Catégorie : رآي

  • عندما تصبح المساواة مرادفاً للحصيص: من تكافؤ الفرص إلى إعادة إنتاج الامتيازات

    أضحت قضية المساواة بين الرجل والمرأة، خلال السنوات الأخيرة، من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي. بيد أن كثافة التداول لا تعني دائمًا وضوح الرؤية، إذ كثيرًا ما تُفرغ المفاهيم النبيلة من معناها الحقيقي عندما تستعمل استعمالًا يُحوّلها إلى أدوات وظيفية تخدم حسابات انتخابية وسياسية أكثر مما تخدم الإنسان وقيمة العدالة ذاتها.

    من هذا المنطلق، ظللت أعتبر أن جزءًا مهمًا مما يُقدَّم اليوم باسم « المساواة » لا يعكس بالضرورة جوهرها العميق، بقدر ما يعكس توظيفًا مرحليًا لمفهوم مشروع يراد به في كثير من الأحيان غير ما يُعلن عنه.

    فالمساواة، في معناها الحضاري والإنساني، لا يمكن أن تقوم على الامتيازات الدائمة، ولا على إعادة توزيع المواقع وفق منطق الحصيص، وإنما على ترسيخ شروط التنافس الحر والعادل المبني على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص. أما حين تتحول « الكوطا » من إجراء استثنائي محدود في الزمن إلى آلية شبه دائمة لإنتاج التمثيلية، فإنها تُفرغ المبدأ نفسه من محتواه، وتحوّل النقاش من بناء الكفاءة إلى تدبير الأرقام والنِّسب.

    ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن الخطاب الذي يُقدَّم باعتباره دفاعًا عن المرأة قد ينتهي – أحيانًا – إلى تكريس صورة ضمنية تنتقص منها. فحين يُقال، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن المرأة تحتاج باستمرار إلى حماية تنظيمية أو سياسية لتصل إلى مواقع القرار، فإن الرسالة الضمنية التي تُبث داخل المجتمع هي أنها غير قادرة على فرض ذاتها بقوة الجدارة وحدها.

    وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أليس في ذلك انتقاص من قيمة المرأة بدل إنصافها ؟

    فالمرأة المغربية أثبتت، في ميادين كثيرة، قدرتها على التفوق والإبداع والقيادة حين تتوفر شروط التنافس النزيه. في الجامعة والقضاء والطب والهندسة وريادة الأعمال والعمل الدبلوماسي، برزت نماذج نسائية مشرّفة لم تصل عبر منطق الشفقة المؤسساتية، بل عبر العمل والكفاءة والإصرار.

    إن الإشكال الحقيقي، في تقديري، لا يكمن في المرأة، بل في البنيات الحزبية والإدارية التي كثيرًا ما تُخضع التمثيلية والتعيينات لمنطق الولاءات والمحسوبية والتوازنات الضيقة. فبتْنا نجد أنفسنا، في بعض الأحيان، أمام حضور شكلي باهت لا يعكس حقيقة الطاقات النسائية الموجودة داخل المجتمع، بل يُنتج صورة مرتبكة عن الأداء والتمثيل.

    وفي المقابل، تُهمَّش كفاءات نسائية حقيقية، أو تنكمش على ذاتها، لأنها تدرك أن معايير الاختيار لا تقوم دائمًا على الشفافية والاستحقاق، بل على القرب من دوائر النفوذ والحسابات الانتخابية. وهنا تتحول القضية النسائية نفسها، في بعض الممارسات، من مشروع للتحرر والتمكين إلى رأسمال رمزي وسياسي يُستثمر لإعادة إنتاج المواقع والمصالح.

    والمثير للانتباه أيضًا أن بعض التنظيمات التي تتحدث باسم الدفاع عن المرأة تبدو، في ممارسات معينة، وكأنها تركز على الدفاع عن آليات الحصيص أكثر من تركيزها على بناء شروط المنافسة العادلة وصناعة الكفاءات النسائية القادرة على فرض حضورها الطبيعي داخل المجتمع والمؤسسات. وبذلك يتحول النقاش، أحيانًا، من سؤال: ، » كيف نبني نساء قياديات قادرات على التأثير ؟  » إلى سؤال أكثر ضيقًا : ، » كم عدد المقاعد التي ينبغي تخصيصها ؟ « .
     

    إن الفرق شاسع بين تكافؤ الفرص وتكافؤ النتائج.

    فتكافؤ الفرص يعني إزالة العراقيل التي تمنع الأفراد – رجالًا ونساءً – من التنافس العادل. أما تكافؤ النتائج فيعني السعي إلى فرض نتائج مسبقة باسم العدالة، حتى وإن لم تعكس دائمًا منطق الاستحقاق والكفاءة.

    إن المجتمعات التي تنهض فعلًا ليست هي تلك التي توزع المواقع وفق الانتماءات البيولوجية أو الفئوية، بل تلك التي تجعل الكفاءة معيارًا أعلى من كل الاعتبارات الأخرى.

    لذلك، أؤمن شخصيا بأن المساواة الحقيقية لا تعني اقتسام المناصب بالتقسيط بين الجنسين، وإنما إخضاع الجميع لمعيار واحد: الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز. فإذا أثبتت المرأة أنها الأجدر، فلتتولَّ 100٪ من المناصب، لا بمنطق الامتياز، بل بمنطق الجدارة الحرة.

    أما الاستمرار في منطق « أنصاف الحلول »، والرضا بتمثيلية رمزية تُستثمر انتخابيًا وإعلاميًا، فإنه لا يخدم المرأة بقدر ما يُكرس تبعيَتها لمنظومات سياسية تستفيد من حضورها العددي أكثر مما تؤْمن فعلًا بقدراتها.

    إن المساواة التي تستحق الدفاع عنها ليست مساواة الأرقام، بل مساواة القيمة الإنسانية؛ ليست مساواة الحصيص، بل مساواة الاستحقاق؛ ليست مساواة تُعيد إنتاج الوصاية في صورة جديدة، بل مساواة تُحرر الإنسان – رجلًا كان أو امرأة – عبر العدالة الحقيقية وتكافؤ الفرص والاعتراف بالكفاءة وحدها كمعيارٍ للارتقاء والمسؤولية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التجربة الدستورية بالمغرب.. واقع و آفاق

    مراد علوي

    يشكل المسار الدستوري في المغرب أحد أبرز تجليات تطور الدولة الحديثة، حيث ارتبط تاريخيا بخيار الإصلاح المتدرج والتكيف المستمر مع التحولات السياسية والاجتماعية ، غير أن محطة 2011 مثلت منعطفا حاسما في هذا المسار، إذ جاء الدستور الجديد في سياق إقليمي دقيق، حاملاً معه رهانات كبرى تتجاوز حدود الصياغة القانونية، لتطال طبيعة النظام السياسي، وتوازن السلط، ومستقبل التحول الديمقراطي بالمملكة .

    لقد أرسى دستور 2011 تحولات نوعية على مستوى الهندسة المؤسساتية ، فقد عزز موقع رئيس الحكومة داخل السلطة التنفيذية، ووسع صلاحيات البرلمان في التشريع والرقابة، وكرّس استقلال السلطة القضائية باعتبارها سلطة قائمة الذات، بعد أن كانت توصف بوظيفة. كما نص على سمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، في إطار احترام ثوابت الأمة وقوانينها، وكرّس الطابع التعددي للهوية الوطنية، عبر دسترة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، بما يعكس غنى المكونات الثقافية والحضارية للمملكة.

    غير أن أهمية أي دستور لا تُقاس فقط بما يتضمنه من مبادئ، بل بمدى قابليته للتحول إلى ممارسة فعلية. وهنا يبرز التحدي المركزي الذي واجه التجربة المغربية خلال العقد الأخير: الانتقال من “دسترة المبادئ” إلى “مأسسة الممارسة”. فقد شكّل تنزيل القوانين التنظيمية خطوة ضرورية لاستكمال البناء الدستوري، إلا أن جودة التنفيذ ونجاعة الأداء المؤسسي ظلتا محل نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والأكاديمية.

    على مستوى السلطة التشريعية، منح الدستور البرلمان اختصاصات أوسع، سواء في مجال التشريع أو في مراقبة العمل الحكومي، كما خصّ المعارضة بمكانة دستورية واضحة تضمن لها حقوقاً محددة. غير أن الممارسة أبانت عن أن فعالية المؤسسة التشريعية لا ترتبط بالنصوص وحدها، بل بثقافة سياسية قادرة على تفعيل آليات المساءلة والمبادرة. فلا تزال المبادرة التشريعية البرلمانية محدودة مقارنة بالمبادرة الحكومية، كما أن جودة بعض النصوص القانونية تثير نقاشاً حول الحاجة إلى مزيد من التمحيص والتقييم القبلي والبعدي للسياسات العمومية.

    وفي مجال العدالة الدستورية، اضطلعت المحكمة الدستورية بدور مهم في مراقبة مطابقة القوانين للدستور، وضبط المسار الانتخابي، والمساهمة في ترسيخ الأمن القانوني. كما شكل الدفع بعدم الدستورية تطوراً نوعياً، إذ أتاح للأفراد إثارة عدم دستورية قانون يمس بحقوقهم أمام القضاء، مما عزز الحماية القضائية للحقوق والحريات ، غير أن هذا المسار ما يزال يحتاج إلى تبسيط إجراءاته وتعزيز الوعي به، حتى يصبح آلية فعالة في يد المواطنين.

    أما ورش الجهوية المتقدمة، الذي اعتُبر أحد الأعمدة الأساسية للإصلاح الدستوري، فقد مثّل خيارا استراتيجيا لترسيخ الديمقراطية الترابية وتحقيق العدالة المجالية. وقد تم انتخاب مجالس الجهات ومنحها اختصاصات مهمة، غير أن إشكالات التمويل، وتداخل الصلاحيات، وضعف الموارد البشرية في بعض الجهات، تجعل من تقييم التجربة مسألة مفتوحة على التطوير. فالانتقال نحو لا مركزية فعلية يتطلب إعادة توزيع حقيقية للموارد والسلطات، وإرساء ثقافة تدبيرية قائمة على النتائج والمساءلة.

    وفي محور الحكامة، نص الدستور على إحداث وتعزيز هيئات مستقلة تعنى بالنزاهة ومحاربة الفساد والمنافسة وحقوق الإنسان، في إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الرهان الحقيقي يظل في تمكين هذه المؤسسات من الإمكانات القانونية والمادية الكفيلة بأداء أدوارها باستقلالية وفعالية، لأن التنصيص الدستوري، مهما كان متقدما ، لا يكفي وحده لضمان أثر ملموس في الواقع.

    أما من باب الحقوق والحريات، شهد المغرب دينامية تشريعية ومؤسساتية مهمة خلال السنوات الأخيرة، سواء في ما يتعلق بحرية الصحافة أو قضايا المساواة أو العدالة الاجتماعية. كما ساهم الفضاء الرقمي في توسيع دائرة التعبير والنقاش العمومي. غير أن التوازن بين مقتضيات الأمن والاستقرار وضمان الحريات الفردية والجماعية يظل موضوع نقاش دائم، خاصة في ظل تحولات اجتماعية متسارعة تفرض تحديات جديدة على المنظومة القانونية.

    ولا يمكن قراءة التجربة الدستورية بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماع ، فنجاح أي مشروع دستوري يقاس بمدى قدرته على تحسين شروط عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان ولوج عادل إلى الخدمات الأساسية ، فالوثيقة الدستورية يضع الإطار العام، لكن السياسات العمومية هي التي تمنحه الحياة. وإذا لم تنعكس المبادئ الدستورية على واقع التعليم والصحة والتشغيل، فإن الثقة في المؤسسات قد تتأثر.

    أما على مستوى الآفاق، فإن مستقبل التجربة الدستورية بالمغرب يرتبط بعدة رهانات أساسية. أولها تعميق الممارسة الديمقراطية عبر تقوية الأحزاب السياسية، وتطوير أداء البرلمان، وتعزيز آليات الديمقراطية التشاركية، حتى يصبح المواطن فاعلا حقيقياًفي صناعة القرار. وثانيها تعزيز استقلالية المؤسسات الدستورية وضمان توازن فعلي بين السلط، بما يكرس دولة الحق والقانون. أما الرهان الثالث فيتعلق بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال شفافية أكبر في تدبير الشأن العام، وربط واضح بين المسؤولية والنتائج.

    ولا يعني ذلك بالضرورة أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة شاملة للنص الدستوري، بل قد يكون الرهان الأكبر في تجويد التنزيل وتطوير الممارسة داخل الإطار القائم. فالدساتير ليست نصوصاً جامدة، بل عقوداً مجتمعية حية تتطور بتطور المجتمع. ومن ثم فإن تعميق الإصلاح يمر عبر ترسيخ ثقافة ديمقراطية قائمة على الحوار، واحترام المؤسسات، وتغليب منطق المصلحة العامة.

    بقي أن نشير في الأخير ، إلا أن التجربة الدستورية المغربية تمثل نموذجا للإصلاح المتدرج الذي يجمع بين الاستمرارية والتجديد. لقد حققت مكاسب مهمة على مستوى النص والهندسة المؤسساتية، غير أن تحديات التنزيل والفعالية ما تزال قائمة. وبين واقع يسعى إلى ترسيخ المكتسبات وآفاق تتطلع إلى تطوير أعمق، يظل الدستور إطارا مفتوحا على التحسين ، بقدر ما هو مرآة لطموحات مجتمع يتطلع إلى مزيد من الديمقراطية و التنمية .

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من تبليغ المعرفة إلى صناعة الإنسان: سؤال المدرسة في زمن التحول التربوي

    فؤاد لوطة

    إنَّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرَح اليوم، في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، ليس فقط: هل يتعلَّم أبناؤنا داخل المدرسة؟، بل: أيُّ نوع من التعلُّم يتلقَّونه؟ وأيُّ إنسان تُسهم المدرسة في تشكيله؟

    ذلك أنَّ الحديث عن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن اختزالُه في تعديل البرامج والمناهج أو الرفع من نسب النجاح، بل يجب أن ينطلق من مساءلة الفلسفة التي تؤطِّر المدرسة ووظيفتها داخل المجتمع.

    لقد جاءت خارطة الطريق 2022-2026، وكذا مقتضيات القانون الإطار 51.17، بمجموعة من المرتكزات التي تُؤكِّد على ضرورة الانتقال من مدرسة التلقين إلى مدرسة التمكين، ومن منطق الحفظ والاستظهار إلى منطق بناء الكفايات والشخصية والاستقلالية الفكرية. ويتجلّى ذلك بوضوح في المادة 22 المتعلقة بالمواكبة النفسية والاجتماعية للمتعلمين، وفي الرافعة الخامسة المرتبطة بالتعلم الذاتي وبناء المشروع الشخصي والاندماج، إضافة إلى المشروع العاشر الهادف إلى حفز التفتح واليقظة لدى المتعلمين، والمشروع الرابع عشر المتعلق بإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتمكين المتعلمين من استعمالها بشكل عقلاني وفعّال.

    غير أنَّ الواقع التربوي داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال بعيدًا عن هذه الرهانات. فما يزال التعليم، في كثير من الأحيان، محكوما بمنطق التبليغ الأحادي للمعرفة، حيث يتحول المدرس إلى ناقل للمضامين الدراسية، ويتحول المتعلم إلى متلقٍّ سلبيٍّ لا يُطلَب منه سوى الحفظ وإعادة الإنتاج أثناء الامتحانات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة المدرسة هي ملء أذهان المتعلمين بالمعلومات، أم بناء إنسان قادر على التفكير، والتحليل، والنقد، والاختيار؟

    إنَّ الأزمة الحقيقية التي تعيشها المدرسة ليست أزمة مقررات أو ساعات دراسية فحسب، بل هي أزمة رؤية وفلسفة. فالمعرفة التي تُنقَل داخل المدرسة غالبًا ما تُقدَّم للمتعلمين باعتبارها حقائق ثابتة ونهائية، في حين أن المعرفة الإنسانية، في جوهرها، نسبية ومتطورة وقابلة للنقاش والتجاوز. فالمعارف العلمية لا تسقط من السماء، بل يُنتجها الإنسان داخل سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية محددة، وتتأثر بشروط الزمان والمكان وبالخلفيات الفكرية للباحثين أنفسهم.

    ومن هنا، فإنَّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه المدرسة هو تجريد المعرفة من سياقها الفكري والتاريخي، وتحويلها إلى معطيات جامدة يُطلب من المتعلم استظهارها دون مساءلة أو تفكير. لأنَّ هذا النمط من التعليم لا يُنتج عقولا مفكرة، بل يُنتج ذهنيات استهلاكية عاجزة عن النقد والإبداع والمبادرة.

    لقد أثبتت نظريات التربية الحديثة، من البنائية عند “بياجي” إلى السوسيوبنائية عند “فيغوتسكي”، أنَّ التعلُّم الحقيقي لا يتحقق عبر التلقين، بل عبر بناء المتعلم للمعرفة بنفسه، من خلال التفاعل، والتجريب، وحل المشكلات، وربط التعلمات بالواقع. كما أنَّ التربية المعاصرة لم تعد تعتبر المتعلم وعاءً فارغًا، بل ذاتًا فاعلة تمتلك تمثلات وتجارب وقدرات ينبغي استثمارها داخل العملية التعليمية التعلمية.

    ولذلك، فإنَّ المدرس لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح مطالبًا بأن يكون موجِّهًا ومؤطِّرًا ومُيسِّرًا للتعلُّم، ومساهمًا في بناء شخصية المتعلم نفسيًا وفكريًا واجتماعيًا. وهذا الدور لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان المدرس نفسه ممتلكًا لوعي تربوي وفلسفي يجعله قادرًا على مساءلة المعرفة التي يُدرّسها، وفهم طبيعتها وحدودها وخلفياتها الفكرية.

    إنَّ المدرسة التي تُعلِّم المتعلم كيف يحفظ فقط، تُخرِّج أفرادًا قابلين للتوجيه والانقياد، أما المدرسة التي تُعلِّمه كيف يفكر، فإنها تُخرِّج مواطنين أحرارًا قادرين على الإبداع والمشاركة في بناء المجتمع. ولذلك، فإنَّ تنمية الفكر النقدي لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة حضارية في عصر الانفجار المعرفي والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

    ولعلَّ من المفارقات الكبرى أنَّ المدرسة ما تزال تُركِّز على كمٍّ هائل من المضامين المعرفية، في وقت أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر. فلم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المعرفة، بل القدرة على تحليلها، وتمحيصها، واستثمارها، والتمييز بين الصحيح والزائف منها. وهذا ما يفسر التحول العالمي نحو تعليم الكفايات، والمهارات الحياتية، والتعلم الذاتي، والتربية على التفكير النقدي والإبداعي.

    إنَّ الاقتصار على التبليغ الجاف للمعرفة يجعل المدرسة مؤسسة منفصلة عن المجتمع، وعن التحولات التي يعرفها العالم. كما يجعل المتعلم يشعر بأن ما يتلقاه داخل القسم مجرد مضامين مفروضة عليه لا علاقة لها بحياته اليومية ولا بمشاريعه المستقبلية. وهنا تتراجع الدافعية نحو التعلم، ويتحول التعليم إلى عبء نفسي بدل أن يكون أداة للتحرر والارتقاء الاجتماعي.

    ومن جهة أخرى، فإنَّ بناء شخصية المتعلم لا يتحقق عبر الدروس فقط، بل عبر طبيعة العلاقات البيداغوجية والتربوية التي يعيشها داخل المؤسسة التعليمية. فالمتعلم الذي يُسمح له بالتعبير، والنقاش، وطرح الأسئلة، والخطأ، والتجريب، ينمو لديه الإحساس بالثقة والاستقلالية والقدرة على المبادرة. أما المتعلم الذي يُختزل دوره في الصمت والحفظ والطاعة، فإنه يفقد تدريجيًا فضوله الفكري ورغبته في الاكتشاف.

    إنَّ المدرسة الحديثة مطالبة اليوم بأن تُعيد الاعتبار للإنسان داخل العملية التعليمية، وأن تجعل من المعرفة وسيلة لبناء الذات لا غايةً في حد ذاتها. فالمعارف قد تُنسى، وقد تصبح متجاوزة مع مرور الزمن، لكن ما يبقى راسخًا هو طريقة التفكير، والقدرة على التحليل، والكفايات الحياتية، والقيم التي يكتسبها المتعلم خلال مساره الدراسي.

    ولهذا، فإنَّ إصلاح المدرسة لا ينبغي أن ينحصر في تغيير المناهج أو الكتب المدرسية فقط، بل يجب أن يشمل إعادة النظر في فلسفة التكوين الأساس والمستمر للمدرسين، حتى يصبح المدرس مثقفًا تربويًا واعيًا برسالته، لا مجرد منفذ تقني للمقررات الدراسية. لأنَّ المدرس الذي لا يمتلك رؤية تربوية واضحة، غالبًا ما يسقط في رتابة الممارسة اليومية، ويُحوِّل القسم إلى فضاء للحفظ والاستظهار بدل أن يكون فضاءً للحوار والتفكير وبناء المعنى.

    إنَّ المجتمعات التي حققت تقدُّمًا حقيقيًا لم تصل إليه بكثرة الشهادات ولا بحشو الأدمغة بالمعلومات، بل ببناء إنسان يمتلك العقل النقدي، والقدرة على الإبداع، وروح المبادرة، والوعي بقضايا مجتمعه. ولذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يوجِّه كل إصلاح تربوي هو: أيُّ مواطن نريد أن تُنتجه المدرسة؟

    هل نريد متعلمًا يُجيد استرجاع الدروس أثناء الامتحان فقط؟ أم نريد إنسانًا قادرًا على التفكير الحر، والتعلُّم الذاتي، والمساهمة في التنمية العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لوطنه؟

    إنَّ المدرسة التي لا تُعلِّم أبناءها كيف يفكرون، ستجد نفسها عاجزة عن إعدادهم لمواجهة عالم شديد التعقيد والتغير. أما المدرسة التي تجعل من المتعلم محورًا حقيقيًا للعملية التعليمية، وتربط المعرفة بالحياة، وتُنمِّي الفكر النقدي والوعي والابتكار، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل وبناء مجتمع المعرفة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كفانا من “ابتزاز” المواطن!

    عبد اللطيف مجدوب

    من المفترض في دولة الحق والقانون أن يشكل المرفق العام ملاذاً آمناً للمواطن، وسنداً يضمن قضاء مصالحه الحيوية بمرونة واستمرارية. غير أن الواقع يكشف، مع أسف شديد، عن تحول بعض الهيئات والمرافق العمومية (أو الشبه عمومية) إلى منصات لابتزاز المواطن البسيط، واللعب على أوتار احتياجاته اليومية؛ حيث أصبحت ترى في مصالح المواطنين وقضاياهم المستعجلة البوابة “الوحيدة” والورقة الضاغطة لاقتناص ما تعتبره “حقوقاً” لها من الجهات الوصية.
    إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “الرهينة الاجتماعية”، حيث يُدفع بالمواطن إلى فوهة المدفع ليكون الضحية…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العفو الملكي… حين تتحول السياسة إلى أخلاق والدبلوماسية إلى إنسانية

    العفو الملكي… حين تتحول السياسة إلى أخلاق والدبلوماسية إلى إنسانية

    سياسي: رشيد لمسلم  

    في لحظة إقليمية ودولية تتعاظم فيها خطابات الانغلاق والتوتر، يطلّ المغرب مرة أخرى من نافذة قيمه الحضارية العميقة، ليؤكد أن الدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك أدوات النفوذ، بل أيضا تلك التي تمتلك القدرة على ممارسة الرحمة بحكمة، والإنسانية بسيادة، والتسامح بثقة في الذات. ومن هذا الأفق الرفيع، جاء البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، المتعلق بالعفو المولوي الكريم الذي تفضل به صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لفائدة عدد من المشجعين السنغاليين المحكوم…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ضيقتوها على الكثير من المغاربة … حكومة_المصالح 

    ضيقتوها على الكثير من #المغاربة … #حكومة_المصالح 

    كتبتها: الصحافية حنان رحاب

    المفروض ان #العيد هو محطة للفرح والابتهاج، وكل امة إلا ولها مناسباتها التي يختلط فيها الديني بالتقاليد، والتاريخ بالهوية الوطنية.

    وهذه الأعياد والمناسبات هي من عناصر استمرار خصوصية اي امة.

    ولذلك تحرص الحكومات على ان توفر لشعوبها كل اسباب مرور هذه المناسبات في شروط تيسر للجميع الاحتفال، حتى يكون الفرح جماعيا.

    في #المغرب، يخرج علينا البعض ليسوق لنا خطاب: لي معندوش ميعيدش.

    هو خطاب يظهر منطقيا في الظاهر، ولكنه يخفي تضليلا، لانه يحجب سؤالا آخر، وهو : علاش كاين مغاربة مقادينش…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العيد تحت رحمة شناقة السوق

    يونس البصري

    مرة أخرى، يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة سؤال قديم يتكرر مع كل أزمة؛ من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟ فمع اقتراب عيد الأضحى، تحولت أسواق بيع الأضاحي إلى فضاءات للصدمة أكثر منها فضاءات للاستعداد لواحدة من أهم المناسبات الدينية والاجتماعية في المغرب.
    قبل أشهر، طمأنت الحكومة الرأي العام مؤكدة أن وضعية القطيع الوطني مستقرة، وأن إجراءات الدعم والإحصاء والمراقبة كفيلة بضمان وفرة العرض واستقرار الأسعار. خطاب رسمي بدا وكأنه يبعث برسالة واضحة، أزمة السنة الماضية أصبحت وراءنا، والأسواق هذه المرة ستكون تحت السيطرة بوجود 40 مليون رأس من…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قامَة عِزَّةٌ تطوانيةٌ بها مُقَامَة

    للحُسْنِ مِقياس يخُصّ كَيْل ما بداخلِ الوجدانِ مِن نَقاءٍ للسَّرِيرة، وصفاءٍ لنَبْتَةِ الفِطْرَةِ الخَيِّرة، الظاهرة لذوى حُسْنَى البَصِيرَة، ومهما تواضَعت صاحبته عن قُوَّةٍ لزمَتها لزوم الحياءِ شيمة لمروؤةِ الشَّرف الشريف حاجبها عن الانبهار المصطنع بمفعولِ غايةٍ أَزْمِنَتُهَا قصيرَة، مادام النبوغ المحسوب على لُبِّها مُعاد إشعال شعلته متى انطفأ بعامل سياسة مرحلةٍ في مضمونها مُرَتَّبَة كفقيرَة، تحسب في إبعاد وهج كفاءات مِن ساحات التدبير الجاد للشأن العام استمرار لما أقرَّته كمسيرَة، لكن هيهات فَقَهْقَهَة الأقدارِ لا يستشعرها المُتخمة أمعاؤه بأُكْلَةِ المَضِيرَة ، ولربما أنصفت بما تعنيه المدافعين عمَّن قهرتهم الجلسة الطويلة على نفس الحصيرَة ، يؤديهم خَزِيز  حَصَى الفقرِ ويؤلمهم خزي الظُلْمِ وينْأَى بهم عن صفة البشر حرمانهم المُطلق من حقوقهم أكانت كبيرة أو صغيرَة ، امرأة أخذها عز التكوين العقائدي ليضرب بها المثل أنَّ الإسلامَ مدرسةُ تنظيفِ الأرواحِ مِن شوائب الاستسلام لمغريات الفانية مهما بلغت تظل حتى للضَّرر مُضِرَّة ، فنشأت على فكر سليم يوحِّد القويم ويناصر الحليم ويصاحب مَن كان بالسنن الحميدة عالِم وإذا خشي فمن القاهر الرحيم ومتَى تولَّى أمراً أنجزَه عن يقين أنَّ الحسابَ مُدركه  بما هو عسير العسير ، ويكفي فخراً لمدينة أصيلة أنها أنجبت الأستاذة مريمة بوجمعة المقصودة بما سبق التي لم تترك منصبا تشريعيا محليا أو إقليميا أو جهوياً أو وطنيا الإ وشغلته فكانت فيه على تحمُّل نِعْمَ المسؤولية قادرَة . التقيتُ بها ككاتب صحفي ينقب عن معدن ما يتضمَّنه الفكر الإنساني السامي المتعدد الثقافات المُشبع بما يضيف للفائدة ما يكبرها منفعة لمن يريد توظيف حياته لاكتساب ما ينشِّط به حركة التاريخ المُستقل ، خدمة لأجيال في حاجة ماسة لمعرفة أعمدة تقدُّمِ المغرب بمجهود نضالٍ هادئ لكنه مؤثِّر، ولولاه لضاع ما لم يقبل بضياعه أحد . التقيتُ بها فوجدتها مستعدة بعفوية مثالية أن تناقشني ما أريد استخلاصه من معلومات تقرب  الرأي العام الدولي لما تزخر به تطوان من قامات نسائية عز نظيرها انطلاقاً من مشاركتهن العمل في صناعة تقدم وطن ، وبخاصة في مرحلة لا وجود فيها لضُعَّافِ الفكرِ منعدمي المبادرة المتعلقة بأي مجال مرتبط بالزَّحف المبارك لإشغال المراتب الأولى خدمة للإنسانية عالميا بما يضمن المساواة في الحقوق وحرية الرأي والاختيار وإسناد مسؤوليات تدبير الشأن العمومي لمن يستحق، اعتماداً على سعة ثقافته الشاملة التطلع للتَّجديد، كلما طلب الاصلاح السَّديد، إنتاج المفيد المحمود الحميد.

    … من خلال اللقاء المباشر هذا اطلعتُ قدر الإمكان على الأسس الفكرية التي بنت عليها الأستاذة مريمة قناعاتها مهما تعلقت بالميادين التي برزت فيها أنها مدركة في العمق السياسات الرسمية للدولة وحدود ما يقابلها لدى أحزاب أرادت (كالعدالة والتنمية) أن تبتكر في خضمِّها ما يناسب طموحات الشعب لحد ما، ولو بما يتسنى من إمكانات فَرْضِ الديمقراطية كأرضية تساعد ولو بالمسموح به تطلعا بالتدريج لما هو أهم فأهم الأهم. ولم تتجنب الأستاذة رياح الصدمة التي أوقفت ذاك الحزب على مسافة غير منصفة من محاولاته التقدم في تطبيق رؤاه المستقبلية لأسباب أصبحت جد معروفة ، بل اعتبرَتْها فرصة سانحة للتفكير المفعم شروط التمكن من تحيين توجيهاته الاستمرار في نضال يتخذ العِبر من 7 أكتوبر ، حينما منحت غزة العزة ما به يغير شعب معالم التاريخ المُحتَرم الآونة مِن طرف العالم برمته ، تلك العبر الراغبة في نزع الحقوق المشروعة ولو بتقديم تضحيات مهما بلغت تحقق المراد طال الأمد أم قَصر ، وبالحكمة المغربية للمناضلين المغاربة الأحرار وبخاصة هؤلاء (ومنهم الأستاذة مريمة بوجمعة) الرافعين راية التحاور بالمفهوم السليم السلمي للموضوع ، سيحصل التقارب بين الحفاظ على الاستقرار والميل لحلول وضع الاصلاح فوق كل اعتبار . ونقتصر يومه على نشر عينات من تصريحات الأستاذة  التي جاءت على النحو التالي :

    _ أولاً أشكركَ على الدعوة و على حسن ظنك بي و تجربتي التي خضتها في مجالات متعددة ، وانأ اعتبرها تجربة متواضعة تحتاج إلى كثير من الاشتغال والعمل على تجاوز النقائص التي ربما شابتها ، ولكن الحقيقة تظل تجارب اعتز بها ، صقلت موهبتي وعلمتني الكثير ، استطعت من خلالها أن اخدم بلدي انطلاقا من المرجعية التي بها آمنت ، التي انطلقنا بها في إطار مشروع إصلاحي الذي تتلمذت فيه داخل الاصلاح والتوحيد قبل أن اخرج الى العمل المدني بشكل واسع ، ثم كذلك العمل السياسي . بالفعل اتفق معك أن مشروع مجموعة هته التجارب خاصة النسائية تحتاج الى توثيق و إبراز و تقييم و إلى التعريف بها و توريثها ، وأظن أن التجربة السياسية للمرأة المغربية ، من خلال مجموعة من المحافل الدولية التي يُسِّرَ لي حضورها انطلاقا من المهام التي كنت اشغلها ، تظل تجربة سياسية وحتى المدنية للمرأة المغربية ، تجربة لها مكانتها سواء داخل التجارب النسائية للدول العربية واحيانا لدول أجنبية أخرى . أتمنى أن أكون موفقة في إبراز هذه التجربة و إعطائها قدرا من التقييم الذي تستحقه حتى يتيسر لك التعامل مع المادة بكل يُسر وسلام .

    … / …

    _ الأكيد أن التواجد السياسي للمرأة المغربية في الوقت الحالي تواجد محترم من حيث تواجدها على مستوى الهيئات المنتَخَبة. على مستوى الأحزاب السياسية الملاحظ فيه بكل تجرد انه كلما نظرنا إلى تواجدها على مستوى الهيئات المركزية نجده جد محتشم ، وأحيانا لا يرقي لمستوى نضالاتها ، وكلما نزلنا إلى المستوى الجهوي أو الإقليمي أو المحلي ، ربما التواجد يتسع ولكن على مستوى القاعدة أكثر منه على مستوى هيئات اتخاذ القرار .

    …/ …

    _ الانقطاع قد لا يكون للحزب دور فيه ليس بالضرورة ولكن نتيجة سياق سياسي ترك كل واحد أن يتخذ موقفا شخصيا بطبيعة الحال ، انتخابات 2021 كنتائج الثامن شتمبر التي يعتبر البعض فيها تراجعا كبيرا للعدالة والتنمية على مستوى المقاعد البرلمانية والجماعات المحلية ، الذي اعتبره البعض سقوطا مدويا ، حتى من داخل الحزب كل ينظر من زاويته الخاصة ، لأننا لحد الآن لم نقم بتقييم جماعي لتلك الفترة  ، رغبة لعدم الوقوف كثيرا وننطلق إلى الأمام .

    …/ ….

    _ ما وقع اعتبره إبعادا للحزب لأنه أراد أن يعطي معنى للعمل السياسي ، وهذا سجلته في تدوينة يوم 9 شتمبر كموقفي مما رأيت ، لماذا ؟ ، لأنه لا يمكن لأي متتبع ذكي أن يصدق أن حزبا كان لديه 125 برلمانيا ويتواجد في مجموعة من الجماعات يرأسها ، وكان تدبيره ناجحا بالنسبة لي ، والدليل هو الآن ، لمن يحاول القيام بمقارنات ما بين عمل الجماعات الترابية في وقت العدالة والتنمية ، سيرى الفرق الشاسع ، وان حاول تقييم عمل الحكومة الآن ، سواء في عهد بنكيران أو الدكتور العثماني سيلاحظ هذا الفرق ، كان من الممكن لحزب تولى التسيير لولايتين أن تنتقص أصواته وعدد برلمانييه ، ممكن أن لا يأتي الأول ، أمر لا يمكن فهمه إلا إذا اعتبرنا أن يدا خفية تحكمت في النتائج

    … / …

    _ نتائج الثامن من شتمبر صراحة بالنسبة لي أفقدتني الثقة في جدوى العمل السياسي لذا أقول إن ابتعادي ابتعاد طوعي وإرادي لا علاقة للحزب به .

    … / …

    _ خيارات تلك الساعة أظهرت أنها خيارات فاشلة دفعت الديمقراطية من جرائها ثمنا كبيرا ، والنتيجة ما يعيشها المواطن اليوم ، أكانت على مستوى سياسة الحكومة أو مستوى السياسة الترابية التي تتحدث عنها وتعطيك ما وصلت إليه تطوان . الوجوه السياسية التي تم تقديمها وإعطاؤها تسيير الجماعات والحكومة ، نتيجة هذا التسيير راجع للنخب آلاتية من 8 شتمبر ، المؤدية إلى إفقار الناس ، وأضرت بقدرتهم الشرائية ، التي أبانت عن فساد كبير في التدبير والتسيير ، وعلى تنوع المصالح والإثراء على حساب الشعب ، وهذه الحكومة بإفرادها وكأنها شركة ، كل واحد موجود فيها إلا ويبحث عن الربح ، ولا يهمه التداعيات لتلك السلوكات الغير مسؤولة على المغرب كصورة و على القدرة الشرائية للمواطنين ومستقبل أولادنا .

    … / …

    _ بالرجوع إلى فترة الإبعاد أو الانقطاع التي كانت بالنسبة لي فترة تأمل وتفكير في إمكانات إصلاح هذا النسق السياسي الذي نحن فيه ، علما أن تلك المساحات الممنوحة من طرف الدستور الدخول لمن يعمل وسطها يقع التضييق عليه ، واليوم يتم تفريغه شيئا فشيئا وهذا ظهر حتى في مشروع تعديل القادة المنظمين للجهات ، هذه الأخيرة كما سيرناها نحن العدالة والتنمية خلال 2016 ليست هي الجهات الآن ، تم إفراع مجموعة اختصاصات معطاة كانت للمنتخَب وكذا إبعاد هذا الأخير من مجموعة أمور تكون بمثابة  قرارات أساسية

    … / …

    _ هل تطلعاتنا كانت اكبر مما تتيحه لنا الإمكانات الم تكن هناك قراءة جيدة للمحيط الإقليمي والدولي وما يفرضه وتأثيره على الاتجاهات المحلية والتوجهات على المستوى الوطني لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة الوضع الإقليمي له تأثيره وتداعياته كما العالمي الم نقرا ذلك جيدا ؟  .

    …/ …

    _ الذي أعاد لي بوصلة التفكير أحداث طوفان الأقصى الذي كان ملهما لأعود واستعد فيها لأهمية النضال وأهمية المدافعة وأهمية الممانعة وأهمية المشروع الإصلاحي. المقاومة أعادت ترتيب الوضع الإقليمي والدولي ، شعب في جزء من الأرض كيف غير العالم وقلب التاريخ ، عالم قبل 7 أكتوبر أصبح غيره بعد هذا التاريخ . نحن نؤمن بالقضية من الناحية الإنسانية والقانونية والعقائدية ، فقلتُ من العار عليَّ وخذلان لهؤلاء الناس إن بقيتُ جالسة ، لا يمكن . للإصلاح ضريبته وهذا جزء مما تربيت عليه في التوحيد والإصلاح،  المشروع الإصلاحي له كلفة . وكما صفعني 8 شتمبر جاء طوفان الأقصى وصفعني هو الآخر ، أعادني إلى رشدي ، فضروري من المدافعة وضروري من التواجد وضروري من النضال ولو بجزء صغير  داخل مساحة صغير سنمارس النضال والفعل من خلالها .

    (الصورة : الأستاذة مريم بوجمعة ترأس أحدى جلسات مجلس النواب / للبرلمان المغربي السابق)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • النحيلي يكتب: عيد الأضحى.. والدعوة إلى إقراره أسبوعا وطنيا للأسرة

    بقلم محمد النحيلي، باحث في القضايا المجتمعية فاعل مدني ونقابي وحقوقي

    في عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتزداد فيه ضغوط الحياة اليومية، لم تعد الأسرة مجرد إطار خاص للعلاقات العائلية، بل أصبحت قضية مجتمعية ووطنية تستدعي التفكير الجماعي في سبل حمايتها وتعزيز تماسكها. ومن هذا المنطلق، تبرز الدعوة إلى إقرار مناسبة عيد الأضحى المبارك أسبوعًا وطنيًا للأسرة باعتبارها فكرة تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية وثقافية عميقة، تنبع من الواقع المغربي ذاته ومن خصوصية علاقته بالأسرة والهوية والانتماء.

    فعيد الأضحى لا يقتصر على كونه شعيرة دينية عابرة، بل يتحول إلى لحظة اجتماعية كبرى تستعيد فيها الأسرة مكانتها المركزية داخل المجتمع. ففي هذه المناسبة تتقوى صلة الرحم، وتجتمع الأجيال حول قيم التضامن والتآزر والمحبة، ويعود الإنسان إلى جذوره الأولى مهما ابتعدت به المسافات.

    ولعل من أبلغ الصور التي تجسد هذا المعنى، ذلك المشهد الذي يتكرر كل سنة حين يعود الأبناء والأحفاد من العواصم الدولية والمدن الكبرى نحو الدواوير والمداشر النائية في أعالي الجبال. شباب يعيشون في باريس أو بروكسيل أو مونريال، أو يشتغلون في الدار البيضاء والرباط وطنجة، لكنهم ما إن يقترب العيد حتى يشعروا بنداء الأصل والذاكرة، فيشدون الرحال نحو البيت العتيق وخيمة العائلة، حيث الأجداد والحكايات القديمة ورائحة الأرض الأولى.

    وهناك، في تلك القرى البسيطة التي قد تفتقر إلى كثير من مظاهر الحداثة، تستعيد الأسرة معناها الحقيقي. يلتقي الأحفاد بأقاربهم، ويتعرف الأطفال المزدادون خارج الوطن على جذورهم الثقافية والإنسانية، وكأن عيد الأضحى يتحول إلى مدرسة اجتماعية مفتوحة لإعادة بناء الانتماء والهوية الجماعية.

    غير أن أكثر المشاهد تأثيرًا تبقى مرتبطة بالعامل البسيط والكادح الذي أرغمته ظروف العيش على مغادرة خيمته أو قريته الصغيرة بحثًا عن لقمة العيش. كم من عامل مياوم أو حارس أو عامل بناء يعيش شهورًا طويلة بعيدًا عن زوجته وأبنائه، بين الورشات وغرف الكراء الضيقة، لكنه يعود في عطلة عيد الأضحى محملًا بما استطاع جمعه من تعب الأيام، فقط ليصنع فرحة بسيطة داخل بيته المتواضع.

    إنه يقطع المسافات الطويلة ليصل إلى خيمته في أعالي الجبل، حيث ينتظره الأطفال بلهفة، وتنتظر الأسرة لحظة اللقاء التي تختصر كل معاني التضحية والمحبة والانتماء. وهناك يدرك المرء أن قيمة العيد لا تكمن في المظاهر، بل في اجتماع الأسرة نفسها، وفي قدرة هذه المناسبة على إعادة ترميم الروابط الإنسانية التي أرهقتها قسوة الحياة.

    ومن زاوية سوسيولوجية، تؤكد هذه الصور أن عيد الأضحى يؤدي وظيفة اجتماعية مركزية تتجاوز البعد الديني، إذ يعيد إنتاج التضامن الاجتماعي ويقوي الروابط الرمزية داخل المجتمع. لذلك فإن تحويله إلى أسبوع وطني للأسرة لا يُختزل في كونه اقتراحًا مناسباتيًا، بل يمثل رؤية مجتمعية تروم إعادة الاعتبار للأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم، والمدرسة الأساسية للمواطنة، والضامن الحقيقي للاستقرار الاجتماعي.

    إن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من اقتصاد وبنيات حديثة، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على دفئها الإنساني وتماسكها الأسري. ومن هنا، فإن إقرار عيد الأضحى أسبوعًا وطنيًا للأسرة يمكن أن يشكل لحظة وطنية للتفكير الجماعي في أوضاع الأسرة المغربية، وإطلاق مبادرات ثقافية وتربوية وإعلامية تعيد الاعتبار لقيم الرحمة وصلة الرحم والتكافل بين الأجيال.

    لأن الأسرة، في النهاية، ليست شأنًا خاصًا فحسب، بل قضية وطنية بامتياز… وعيد الأضحى يظل أكثر المناسبات قدرة على تذكير المغاربة بهذه الحقيقة العميقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خلف جدران “الفضيحة”: عن هوس التشهير ودموع الشوارع المنسية.

    خلف جدران “الفضيحة”: عن هوس التشهير ودموع الشوارع المنسية.
    كتبها: جمال الدين ريان

    ​تستيقظ منصات التواصل الاجتماعي في بلادنا كل يوم على “وليمة” جديدة.

    لحم بشري طازج يُعرض في سوق المزايدات الأخلاقية، والكل يتحول فجأة إلى قاضٍ، وجلاد، ومصلح اجتماعي. آخر هذه الولائم المقززة هي موجة الكتابات، والتدوينات، والتعليقات التي تنهش في فتاة الدار البيضاء لمجرد أن مقطعًا صُور لها في وضعية معينة مع شخص من جنسية إفريقية.
    ​الكل سارع إلى الركض خلف “التريند”.

    سال لعاب صناع المحتوى للحصول على المشاهدات، وتسابق أشباه المثقفين لتحليل “سقوط القيم”، وتحولت…

    إقرأ الخبر من مصدره