Catégorie : رآي

  • اللهم ارحم أختنا شيرين فإنها أمتك والرحمة رحمتك وقنا ألسنة السوء

    بقلم : محمد الشمسي

    اللهم ارحم أختنا الصحافية شيرين التي قتلت غدرا ولا نعتبرها الا من الشهداء، وأسكنها فسيح جناتك فإنها استشهدت وهي تناصر الحق، وتفضح الظلم…

    اللهم إننا لا نعلم عنها إلا شهامة وشكيمة وعزيمة وهي تأتي الناس بالخبر اليقين وبصدق متين ، عما يجري ويدور في قلب فلسطين، اللهم إنها لم تكن صحافية عادية، بل كانت مدرسة تصدح بصوت المستضعفين.

    اللهم إن الأجل أجلك، والكتاب كتابك، والاقدار أقدارك، وملك الموت يقبض الارواح بأمرك، وإنك لا تفعل في خلقك إلا خيرا، ولعل في استشهاد شيرين خيرا تجهله عقولنا القاصرة، فنحن لا نعرف من الحقيقة غير نصفها الدنيوي، ولا ندري أينا في الضفة الأبهى هل هم الأموات أم الأحياء.
    اللهم إنك قلت وقولك الحق “ورحمتي وسعت كل شيء” فما أوسع رحمتك، وما أفسحها وأشملها، فاشمل برحمتك روح أختنا شيرين، واقبلها في خانة الشهداء، اللهم إنك حرمت الظلم على نفسك وشيرين قتلت لأنها كانت تواجه نفس الذي جعلته بين الناس محرما….

    اللهم إني أدعوك لرحمتها لأن علي الدعاء وعليك الاستجابة، وأجهل مقامها عندك، ولا أظنها إلا داخلة جنتك بسلام لأنها كانت من عبادك الصالحين، ويكفيها أن قتلتها أنت الأعلم بهم وبمكرهم وخبثهم وجرائرهم.

    اللهم إنها كانت تطلع على شاشة تلفزتنا بنظرة حزينة وصوت كئيب، لكن بحزم وحسم الضالعين المهرة، وهي تخبرنا عن جديد جرائم الطغاة في حق القوم الجبارين، وكانت تحدث العالم عن معاناة أهلها والعالم غير مهتم ولا مكترت، اللهم إنا نسأل قاتلها، بأي ذنب قتلها ؟ واليقين كل اليقين عندك يا علام الغيوب والمطلع على القلوب…

    اللهم جدد رحمتها واجعل لنا نصيبا من بأسها وحزمها وإصرارها وإلحاحها وأنت المحب للعبد الملحاح.

    و اللهم لا تؤاخذنا بخطايا وآثام ألسنة السوء الذين لا يفهمون من القول سوى هوامشه ومن الشيء إلا قشوره، ويبخلون على عبادك برجاء رحمتك التي أنت مالكها وصاحبها وموزعها على كل خلقك، ومن لم يدع لأخيه الإنسان برحمة ومغفرة فليكف لسانه، ويخرس صوته، فإن كان بخيلا فالله كريم رزاق غفور رحيم كتب على نفسه الرحمة وغشي برضوانه كل من آمن به وعمل صالحا ترضاه، وهذه اختنا شيرين نشهد بصالح وجلال وجسامة عملها، وأما إيمانها من عدمه فشأنها شأننا كلنا الأمر موكول لك دون غيرك ولا مجال لأن يتأله علينا بعض الخلق فيحشرون أنفسهم في صلتك بعبادك الذين أنت خالقهم، وتمشي فيهم مشيئتك، وسبق في علمك مللهم ومشاربهم وعقائدهم وأنت من نفخت فيهم من روحك تكريما لهم وحبا فيهم، فمن هذا المتنبئ الذي يقحم نفسه في علاقة بين الله وعباده؟

    اللهم إننا نعتصر ألما لاستشهادها، لأنه قتل معها كثير من الحق والعدالة والقسط، ونحن نرجو عونك لهدينا الى الطريق الذي نوقف به ظلم الظالمين.

    اللهم إنهم طغوا واستكبروا وأنت الأعلم بهم، فهيء لنا من أمورنا رشدا حتى نقتص لأختنا شيرين فهذه رصاصتها تخترقنا جميعا …
    اللهم كف عنا شرور ألسنة السوء من عبادك الذين يستخسرون دعوات الرحمة لعبادك الذين توفيتهم، ويفتون بحرمة ذلك، وكأن عندهم منك علم بغيب الأمور، وأنت المعبود الذي تحار العقول في دلالات ومعاني أسمائك الحسنى وصفاتك المثلى، وأنت الحي و العالم والعليم والمهيمن والرحيم والغفور و….و…فاللهم ارحم هؤلاء بهديك ورشدك…

    اللهم ابعث اختنا شيرين مقاما محمودا يليق بمجدها وشرفها وسؤددها وعلوها، فشرف القتيل من هوية القاتل، وقتلة شيرين لم يقتلوا فقط الصحافيين بل قتلوا قبل ذلك الأنبياء والمرسلين وتلك شهادتك فيهم، وتكفيهم شهادتك خزيا وعارا.

    اللهم توفنا في منزلة سامية شبيهة بمنزلتها ودرجتها، فما جدوى الحياة ما لم تكن في إحقاق الحق، وفضح الظلم، وفي ترسيخ خلافة الله في الارض التي شرفت بها الإنسان عند خلقه؟ فالموت آت في جميع الأحوال، وكل نفس ذائقة الموت مهما علا أو هبط شأنها…
    اللهم آمين

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بمناسبة الترحم على شهيدة الصحافة الشجاعة .. شيرين

    بقلم : حسن بويخف

    استوقفني نقاش فايسبوكي يستشكل الترحم على الصحافية الشجاعة شيرين أبو عاقلة، ويجعله محرما شرعا لأنها ماتت وهي مسيحية. وفي المقابل يطالب البعض، كبديل، التضامن معها!

    وليس اغتيال شيرين وحده ما أثار مثل هذا النقاش، والذي يتخذ أحيانا أبعادا حادة تصل حد تبادل التهم المختلفة، بل يثار في كل مرة يموت فيها شخص غير مسلم يكون قد قدم للمسلمين وقضاياهم أو للإنسانية بشكل عام خدمات عظيمة، وينخرط مسلمون في الترحم عليه.

    ولن نناقش مطلب التضامن، لأنه بكل بساطة لا معنى له، فالتضامن يكون مع الأحياء، وإذا كان المراد هو التضامن مع عائلة شيرين ومعارفها، فهذا أمر مختلف تماما.

    وثقافة الترحم على غير المسلمين اليوم أصبحت أكثر انفتاحا مما كانت عليه في العقود السبعة الأولى من القرن الماضي وما قبلها، وأصبح من العرف الشائع، خاصة في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، الترحم على موتى غير المسلمين.

    وقد ساهمت العديد من العوامل في انتشار ثقافة الترحم على غير المسلمين، نجملها فيما يلي:

    الاعتبار الأول: وجود اختلاف فقهي قديم حول المسألة، حسب ما يفيده معتز الخطيب، أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، في مقال مطول تحت عنوان ” الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة “، منشور على موقع “الجزيرة نت” لمن أراد التوسع في القضية. وقد ناقش فيه دعوى الإجماع بعدم جوازه ومتعلقاته، وتبوث ما يخالفه.

    الاعتبار الثاني: دور المؤسسات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي التي تنخرط هي أو بعض رموزها، بين الفينة والأخرى في الترحم على غير المسلمين، ويمكن التوقف عند نموذج الأزهر الشريف. حيث نجد ضمنهم، حسب مصادر إعلامية، الشيخ الأزهري خالد الجندي، ورمضان عبد المعز، ونجد أيضا مفتي الديار المصرية السابق علي جمعة الذي استثنى الملاحدة من قائمة غير المسلمين الذين يجوز الدعاء لهم بالرحمة وكذا الشيخ محمد الفحام، شيخ الأزهر الأسبق، الذي ترحم على بطريرك الكرازة المرقسية البابا كيرلس السادس.

    وهؤلاء يرون أن الرحمة تجوز إذا كانت من منطلق العُرف وكلام الناس العادي، بدون اعتبار الحكم الشرعي للمسألة، وهو ما يذهب إليه مستشار مفتي الجمهورية مجدي عاشور، الذي يرفض عدم الترحم، ويقول إن الترحم ممكن على أي شخص، لأننا لا نعرف ما ينطوي عليه قلبه من إيمان حينما مات، وهذا هو موقف دار الإفتاء المصرية، التي تُفتي تصريحا بجواز الترحم على غير المسلمين.
    الاعتبار الثالث: بعض الرموز الدينية الإسلامية التي أعلنت الدعاء بالرحمة مع غير المسلمين، ويمكن على سبيل المثال الإشارة إلى دعاء العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في سنة 2005 مع بابا الروم الكاثوليك يوحنا بولص الثاني، قائلا: “ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه؛ بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلّف من عمل صالح أو أثر طيب”. وبالطبع، حسب مقال الخطيب، لم يمر دعاء القرضاوي دون أن يثير ردودا غاضبة من بعض شيوخ السلفية وكثير من العامة ضده.

    الاعتبار الرابع: الأساس الفكري لـتسامح المسلمين: حيث يقول الشيخ القرضاوي، أن أساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأورد في سياق بيانها عدة أمثلة نتوقف عند واحدة لها دلالة خاصة، وتتعلق بما رواه البخاري عن جابر بن عبد اللّه: أن جنازة مرت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول اللّه إنها جنازة يهودي! فقال: “أليست نفسا؟!” وعلق القرضاوي: بلى ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!

    فقيام الرسول الكريم لجنازة يهودي، له دلالات عظيمة تستحضر ليس الاخلاف العقدي بل المشترك الإنساني كما بين صلى الله عليه وسلم، وقد يدخل الدعاء بالرحمة لغير المسلمين ضمن هذه الخانة الإنسانية، والله أعلم.

    والدعاء بالرحمة مع غير المسلمين ممن لم يحاربوهم ولم يخرجوهم بل خدموهم ودعموهم وناصروهم، سيكون ضمن ثقافة التسامح الإسلامي ورد الجميل، إذا حررت النيات من خطأ اعتقاد غياب الاختلاف العقدي معهم.

    الاعتبار الخامس: هو أننا اليوم أمام انتشار ثقافة إنسانية، وثقافة التعايش بين الأديان والمتدينين، وثقافة حقوق الإنسان، وثقافة التسامح، فأقل ما يطلب من المسلمين تجاه غيرهم ممن لم يعادوهم ولم يؤدوهم بل يناصرون قضاياهم ويدعمونهم، أقل شيء أن يُتعامل معهم بالرحمة أحياء وأمواتا، وهذا لا يؤثر على المعتقد في شيء.

    وموضوع الترحم على غير المسلمين يختلف عن إطلاق وصف الشهيد عليهم، ذلك أن الشهادة لمن لم يشهد له بها الله ورسوله قد تجعل الناس يتطاولون على الله ورسوله، بالحكم بدخول الجنة لميت الله وحده أعلم بخواتم أعماله حتى بين المسلمين أنفسهم. رغم أن إطلاق عبارات مثل “شهيد القضية الفلسطينية” أو “شهيد الصحافة” لا يقصد به أن الميت شهيد في سبيل الله، بقدر ما يتعلق بقاموس لغوي جديد بمضمون سياسي وإنساني يروم الاستفادة من قيمة الشهادة التي يتميز بها الاسلام. أما الدعاء لغير المسلمين فهو لا يعني الجزم لهم بشيء، فالدعاء موجه لله في حقهم وهو وحده أعلم بحالهم ومدى استحقاقهم لما دعي به، وقد تبث أن غير المسلمين يكون لهم من صالح أعمالهم في الآخرة حظ. وهو لا يعني الجزم لهم بصفة أو مكانة عند الله، بل يعني أن أعمالا لهم في الدنيا شفعت لهم عند المسلمين ليطلبوا لهم الرحمة عند الله. والله أعلى وأعلم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قصة “كويرات” مدينة العيون ..المسكوت عنها

    نجاة حمص

    ثمن الأجرة المعروف بمدينة العيون كان لا يتعدى الثلاثة دراهم، بحكم صغر المدينة وسهولة الوصول إلى كل أركانها وزواياها، ولكن وعلى حين غفلة من كل النظم و القوانين، قفز الثمن سنة 2007، على ما أذكر وأرجو التصحيح، إلى خمسة دراهم دفعة واحدة، بعد استقواء أرباب سيارات الطاكسي بسكوت المسؤولين وتغاضي من أوكل إليهم تسيير الشأن المحلي..

    ورغم هذا، ولأن لا غنى للساكنة عن “التكاسى”، هكذا يسمي أهل الصحراء سيارات الطاكسي، رضخ المواطن البسيط واستسلم للأمر الواقع، عندما لمس نوعا من التواطؤ غير المفهوم، فقبل بسرقة جيبه الخاوي على مضض ..

    علما ان أغلب ساكنة مدينة العيون يرزحون تحت خط الفقر، ولا يغرنكم ما تتناقله الصفحات المستأجرة التي تدعي ان أهل العيون أغنياء، يعيشون في بذخ ورفاهية، يسكنون الفيلات الفخمة ويمتلكون السيارات الفارهة، فأفضلهم حالا يستفيد من كرطية بئيسة لا تسمن ولا تغني من جوع والبقية يعانون البطالة والفقر والتهميش..

    ثم جاءت مرحلة تفكيك المخيمات التي جاء سكانها إلى مدينة العيون، في عز الصراع والمواجهات وذروة الخطر، بحيث تم رميهم خارج المدار الحضري اعترافا بجميلهم، فوجدوا أنفسهم في الجهة الشرقية من العيون، حيث لا طائر يطير ولا بشر يسير..

    آنذاك، عانى السكان طويلا من مشكل ندرة المياه، كما عانوا من أزمة نقل حادة، وكان منظر الطلبة والتلاميذ وهم يسيرون أفواجا نحو المؤسسات التعليمية، يدمي القلب..

    ولا حاجة للتكلم عما يعانيه المرضى، الذين يجلسون تحت الشمس بالساعات بانتظار سيارة اجرة ترحم معاناتهم، فكانوا يتعرضون للإبتزاز والسرقة الموصوفة على شكل توصيلة مهينة..

    كان 99 بالماىة من أصحاب سيارات الأجرة يرفضون الوصول إلى المنطقة الشرقية من مدينة العيون، حيث يستقر معظم السكان الأصليين، وإن قبلوا فالاجرة كانت الضعف أو اكثر، ولذلك قرر بعض المعطلين فك العزلة على أحياء هذه المنطقة وتطوعوا بالعمل في “الكويرات”..

    وهي سيارات “سوزوكي” صغيرة، على استعداد لنقل حتى من لا يملك ثمن الأجرة ..

    في كل دول العالم هناك ثلاثة أنواع للنقل :

    الباص: للطبقة المسحوقة، للطلبة والتلاميذ ومن لديه فسحة من وقت، بحيث يكون لكل باص خط نقل، مسار معروف وموعد لا يتأخر عليه..

    سيارات أجرة صغيرة: تعمل داخل المدار الحضري للمدينة، يستعملها من كان لديه حاجة مستعجلة لقضائها، وان كان المتعارف عليه أنها حكر على الطبقة فوق المتوسطة..

    سيارات أجرة كبيرة: يلجأ إليها من كان لديه مشوار مستعجل بعيد ودخل متواضع ، يستعملها اصحاب الطبقة الكادحة والمتوسطة بحيث تحترم ميزانيتهم المحدودة..

    وبما أن مدينة العيون تفتقر إلى سيارات الأجرة الكبيرة، فقد سد الفراغ اصحاب الكويرات، فهل يسكت أصحاب القرار ومدبرو الشأن المحلي..؟

    لا..فبدل الإعتراف لهم بصنيعهم، يتعرضون للمضايقات من أصحاب سيارات الأجرة وأياديهم الأخطبوطية الواصلة، الذين يعملون بشعار ” لا نرحم ولا نسمح لرحمة الله بالنزول”، وملاحقات رجال الأمن وتجاهل المسئولين والمنتخبين، رغم قبولهم بكل الشروط التي فرضت عليهم من قبل..

    في الإنتخابات والمناسبات التي يكون فيها مزاج المسيرين “رايق”، يسمح للكويرات بالوصول إلى كل أرجاء المدينة، تملقا للمؤلفة قلوبهم من المعطلين العاملين بالكويرات ومن ورائهم من عائلات وقبائل، وما مؤتمر حزب الإستقلال بساحة المشور منا ببعيد..

    حتى اذا استقر المقام، أطلقوا عليهم حملة شرسة، تصادر عرباتهم، تطاردهم بلا رحمة، تضربهم بالحجارة وتكسر سياراتهم، توقفهم وتسحبهم من أمام المقود ثم تسحلهم في الشوارع، ولا تقبل لهم شكوى ولا يعارون اهتماما..

    يتمسك المجتمع الصحراوي بالكويرات لما يعرف على السائقين من دماثة خلق وحب للمساعدة، لما لهذه “لكويرات” في تقليل نسبة البطالة و مستوى الجريمة، وعرفانا منهم بجميلهم عندما قاطع أصحاب الطاكسيات أغلب المناطق التي يستقر فيها السكان القدامى من “أهل التراب”..

    لذلك لا غرو في مطالبة التلاميذ والطلبة بالسماح لسيارات النقل هذه بالوصول إلى المؤسسات التعليمية بالعيون السفلى، نظرا للإبتزازات التي يتعرضون لها، ووقوفهم ساعات طويلة أملا في وسيلة نقل ..

    أما المرضى الذين يتقطعون ألما وهم يزاحمون الطلبة والتلاميذ في افتراش الشوارع، بانتظار من يقلهم، فيحلمون بالموعد الذي يسمح ل”لكويرات” بالوصول إلى مستشفى “بلمهدي” و “سبيطار العسكر” دون مضايقات أو ملاحقات..

    بعد الإضراب الأخير لهذا القطاع غير المهيكل من النقل، انفجر الفيسبوك بهاشتاغات وحملات تضامن شعبية منقطعة النظير، أظهرت جليا أن ساكنة مدينة العيون لا غنى لها عن “لكويرات”، في غياب سيارات الأجرة الكبيرة وطغيان سيارات الأجرة الصغيرة، فبعد هذا الإضراب شلت المدينة، وبدا واضحا أن لا حل بيد ساكنة الجهة الشرقية من مدينة العيون خاصة، إلا اقتناء الحمير وعربات الكارو والرجوع إلى زمن التنقل بالنوق والجمال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حلول أزمة “دونور”: تدبير مفوض أو شركة تنمية محلية خاصة

    بقلم المهدي الزوات

    إن ما تعيشه جماهير ناديي الوداد والرجاء الرياضيين، إبان كل مباراة، ليعتبر بالأمر الكارثي التنظيمي، على مستوى مرفق حيوي ذو أهمية كبيرة بالعاصمة الاقتصادية، يفترض فيه أن يكون متنفسا للبيضاويات والبيضاويين، لا مصدر انزعاج وفوضى بالنسبة إليهم.
    وأصبحت الكوارث التنظيمية لا تعد ولا تحصى، في ظل السياسة التدبيرية التي تنهجها شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للتنشيط والتظاهرات”، بدء بعملية بيع التذاكر التي تعرف ارتجالا كبيرا، لا على مستوى التطبيقات والمواقع، ولا على مستوى تأمينها من التزوير، ووصولا إلى عمليات تنظيم الدخول وما يرافقها من فوضى، جراء انعدام صيانة معدات مراقبة الدخول، وكذا استراتيجية التدقيق والتحقق من صحة التذاكر.
    فإذا كانت هذه الشركة لا تستطيع تدبير هذا المرفق كما يجب، باعتبار أن تدبير الملاعب الرياضية لا يدخل في إطار تخصصها، فما الفائدة من مواصلة رحلة البحث عن حل تدبيري ترقيعي من خلالها لن يكون إلا تمديدا للمشكل وتأجيلا للكارثة؟
    اليوم ملعب محمد الخامس ليس فقط رقعة ملعب معشوشب لممارسة رياضة كرة القدم، وإنما هو أيضا عبارة عن مجمع رياضي وثقافي يحتوي على مسبح تحت أرضي، وقاعة متعددة الرياضات، وقاعات متعددة الاختصاص، ومرافق أخرى يمكن استغلالها، لتكون هذه المعلمة التاريخية وجهة للبيضاويات والبيضاويين طيلة أيام الأسبوع، بل فضاء متكاملا للترفيه عنهم. وبالتالي، فالأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الإطار كلها تتمحور حول إشكالية السبب وراء هذا التهاون في الإسراع بالرقي بهذا المركب، ليقوم بدوره السالف الذكر كما ينبغي؟
    المسؤولية:
    بين مسبح مهجور وقاعات مغلقة غير مستغلة يكمن مشكل تدبيري كبير يتحمل مسؤوليته المجلس الجماعي أولا. لماذا؟!
    القانون التنظيمي للجماعات الترابية 14-113 في مواده 130، و131، و132، يعرف شركات التنمية المحلية كمساعد للمجلس الجماعي في تدبير المرافق والقطاعات الصناعية والتجارية، وليس شريكا في ذلك. وبالتالي؛ فالمسؤولية الأولى تعود على المعني بتدبير المرفق أساسا، وليس من أنيطت إليه مهمة ذلك. ثم إن الأصل في شركة التنمية المحلية هو أن تخلق لغرض ما، لا لسد الفراغات هنا وهناك. وبالتالي؛ فشركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للتظاهرات والتنشيط” لا يمكنها أن تتدخل إلا في تنظيم التظاهرات داخل الملعب، وليس تدبيره، في حين أن الإشكال الأساسي المرتبط بمركب مخمد الخامس يكمن في صيانة وتسيير المرفق، وليس تنظيم المباراة التي هي أصلا مهمة النادي المستضيف، أو إحدى الشركات الخاصة التي يختارها النادي لأجل ذلك، وليس جماعة الدار البيضاء المالكة للمرفق.
    الحلول الممكنة:
    لإيجاد حل آنس ومستعجل لهذه المعضلة، لا يمكن لمجلس جماعة الدار البيضاء إلا أن يلجأ إلى إحدى الحلول التالية :
    خلق شركة تنمية محلية “الدار البيضاء دونور” تكون مهمتها الوحيدة والأساسية هي تدبير هذا الرفق الحيوي والرقي به، ليكون ملعبا متكاملا يجلب الزوار والسياح والمرتفقين بشكل يومي، يمكن من إغناء خزينة هذه الشركة حتى تتمكن من اقتناء وصيانة أحدث المعدات التي تمكن من تفادي المشاكل التي نعيشها اليوم.
    والحل الثاني، والذي يسمح به القانون التنظيمي للجماعات المحلية، ينبني على فسح المجال أمام شركات أجنبية متخصصة في تدبير الملاعب الرياضية في إطار التدبير المفوض.
    أظن أن الحلول موجودة وممكنة، فقط يتطلب الأمر إرادة سياسية وجرأة من طرف المجلس المنتخب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المرفق هو ذوو أهمية تاريخية واستراتيجية تحتم علينا اليوم الوقوف جميعا لإيجاد حل واقعي وقابل للتنزيل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • علمانية “مغربية اسلامية”.. قهوة وتراب

    يونس وانعيمي

    اعتقلت السلطات العمومية المحلية لمدينة الدار البيضاء عددا من الأشخاص في مقهى ووضعتهم تحت الحراسة النظرية بتهمة الإفطار العلني.
    وهي الواقعة التي أثارت نقاشات “ساخنة” في الإعلام الرقمي والفضاء الأزرق وتنافرت مواقفها بين المويدة لقرار الاعتقال وبين مواقف دعاة شجبه والدعوة لالغاء الفصل 222 من القانون الجنائي الذي بموجبه تم توجيه التهمة.

    ليست هي المرة الاولى التي نرى فيها افرادا يتم اعتقالهم بسبب اشهار افطارهم العلني في الفضاءات العامة خلال زمن الصيام من شهر رمضان، وهي غالبا ما تكون محاولات يقوم بها اناس في اطار سلوك احتجاجي ايديولوجي وسياسي وفكري على مسألة تجريم الإفطار العلني والتي تتبناها بعض الجمعيات والحركات ذات التوجه العلماني، وغالبا ما يتم تقييد هذه الاحداث المتفرقة كجنح يتم التخفيف من مساطر متابعاتها لتمر الامور في لين وسلاسة من قبل السلطات، باستثناء بعض الاحداث المحزنة والقليلة التي يأخذ فيها بعض المواطنين القصاص العنيف والمباشر ضد المفطرين وغالبا ما تنتهي هذه الاحداث بنهايات مأساوية.

    لكن الفريد في هذه النازلة الاخيرة هو اولا العدد الكبير للمفطرين وثانيا مكان افطارهم (مقهى ) وثالثا الدعوات المجتمعية المتكاثرة بشكل اكثر إلحاحية وتنظيما لإلغاء مواد مجموعة القانون الجناءي المجرمة للإفطار العلني وخصوصا مقتضيات الفصل 222.

    اولا : فالمادة اعلاه، و بعدما وضحت جنحة الإفطار العلني المشمولة بالغرامة والسجن (حسب تبييء النوازل) فتحت امكانيات الغاء العقوبات بعد تقديم الاعذار الشرعية التي تسمح بالإفطار الإضطراري (شيخوخة، مرض، حمل، سفر…) ولكن النص لم يوضح لا مساطر ولا كيفيات تقديم العذر ولا كيفيات التحقق المادي منه (جوازات أو رخص استثناء او ما شابه) ولم ينص على كل ضمانات حماية المفطر من قصاص الناس ولا تنزيل شديد العقوبات على المعنفين المحتملين في حالة تعرضه للعنف من طرف مواطنين افرادا او جماعات وكثيرا ما تتسم تدخلات السلطات بنوع من تواطوء صامت مع عنف الجماهير مع “جانحي الحريات” … ففي العمق يبقى النص الجناءي مكلفا اكثر بحماية المواطنين كيفما كانت السيارات. النص وبعيدا عن مضامين النقاشات الحقوقية الممكن فتحها بهدوء يحتاج لضبط تشربعي اكثر مما هو عليه في اتجاه احقاق اكبر هوامش الحقوق الفردية.

    ثانيا: من الناحية العملية فالإفطار العلني، كما السكر العلني واشهار العقاءد، لا تسقط في محظور القانون والجزاء الجنحي الا على مستوى اشهارها العلني والعمومي. و لا يضع المشرع ممارستها في الفضاءات الخاصة في اطار متابعات نسقية الا طبعا في حالات خاصة (كأن يكون هناك افطار او سكر جماعي ولو في فضاءات خاصة وتحول لموضوع تبليغ لشبهة حصول ضرر يسببه للغير) وهي متابعات تتبع لمساطر ضبطية خاصة و مصادرات وحراسات يكون غالبها معقد. المشرع المغربي لا اراه يسقط هنا في تناقضات مع الشرع والشارع عندما يتغاضى عن حالات الإفطار الخاص او السكر الخاص او حتى الجنس الخاص لانه تشريع “متحور وتأويلي”اراه يحاول المسك بذكاء بين متطلبات الحريات الفردية المتنامية وبين مقتضيات شرعية كابحة لبعض هذه الحريات بل ومنافية لها.. كما لو كان القانون المغربي يخاطبنا بمذهب شرعي ذكي ومتوازن مفاده ان ” من ابتلاه الله فليستتر”.. ويوضح بالموازاة ان الجهر والاشهار بكل سلوكيات فردية منافية للشرع”المقنن” هي ليست سلوكيات تدخل في باب ممارسة الحريات بل في باب التحربض المنظم ضد القانون

    ثالثا: المجتمع المغربي يتغير كساءر المجتمعات واكيد ان السلوكات الدينية للناس تتغير اتباعا واكيد ان هناك مفطرين كما ان هناك متناولي الكحوليات وممارسي الجنس حتى في ملامح متطرفة.. واكيد ان السلطات العمومية تفطن بوساءلها لحدوث ذلك لكنها تبقي على مسافة بينها وبين الفضاءات الخاصة لانها سلطة تابعة لدولة اختارت في منظومتها الجناءية ان تكون مرنة مع الحريات الفردية المنافية للشريعة بشرط عدم تأسيسها العمومي. لكنها دولة لا تريد لعقيدتها الجناءية ان تكون علمانية بشكل صريح كما تونس مثلا.. وستبقى الدولة في نظري صارمة مع دعاة علمانية الجانب الجناءي ومرنة جدا مع العلمانيين الافراد الذين يمارسون حرياتهم في فضاءاتهم الخاصة بدون تحويل هذه الحريات لنماذج توءسس عليها مطالب سياسية.. واستبعد تعديلا في مجموعة القانون الجناءي يسير في هذا الاتجاه على الاقل في العقد المقبل.

    رابعا: بصراحة واقولها بمسؤولية وبشكل بناء.. في المغرب بخلاف دول عربية اسلامية عديدة لا يحس المواطن برقابة سلطوية موءسساتية صارمة فيما يتعلق بممارسة حريات (غير سياسية) كالسكر او الإفطار او العلاقات الجنسية الرضاءية بين البالغين…لكن نحس ان الدولة تميل بسرعة في اتجاه كفة تقييد وتكبيل هذه الحريات ان احست بان هؤلاء الافراد (المتهورين) سيتسببون في قلاقل اجتماعية ويثيرون احتجاجات جماعية او يطالبون سياسيا باسقاط التوازن التشريعي المغربي الذي يمكن ان اصفه بالعلماني-الاسلامي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • احتراف السياســة..نضال أم احتيال؟

    بقلم : محمد المهدي

    عندما يفكر أحد محترفي السياسية في اللحاق بالسلطة من بعد طول نوى أو تمنُّع، فإنه يتفنّن في إيجاد المسَوّغ السياسي المُـبَرِّر لذلك، غايته الأولى، حيازة الوزارة، والتربّع على كرسي أعلى هرم الإدارة !! وهو بهذا المسلك يعتقد في قرارة نفسه أنه يخدع ضحاياه من العامة. والحقيقة أنه إنما يخدع نفسه أولا، ويكشف عن خوائه الأخلاقي والإنساني، إذ فكر يوما أنه بفعله المشين هذا، سيمتطي رؤوس الضحايا، ليَعْبُر إلى أهدافه وأطماعه الخسيسة.

    في الواقع.. فإن أحجام التبريرات التي يسوقها المهرولون إلى أعتاب السلطة من أمثال هؤلاء المحتالين، تختلف في مقاديرها الفكرية و الثقافية و الأخلاقية، حسب الكفاءة الاحتيالية و القدرة التمويهية لكل محتال سياسي.. ففي الوقت الذي يلجأ فيه الملتحقون الجدد بمظلة السلطة، إلى التركيز على مخادعة العقل الجمعي وتخويفه من خطر محذق بالوطن، مثلما حدث بعيد الحراك الاجتماعي الذي واكب انتفاضات الربيع العربي، نجد البعض الآخر ــ القدامى منهم على الخصوص ـــ يَعزِفون على نغمة الإرث الثقيل الذي خلفته الحكومات السابقة، مما يشكل لديهم تجارة رائجة ومُربحة، حين يحمّلونها وِزْرَ إخفاقهم وتخبطهم غير المحسوب.

    إن التحايل على الوطن وأهله، يبدأ بالعمل على حشد الآراء في اتجاه واحد يخدم فئة معينة دون سواها، والعمل على تبخيس العمل السياسي و تنفير الناس، وخاصة الشباب من النضال النقابي والعمل الجمعوي الهادف و المثمر، والتضييق على الإبداع والمبدعين في كل المجالات، وسن رقابة قبلية على الكتاب و الصحافيين، ليأتي بعده دور المحاباة بمختلف خلفياتها الإثنية و الإيديولوجية في التوظيف و التعيين، وما إلى ذلك من الكدر السياسي الذي يلازم البناء الوطني .. هذا البناء الذي من المفروض أن يستدعي استجماع كل القوى السياسية والفكرية والاقتصادية، وصبّها في بوتقة واحدة، تتعايش فيها كل الكائنات الحزبية والنقابية والاجتماعية والثقافية، من أجل التعبير عن كيان واحد وهوية واحدة، تعكس الصورة الحضارية للشعب المغربي العريق، وتكرس العمق التاريخي والهوياتي للمغرب.

    وما دام أن الواقع عكس ذلك، فعلى أي أساس يمكن أن يُبنى الوطن بالشكل الذي يحقق التقدم والأمان للجميع، وعلى أي مرجعية يتم الحـوار والمشاركة، والمُحاور لا يكاد يجد حتى فرصة الإنصات إليه بشكل مسؤول وجدّي؟؟ أما إذا ما رأى المالــك للسلطة في وقت من الأوقات، أن لغة العصا الغليظة أبلغ من أي لغة أخـرى، فهذا شيء آخــر، حيث سترى بأم عينك إلى أي مدى يستبد بالبعضِ الاستقواءُ بالسلطة و الاعتداد بالمال والجاه، و الأنكى من ذلك إذا كان من بين هؤلاء، بعض المحتالين الذين كانوا بالأمس القريب يشتكون من التضييق و التهميش و الملاحقة. وقد دلّت التجارب على أن انضمامهم إلى السلطة لم يغير شيئا من واقع الناس، بل زاد من تَردي أوضاع أهــل القاع، و زاد في تعميق الأزمات، وإغراق البلاد في الديون و المطبات التي كانت البلاد في منآى منها .. ولكنهم رغم ذلك، لا يزالون يصرون عـلى خداع الناس و خداع الوطن .. !!

    إن آفة الاحتيال السياسي التي خبرها الكثير من ساسة هذا الوطن، لم ولن تؤدي سوى إلى تفريخ المزيد من الحوانيت السياسية، وما تقتضيه من سماسرة الانتخابات وباعـة الأحلام والأوهـام المتجوّلين، والرّحّــل المُتسيّسيــن. كما أنها لن تـفضي، إلاّ إلى نفور الناس من السياسة وأهلـها وكل ما يحيط بهـا من قريب أو من بعيد، وما النِّسب المتدنية جدا للمشاركين في جميع الاستحقاقات الوطنية، سوى مؤشر أولي على ذلك، الشيء الذي سيُخلي الساحة لمحتالي السياسة، ومُقامري المصالح الحزبية والمآرب الشخصية، ليُمْعِنوا في إفساد وتدمير مصائر البلاد والعباد.

    المرجو والرجاء مطلوب ــ أن يعمل القائمون على شؤون البلاد والعباد، على إبادة هذه الطفيليات السياسية، والشوائب البشرية التي أفسدت الحرث والنسل، وذلك من خلال تفعيل كل قوانين الرقابة والتخليق التي لدينا منها ما يكفي- وإعمال قانون ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل حقيقي وفعال، وإحقاق مبدأ العقاب و الجزاء، لتطهير الساحة السياسية وتخليق الحياة العامة، بالشكل الذي يُحررها من عقالها، ويتيح لها فرصة التقدم والنماء والتطور، وكل ذلك في سبيل الوطن وأهلـه، أما إذا ظلت مرهونة لدى مُمتَهِني السياسة والاحتيال، فرحمة الله على الأحــلام و الآمــال !!
    محمد المهدي ـ تاوريرت

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الملك محمد السادس

    بقلم: جميل عبد الكريم. ج

    ربما سائل يسأل لماذا هذا العنوان وبهذا الشكل الجاف بدون كل ما تستوجبه شروط الأدب واللياقة واللباقة ؟ سيما وأن الموضوع يتناول رمز دولة عريقة وعنوان سيادتها، ولها حمولة تاريخية كبيرة، وتعتبر أقدم مملكة في العالم، ألا هو الملك. فهذه الشروط كلها موجودة ونحن مقتنعون بها ونطبقها، غير أن الأمر هنا لا يعدو كونه مجرد عنوان عادي في ظرف غير عادي. لأننا نسعى من وراء هذا، طرح إشكالية محمد السادس الرجل والإنسان والملك، ومحاولة إجراء مقاربة لكل عنصر على حدة- قدر المستطاع- ثم لتفاعل العناصر الثلاثة فيما بينها، ليس من وجهة نظر سيكولوجية محضة، ولكن من جانب الظاهر منها ومن الجانب السياسي فيها.

     

    إذا، قبل أن نتطرق للموضوع، أرى أنه من الأنسب أن نلقي نظرة عن الخلفية التاريخية والبيئية التي ترعرع فيها محمد السادس، ليس من نظر الوسط الداخلي للعائلة الملكية، (لأننا لا نعرفه ولا نعلم منه إلا ماتنشره الصحف أو الإعلام بصفة عامة)، وإنما من وجهة نظر مواطن عادي يتحرى الموضوعية وينظر إلى الأمور من بعيد كمن يتفرج على مباراة في كرة القدم من المدرجات.
    الملك محمد السادس هو ابن الملك الحسن الثاني، الملك المخضرم الذي عاش حقبتين مختلفتين. مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال. عايش عتاة الاستعمار الفرنسي من المقيمين العامين الذين خلفوا ليوطي، مهندس احتلال المغرب وباسط السلطة الفرنسية، والعقل المدبر لسياسة فرنسا الاستعمارية والثقافية والفكرية على المغرب، وكل من جاء من بعده من المقيمين العامين ببلدنا حتى الوصول إلى أسوئهم على الإطلاق سيئ الذكر الجنرال كيوم .Guillaume

     

    هذا من جهة ومن جهة اخرى، عايش صناديد الحركة الوطنية من أمثال علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني والمختار السوسي والمهدي بن بركة وعبد العزيز بن ادريس، وبوشتا الجامعي والهاشمي الفلالي والفقيه الغازي وغيرهم، والجيل الذي نشأ في أحضانهم كمحمد بوستة ومحمد الدويري وعبد الحفيظ القادري وأبو بكر القادري وعبد الكريم غلاب وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي ومحمد عابد الجابري ومحمد بن سعيد ايت يدر وباقي الوطنيين.

     

    لقد كان الحسن الثاني، رحمه الله، معروفا بالنباهة، حاد الذكاء، متعدد المواهب، (مما أهله وهو طفل لأن يجالس صحبة والده المرحوم محمد الخامس، قادة العالم المنتصرين في الحرب العالمية الثانية: الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشيل، وعمره لم يتجاوز الرابعة عشرة، في اللقاء التاريخ الذي جمعهم بمدينة الدار البيضاء سنة 1944)، كانت له ذاكرة قوية، حافظ لكتاب الله، وذو تكوين إسلامي رفيع وصل مرحلة العالمية ( كما أكد لي بعض الأشراف الأجلاء)، إضافة إلى تكوين غربي يفوق درجة ممتاز.

     

    كان مزدوج الثقافة عربية إسلامية وفرنسية غربية. كان فصيحا جدا في اللغة العربية، وكان يتكلم اللغة الفرنسية أحسن من أهلها، وكان وطنيا قحا جرب المنفى من وطنه والغربة والإبعاد القسري عن دياره، فكان يعرف حق الوطن والمواطنة وقيمتيهما… كان مخلصا لدينه و يحب وطنه وشعبه حد الجنون. لدرجة أنه أسبغ عليها صفة المقدسات، فكان لا يتساهل مع من يحاول المس بالمقدسات…. ورغم هذا كله ظلمناه، ظلما شديدا- نسأل الله أن يسمح لنا- و كنّا ننتقده (ونحن شبابا) في كل شيء. لم نكن معارضين له بصفته ملكا ولكن كنّا نعارض سياسته، بل تمادينا في معارضتنا ( أحيانا بشكل مجاني) حتى كدنا نكون معارضين له ولنظامه. لا لشيء إلا لأننا كنّا لا نفهمه أو قل كنّا عاجزين على فهمه (هكذا اتضح لي بعد مرور الزمن وبعد إعادة مراجعة وقراءة الأحداث فيما بعد)، لأن عقله كان يسير بسرعة 200 كلم في الساعة وكانت عقولنا تسير بسرعة لا تفوق 50 كلم في الساعة في أحسن الأحوال، وكانت كلما طالت المسافة اتسعت الفجوة، فيتسع الفارق بيننا وبينه. كان عليه، رحمه الله ان يطبق الحديث الشريف: سيروا بسير ضعفائكم. لكن ذلك لم يكن ممكنا، لأنه، رحمه الله، كان ملكا، وكانت عليه مسؤولية السهر على السير الطبيعي لدواليب الدولة، وحماية البلد والنظام والشعب من أعداء الداخل والخارج، وتأمين السلم والأمن الغذائي والاستشفائي والاجتماعي للشعب، واستكمال الوحدة الترابية، والسعي إلى رقيه وتقدمه. كان الأمر يتطلب أن يكون المغرب أو لا يكون، فاختار رحمه الله أن يكون المغرب، رغم بعض الخسائر الطفيفة…

    هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، أرى لو أن زعماء الحركة الوطنية سايروه ووضعوا يدهم في يده، ولم ينشغلوا بالتخاصم فيما بينهم وبالمواجهة معه (أو جزء منهم) لكان المغرب مغربا اخر… وهذا ما كانت عليه قناعة علال الفاسي، رحمه الله، وفطن إليه في وقت مبكر، لكن لم تسعفه الظروف ليقنع (أو حاول وكانوا يرفضون) بها الطرف الآخر من أهل الحركة الوطنية. فما كان منه إلا أن أوصى خليفته، محمد بوستة رحمه الله، في رحلته الأخيرة إلى رومانيا، حيث لقي ربه، بإقناع الطرف الآخر من الحركة الوطنية بالمصالحة وبالتقرب والوقوف إلى جانب الحسن الثاني، حتى لا يبقى وحيدا في مواجهة الفساد والمفسدين… وكذلك كان، والحمد لله. وكانت هذه من النصائح التي مافتىء يؤكدها لنا السي محمد بوستة ويذكرنا بها في لقاءاتنا الخاصة أو التنظيمية معه. وأكدها علينا ولنا مرة أخيرة وأمام الملأ في الذكرى التي أقيمت بقاعة زينيت يوم 11يناير من عام 2017 بمناسبة الإحتفال بتقديم وثيقة الاستقلال للمستعمر الفرنسي في 11 يناير 1944.

     

    في ظل هذا الرجل المشبع بهذه الثقافة وبهذه القناعات ترعرع و نشأ محمد السادس، بل وعايش جزءا من أحداثها ومجرياتها. عاش في كنف رجل عبقري، صارم وحازم، قراراته لا تحتمل التأجيل أو المماطلة، ويصعب عليك أن تقنعه بأي شيء، إلا إذا كان دليلك من القرءان أوالسنة. كانت هذه هي المدرسة التي تربى فيها الملك محمد السادس. تربى في كنف ملك حريص على تربية ولي العهد حسب ما تقتضيه مرحلة الاستقلال، والحرب الباردة والمسيرة الخضراء، والنظام العالمي الجديد والعولمة، وانهيار جدار برلين، واجتياح الثورة الديموقراطية للعالم و متطلبات مغرب وجيل ما بعد الاستقلال وووو…. زِد على ذلك الظروف القاسية التي عايشها، وهو طفل، إثر الانقلابين الفاشلين لسنتي 1971 و 1972، مما أكسبه رجولة مبكرة، ومواجهة الصعاب في وقت يحن فيه كل طفل للعب مع أقرانه…

    للملك الحسن الثاني كلاما مأثورا يقول فيها: الأسلوب هو الرجل. Le style c’est l’homme .
    وهكذا نرى أن أسلوب الملك محمد السادس ليس هو أسلوب والده، ولو كان الأسلوبان متطابقان لفسدت سياسة الخلف، كما وصف ذلك الحسن الثاني رحمه الله.
    فمجرد تولي محمد السادس الحكم رسميا أطلق مفهومه الجديد للسلطة وأعلن عن دولة الحق والقانون؛ فاتحا بذلك باب بداية حقبة جديدة ومغلقا باب حقبة من الحكم قد انتهت.
    محمد السادس رجل مخالف لوالده في الظاهر، له شخصية مستقلة تماما عن شخصية والده المرحوم. لأن ما بصم تربية وحياة الحسن الثاني، ليس هو ما بصم تربية وحياة محمد السادس.
    فمن جملة ما قام به في بداية حكمه، أنه بدأ ببيته هو الأول، وبحسب ماراج في الشارع المغربي، هو إفراغ القصور الملكية من كل الأشخاص الزائدين، ثم ترشيد النفقات فيها من تموين للمطاعم الداخلية إلى غير ذلك من المسائل الخاصة بها،،، وحين حان زواجه وتم الإعلان عنه أبرز صورة زوجه لعامة الشعب. وأشهر حفل زفافه على التلفزيون، وكل المباهج التي رافقت العرس… ثم أعطى دورا اجتماعيا لحرمه وجعلها تنوب عنه في هذا المجال. على عكس المرحوم الحسن الثاني الذي لم يكن أحد يعرف صورة قرينته أبدا وبالأحرى إسناد مهمة رسمية لها.
    أما في الشكل الخارجي فالحسن الثاني كان يحلق ذقنه وشواربه، أما محمد السادس فيقص الشوارب ويعفو عن اللحية، في حدود. حتى أن الصورة الرسمية للملك محمد السادس وهو جالس على العرش، فبالشكل الذي وصفناه. أما على مستوى الرياضة فالمرحوم كان يفضل رياضة الكولف، أما محمد السادس فيحب ركوب البحر والأمواج.
    قيل عن الملك الحسن الأول رحمه الله، إن عرشه كان على صهوة فرسه، أما محمد السادس فكان عرشه على صهوة سيارته بحيث لم يترك منطقة ولا ركنا من أركان مملكته إلا وزارها، بل وأقام فيها ما تيسر أن يقيم فيها. فكان يطلع على أحوال الشعب بالليل وبالنهار، وفي زيارات معلنة وسرية….
    أما ما يتجلى من معاملة محمد السادس في تعامله مع الشعب، يتضح أنه عطوف جدا، ورؤوف بل حنون على الكل وخاصة الشريحة المعوزة، سيما أصحاب الحاجات الخاصة منها. أما خاصية الكرم فيشترك فيها مع والده رحمه الله.

    محمد السادس الملك. يقول الله في محكم كتابه: ويؤتي الملك من يشاء… إذاً، المُلك والحُكم شأن رباني، والله وحده هو من يعطيه لمن يشاء. لأنه سبحانه وتعالى يعلم أين يضع رسالته. ويعلم من هو المؤهل لها وللحكم. وكما جاء في الحديث الشريف: كلٌّ مُيسر لما خلق له، (صدق رسول الله ص). فالمَلك هو المسؤول عن الشعب وعن أمنه السلمي والغذائي والإستشفائي وعن تقدمه وازدهاره، وعن دينه ولغته وعن عرضه. فوحدة الدولة تقتضي أن يكون هو المسؤول الوحيد على كيانها وعلى علاقاتها بالخارج وعلى أمر الحرب أو السلم فيها. وبالتالي هو من في عنقه مصير الشعب والوطن. بمعنى أنه هو الوحيد الذي له اتجاه بوصلة المصلحة ومتى يسير فيها وبوصلة اتجاه المفسدة ومتى يتجنبها.

    محمد السادس أو الذكاء الصامت أو The silent intelligence:

    كما هو ملاحظ للجميع فإن الملك محمد السادس، وعلى خلاف أبيه، لا يتكلم مع صحافة ولا يلقي كلمات مرتجلة، ولا يتوجه إلى أحد بكلام مسموع عبر التلفزيون أو الإذاعة، وحتى حينما يتوجه إلى الشعب ففي خطاب رسمي مقروء وعبر وسائل الإعلام الرسمية. فهو يشتغل في صمت، يعمل ولا يتكلم، ولكن بكل حكمة وتبصر وبعد نظر. حتى أن الملاحظ المتمعن يمكنه أن يلمس أن جميع القرارات السياسية والإقتصادية التي اتخذها فيها من الذكاء والدهاء السياسي والإستبصار الشيء الكثير . ويتجلى هذا في سياسته الخارجية، كما هو ملاحظ في ملف قضيتنا الأولى الصحراء المغربية، أو علاقتنا بدول الجوار أو ملف أزمة دول التعاون الخليجي، أو السياسة الأفريقية أو غيرها، وكذا كما هو جلي في سياسته الداخلية. وكمثال على ذلك ما تشهده التغييرات التي تطرأ على مؤسسات الدولة ومسؤوليها، وكذا التغييرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يشهدها المجتمع المغربي.

    محمد السادس أو القوة الناعمة The soft power :
    لا يمكننا، باعتبارنا شعبا مغربيا أصيلا ووفي لملكه ولوطنه، أن ننسى مافعلته إسبانيا، بعد تولي محمد السادس ملك المغرب بفترة وجيزة عرش المملكة، حين هاجمت (إسبانيا) أفراد القوات المساعدة بجزيرة ليلى سنة 2002، بقوة بحرية وجوية كبيرة… رسالة إسبانيا كانت واضحة ومعروفة الأبعاد… كانت تريد أن تقول للمغرب، وكما يقول المثل الشعبي عندنا (من النهار الأول يموت القط). إذن، كانت تريد أن تزعزع ثقة الملك في الحكم، وتبعث له رسائل مشفرة وواضحة لكي تدفعه إلى الإرتماء في أحضانها ومسايرة رغباتها… ولكن هيهات، هيهات… ولأن ملكنا حكيم، صبر واصطبر، وكظم غيظه، لأنه كانت له أولويات، وكان بصدد وضع اللبنات الأولى لتصوره في الحكم، فكان من العقل و الحكمة والتبصر أن يتجاوز الاستفزاز، وأن يتمالك أعصابه ويرتب أولوياته حتى يحين الوقت الحاسم للرد… فاشتغل وكد في صمت، حتى جاء الوقت المناسب لترى إسبانيا بأم عينيها، وليس لتسمع، كما يقال، إن المغرب صنع لنفسه قوة ضاربة يحسب لها ألف حساب. ولما فتحت جارتنا الشمالية عينيها وجدت أن المغرب الذي كانت تحتقره وتستصغره وتستضعفه قبل 2002، لم يعد ذلك المغرب وإنما مغرب اخر جديد، له من القوة العسكرية والاقتصادية ما يجعل قراراته السياسية سيادية وتستوجب احترام الآخرين. فراحت تتودد، وتمتدح المغرب وتذكر بالعلاقات التاريخية والاستراتيجية وما إلى ذلك من تعابير قاموس الغزل السياسي. لكن قطار المغرب أقلع ولن يتوقف، ولن يحابي أحدا على حساب مصلحته وشرفه وكرامته. وكان هذا واضحا في خطاب جلالته بمناسبة الذكرى 46 لعيد المسيرة الخضراء (2021).
    وما انسحب على اسبانيا ينسحب على الآخرين، ولكل حادث حديث ….

    المغرب لا يرد على كلام أحد بكلام مثله ولا ينهج سياسة البوليميك، ولا تستفزه تحرشات أوانفعالات الآخرين ولا تخرصاتهم، وإنما رده يكون بالعمل وبما يرى ويلمس المعني بالأمر وليس بما يسمع….. هذا هو مغرب محمد السادس.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دعوى “تحريف” القرآن وحلُّ عالِمٍ مغربي للإشكال ؟!

    بقلم عبد الرزاق الجباري

    يعد مبحث النسخ من أهم مباحث علم أصول الفقه، حيث لا يمكن للمجتهد أن يستنبط حكم الشارع من أدلته التفصيلية دون إلمامه ومعرفته بالناسخ والمنسوخ، سواء في القرآن أو في الحديث.
    وقد اتفق علماء الأصول على أن النسخ في آي القرآن موزع على ثلاثة أنواع:
    أولها: نسخ معنى الآية دون لفظها ورسمها، أي نسخ الحكم دون التلاوة.
    ثانيها: نسخ لفظ ورسم الآية وكذا معناها، أي نسخ الحكم والتلاوة معا، وإبطال اعتبارها من القرآن.
    ثالثها: نسخ لفظ ورسم الآية وبقاء معناها، أي نسخ التلاوة دون الحكم.

    ومما كان يُمَثِّل به القائلون بنسخ لفظ الآية ورسمها، إيرادهم لرواية أحمد والنسائي عن زرٍّ قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدها؟ قال: قلت: ثلاث وسبعين آية، فقال: أقط؟ لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم”. قال ابن كثير: “وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا”.

    ونظرا لما شكلته هذه الرواية وغيرها من حرج للمسلمين عندما يواجَهون بدعوى تحريف القرآن استنادا عليها، فقد انبرى العلامة الإمام عبد الله ابن الصديق، بما حباه الله به من حس نقدي اجتهادي، إلى رفع هذا الحرج بتبيان تهافت متنها رغم صحة سندها، وذلك بانتقاده لعلماء الأصول قاطبة، حيث خالفهم في جواز نسخ لفظ ورسم آي القرآن الكريم، معتبرا أن النسخ نوع واحد وهو نسخ الحكم دون التلاوة، وجعل النوعين الآخرين من قبيل المحال، مستدركا عليهم في ذلك بجزءٍ فريد لم يُسبق إليه قط، وسمه بـ: “ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة”، وهو منشور بالمجلد العاشر من موسوعته تحت باب: “أصول الفقه”.

    ومما قاله العلامة ابن الصديق حول هذا الجزء، ما يلي: “فهذا بحث لم أسبق –والحمد لله- إليه، ولا غُلبت –والمنة لله- عليه، وهو يتعلق بنسخ تلاوة آية من القرآن، أي: نسخ لفظها بعد أن كانت من القرآن، فلا تبقى قرآنا. وهذا هو ما خالفت فيه علماء الأصول قاطبة، ومعهم المتخصصون في علوم القرآن الكريم، وكتبت هذا الجزء لبيان ما ذهبت إليه، والاحتجاج له بدلائل قطعية لا تبقي شكا في صحة قولي، ولو تفطن لها المتقدمون ما عدلوا عنها”.

    ومن جملة الأدلة التي استدل بها العلامة ابن الصديق على مذهبه القائل بامتناع نسخ التلاوة، ما يلي:
    أولا: أن هذا النوع من النسخ يستلزم القول بـ “البداءَ”، وهو ظهور المصلحة في حذف الآية بعد خفائها، وهذا ما يقتضي الإقرار بسبق الجهل وحدوث العِلم تبعا لما يستجد من وقائع، وهذا في حق الله تعالى محال.

    ثانيا: أن تغيير اللفظ بغيره أو حذفه بجملته، إنما يناسب البشر لنقصان علمه وعدم إحاطته، ولا يليق بالله الذي يعلم السر وأخفى.

    ثالثا: أن ما قيل: أنه كان قرآنا ونسخ لفظه، لا نجد فيه أسلوب القرآن ولا طلاوته ولا جرْس لفظه.

    رابعا: أن منه ما يخالف أسلوب القرآن. قال تعالى: “الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة” [النور: 2]، فالزانية مقدمة على الزاني. لكن، إذا قرأت: “الشيخ والشيخة إذا زنيا” كما مرَّ بنا، وجدت الزاني مقدما في الذكر على خلاف الآية السابقة، وهذا يقتضي أن تقديم أحدهما كان مصادفة لا لحكمة، وهذا لا يجوز؛ لأن المقرر المعلوم أن ألفاظ القرآن الكريم موضوعة وضعا حكيما، بحيث لو قدم أحدهما عن موضعه أو أُخِّر اختل نظام الآية.

    خامسا: أن ما ورد في سبب نسخ هذه الجملة من القرآن أخبار منكرة مردودة، بيَّنها العلامة ابن الصديق باختصار في ذات الجزء (تراجع في مظانها)، ومنها: ما رواه الحاكم عن كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف، فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة”، فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم”.

    فقد أنكر العلامة عبد الله ابن الصديق متن هذه الرواية ورَدَّه من وجوه:
    أحدها: كراهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكتابة آية الرجم، إذ كيف يكره كتابة آية نزلت عليه ؟!
    ثانيها: اعتراض عمر رضي الله عنه عن تلك الجملة، إذ كيف يعترض عما يعتقد أنها آية أنزلت من عند الله تعالى ؟!
    ثالثها: نسخها بمجرد الاعتراض عليها، إذ لم يكن الله ليحذف آية من القرآن بسبب اعتراض بعض المكلفين عليها ؟!
    سادسا: أن تلك الجمل التي كانت من القرآن فيما قبل، جاءت مقتطعة لا رابط يربطها بآيات القرآن الكريم، ولم ينقل لنا أين كان موضعها في المصحف الشريف.

    سابعا: أن خواتيم سورتي البقرة وآل عمران، وما فيهما من دعاء وتوجه إلى الله تعالى بأسلوب في نهاية البلاغة، إذا وازنته بما قيل إنها كانت سورة “الحفد”، وجدت الفرق بين كلام الله وكلام البشر.

    ثامنا: أن القرآن، وكما تقرر في علم الأصول، لا يثبت إلا بالتواتر، وما لم يتواتر لا يكون قرآنا، والكلمات التي قيل بقرآنيتها ليست بمتواترة، فهي شاذة، والشاذ ليس بقرآن ولا تجوز تلاوته.

    تاسعا: أن السنة النبوية وقع فيها نسخ المعنى، أي الحكم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رجع عن لفظ من ألفاظ حديثه، أو بدَّله بغيره، أو قال للصحابة رضوان الله عليهم عن حديث: لا تحفظوه فقد نسخت ألفاظه أو رجعتُ عنه، فما بالك بالقرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى.

    وبعدما استدل العلامة ابن الصديق على مذهبه بهذه الأدلة، استشكل على عموم الأصوليين والقائلين بنسخ تلاوة القرآن إشكالا دقيقا: ذلك أن علماء الأصول قد عرفوا الحكم الشرعي بأنه “خطاب الله المتعلق بفعل المكلف”، وخطاب الله كلامه، وهو قديم، ومعنى نسخ لفظه ورسمه أن الله تعالى غير كلامه القديم بحذف آية منه ؟! وهل يقال إن الآية المنسوخ لفظها كانت من كلام الله ولم تعد منه والله تعالى يقول: “لا مبدل لكلامته”، وقال أيضا: “لا تبديل لكلمات الله” ؟!

    وقمين بالذكر، أن جل الباحثين الذين درسوا موضوع الناسخ والمنسوخ بعد إصدار هذا الكتاب، إن في الشرق أو الغرب، اعتمدوا عليه وتأثروا بثمرة ما انتهى إليه. والغالب على المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري أنه لم يطلع عليه، ولو تسنى له ذلك لأشار إليه في كتابه الموسوم بـ: “مدخل إلى القرآن الكريم”، ولَمَا جنح إلى كثير من مُخرجات بحثه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نحو نموذج جديد للدبلوماسية الثقافية المغربية‎‎

    هشام أزماني

    الدبلوماسية الثقافية نشاط معقد. يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالعلاقات الثقافية الدولية ونشر أو بيع المنتجات الثقافية في السوق العالمية، ويتطلب التعامل مع المفاهيم والاستراتيجيات والمتطلبات الأخلاقية التي يجب أن يعرفها المحترفون الذين يطبقونها.
    يصر خبراء مختلفون على أن نجاح الدبلوماسية الثقافية يعتمد إلى حد كبير على معرفة محتوياتها وافتراضها من قبل جميع الفاعلين غير الحكوميين في الدولة الذين يشاركون بطريقة ما في العلاقات الدولية، ويؤكدون أيضًا، على ملاءمة محاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من الترابط بين ثقافة السفر والثقافة التي يتم الترويج لها من خلال السياسات الداخلية.
    استنادًا إلى فلسفة مشتركة ولكن ليست دائمًا متزامنة، انتشرت طرق مختلفة لتصميم وتطبيق الدبلوماسية الثقافية خلال العقود الماضية، مما أدى إلى إنشاء مجموعة واسعة من الممارسات التي يمكننا وضعها بين استراتيجيات الصين وجامايكا، تاركًا خيارات الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى كمراجع لأسلوب كلاسيكي معين.
    بالنسبة للبقية، فإن إنشاء نموذج جديد لا يعتمد فقط على الإنشاء المؤسسي أو توزيع السلطات؛ من المهم للغاية أن تكون على صواب عندما يتعلق الأمر بتحديد التغييرات والابتكارات التي حدثت أو تحدث في المجال الذي نعمل فيه والقدرة على الاستجابة لها بشكل مناسب. ابتكارات دون الرغبة في أن تكون شاملة.
    إن الترويج لصورة بلد ما ونشره هو التعريف بتاريخه وثقافته الشعبية وقيمه الوطنية وإقليمه كمنطقة جذب سياحي، ولا يقتصر ذلك على: أهمية الإعلان عن تقدمه العلمي والتكنولوجي، وأهميته الفنية. تعتبر الطليعة والثقافة ورأس المال البشري كموظفين في ذروة التحدي التنافسي الحالي أمرًا حاسمًا في تكوين الخيال الذي ترغب في عرضه. يمكن للمغرب أن يطور قوة ناعمة ذات سمعة ثقافية يمكن التأمل فيها، والتي تستند إلى إرثها التاريخي، وقوميتها القوية، وفن الطهو الشهير، وتطورها السياحي الواسع، وليس أقلها، على نجاح واعتراف مواطنيها كشخصيات رائدة. الثقافة والفن والعروض والعلم على المستوى الدولي.
    ومع ذلك، لتتبع هذا المسار، هناك حاجة إلى التفاني الكامل والكفاءة والتعاون بين المؤسسات المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ أنشطة الإسقاط ، فضلاً عن تكييف الرؤية السياسية مع العالم المعولم الذي يحيط بنا. لهذا السبب، فإن فهم أن أجندة الدبلوماسية العامة ليست سياسة يمكنها التدخل في شؤون الدول الأخرى (على النحو المنصوص عليه في المبادئ الدستورية لعدم التدخل وتقرير المصير للشعوب) أمر ضروري للبدء في تعديل التصور العام التي لديها من خارج البلاد. بهذا المعنى وبدون أدنى شك، فإن القرار غير المسبوق بإدراج الدبلوماسية العامة والدبلوماسية الثقافية كنقاط استراتيجية في التخطيط لمحور السياسة الخارجية في خطة التنمية الوطنية هو أمر يستحق الثناء، حيث يجب أن يعملوا معًا كعناصر مكملة إذا أرادوا ذلك. تنجح في تحقيق الهدف الذي تم وضعه لإظهار صورة المغرب المسؤولة مع بيئتها العالمية ، والتي تعزز القيمة الوطنية من خلال النشر الاقتصادي والسياحي والثقافي.
    للانتشار الاقتصادي والسياحي والثقافي، يجب مراعاة بعض الجوانب المهمة التي تسمح بتنفيذ هذه الاستراتيجية بشكل أكثر فعالية.
    في المقام الأول، تعزيز ونشر الإطار النظري الذي يزيل الفكرة القائلة بأن للثقافة قيمة استراتيجية ضئيلة في تخطيط السياسة الخارجية؛ ثانياً، إنشاء إطار قانوني يسمح بالتعاون المرن بين المؤسسات المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ الدبلوماسية العامة والدبلوماسية الثقافية (المجلس الوطني للثقافة والفنون، الوكالة المغربية للتعاون الدولي من أجل التنمية، وزارة السياحة، وزارة التعليم، المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ)؛ ثالثًا، إدراج المركز الوطني للفنون والمدارس ومراكز الفنون الحكومية كمحركين للريادة الفنية المغربية في الترويج الثقافي الدولي؛ رابعًا، إنشاء كيان مسؤول حصريًا عن التعاون التربوي والتبادل الأكاديمي، مما يسمح بتطوير مهنيين رفيعي المستوى لديهم معرفة شاملة بالعالم من حولهم؛ خامسًا، تعزيز وابتكار العلامة التجارية المغربية للمنافسة في عالم يتسم بالعولمة المتنامية.
    إن العمل على تحقيق صورة إيجابية عن المغرب لن يكون أداة لحل المشاكل الداخلية، لكنه بلا شك سيساعد البلد على إيجاد دول أخرى، من خلال التعاون الدولي والمساعدة والاتفاقيات والدعم اللازم لمواجهة مشاكل مثل المنظمة المحلية وعبر الوطنية. الجريمة والفقر والدافع من أجل التنمية وتغير المناخ والأزمة البيئية؛ التحديات التي يصعب حلها في حد ذاتها. الاستفادة من الوضع العالمي الحالي أمر بالغ الأهمية إذا كنت ترغب في تحقيق أكبر فائدة ممكنة للبلد.
    على مدى الأشهر والسنوات المقبلة ينبغي بذل أقصى جهد ممكن لتقديم صورة جيدة لهذه الأحداث، مما يسمح بإجراء حوار سياسي، وقبل كل شيء، حوار عام مع الدول الأخرى، والأفضل من ذلك، التواصل مع شعوب تلك الدول لتسهيل البحث عن تحالفات اقتصادية أو تجارية أو إنسانية أو بيئية ضرورية لتحقيق المغرب أكثر تطوراً وإنصافاً.

    .

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صيحة محام: هددني “صاحبهم” في قاعة الجلسات وأخلي سبيله

    محمد الشمسي (المحامي المستهدف)

    عندما تكون محاميا مرتديا لبذلتك وتقوم بواجبك في الدفاع عن من أوكلوك تلك الأمانة، ويتقدم منك خصم موكليك وفي قلب القاعة ويخرج فيك عينيه علنا وهو يشير إليك بكل أصابع يده اليمنى (يعني كيتحلف علك) ويقول لك بوجه مقزدر” أنت الهضرة معاك ماشي دابا حتى نخرجو من المحكمة”…فمن يجرؤ على هكذا قول ووعد ووعيد لمحام في قلب قاعة المحكمة بل من قرب قفص الاتهام فيها؟ من يتطاول على محام بزيه النظامي وأثناء ممارسته لمهنته ويهدده بمحاسبته عند الخروج من المحكمة؟ من هذا المشتكي أو المتهم الذي يستولي على الكلمة بدون إذن من القاضي وإذا تدخل محام لإرجاع الأمور إلى نصابها احتج المتحدث وطالب من القاضي ألا يقاطعه المحامي؟ ومن إذا كان متهما في ملف أصر على أن يتقدم هو شخصيا بدفوع شكلية، وتسمح له المحكمة بذلك من باب “نديرو ليه خاطرو”؟

    هو وحده الوحيد الأوحد الفريد الذي يمكنه فعل كل هذا العجب العجاب، هو “صاحبهم” و “اللي مصور معاهم” ، هو الذي لا يتجاوز مستواه التعليمي التحضيري زائد 7 ، و ينعم عليهم بشواهد تقديرية يقيّم فيها جهدهم ويثني عليهم وعلى استقامتهم وبسالتهم، وهم يتسلمون منه “الوسام” فرحين منشرحين ويعلقونها في مكاتبهم وخلفهم وكأنها شواهد علمية، حتى إذا خرجو رجليه الشواري أعلن عليهم حربا في فيديو قال فيهم ما لم يقله الفرزدق في جرير، وجرى اعتقاله كرها، وأدين بعشر أشهر سرعان ما تحولت إلى 8 أشهر، وكأنهم يباركون ما قاله فيهم، علما أن ملفا مشابها في التهمة والوقائع حكم على المتهمين فيه بثلاث سنوات سجنا نافذا وقضي الأمر، لذلك فطبيعي ألا يحرك كبيرهم زوال يوم الثلاثاء 19 أبريل ساكنا وهو يسمع ويرى جريمة تهديد محام في قلب المحكمة وفي عقر جلسة المحاكمة وأثناء أدائه لمهامه، ويطلب الكبير من المعتدي “باش يغبر وجهو” والحال أنه أفتى عليه “باش يبدل ساعة بأخرى” لأن الوضع في غير صالحه.

    سنعود معه لجلسة جديدة داخل رحاب المحكمة التي بات “صاحبهم” يصول فيها ويصيح ويسجل فيديوهات بمداخلها تارة يهادنهم وتارة يهاجمهم، سنعود وسيعود “صاحبهم” الذي ربوه ونفخوا فيه ومنحوه حجما أكبر من حقيقته وهو الذي لا يقوى على تركيب جملة قانونية واحدة.

    هذا إلى الذين “تصورو معاه” وهو لا يعدو أن يكون نكرة في عالم النكرات، وزينوا غرفهم بتلك الصور، وللذين احتفوا بشهاداته فيهم وهي المليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية، وصاحبها العديم الصفة والعديم العلم أقول لهم إن مخلوقكم خرج عن السيطرة.

    سنعود لكن في أيدينا حبل القانون نلفه حول رقبة كل من يريد التمرد على القانون أو يهين رجاله أو نساءه، فإذا لم يرب أولئك المربون “صاحبهم” فحسبنا ربطه بالقانون في الزاوية التي يحددها القانون، ونبقي عليه هناك إلى أن يقضي منه القانون وطره…

    إقرأ الخبر من مصدره