وتكتيك محكم لهروب كبير  بأعجوبة، من تحت الأرجل نحو الشارع. ومع ذلك فإنه بعد تفرق الحشد السينمائي، الذي لم يفرح بالفيلم، يطارد المخزن الانقلابيين المفترضين في الأزقة المظلمة لإتمام عملية إدخالهم إلى بيوتهم عنوة، لإزالة الشك المستحيل في إنشاء خلايا فوضى مسيسة.

    من عاش تلك الفترة يعي جيدا حجم هوامش الحرية الذي تعيشه الأجيال الجديدة، ويرى بأم عينيه ما تقوم به الدولة من إصلاحات، تهدف إلى القطع مع زمن القمع والتسلط، ويبقى الأمر غير مرتبط فقط بإجراءات وقرارات إدارية أو قانونية، بل مرتبط بالأساس بالاشتغال المعرفي على تغيير الذهنيات.

    سنوات ضوئية كثيفة تفصل بين جمهور سينما المغرب بشارع بركان بمدينة أحفير الحدودية، الذي وقف ذات لحظة حلم، وقفة رجل واحد بصوت واحد وبحركة واحدة صارخا انقلااااب، وبين تلك الأجساد البشرية المرتجفة أمام صولة وهالة “المخزن” الذي لم يجسده سوى خمس عناصر من موظفي الدولة. ذلك الجمهور البئيس المثير للشفقة، إنهارت دفاعاته ومعنوياته أمام أول همس ونميمة عن إحتمال وجود المخزن في باب السينما، انهارت قواه قبل أي اشتباك جسدي أو لفظي أو حتى وهمي. أتذكر كم كان الشعب شجاعا داخل القاعة، بل حطم جميع أرقام القياس في الصراخ داخلها، وكم كان جبانا خائنا لنفسه مرتعبا خارجها، محطما أرقاما قياسية جديدة أخرى في الخوف.

    أتذكر ذلك كله وأنا أشاهد الحجافل والصراخ في كل مكان في مغرب اليوم، حول قضايا كثيرة اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها. صراخ بطولي في الشتاء أو في شباك التواصل الاجتماعي، لا يكاد يصل مداه إلى عطلة الصيف المريحة وإلى شواطئه الجميلة، رغم أزمات الغلاء. ينسى وينسى كما نسيت صرخات قبله. صراخ استهلاكي مزعج ليس له عمق أو قرار أو فروع.

    المفارقة الوحيدة بين المشهدين هي أن “مخزن” اليوم لم يعد يبذل مجهودا عنيفا مخيفا خارجا عن المألوف، لإيقاف الصراخ في البوابات أو مطاردته في الليالي، قبل تحوله إلى فعل اجتماعي، فقد أدرك  أولا أننا نملك  ذاكرة ذبابة، وأن كثيرا من الصراخ لا يستحق الرد لأنه وهمي وافتراصي، وأنه سيتلاشى لوحده في الأثير كسابقه، فهو ربما صراخ من قبيل العادات المغربية العريقة، ربما يشبه نواح الأرملة على بعلها، أو لعله ناتج عن وعي حقيقي بمسؤولية الانتماء إلى قيمة الاستقرار الجماعي.

    ولمن يريد أن يتعلم من تاريخ الدولة المغربية، فعليه أن يعي أنها لا تملك دولة عميقة بالمعنى السائد، لأن الدول العريقة كالمغرب لا عمق لها، أو لنقل أنه ليس لها أي عمق معلوم الحدود، وأن كل مؤسسة ظهر رأسها على سطح الدولة، حتى أصبح معلوما عند العامة، فهي مؤسسة لا تنتمي إلى عمق الدولة الحقيقي!

    *باحث في العلوم السياسية
    إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ملعب الثمامة أحد ملاعب أسود الأطلس في مونديال قطر يستضيف قادة مشجعي المنتخب المغرب

    زنقة 20 | متابعة

    أقامت اللجنةُ العُليا للمشاريع والإرث القطرية أول أمس فعاليةً خاصةً بقادة مشجعي المنتخب المغربي في ملعب الثمامة، ضمن شبكة قطر لقادة المشجعين من أنحاء العالم ضمن البرامج الترويجية لنهائيات كأس العالم FIFA قطر 2022، وذلك لتعريفهم بأحد ملاعب المونديال المقرر إقامته خلال الفترة من 20 نوفمبر إلى 18 ديسمبر القادمين، إلى جانب التعريف بالإجراءات التنظيمية الخاصة بالاستاد خلال البطولة.

    وتم خلال الفعالية إطلاع قادة مشجعي المنتخب المغربي والذين قارب عددهم الخمسين، على مرافق استاد الثمامة الذي سيستضيف مباراتين من مباريات المنتخب المغربي في البطولة العالمية المرتقبة أمام منتخبَي بلجيكا وكندا ضمن منافسات المجموعة السادسة التي تضم أيضًا المنتخب الكرواتي وصيف النسخة السابقة في روسيا 2018، كما تسنَّى للحاضرين التعرف على كل ما يضمه الاستاد المونديالي من مرافق ومنشآت، إلى جانب معايشة الأجواء الاستثنائية التي سيعرفونها على أرض الواقع خلال كأس العالم في نسخته العربية والشرق أوسطية الأولى في التاريخ.

    وأكَّدَ مولاي الزين الموساوي نائب سفير المملكة المغربية لدىقطر، أنَّ نهائيات كأس العالم في قطر ستكون مفخرة لكل العرب على مستوى التنظيم بعد التحضيرات الكبيرة التي قامت بها دولة قطر والتي سعت من خلالها أن تخرج النسخة المقبلة من المونديال بصورة استثنائية وفريدة.

    بدوره، أكَّدَ المهندس خليفة المانع، مدير إدارة منشأة استاد الثمامة، على أن الاستاد بات معروفًا بالنسبة للجماهير العربية بشكل عام والجماهير المغربية على وجه الخصوص، بعدما استضاف نهائيات كأس العرب FIFA قطر 2021، وخاض المنتخب المغربي مباريات خلال تلك المنافسة على الملعب، متمنيًا أن يكون الاستاد فأل خير على المنتخب المغربي في المونديال عندما يستضيف مواجهتَين في دور المجموعات.

    وقال: الاستاد سيحظى بشرف استضافة مباريات لمنتخبَين عربيَّين، فإلى جانب المنتخب المغربي ستكون هناك مباراة للمنتخب القطري، مشددًا على أن الملعب سيزداد ألقًا بوجود الجماهير، خصوصًا العربية منها في ظل صبغة عربية لنهائيات كأس العالم التي باتت على الأبواب بفاصل زمني يكاد لا يذكر.

    وأضاف: «واثقون من أن الجماهير المغربية ستكون حاضرة لمؤازرة منتخبها هنا في كأس العالم، وسيكون الأمر مختلفًا عن أية مناسبة سابقة بطبيعة الحال، مُتمنيًا التوفيق للمنتخب المغربي في تسطير مسيرة مميزة في البطولة».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • علاج “مرض” خرق قانون السير!

    عبد اللطيف مجدوب

    تشخيص المرض “الظاهرة”

    أصبحت أخبار حوادث السير ؛ عبر الطرقات الوطنية ، سواء داخل المدارات الحضرية أو خارجها ؛ تتعاظم إلى درجة تسجيل 20 حادثة كل ساعة زمنية ، وبحالات بين المميتة والخطيرة ، مع ترشحها إلى مستويات أشد خطورة ، لا سيما في المناسبات والأعياد وفصل الصيف ، وتشير آخر الإحصائيات الرسمية تسجيل 8 قتلى و 340 جرحى في كل يوم ، تتعدد أسبابها بين الحالات الميكانيكية للمركبات ، والحالات الطرقية ، والحالات البشرية ، وتكاد هذه الأخيرة تحتل الصدارة في الإحصائيات العامة لحوادث السير ، كما تم تدوينها في محاضر الشرطة والدرك ، ولعل الرعونة والاستهتار بالقانون والعناد والتسيب أضحت من أبرز العناصر الفاعلة في حادثة السير ؛ بنسبة تكاد تصل إلى %65 .

    هل نحترم القانون ؟!

    عديدة هي الأبحاث الميدانية التي خلصت إلى نتائج مقلقة ، حينما يتعلق الأمر بالإجابة عن سؤال: ” هل القانون يحظى بالاحترام ؟” ، هل نحن متشبعون بثقافة القانون والعمل بمقتضياته ، أو بالأحرى هل نحن ننتمي إلى دولة الحق والقانون ؟

    نعم يلاحظ وجود هامش ضيق من احترام القانون ، لكن فقط في حالات إحساس المواطن بأنه مطارد إذا هو أخل به ، أو وجود جهاز (رادار) يتعقب أثره ، وما عداها فلا يشكل له القانون أي اعتبار ، لوجود بيئة ثقافية اعتادت  التملص والمراوغة والاحتيال ، وفي حالات عديدة المداهنة وغض الطرف (عين ميكا) ، ما يعني وبنظرة شمولية أن الأرشيف الإداري المغربي يتضمن قوانين بأعداد ؛ هي من الوفرة والتنوع ؛ مثل نجوم السماء ، لكن تفعيلها والعمل بها تعتوره جملة من العقبات ؛ يكاد الفكر الشعبوي المهيمن والتعصب له يطيح بها.

    وصفة إجرائية للتخفيف من حوادث السير

    هناك عدة وصفات للحد من آثار حوادث السير ، بيد أن أنسبها للثقافة المغربية وينسجم معها ، هذه الوصفة التي يمكن تسطير مراحلها في العناصر التالية :

    تعميم تثبيت شبكة أعمدة رادارات مراقبة السرعة في كامل التراب الوطني ، بين الحضري والقروي ؛
    تسجيل مخالفات قانون السير وفق ضوابط محددة تجمع بين لوحة ترقيم السيارة ، والمقطع الطرقي بإحداثياته وزمن وقوع المخالفة ، وحالتها (سرعة؛ إشارات ؛ تجاوز …) ؛
    التعجيل بتحرير إلكتروني للمخالفة وإرسالها إلى عنوان مالك السيارة ؛
    أداء الغرامة في ظرف زمني أقصاه أسبوع ؛
    إضافة %30 من الغرامة في حالة تأخر الأداء ؛
    عدم السماح بإجراء الفحص التقني للسيارة إذا كانت متابعة بمخالفة ؛
    يسمح لها بالخضوع للفحص التقني بعد تخليص المخالفة وحمل وصل تبرئة الذمة ؛
    دفع ذعيرة بخمسة آلاف درهم مع نزع رخصة السياقة لكل من ثبت في حقه القيام بإخفاء لوحة ترقيم السيارة أثناء استعمال الطريق؛
    توقيف المركبة المسجلة في حقها مخالفة ولم تدفعها بعد ؛
    توقيف المركبة بلوحة ترقيم أجنبية التي لم تؤد المخالفة داخل التراب الوطني .

    المتوقع من هذه الوصفة

    التخفيف من حوادث السير بنسبة قد تتجاوز %60 ، بعد مضي سنة على تطبيقها ؛
    تجاوز قضايا نقط المراقبة الطرقية ، وتحرير محاضر المخالفات ؛
    تكوّن رادع ذاتي لدى السائق ومستعملي الطرق ، وتوعيتهم بقانون السير الطرقي واحترام بنوده ؛
    التقليل من إيجار السيارات والمركبات ، أو استعمالها من طرف الأقرباء ، مخافة من الذعائر ؛
    أداء المخالفة بشكل سريع ، خوفا من مضاعفات أخرى .

    إقرأ الخبر من مصدره