العرائش نيوز:
نلتقي من حديد عبر برنامج صدى الضيف مع ذاكرة حقيية لفريق شباب العرائش، الضيف هذه المرة اتمرت علاقته بفريق شباب المدينة من لاعب و اداري و صحفي متتبع للوضع الكروي بالمدينة ، محمد شعوان احد نجوم فريق شباب العرائش يفتح قلبه للجمهور:
العرائش نيوز:
نلتقي من حديد عبر برنامج صدى الضيف مع ذاكرة حقيية لفريق شباب العرائش، الضيف هذه المرة اتمرت علاقته بفريق شباب المدينة من لاعب و اداري و صحفي متتبع للوضع الكروي بالمدينة ، محمد شعوان احد نجوم فريق شباب العرائش يفتح قلبه للجمهور:
هسبريس – علي بنهرار
قال ياسين عوكاشة، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس فريقه النيابي، إن انتخابه بعد محمد شوكي رئيساً للمكون الأول في المؤسسة التشريعية يُعد “تكليفاً ومسؤولية كبيرين”، مضيفاً أن “الدورة التشريعية الأخيرة من عمر الولاية الحالية تحمل رهانات مهمة ترتبط أساساً بالعمل الرقابي والتشريعي، نظراً لعدد مشاريع القوانين المعروضة للنقاش داخل البرلمان”.
وأشار عوكاشة، ضمن لقاء خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن الفريق البرلماني مطالب بأن يكون معبّأً ومنخرطاً في مناقشة هذه النصوص، مشيراً إلى أن “أهمية هذه الدورة تتعزز أيضاً بتزامنها مع عرض رئيس الحكومة للحصيلة الحكومية لخمس سنوات من العمل والصمود أمام الأزمات وحالة اللايقين العالمية التي تؤثر على الاقتصاد الوطني”.
بين البرلمان والجماعة
عضو المكتب السياسي للحزب الذي يتولى رئاسة الفريق في ظل بقاء شهور على إجراء الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026 ذكر بشأن ما إذا كان الوقت كافياً لإبراز “لمسة سياسية” حقيقية في العمل النيابي أن “المرحلة، رغم كونها الأخيرة، تحمل تطلعات عالية”، مؤكداً وعيه بحجم المسؤولية، “وضرورة مواصلة العمل في انسجام وتماسك والتزام إلى آخر دقيقة من عمر الولاية، من أجل استيفاء المهام الدستورية”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وفي حديثه عن الجمع بين رئاسة جماعة “مالين الواد” بمنطقة “ولاد زيان” ومهامه الانتدابية في الغرفة البرلمانية الأولى قال عوكاشة إن “تجربة الجماعة تُعد غنية ومدرسة حقيقية، بل من أهم الخطوات التي يمكن لأي شاب يرغب في ممارسة السياسة خوضها”، وزاد: “خلال 5 سنوات في الجماعة أنجزنا عددا من البرامج التنموية ذات البعد الاجتماعي، ومشاريع لتأهيل البنية التحتية، وأخرى ذات طابع اقتصادي”.
وتابع المتحدث ذاته بأن هذه التجربة ساهمت بشكل كبير في تحسين أدائه داخل المؤسسة التشريعية، مفسراً ذلك بـ”كون المسؤوليات الترابية، خصوصاً في الوسط القروي، تتيح الربط بين الرؤية المركزية والبرامج الحكومية وبين أثرها الفعلي في الميدان وعلى المواطن، وهو ما يمنح الفاعل السياسي فهماً أعمق لنتائج السياسات العمومية من زاوية المواطن”.

وأضاف القيادي في الحزب القائد للائتلاف الحكومي أن “هذا التزاوج بين المستوى المركزي والترابي يشكل مدرسة حقيقية، لأنه يمكّن من استيعاب كيفية تفاعل القوانين والإصلاحات مع الواقع اليومي”، معرباً عن أمله في أن يخوض هذه التجربة كل شاب له طموح سياسي.
من زاوية أخرى، ولدى استفساره عن التحديات التي تواجه هذه الجماعات في ظل “مغرب السرعتين”، وواقع التنمية المتلكئ في الهامش القروي، أورد عوكاشة أنه “إذا كان الجواب التقليدي يشير إلى محدودية الموارد المالية فإن التجربة الميدانية تُظهر إمكانية تحقيق إنجازات مهمة بفضل الشراكات مع مختلف المتدخلين”.
وبشأن عدم استكمال ضمان الماء لكافة مناطق الجماعة رد ضيف هسبريس بأن “خصوصية العالم القروي تفرض تحديات إضافية، خاصة في ظل سنوات الجفاف التي عرفها المغرب وما نتج عنها من تراجع في الموارد المائية، خصوصاً الجوفية، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الماء”، مؤكداً أن “الجماعة تعمل على مواكبة هذه التحولات عبر مشاريع لتأمين التزويد بالماء، وهو تحدٍ حقيقي يواجه المسؤولين المحليين”.
8 شتنبر.. والديمقراطية الداخلية
لدى سؤال ضيف هسبريس حول ما تدفع به هيئات سياسية ومدنية بخصوص إغراق الساحة السياسية بالمال، والإشارة التي توجه مباشرة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وذلك في ضوء قرب المحطة الانتخابية، اعتبر أن “هذه الادعاءات تسيء إلى المواطن المغربي وللتجربة الديمقراطية”، موردا أن انتخابات 8 شتنبر 2021 “كانت شفافة، وأفرزت نتائج تعكس إرادة الناخبين؛ وإذا كانت هناك خروقات فالقضاء هو الجهة المختصة”.
وبالنسبة إلى الفاعل السياسي في الحزب الذي كان والده مصطفى عوكاشة ضمن مؤسسيه سنة 1978 فإنه “لا يمكن التشكيك في شرعية الانتخابات ولا في المؤسسات ولا في التجربة الديمقراطية”، مسجلا أن “من يروّج لهذه الأطروحات ربما لم يتجاوز بعد صدمة نتائج الانتخابات”.

وتابع المتحدث ذاته: “إذا فقدنا الثقة فكيف سنبني المستقبل؟ وكيف سنفرز نخباً مسؤولة وقادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين؟”، مؤكداً أن “من بين النجاحات التي تحققت اليوم عودة منسوب الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهذا أمر مهم”، وفق تعبيره.
وبخصوص ما تسمى “الديمقراطية المشوهة” في معظم الأحزاب المغربية التي تفرز نخباً قيادية وفقاً لـ”تواطؤات داخلية” مسبقة قبل إضفاء شرعية الانتخابات عليها عدّ عوكاشة ذلك بمثابة “تكريس لصورة سلبية عن الأحزاب السياسية المغربية”، وتابع: “أدعو من ليست له تجربة داخل الأحزاب أن ينخرط فيها ليرى كيف تُدار الأمور”.
ومضى الفاعل السياسي قائلاً: “إذا كان الكلام صادراً عن فاعلين سياسيين فهذا أمر خطير على التجربة الديمقراطية”، مضيفاً أن “حزب الحمامة” منذ سنة 2017 انخرط في تجربة قائمة على مبدأين: أولاً بناء حزب المؤسسات، الذي يضم تنظيمات موازية على غرار الشبيبة ومنظمات المرأة والمهنيين، وكذا خلق نخب جديدة وفتح المجال للكفاءات للمساهمة في العمل السياسي”، وواصل: “هذا ما انعكس على نتائجه، سواء على مستوى الجماعات أو البرلمان، حيث يضم الحزب عدداً مهماً من الشباب المنتخبين”.
السلطة والحزب
وبشأن سؤال هل يمكن القول اليوم بشكل نهائي إن “حزب الأحرار” تخلص حقّا وكلياً من ارتباطه بالسلطة والإدارة، بما أن تأسيسه تم برعاية الملك الحسن الثاني ومن طرف صهره أحمد عصمان، الذي تولى مهام الوزير الأول آنذاك، رد القيادي في الحزب ذاته بأن توصيف “الحزب الإداري” يتطلب أساسا التدقيق، مبرزا أنه “إذا كان المقصود هو القدرة على التدبير الجيد لشؤون الإدارة والسياسة فهذا أمر يبعث على الفخر”.
ورغم أن “الحمض النووي” للحزب ترافقه تساؤلات كثيرة دعا عضو المكتب السياسي للحزب سالف الذكر من يطرح التوصيف بحدة إلى “قراءة تاريخ الحزب، ودوره في مراحل سياسية مهمة، مثل مرحلة التناوب التوافقي” الذي قاده الراحل عبد الرحمان اليوسفي، وزاد: “كما أطرح سؤالاً: هل يوجد حزب في المغرب خارج إطار الدولة ومؤسساتها؟ بطبيعة الحال لا، فجميع الأحزاب تشتغل في إطار الدولة؛ وبالتالي لا يمكن تصنيف الأحزاب بهذا الشكل المبسط”.

وفي هذا السياق، وبخصوص ما وصف بـ”الارتباك” في الإعلان عن تمديد هياكل الحزب ثم إعلان رئيس الحزب عزيز أخنوش بشكل مفاجئ عدم الترشح، وما رافق ذلك من قراءات قال عنها قياديون سياسيون في المعارضة إنها تجسيد فعلي لـ”التحكم”، ذكر عوكاشة أن “الحزب احترم قانونه الأساسي، الذي يحدد ولايتين فقط لرئاسة الحزب، وهذا دليل على احترام المؤسسات”، ومضى قائلاً: “في مؤتمر الحزب لسنة 2017 كان هناك نقاش حول إمكانية توسيع عدد الولايات، لكن أخنوش هو من دافع عن تحديدها في ولايتين، وبالتالي ما حدث اليوم هو تطبيق طبيعي للقانون، وليس أمراً استثنائياً”، معتبراً أن “الاستثناء الحقيقي هو عندما لا تعقد الأحزاب مؤتمراتها في وقتها، أو تغيّر قوانينها لتمديد ولاية شخص معين”.
عبد المالك أهلال
أكد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، وجود انحياز منهجي وازدواجية صريحة في المعايير داخل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2025، متهما المنظمة بتوفير حماية سياسية للجزائر وجبهة البوليساريو عبر التغاضي عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بمخيمات تندوف واختزالها في أزمات إنسانية مرتبطة بنقص الغذاء.
وأوضح الكاين، في حوار خاص مع جريدة “العمق” أن المنظمة الدولية تعتمد تأطيرا مزدوجا يضع المغرب تحت مجهر المساءلة الحقوقية الصارمة بتوثيق حالات فردية ضمن فئات قانونية واضحة، بينما تدرج الوضع في تندوف ضمن فصل الجزائر بخلفية إنسانية بحتة. وأضاف أن هذا النهج يغيب المسؤولية السيادية للدولة الجزائرية عما يقع فوق إقليمها، ويخلق فراغا رقابيا يعفي سلطات الأمر الواقع من أية محاسبة قانونية.
وأكد المسؤول الحقوقي أن التحالف سبق أن أبلغ الهيئات الدولية رسميا بقائمة تضم إحدى وعشرين حالة قتل خارج نطاق القضاء ارتكبها الجيش الجزائري في محيط المخيمات، من بينها حالات وقعت في شهر أبريل 2025، غير أن منظمة العفو الدولية تجاهلت إدراجها كليا. وتابع أن المنظمة تمتلك تقنيات متطورة كالاستشعار عن بعد استخدمتها في مناطق مغلقة أخرى، لكنها أحجمت عن توظيفها لرصد استخدام الذخيرة الحية ضد المدنيين الصحراويين تفاديا للاصطدام بالسلطات الجزائرية وحفاظا على ترخيص عملها بالعاصمة.
وأشار الكاتب العام إلى أن مخيمات تندوف تحولت إلى ثقب أسود للمساءلة نتيجة تضافر عوامل بنيوية، أبرزها رفض إحصاء السكان لثلاثة عقود بهدف تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات التي تباع في أسواق مجاورة لتمويل صفقات الأسلحة. وكشف أن المنظمة تقصي التقارير التي ترصد فظاعات القيادة الانفصالية وتعتمد على جهات ذات اصطفاف إيديولوجي، مما يكرس تراتبية تجعل معاناة سكان المخيمات مجرد أرقام تفتقر للشخصية القانونية التي تمنح المرافعة قوتها.
وخلص الكاين في حواره إلى التحذير من التداعيات الخطيرة لهذا التفاوت المنهجي على عملية صنع القرار، موضحا أن تقديم هيئات عالمية لخرائط غير متماثلة عن واقع حقوق الإنسان يضلل مجلس الأمن الدولي الذي أطر النزاع مؤخرا في قراره الأخير بوصف الجزائر طرفا فاعلا. وأردف أن هذا الإخفاق يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تخدم الرواية الرسمية الجزائرية وتعيق التوصل إلى تقييم محايد لحقيقة النزاع.
نص الحوار كاملا:
لماذا يصنف التقرير حقوق الإنسان في مخيمات تندوف حصريا تحت العنوان الإنساني “حقوق اللاجئين والمهاجرين” في الفصل الخاص بالجزائر، بينما تعالج أوضاع مماثلة في الفصل الخاص بالمغرب كقضايا “أمن الدولة” و”الحريات المدنية”؟ هل يعمل هذا التأطير بشكل منهجي على حماية الدولة المضيفة (الجزائر) من مسؤوليتها السيادية عن الانتهاكات المتعلقة بالأمن التي تقع على أراضيها؟
تطرح هذه القراءة النقدية لتقرير منظمة العفو الدولية، في الشق المتعلق بالمغرب والجزائر ومخيمات تندوف، إشكالية قانونية وحقوقية جوهرية تتعلق بمسؤولية الجزائر بوصفها الدولة المضيفة لمخيمات تندوف، إذ ترسي اتفاقية وضع اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها والقانون الدولي العرفي مبدأ المسؤولية السيادية الكاملة عما يجري داخل الإقليم الوطني. غير أن المنظمات الحقوقية الدولية، ولا سيما منظمة العفو الدولية، تعتمد تأطيرا مزدوجا إشكاليا يصنف البوليساريو مديرا تنفيذيا يوميا، والجزائر ضامنا سياديا، دون أن يفضي ذلك فعليا إلى مساءلة الأخيرة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان موثقة على أراضيها.
ويترتب على هذا التأطير الإنساني الحصري أثر إجرائي خطير، يتمثل في إقصاء الجزائر من دائرة المساءلة الأمنية السيادية، حيث يتجلى هذا التفاوت بوضوح في المعالجة التوثيقية المتباينة، إذ حين توثق منظمة العفو اعتقال ناشطي حركة “مانيش راضي” داخل العاصمة تسند الانتهاكات صراحة إلى الدولة بالأسماء والتواريخ والمواد القانونية، في المقابل تغيب كليا عن التقارير ذاتها حوادث العنف العسكري الجزائري في محيط مخيمات تندوف وما تخللها من قتل مدنيين صحراويين وتقييد لحرية تنقلهم.
ويرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن هذا التباين ليس مجرد قصور في التركيز، بل هو خيار هيكلي ممنهج، يسهم في تكريسه عاملان رئيسيان، أولهما تفاوت إمكانية الوصول الميداني، إذ تفرض الجزائر والبوليساريو قيودا مشددة على منطقة تندوف تحد من قدرة الباحثين على التحقق الميداني، وثانيهما المحافظة المنهجية في اعتماد معايير إثباتية صارمة تستلزم شهودا موثوقين، مما ينتج بقعا عمياء منهجية حين تكون الدولة محل الفحص هي ذاتها من يشيد عوائق الوصول.
وخلاصة ما توصي به هذه القراءة النقدية، هو معالجة هذا الخلل الهيكلي بإخضاع الجزائر لمعايير الإسناد القانوني ذاتها المطبقة على سلوكها داخل عاصمتها، مع إدراج صريح لأي انتهاكات موثقة تتعلق بالسلوك العسكري الجزائري ضمن أقسام القوات الأمنية وحرية التنقل في التقارير الدولية، ذلك أن الأثر الفعلي للتأطير الراهن، بصرف النظر عن القصد، هو إفلات الجزائر من كل مساءلة سيادية، في تناقض صارخ مع المبادئ التأسيسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ما الذي يفسر التفاوت في التفاصيل الدقيقة بين توثيق حركة “مانيش راضي” في الجزائر العاصمة، والتجاهل التام لضحايا العنف العسكري في محيط مخيمات تندوف؟ لماذا تمنح الأولوية لأسماء وتواريخ وأرقام القضايا الخاصة بنشطاء الجزائر العاصمة على حساب الهويات الموثقة للصحراويين الذين قتلوا برصاص الدوريات العسكرية؟
يكشف تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025 عن تفاوت توثيقي صارخ بين معالجته للانتهاكات داخل الجزائر العاصمة وتلك المرتكبة في محيط مخيمات تندوف، إذ يُوثّق الفصل الخاص بالجزائر حالات فردية بدقة إسنادية عالية، تشمل أسماء المعتقلين وتواريخ الاعتقال والتهم والأحكام القضائية، في حين يخلو قسم تندوف كليا من أي توثيق أمني فردي، مقتصرا على مؤشرات إنسانية كمعدلات سوء التغذية وإحصائيات برنامج الأغذية العالمي.
وتقدم هذه القراءة النقدية جملة من التفسيرات الهيكلية لهذا التباين، أبرزها أن انتهاكات العاصمة تمر عبر منظومة قضائية رسمية تنتج سجلات قابلة للتحقق، في حين تقع الحوادث الأمنية في تندوف بمعزل عن الشهود المستقلين والإجراءات القانونية الرسمية. غير أن التحالف يرفض قبول هذا المبرر على علاته، معتبرا إياه ذريعة تخفي وراءها تواطؤا ناجما عن خشية المنظمات الدولية من الاصطدام بالسلطات الجزائرية جراء إجراء رصد مستقل في تندوف.
يتجاوز التحالف التفسيرات المنهجية ليشير إلى بعد سياسي، إذ يرى أن حركة “مانيش راضي” استفادت من تغطية إعلامية واسعة ونشاط رقمي وفر للمنظمة مسارات تحقيق واضحة، في حين تظل حوادث العنف وارتكاب الانتهاكات الجسيمة في تندوف غير مرئية لآليات بناء الملفات المعتمدة لدى المنظمة، على الرغم من أن التحالف أحاط المنظمة علما بتقرير مفصل يوضح ارتكاب قوات الجيش الجزائري لعمليات القتل والإعدام خارج نطاق القضاء منذ عام 2014، حيث شمل واحد وعشرون حالة قتل خارج نطاق القضاء، حالتان منها، وقعت في الفترة المشمولة بالتقرير، مرفقة بأسماء الضحايا وتواريخ التنفيذ وملابسات الجرائم.
وتسجل هذه القراءة تناقضا داخليا في موقف المنظمة ذاتها، إذ سبق لها المطالبة بإضافة مكوّن لمراقبة حقوق الإنسان إلى ولاية المينورسو، معترفة ضمنيا بأن غياب الرقابة المستقلة يولد فجوات توثيقية، بيد أن تقريرها السنوي لا يربط بين هذا الموقف الترافعي وبين الفجوات التي يعكسها، مما يكشف عن عدم اتساق داخلي يضعف مصداقية المنظمة ويقوض حجج التحفظ الإثباتي التي تسوقها.
تنبع الإشكالية في جوهرها من الهندسة التصنيفية للتقرير، التي تمنح أفضلية منهجية للانتهاكات المندرجة ضمن أطر قانونية رسمية، وتهمش تلك الواقعة في المناطق الرمادية كمخيمات تندوف، حيث تتضارب الصلاحيات بين الجزائر التي تحكم السيطرة على الوصول دون أن تتحمل المسؤولية الإدارية، والبوليساريو التي تدير دون أن تحظى بصفة الدولة المعترف بها، والمينورسو التي تراقب دون أن تمتلك تفويضا حقوقيا، مما يفضي إلى فراغ رقابي تعيد فيه المنظمة إنتاج التسوية السياسية عوضا عن تحديها.
وقد خلصنا في تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن تأطير تندوف حصريا بوصفه شأنا إنسانيا ليس موقفا محايدا، بل خيار هيكلي يتوافق مع الصورة التي تروج لها الجزائر عن نفسها بوصفها مضيفا كريما لا طرفا سياديا مسؤولا، مما يوجب على المنظمة الإقرار صراحة بأن فجوات التوثيق في قسم تندوف هي نتاج هيكلي لسياسة منع الوصول، وأن تصنف هذه السياسة في حد ذاتها انتهاكا حقوقيا مستقلا، بمعزل عن إمكانية التحقق من الانتهاكات الكامنة وفق معاييرها الإثباتية.
بالنظر إلى أن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي تمثلونه قد أبلغ الهيئات الدولية رسميا في أبريل 2025 بقائمة تضم 21 حالة قتل خارج نطاق القضاء موثقة، بما في ذلك مقتل سيد أحمد ولد غلام والناجم ولد محمود في 9 أبريل 2025، ما هي العتبة الإثباتية التي عجزت هذه الحالات عن بلوغها لكي تدرج في التقرير السنوي لعام 2026؟“
تشترط منهجية الإثبات لدى منظمة العفو الدولية في أعلى درجات صرامتها توافر شهادات مباشرة من ضحايا أو شهود، يجمعها باحثو المنظمة أنفسهم، معززة بمصدر مستقل إضافي كالسجلات الطبية أو الأدلة الرقمية. وعلى الرغم من أن رسالة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الموجهة للإجراءات الخاصة للأمم المتحدة وللمنظمة بشكل متزامن، في 16 أبريل 2025 تضمنت بيانات وافية تشمل أسماء الضحايا وتواريخ الأحداث وأماكنها، فإن المنظمة لم ترقها إلى مستوى المعلومات الموثوقة الكافية للإدراج في تقاريرها الرسمية.
وتبعا لذلك، يقر التحالف بمشروعية اشتراط التحقق المستقل من الادعاءات الصادرة عن أطراف ذات مصلحة سياسية، غير أنه يطعن في تطبيق هذا المعيار بصورة انتقائية، إذ تعتمد المنظمة بانتظام على شهادات منظمات ذات مصلحة سياسية في سياقات أخرى كالقضية الفلسطينية والأزمة الأوكرانية، في حين يبدو المعيار المطبق على المنظمات الصحراوية أشد تقييدا وأكثر تشددا. فضلا عن ذلك، فإن اشتراط الوصول الميداني المسبق كشرط للتوثيق يتحول في حالة تندوف إلى منظومة مكافأة للدول التي تنجح في تقييد الوصول التحقيقي، منتِجا صمتا توثيقيا يخدم مصالح الجزائر.
يكشف التحالف عن بعد زمني بالغ الدلالة، إذ وقعت بعض الإعدامات في التاسع من أبريل 2025، وأرسلت رسالة التحالف في السادس عشر من الشهر ذاته، مما أتاح لمنظمة العفو الدولية أحد عشر شهرا للتحقيق وتقييم استيفاء تلك الحالات لعتبتها الإثباتية. ويؤكد التحالف أن غياب أي إشارة إليها، حتى في صيغة مشروطة تقر بتلقي مزاعم لم يتسن التحقق منها، لا يعد نتيجة قيد منهجي محايد، بل خيارا مؤسساتيا واعيا بالصمت.
وتذهب قراءتنا النقدية للتقرير إلى أن ثمة بعدا سياسيا يفسر، وإن لم يبرر، هذا الصمت المؤسساتي، إذ إن توثيق إعدامات خارج نطاق القضاء منسوبة إلى الجيش الجزائري سيوظَف فورا في دعم ادعاءات أوسع أمام آليات الأمم المتحدة بشأن انتهاكات جسيمة ترتكبها الجزائر بحق سكان المخيمات. وهذا التعقيد السياسي يكشف أن صمت المنظمة ليس محايدا ولا منهجيا بحتا، بل هو موقف ذو أثر سياسي يصب في نهاية المطاف في خدمة الرواية الرسمية الجزائرية.
تستخدم منظمة العفو الدولية بشكل مشهور تقنيات الاستشعار عن بعد، وصور الأقمار الصناعية، والشهادات الرقمية الموثقة لتوثيق الانتهاكات في البيئات المغلقة مثل شينجيانغ أو كوريا الشمالية. لماذا لم تستخدم هذه الأدوات المنهجية ذاتها للتحقيق في الاستخدام الموثق للذخيرة الحية والطائرات المسيرة من قبل الجيش الجزائري ضد المدنيين الصحراويين في مخيمات تندوف؟
تمتلك منظمة العفو الدولية ترسانة تقنية متطورة للتحقق عن بعد، إذ تعتمد على صور الأقمار الصناعية منذ عام 2007، وتضم في هيكلها مختبر أدلة متخصصا يشغله مستشار متخصص في الاستشعار عن بعد منذ عام 2016. وقد وظفت المنظمة هذه القدرات التقنية بفاعلية في حالة شينجيانغ عام 2021، حيث اعتمد تقريرها على صور الأقمار الصناعية والبيانات الرقمية لرسم صورة شاملة عن ظروف معسكرات الاحتجاز رغم استحالة الوصول الميداني. وهو ما يجعل إغفال تطبيق الأدوات ذاتها على وضع تندوف أمرا يستدعي تفسيرا موضوعيا دقيقا.
ونرى أن الظروف الهيكلية التي بررت اللجوء إلى الاستشعار عن بعد في شينجيانغ، تنطبق على وضع تندوف بالقدر ذاته، بل وبقوة أكبر في بعض الأوجه، فالمنطقة محاطة بإغلاق جغرافي يحول دون وصول الباحثين المستقلين، فيما تتوفر شهادات من مجتمعات الشتات الصحراوي المنتشرة في أوروبا وموريتانيا والمغرب، خلافا لحالة شينجيانغ. فضلا عن ذلك، فإن حوادث بعينها كالغارة العسكرية الجزائرية على المنقبين عن الذهب في الحدود الجزائرية الموريتانية في مايو 2024، تركت آثارا فيزيائية قابلة للرصد والتحقق عبر الأقمار الصناعية، لا سيما مع توفر إحداثيات جغرافية محددة.
ويقدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية تفسيرا جوهريا لهذا التفاوت، مفاده أن أدوات الاستشعار عن بعد والتحقق الرقمي لم تطبق على تندوف بسبب غياب المحفز المؤسساتي، إذ ينشط مختبر الأدلة عادة استجابة لتغطية إعلامية دولية واسعة أو لطلب تحقيق داخلي رسمي، وكلاهما يفتقر إليهما ملف تندوف. ويزيد من ثقل هذا الإشكال أن مقاطع الفيديو المتداولة لتفريق عائلات ضحايا إعدامات أبريل 2025 على يد جنود جزائريين تمثل بالذات النوع من الأدلة الرقمية الذي يتخصص مختبر الأدلة في التحقق منه عبر تحديد الموقع الجغرافي وتحليل البيانات الوصفية.
كشفت القراءة النقدية للتقرير عن تناقض منهجي بالغ الخطورة في موقف المنظمة ذاتها، إذ تجادل صراحة في موادها الترافعية بأن غياب الرقابة المستقلة في تندوف يشكل في حد ذاته مشكلة حقوقية تستوجب الحل، بيد أنها تمتنع في الوقت ذاته عن تطبيق قدراتها التقنية والتحقيقية المتاحة على الانتهاكات الموثقة في المنطقة. ويلزم هذا التناقض المنظمة الدولية بموجب المنطق الحقوقي، بأن تسعى بمواردها الذاتية إلى سد الفجوة الرقابية التي تقر بوجودها، لا أن تكتفي بالدعوة إلى الإصلاح المؤسساتي مع الإحجام عن التحرك الميداني والتقني.
وتخلص القراءة إلى أن إخفاق منظمة العفو الدولية في توثيق وضع تندوف لا يفسر بقيود الإثبات وحدها، بل يعكس خيارات مؤسساتية تتعلق بأولويات التحقيق والمخاطر السياسية. فالحالات الموثقة، بما فيها إعدامات أبريل 2025 والغارة العسكرية في مايو 2024 وشهادات الشتات أمام الأمم المتحدة، تستوفي بالمعايير التي طبقتها المنظمة في شينجيانغ وميانمار وكوريا الشمالية عتبة إطلاق تحقيق تقني وإدراج مزاعم ذات مصداقية في التقرير السنوي. وغياب هذا التوثيق لا يثبت عدم وقوع الانتهاكات، بل يثبت أن الصمت المؤسساتي ينتج بقعة عمياء ممنهجة تخدم بصورة غير متكافئة، الدولة الجزائرية المسؤولة عن استمرار الظروف التي تجعل التوثيق عسيرا.
هل فعلا فرض المغرب حظرا فعليا على بعثات منظمة العفو الدولية منذ عام 2015 كما يتم الترويج له، وهو ما أدى انتهاج سلوك مفرط في توثيق التظلمات التي يسهل الوصول إليها في المغرب للتعويض عن استبعادها، بينما تقصر في توثيق البيئة التي يصعب الوصول إليها والأكثر خطورة في مخيمات تندوف؟
يرصد التحالف اختلالا منهجيا جوهريا في معالجة منظمة العفو الدولية لملف الصحراء، إذ تعتمد المنظمة حين يتعذر الوصول الميداني إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب على ثلاث منهجيات بديلة، تشمل إجراء مقابلات عن بعد مع مصادر غادرت المنطقة، ورصد السجلات القضائية والمراسلات الرسمية، وتوظيف تقارير المنظمات غير الحكومية الشريكة، بغض النظر عن صحة ما تتلقاه من معلومات من عدمها.
غير أن هذه المنهجيات، رغم مشروعيتها الإجرائية، تميل بكفة التوثيق نحو مزاعم بارتكاب انتهاكات منسوبة إلى المغرب تحديدا، لأن النشطاء الصحراويين المساندين للبوليساريو في الأقاليم الجنوبية يسهل التواصل معهم عبر الهاتف أو من المهجر، في حين يواجه سكان مخيمات تندوف الراغبون في الإبلاغ عن انتهاكات البوليساريو مخاطر جسيمة تحول دون إدلائهم بشهاداتهم، مما يغيب فئة كاملة من المظالم بصورة ممنهجة.
ولا تنفي المنظمة إدراكها لهذه الفجوة، إذ سبق لها عام 1996 أن طالبت بالتحقيق في انتهاكات مخيمات تندوف، مقرة بوقوع اعتقالات وتعذيب ووفيات تحت وطأة الاحتجاز، مع إخفاق قيادة البوليساريو في تقديم معلومات محددة بشأنها. ويثبت هذا السجل الترافعي أن المنظمة وثقت انتهاكات في المخيمات في مراحل سابقة، لكن وتيرة هذا التوثيق وعمقه تراجعا تراجعا ملحوظا، في حين ظلت التقارير المتعلقة بادعاءات وقوع انتهاكات بالمغرب أكثر انتظاما وتفصيلا، وهو ما يجسد عدم تماثل واضح في تخصيص الموارد التحقيقية بين الطرفين.
يؤكد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن إشكالية التوثيق لا تعود في جوهرها إلى عوائق الوصول الميداني، بل إلى خيارات مؤسساتية في تحديد الأولويات البحثية وتخصيص الموارد. ويستند التحالف في ذلك إلى سابقتين دامغتين، هما على التوالي، بعثة منظمة هيومن رايتس ووتش للمخيمات في عامي 2013 و2014، وعمل منظمة فرنسا للحريات داخلها، مما يثبت أن الوصول المادي يظل ممكنا للمنظمات التي تسعى إليه بإصرار ومنهجية. ويبقى السؤال الجوهري الذي يتعذر الإجابة عنه تجريبيا في غياب بيانات علنية، هو حجم الساعات البحثية التي تخصصها منظمة العفو لملف المخيمات مقارنة بما تخصصه لملف الأقاليم الجنوبية، إذ يكشف هذا الغموض المؤسساتي في حد ذاته عن خيار سياسي يستحق المساءلة.
في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يؤطر النزاع صراحة في سياق إقليمي يشمل الجزائر، لماذا تستمر تقارير منظمة العفو الدولية في التعامل مع دور الجزائر كدولة مضيفة إنسانية سلبية، بدلا من كونها فاعلا سياسيا وأمنيا نشطا له تأثير مباشر على مآلات حقوق الإنسان لسكان المخيمات؟
يدحض تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الرواية الرسمية الجزائرية التي تصور الجزائر مضيفا إنسانيا محايدا، مستندا إلى جملة من الوقائع الموثقة التي تكشف عمق انخراطها الفعلي في ملف الصحراء، إذ تستضيف الجزائر جبهة البوليساريو وتسلحها وتمولها وتوفر لها الغطاء الدبلوماسي، فضلا عن سيطرتها على المحيط الخارجي لمخيمات تندوف. وقد قدم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية شهادات موثقة أمام مجلس حقوق الإنسان تدين الجزائر بارتكاب انتهاكات مباشرة، تشمل اعتقال معارضين من الشباب وتنفيذ إعدامات خارج نطاق القضاء، داخل المخيمات ومحيطها، مطالبا الأمم المتحدة بمساءلتها بصفتها طرفا مسؤولا لا مجرد وسيط.
ويعزز هذا التوصيف ما أرسته الممارسة الدبلوماسية الدولية من معطيات كاشفة، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي نجحت بموجبه واشنطن في إحضار الجزائر إلى طاولة المفاوضات بعد إصرارها الشديد على موقع المراقب فحسب، وهو ما يشكل اعترافا ضمنيا بأنها طرف لا غنى عن انخراطه في أي تسوية. ومن ثمّ، فإن أي منظمة حقوقية تؤطر الجزائر حصريا بوصفها مضيفا إنسانيا إنما تعمل وفق خارطة سياسية تجاوزتها الأحداث، متجاهلة أن الجزائر تتحكم في الولوج إلى المخيمات وتقرر منح الدعم اللوجستي للمراقبين الدوليين، وأن أي إصلاح في حكامة المخيمات يستلزم موافقتها صراحة.
يرصد التحالف جملة من الحوافز الهيكلية التي تفسر تمسك منظمة العفو الدولية بهذا التأطير القاصر، أبرزها أن التفويض التقليدي للمنظمة يرتكز على إثبات المسؤولية القانونية المباشرة للدولة، وهو ما يعقد الإسناد في الحالات التي تتوسط فيها جهة وسيطة كالبوليساريو. يضاف إلى ذلك حرص المنظمة على صون علاقتها الوظيفية مع الجانب الجزائري، وتأثير السردية السياسية السائدة تاريخيا في أوساط المدافعين الدوليين عن حقوق الإنسان، التي رسخت صورة المغرب منتهكا أصيلا والجزائر ظهيرا للمضطهدين، مما أسبغ على الدولة الجزائرية نوعا من الحصانة الرمزية أمام النقد الحقوقي الجدي.
ويؤكد التحالف أن المقاربة المحايدة منهجيا تستوجب الخروج من هذا القالب الضيق نحو توثيق أفعال الجزائر الملموسة، سواء أفعال القيام أو الامتناع، وتشمل رصد سيطرتها على الوصول إلى المخيمات، ودورها السيادي في تقييد حرية تنقل السكان أو تيسيرها، وفحص علاقتها التمويلية والعسكرية بالبوليساريو وما يترتب عليها من تبعات مباشرة في مجالي الحكامة والحقوق. وخلاصة الأمر أن الإصرار على معاملة الجزائر مضيفا إنسانيا فحسب لم يعد يمثل حيادا حقوقيا، بل هو خيار سياسي مغلَف برداء المنهجية، يتعارض مع التحولات الجذرية في خارطة المسؤوليات التي كرستها الأحداث والقرارات الدولية.
في الفصل الخاص بالمغرب، تحدد الدولة بصفتها المنتهك الرئيسي من خلال جهازها القضائي والأمني. أما في الفقرة الفرعية الخاصة بتندوف، فتعزى المظالم، مثل سوء التغذية إلى عوامل هيكلية وفجوات تمويلية. لماذا يستبدل إطار حقوق الإنسان القائم على ‘التزامات الدولة بإطار إنساني قائم على الندرة فقط عند التعامل مع مخيمات تندوف؟
يسجل التحالف تفاوتا مفاهيميا جوهريا في منهجية منظمة العفو الدولية بين معالجتها لملف المغرب وأقاليمه الجنوبية من جهة، وملف مخيمات تندوف من جهة أخرى. ففي الفصول المتعلقة بالمغرب، تعتمد المنظمة لغة التزامات الدولة بكل صرامتها، محددة الجاني والفعل والقاعدة القانونية المنتهكة، في حين تتحول العدسة التحليلية عند تناول تندوف إلى لغة إنسانية بحتة تقتصر على وصف معدلات سوء التغذية وفجوات التمويل، قاطعة العلاقة السببية التي تربط القرارات السياسية للحكامة بالمآلات الإنسانية عند النقطة التي تستوجب المساءلة.
لا تعكس بيانات سوء التغذية في المخيمات ندرة تجريدية، بل تعبر عن خيارات في التدبير السياسي المتعمد، إذ رفضت جبهة البوليساريو والجزائر منذ أكثر من ثلاثين عاما طلبات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إجراء إحصاء للسكان، وهو رفض مدفوع بالرغبة في تضخيم الأعداد لضمان حصص أكبر من المساعدات. وتبقى مخيمات تندوف الوحيدة عالميا التي تمنع فيها الأمم المتحدة من أداء وظيفتها الإحصائية الجوهرية، مما يحرم السكان من نظام إدارة الهوية البيومتري الضروري لتوجيه المساعدات بصورة سليمة.
تتفاقم هذه الإشكالية بفعل عمليات اختلاس المساعدات الإنسانية الموثقة، إذ كشف المكتب الأوروبي لمكافحة الغش عام 2015 أن قيادة البوليساريو كانت تبيع المساعدات المخصصة للاجئين في أسواق موريتانيا ودول جنوب الصحراء لتمويل مشتريات الأسلحة والإثراء غير المشروع. ومن ثم، فإن تأطير معاناة الأطفال في المخيمات بوصفها نتاجا لفجوات التمويل يشكل إسنادا تبريريا خاطئا يعفي المسؤولين الفعليين من المساءلة، ويحول الانتباه عن الجناة الحقيقيين نحو المانحين الدوليين.
وقد كشف التحالف عن توتر فقهي حقيقي في منهجية المنظمة، إذ إن قانون حقوق الإنسان في تشكيله التقليدي يلزم الدول لا الكيانات شبه الدولتية، غير أن الممارسة السابقة للمنظمة ذاتها أثبتت قدرتها على تطبيق إطار التزامات الدولة على البوليساريو، كما تجلى في مراسلتها بخصوص اعتقال مصطفى سلمى سيدي مولود. وهو ما يجعل التساؤل مشروعا: لماذا تطبق هذه الصرامة بشكل انتقائي لا منهجي؟ مما يرسخ الانطباع بأن التمييز في المعالجة خيار مؤسساتي لا قيد منهجي محايد.
يخلص التحالف إلى أن إخفاق المنظمة في تطبيق لغة الحريات والمساءلة على تندوف لا يعود إلى غياب الوعي بهذه الفجوة، بل إلى عجز هذا الوعي عن الترجمة إلى معالجة تحليلية مكافئة. فالكيان الذي يدير المحاكم والسجون غير النظامية والشرطة ويتحكم في الحدود، يستوجب بالضرورة تقديم كشف حساب عن كيفية معاملته للأشخاص الخاضعين لإدارته بحكم الواقع، وتأطير غير ذلك باعتباره حيادية منهجية لا يعدو كونه خيارا سياسيا مغلفا برداء المنهجية.
هل يؤدي الإغفال المتعمد لممارسات الحكامة الداخلية لجبهة البوليساريو، وتحديدا حظر المجتمع المدني المستقل وغياب الإحصاء إلى خلق ثقب أسود للمساءلة يمنح الحركة ورعاتها فعليا إعفاء من معايير حقوق الإنسان الدولية؟
تؤكد الوثيقة بصورة قاطعة أن ما يجري في مخيمات تندوف يشكل ثقبا أسود للمساءلة الحقوقية، وذلك استنادا إلى شهادات نشطاء المجتمع المدني الصحراوي المقدمة أمام مجلس حقوق الإنسان، والتي تكشف بصورة متواترة أن البوليساريو تقمع كل معارضة بشكل ممنهج، وتحظر الأحزاب السياسية، وتفرض قيودا صارمة على حرية التعبير، وتضايق المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمدونين. ويرى التحالف أن منظمة العفو الدولية تعتمد في هذا السياق معيارا مزدوجا صريحا، إذ توثق بدقة مزاعم تطبيق قيود مفروضة على المجتمع المدني في الأقاليم الجنوبية المغربية، بينما تقصي القيود المماثلة في فضاء البوليساريو من إطارها التحليلي كليا.
وتشكل فجوة الإحصاء السكاني القاعدةَ الهيكلية لهذا الثقب الأسود للمساءلة، إذ تلتزم الجزائر قانونيا بموجب اتفاقية وضع اللاجئين وبروتكولها الملحق بالتعاون مع المفوضية السامية لتيسير عمليات الإحصاء، غير أنها تتهرب من هذه المسؤولية منذ أكثر من ثلاثة عقود، رافضة السماح للمفوضية بإحصاء سكان المخيمات رغم قرارات مجلس الأمن المتعددة.
وليست هذه فجوة تقنية عارضة، بل هي خيار سياسي متعمد تترتب عليه عواقب حقوقية جسيمة، إذ يحول دون توجيه المساعدات بصورة سليمة، ويعسر كشف الاحتيال وتسجيل الحقوق الفردية وحمايتها، فتصنع الدولة الحاضنة للمخيمات والبوليساريو بذلك حصانتها الخاصة من المساءلة.
تتشكل بنية الثقب الأسود للمساءلة في مخيمات تندوف من تظافر ثلاث آليات بنيوية متكاملة ومتعاضدة؛ أولها غياب الإحصاء الذي يجرد المنظومة الحقوقية من خط أساس موثوق للتحقق من الادعاءات، وثانيها القيود الصارمة على المجتمع المدني المستقل التي تحول دون التوثيق الداخلي، وثالثها صعوبة الوصول الخارجي التي تجعل الرقابة الدولية متقطعة ورهينة لإرادة الأمر الواقع. وتفضي هذه الغيابات مجتمعة إلى تحصين ممارسات الدولة الحاضنة والبوليساريو من كل مساءلة فعلية، في مشهد استثنائي لا نظير له في الممارسة الحقوقية الدولية.
وينوه التحالف إلى أن إغفال حظر المعارضة وعرقلة الإحصاء لا يمثل مجرد فجوة معلوماتية عارضة، بل هو فراغ ذو تبعات سياسية عميقة يمنح جبهة البوليساريو وراعيها الجزائري إعفاء فعليا من المعايير الحقوقية الكونية المطبقة إقليميا. ويتحول هذا الإغفال بذلك إلى ميزة بنيوية تكرس توزيعا غير متكافئ للمسؤولية والمساءلة الدولية، مما يفرز واقعا حقوقيا شاذا تخضع فيه جهات بعينها لمعايير أكثر صرامة في حين تتمتع جهات أخرى بحصانة فعلية من الرقابة الدولية، وهو ما يقوض مبدأ عالمية حقوق الإنسان وتطبيقه المتماثل على الجميع.
هل يكرس التقرير عن غير قصد تراتبية للضحايا الصحراويين، حيث يحظى المتضررون والمقدمين لمزاعم انتهاكات في الصحراء المغربية بظهور دولي ومرافعة قانونية، بينما يختزل المقتولون أو المختفون داخل المخيمات التي تديرها الجزائر في مجرد إحصائية إنسانية تتعلق بالأمن الغذائي؟
يكرس تقرير منظمة العفو الدولية في سياق الصحراء تراتبية للضحايا ذات تبعات أخلاقية بالغة الخطورة، إذ تحدد من تجعل معاناتهم مرئية للمجتمع الدولي ومن تبقيهم طي الكتمان. فمن يتمكن من التواصل مع المنظمة عبر قنوات مباشرة أو شبكات وسيطة بادعاءات انتهاكات في الأقاليم الجنوبية المغربية، يستفيد من منظومة حقوقية متكاملة، تذكر أسماؤهم فرديا، وتصنَف حالاتهم ضمن فئات قانونية دقيقة كالاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب، ويصبحون موضوع تحركات عاجلة رسمية ومرافعة قانونية واهتمام مؤسساتي مستدام، بصرف النظر عن التحقق الموضوعي من صحة الادعاءات.
في المقابل، تخضع معاناة سكان مخيمات تندوف لنحو تحليلي مغاير كليا، إذ تتحول وحدة التحليل من الفرد إلى التجمعات السكانية الإحصائية، فيتحول الأطفال إلى نسب مئوية على مقياس سوء التغذية، والنساء إلى أرقام في مسوح فقر الدم، فيما يذوب الجاني المحدد في لغة نقص التمويل والحرمان الهيكلي والطوارئ الإنسانية. ويحرم ضحايا الانتهاكات داخل المخيمات بذلك من العنصر الجوهري الذي يمنح المرافعة الحقوقية الدولية قوتها وفاعليتها، وهو الشخصية القانونية الفردية في سردية انتهاك الحقوق.
يستند التحالف إلى قاعدة بيانات موثقة وآخذة في الاتساع لإثبات أن ما يجري في تندوف ليس تجريدات إحصائية، بل انتهاكات فردية موثقة تستوفي بكل المقاييس عتبة التحرك الحقوقي الدولي، إذ وثق أكثر من 130 حالة اختفاء قسري في مراكز احتجاز سرية تديرها مليشيات البوليساريو، وأكد مقتل أكثر من 21 شابا على يد القوات الجزائرية في محيط المخيمات، فضلا عن إفادات مفصلة لمعتقلين سابقين تصف حالات تعذيب نفسي وجسدي وتهديدات بالقتل، قدمت أمام مجلس حقوق الإنسان واللجنة الرابعة للأمم المتحدة. وهذه حالات من النوع الذي يستوجب في أي فصل يتعلق بالمغرب إطلاق تحرك عاجل وتسمية سجناء رأي.
ويكشف التحالف عن غياب بنية تحتية مؤسساتية للتوثيق الداخلي في مخيمات تندوف، إذ تعمل المنظمة الوحيدة الناشطة في المجال الحقوقي بالمخيمات على ترويج الادعاءات المتعلقة بالأقاليم الجنوبية المغربية حصرا، دون أن تعنى برصد الانتهاكات داخل المخيمات. ويترتب على هذا الغياب المؤسساتي انقطاع في تدفق التوثيق الذي يغذي حملات المرافعة الدولية، مما يعمق الهوة بين فئتين من الضحايا، إحداها مرئية وقابلة للتقاضي، والأخرى مستوعبة في إحصائيات إنسانية لا أسماء فيها ولا مطالب.
وقد خلصنا في هذا الصدد، إلى أن هذا الواقع لا يعد مجرد عدم تماثل تحليلي، بل هو شكل من أشكال التجريد البنيوي من الإنسانية يعمل كإعفاء سياسي ممنهج، فمعاناة فئة من الصحراويين مرئية أخلاقيا وقابلة للتحرك قانونيا، في حين تظهر معاناة فئة أخرى بوصفها ظرفا إنسانيا مؤسفا يستدعي سخاء المانحين لا مساءلة الجناة. وما يفاقم الطابع الأخلاقي لهذه التراتبية أن العواقب ليست تحليلية فحسب، بل تحدد في نهاية المطاف من تمنحه المنظومة الحقوقية الدولية الاعتراف والإنصاف، ومن تحرمه منهما.
لماذا أغفل التوثيق المقدم من تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الذي يقوده صحراويون ويعمل في شمال إفريقيا من التقرير، بينما تم الاستشهاد بكثافة بتوثيق المنظمات غير الحكومية التي تتخذ من أوروبا مقرا لها وتركز على الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية؟ هل هناك انحياز جغرافي أو إيديولوجي في تحديد أصوات المجتمع المدني التي تعتبرها المنظمة موثوقة؟
تكشف أنماط الاستشهاد في تقارير منظمة العفو الدولية المتعلقة بالمغرب وأقاليمه الجنوبية عن انحياز في اختيار المصادر يتبع الاصطفاف الإيديولوجي أكثر مما يتبع جودة الأدلة ونزاهة التوثيق، إذ تعتمد المنظمة بشكل مفرط على منظمات محلية متحيزة لجبهة البوليساريو، توثق حصريا ما تراه انتهاكات في الجانب المغربي بما يتوافق مع توجهها السياسي المناصر للحركة الانفصالية. ويحظى هذا التأطير بدعم دبلوماسي جزائري وجنوب إفريقي استثنائي يعمل على تكريس هذه السردية دوليا، في حين تقصى المنظمات التي توثق انتهاكات داخل مخيمات تندوف من دائرة الاعتماد المؤسساتي رغم استيفائها لشروط المصداقية والنزاهة والاستقلالية.
ويواجه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، رغم قيادته من قبل صحراويين وتقديمه عشرات التقارير أمام مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، رفضا مؤسساتيا ممنهجا يتجلى في تجاهل مساهماته واختزال ما يرصده من انتهاكات جسيمة في الجوانب الإنسانية البحتة. ويستند هذا الرفض إلى شك مسبق ومغرض مفاده أن توثيق التحالف يخدم مصالح المملكة المغربية، وهو منطق معيب لأن عمل منظمات المجتمع المدني الجادة لا يفقد قيمته الموضوعية لمجرد أن دولة ما توظفه دبلوماسيا، ويرتكب من يعتمده خطأ فادحا يحرم الضحايا من حقهم في الاعتراف والإنصاف.
يفرز هذا الواقع معضلة هيكلية عميقة تمس الصحراويين الذين يسلطون الضوء على فظاعات قيادة البوليساريو، إذ لا تعامل أصواتهم بوصفها إسهامات مجتمع مدني مشروعة، بل ينظر إليهم إما كمنشقين أو أدوات في خدمة جهات معادية لتنظيم البوليساريو وللدولة الحاضنة للمخيمات. ويتمثل الجذر العميق لهذه الإشكالية في توصيف البوليساريو بوصفه الصوت الوحيد المعبر عن الصحراويين، وهو موقف سياسي مسبق يجعل من الصعب منهجيا التعامل مع المعارضة الداخلية له بوصفها تعبيرا مشروعا عن إرادة شريحة من الصحراويين.
يرى تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن إقصاء خطابه الحقوقي من أدبيات منظمة العفو الدولية لا يعكس نتيجة تحريات معمقة تقيم صدق عمله، بل هو نتيجة طبيعية لموقف مسبق من طبيعة النزاع. وتتجلى خطورة هذا التوجه في أن المنظمة تعامل غياب المعارضة المنظمة داخل المخيمات تأكيدا للشرعية بدلا من اعتباره دليلا على القمع، متبنية بذلك تأطير سلطة الأمر الواقع والجزائر بوصفها دولة مضيفة محايدة، في تجاهل صريح لنقاط الظل الكثيرة التي تستدعي مجهودا تحقيقيا وتوثيقيا جادا.
وتخلص القراءة النقدية للتقرير إلى أن الانحياز في اختيار مصادر المجتمع المدني ديدن راسخ لدى منظمة العفو الدولية يعمل على المستويين الجغرافي والإيديولوجي، وتترتب عليه عواقب مباشرة على ما يدخل في السجل الإثباتي وما يقصى منه. ويدعو التحالف المنظمة إلى تطبيق معايير مصداقية موحدة تشمل الاعتماد الأممي الرسمي وشهادات العيان المباشرة والتحقق المتقاطع، مع الإفصاح الصريح عن معايير اختيار المصادر، بمعزل عما إذا كان التوثيق الناتج مريحا أو مزعجا للسردية السياسية لأي طرف من أطراف النزاع، لأن النزاهة الحقوقية الحقيقية لا تنحاز إلى سردية على حساب أخرى.
من خلال عدم الإبلاغ عن الانتهاكات ذات الطابع الأمني في تندوف، هل تعطي منظمة العفو الدولية الأولوية للحفاظ على علاقتها الدبلوماسية المتبقية مع الجزائر العاصمة على حساب تفويضها بتقديم تقييم شامل ومحايد لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف بغض النظر عن هوية الجاني؟
يواجه العمل الحقوقي الدولي معضلة حرجة تتعلق بمدى تأثير إمكانية الوصول الميداني على عمق ومستوى المساءلة التي تفرضها المنظمات على الدول، وفي الحالة الجزائرية، يظهر تباين هيكلي صارخ في أداء منظمة العفو الدولية. فبينما تستثمر المنظمة وجودها القانوني وفرعها المسجل في العاصمة الجزائر لانتقاد قمع الحريات الداخلية، كما حدث في موقفها من إغلاق جمعية “عائلات المفقودين” (SOS Disappeared) في مارس 2026، نجدها تتبنى صمتا لافتا وتأطيرا قاصرا تجاه دور الجزائر كدولة مضيفة ومدير فعلي لمخيمات تندوف.
إن هذا التباين يكشف عن خيار منهجي يعامل تدهور أوضاع الصحراويين كواقع مادي معزول، بدلا من كونه نتيجة مباشرة لقرارات سياسية صادرة عن سلطة أمر واقع، مما يؤدي إلى قطع العلاقة السببية التي تقتضي إسناد المسؤولية القانونية للدولة الجزائرية عن الانتهاكات المرتكبة فوق إقليمها السيادي.
وتخضع علاقة منظمة العفو الدولية بالجزائر لما يمكن وصفه بالحافز العكسي الذي يفرض كلفة مؤسساتية باهظة مقابل الحفاظ على تفويض الوصول، فخلافا للحالة المغربية التي تبنت فيها المنظمة نبرة نقدية حادة منذ اختلال علاقتها بالبلد في 2015، نجدها في السياق الجزائري تضطر لمعايرة نقدها ليتناسب مع سقف تحمل السلطات خشية سحب ترخيصها العملياتي. ويظهر هذا الجنوح نحو المهادنة المؤسساتية في استبدال الإطار الحقوقي القائم على المساءلة بإطار إنساني قائم على الندرة عند معالجة ملف تندوف، رغم إدراك المنظمة للبنية القانونية والأمنية المتشددة التي تفرضها الجزائر منذ عام 2024 لتقييد المجتمع المدني وحجب المواقع الإلكترونية، فالتوظيف الانتقائي للأدوات المنهجية يمنح الجزائر إعفاء غير معلن من معايير القانون الدولي، ويحول دون توثيق دورها السيادي في إدارة المخيمات بذات الصرامة المطبقة في عواصم أخرى.
إن جوهر تفويض المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، يرتكز على مبادئ الكونية وعدم الانتقائية، وهو اختبار لا تكمن قيمته في التطبيق حيث يكون الأمر سهلا بلا كلفة، بل حيث يكون مكلفا ومحفوفا بالمخاطر الدبلوماسية. وتشير الأدلة المتوفرة إلى أن منظمة العفو قد آثرت الحفاظ على علاقتها الوظيفية مع الجزائر على حساب التزامها بتقديم تقييم محايد وشامل للوضع الحقوقي لكافة الصحراويين، بغض النظر عن هوية الجاني.
فالتقييم النزيه يقتضي بالضرورة الكف عن معاملة الجزائر كمجرد خلفية إنسانية، والانتقال نحو إخضاعها لإطار المساءلة بصفة المدير المشترك للمخيمات، وربط القمع الممنهج للفضاء المدني الجزائري ببيئة الحكامة المأزومة التي تحيط بتندوف، وهو مسار يتطلب شجاعة أدبية لقبول الكلفة الدبلوماسية للتحليل القانوني الرصين وفاء لقدسية الحقوق والحريات.
كيف يمكن لمجلس الأمن الدولي اتخاذ قرارات مدروسة بشأن المراجعة الاستراتيجية لبعثة المينورسو عندما تقدم المراجع العالمية – مثل التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية – خارطة غير متماثلة لواقع حقوق الإنسان في المنطقة؟
يمثل الربط بين الإخفاق المنهجي في تقارير المجتمع المدني وبين إعاقة عملية صنع القرار الدولي في أروقة مجلس الأمن انشغالا جوهريا يتجاوز الجوانب الإجرائية الشكلية، فبناء على المسار الطويل لمكونات تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في رصد وتوثيق الحقائق، نؤكد أن استقصاء حالة الحقوق والحريات يعد ركيزة موضوعية لتوجيه السياسات الدولية وتفعيل آليات المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب. فغياب التوثيق النزيه المستند إلى المعايير الأممية يحول المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية، من مراجع مرشدة إلى مصادر تساهم في تغييب الأبعاد الحقوقية العميقة للنزاع، مما يضطر آليات الأمم المتحدة للاعتماد على بيانات تفتقر للموضوعية والشمولية المطلوبة لفهم تعقيدات الميدان بتجرد ومهنية.
ونخلص من واقع ممارستنا الحقوقية إلى أن أي تشويه منهجي في هذه التقارير ينعكس بصورة آلية على جودة المداولات في مجلس الأمن والجمعية العامة ولجان المعاهدات وإجراءات مجلس حقوق الإنسان الخاصة. فعندما يختزل تقرير منظمة العفو الدولية مأساة سوء التغذية في مخيمات تندوف في نقص التمويل، متجاهلا قرارات الهيمنة السياسية وقمع الحريات التي ترهن مستقبل الصحراويين في المخيمات، فإنه يقدم مادة مضللة للنظام المعلوماتي الأممي. فهذا التأطير الانتقائي، الذي يصنف المغرب كجاني رئيسي ويعامل سلوك البوليساريو الانتهاكي كهامش إنساني، يساهم في بناء تصورات دبلوماسية مغلوطة تفتقر للصدقية عند مناقشة ولايات البعثات الأممية والمسارات السياسية المرتبطة بها.
إن اضطلاعنا بمسؤولية القراءة النقدية لتقارير المنظمات الدولية ينبع من ضرورة فحص سلوك هذه الهيئات ومدى احترام تقييماتها لشروط النزاهة والحياد المعرفي، لاسيما في ظل تفاوت المعايير المعتمدة لاستقاء البيانات وفحص دقتها المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة من جميع الأطراف.
وتتسم النتائج العملية لهذا الخلل المنهجي بعدم تماثل صارخ، حيث يؤدي تضخيم الانتهاكات في الأقاليم الجنوبية للمغرب مقابل إدراج فظاعات المخيمات ضمن الظروف الإنسانية الهيكلية إلى تكريس استنتاجات زائفة تزعم أن فجوة الحماية تقتصر على الجانب المغربي وحده. إن هذا النهج يخدم بوضوح الأجندات السياسية للجزائر والبوليساريو عبر تحويل معاناة السكان من قضية مساءلة سياسية وقانونية إلى مجرد معضلة إنسانية تستجدي سخاء المانحين.
ولكي تتمكن الآليات الأممية من تبني توصيات تعكس الوضع الحقوقي الفعلي للصحراويين بمخيمات تندوف، يتحتم توفير ركائز إثباتية متطابقة ومنهجية رصد موحدة تستخدم أطرا تحليلية متساوية في كلا الجانبين، مع الرفع الفوري للمنع الذي تفرضه الجزائر على إجراء إحصاء سكاني موثوق للمخيمات، وتمكين شهادات المجتمع المدني الصحراوي المستقل من وزن متساو في المداولات، فتقرير منظمة العفو الدولية، بصفته معيارا عالميا رئيسيا، لا يجوز أن يسقط في فخ إساءة الإسناد أو التهميش الممنهج للضحايا، فمثل هذا الإخفاق يتجاوز القصور الأكاديمي ليتحول إلى مساهمة فعلية في تضليل مراكز صنع القرار المسؤول عن السلم والأمن الدوليين، إذ لا يمكن بلوغ قرارات مستنيرة ما لم تستند المراجع الحقوقية العالمية إلى توثيق محايد، شامل جغرافيا، ومتحلل من الهوية السياسية للجناة.

حاوره: عبد الله الساورة
كيف يمكن لحوارٍ واحد أن يختصر كل هذا التوتر بين الصورة والمعنى، بين الشغف الأولي الذي يولد في عتمة قاعة سينما، وبين الوعي النقدي الذي يتشكل ببطء داخل مختبر الفكر؟ ومن أي لحظة تبدأ الحكاية حقاً؟ أهي تلك النظرة الأولى التي تلتقطها العين بدهشة، أم ذلك السؤال الذي لا يغادر الذهن بعد انطفاء الشاشة؟ وفي هذا الحوار مع محمد فاتي، على صفحات جريدة “هسبريس”، لا نقرأ سيرة ناقد، ولكن نصغي إلى مسارٍ يتقاطع فيه الذاتي بالمعرفي، والتجربة الحية بالتأمل النظري، كما لو أن السينما لم تكن اختياراً عابراً، وإنما قدراً تشكل عبر تراكم الصور والأسئلة.
وفي هذا الأفق، يصبح النقد السينمائي أكثر من مجرد ممارسة تحليلية، إنه فعل مقاومة ضد التبسيط، ضد الرداءة، ضد الصمت الذي يغلف الاختلالات. وهو بحث دائم عن المعنى في زمن السرعة، ومحاولة لاستعادة عمق التجربة الجمالية في مواجهة الاستهلاك السريع للصورة. وهنا تتسلل الأسئلة بهدوء، لكنها تترك أثرها العميق، كأنها تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالسينما، وبأنفسنا أيضاً.
ولا يقدم هذا الحوار على “هسبريس” أجوبة مرتبة، ولكنه يضع مساحة تفكير مفتوحة، نصاً يتنفس قلقه الخاص، ويقترح علينا أن نقرأ السينما لا بما تظهره فقط، ولكن بما تخفيه من صور مستترة ومن حكايا مشبعة بروح القراءات والتأويل والبحث عن الحقيقة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
نص الحوار:
رحلتك في النقد السينمائي لم تأتِ من فراغ. ما اللحظة المفصلية التي جعلتك تختار الصورة بدل النص الأدبي، والسينما بدل باقي الفنون؟ هل كان اختياراً جمالياً أم موقفاً فكرياً من واقع ثقافي معين؟
يرجع اهتمامي بالسينما إلى مرحلة الدراسة الثانوية، حيث تشكّل لديّ منذ ذلك الحين شغف واضح بهذا الفن، تجلى في حرصي المنتظم على حضور فعاليات مهرجان مرتيل السينمائي ومهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط. وقد أتاح لي ذلك فرصة مشاهدة عدد كبير من الأعمال السينمائية، فضلاً عن اللقاء ببعض رموز السينما العربية، من قبيل نور الشريف، وإلهام شاهين، ورشيد الوالي، ومحمد مفتاح، ومحمد بسطاوي، ومحمد خيي، وهي لقاءات أسهمت في تعميق هذا الاهتمام وتعزيز ارتباطي بهذا المجال.
أما على المستوى الأكاديمي، فقد كان اللقاء الأول مع السينما في إطار علمي بتوجيه من أستاذي الراحل، الدكتور حميد المرابط، رحمه الله، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل، الذي وجّهني نحو استثمار هذا الشغف في البحث العلمي، من خلال الربط بين النص السينمائي والنص الأدبي، ولا سيما الرواية. وقد تجسد ذلك في بحث الماستر، ثم تعزز لاحقاً في بحث الدكتوراه تحت إشرافه، حيث استفدت من توجيهاته الأكاديمية وإرشاداته الفكرية ونصائحه المنهجية.
وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فإن اهتمامي لم يكن قائماً على المفاضلة بين الصورة السينمائية والنص الأدبي أو استبعاد أحدهما لصالح الآخر، بل انصبّ أساساً على دراسة العلاقة التكاملية بينهما، من خلال المقاربة المقارنة لعناصرهما التخييلية والفنية. ويظهر هذا التوجه بوضوح في مجمل أبحاثي المتواضعة، التي تندرج ضمن حقل الدراسات المقارنة بين الأدب والسينما، وهو اختيار لا يقتصر على بعده الجمالي فحسب، بل ينطوي أيضاً على موقف فكري، يهدف إلى إبراز أهمية الصورة في العصر الراهن، ودورها المحوري في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، فضلاً عن إسهامها في بناء المنظومات القيمية والفكرية داخل المجتمعات. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن السينما أضحت اليوم فاعلاً ثقافياً وإيديولوجياً مؤثراً، يؤدي دوراً بارزاً في صياغة وعي الشعوب وتوجيه تمثلاتها.
في كتاباتك نلمس انحيازاً واضحاً لسؤال الهوية في السينما المغربية. هل ترى أن السينما المغربية ما تزال تبحث عن هويتها، أم أننا نبالغ في طرح هذا السؤال وكأنه قدر أبدي لهذه السينما؟
أعتقد فعلاً أن هناك أزمة سينمائية مغربية في تعاملها مع سؤال الهوية، وليس مجرد مبالغة نقدية في طرح هذا الموضوع. فحين نتأمل عدداً كبيراً من الإنتاجات السينمائية المغربية، نجد أن الهوية لا تُطرح باعتبارها وعياً ثقافياً وحضارياً يُبنى عليه العمل الفني، بل غالباً ما تظهر بشكل مرتبك أو هامشي أو حتى متناقض مع السياق الثقافي الذي تنتمي إليه. لذلك يبدو أن السينما المغربية، رغم تطورها التقني وتزايد إنتاجاتها، ما تزال إلى حد كبير تبحث عن صيغة واضحة للتعبير عن ذاتها الثقافية والحضارية.
فالسينما، شئنا أم أبينا، ليست مجرد وسيلة ترفيه أو حكاية بصرية محايدة، بل هي في العمق نقالة للإيديولوجيا بالقوة والفعل، ولو أحياناً بطريقة غير مباشرة لا شعورية. كل فيلم يحمل رؤية معينة للعالم، ويعيد تشكيل القيم والتصورات داخل المجتمع أو خارجه. ومن هنا تصبح مسألة الهوية في السينما مسألة جوهرية، لأن الصورة السينمائية تساهم في بناء تمثلات الناس عن أنفسهم وعن ثقافتهم وتاريخهم.
ومن هذا المنطلق، كان من الممكن أن يوظف المخرجون المغاربة السينما للتعبير عن الإيديولوجية المحلية وعن الهوية الثقافية المغربية في امتداداتها العربية والإسلامية، بما تحمله من قيم وتاريخ ورموز حضارية غنية. غير أن ما نلاحظه أحياناً هو نوع من الانبهار بالثقافة الغربية، أو الميل إلى تقليد نماذج سردية وجمالية مستوردة، دون إعادة صياغتها داخل السياق الثقافي المغربي.
وإذا أخذنا السينما الأمريكية مثالاً، نجد أنها تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الفن السابع لخدمة رؤية حضارية وإيديولوجية معينة. فاستوديوهات هوليود لا تكتفي بصناعة الترفيه، بل تساهم بمليارات الدولارات في نشر الإيديولوجيات الغربية/ الرأسمالية/ الصهيونية… وتكريس منظومة قيمها للعالم عبر الصورة السينمائية. وهذا ما جعل السينما الأمريكية قوة ثقافية ناعمة تؤثر في المخيال العالمي.
انطلاقاً من ذلك، يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تسعى السينما المغربية بدورها إلى أن تكون مدافعة عن هويتها، وناشرة لقيمها وثقافتها وحضارتها (على غرار تعامل المخرج الكبير مصطفى العقاد مع التراث التاريخي والديني في أفلامه التي وصلت للعالمية مثلاً)؟ فالمطلوب ليس الانغلاق أو رفض التأثيرات الخارجية، لأن السينما بطبيعتها فن كوني يتفاعل مع التجارب المختلفة، ولكن المطلوب هو أن يتم هذا التفاعل من موقع وعي بالذات الثقافية، لا من موقع التبعية أو التقليد الأعمى.
ولعل أحد أسباب هذا الإشكال يعود أيضاً إلى الخلفيات التكوينية لبعض المخرجين المغاربة، إذ إن عدداً منهم تلقى تكوينه في فضاءات ثقافية فرنكفونية، وهو ما ينعكس أحياناً على طرق المعالجة الفكرية والجمالية للقضايا المغربية، حيث تُطرح موضوعات محلية لكن بمنظورات وأساليب متأثرة بمرجعيات ثقافية خارجية. وهنا لا تكمن المشكلة في التكوين ذاته، بل في غياب عملية تبيئة حقيقية لهذه المرجعيات داخل السياق الثقافي المغربي.
لذلك يمكن القول إن سؤال الهوية في السينما المغربية ليس قدراً أبدياً بقدر ما هو مرحلة من مراحل تشكل هذه السينما. غير أن تجاوز هذه الأزمة يقتضي وعياً نقدياً لدى المبدعين بضرورة استثمار السينما كأداة ثقافية وحضارية، قادرة على التعبير عن الذات المغربية بكل تعقيداتها وثرائها، دون انبهار مفرط بالآخر ودون انغلاق في الوقت نفسه.
تُتهم السينما المغربية أحياناً بأنها “سينما مهرجانات” أكثر منها سينما جمهور. هل تعتقد أن هذا الوصف عادل؟ أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية الإنتاج والتلقي والنقد معاً؟
يمكن مقاربة سؤال أزمة السينما المغربية من زاوية مركبة، بعيداً عن التبسيط أو اختزال الإشكال في عامل واحد. فالأزمة – في تقديري – نتاج تداخل عدة عناصر بنيوية وفكرية وفنية.
أول هذه العوامل يتمثل في ضعف الكتابة السينمائية وتواضع النصوص. فالمشكل في كثير من الأحيان لا يرتبط بالإخراج أو التقنيات، بقدر ما يبدأ من مرحلة السيناريو. هناك فقر في البناء الدرامي، وغياب لعمق الشخصيات، وضعف في الحبكة، مما يجعل عدداً من الأعمال غير قادرة على شدّ الجمهور أو إقناعه. السينما في جوهرها حكاية تُروى بإتقان، وإذا اختلّ الأساس السردي، تعثّر العمل كله مهما كانت الإمكانات التقنية.
العامل الثاني ذو طابع فكري وثقافي، ويتعلق بهيمنة لوبي تغريبي تلقّى تكوينه السينمائي في أوروبا، خصوصاً في الفضاء الفرانكفوني، ثم حاول نقل تصورات أيديولوجية متأثرة بتلك البيئة إلى السياق المغربي دون مراعاة الفوارق الحضارية والثقافية والاجتماعية. لا أحد يعترض على الانفتاح أو الاستفادة من التجارب العالمية، لكن الإشكال يبرز حين تتحول هذه المرجعيات إلى قوالب جاهزة تُفرض على واقع مختلف. وهنا نشأت فجوة واضحة بين الجمهور المغربي وما يُقدَّم له سينمائياً؛ إذ غلب على بعض الأعمال هاجس الطرح الأيديولوجي على حساب البعد الفني والجمالي، فأصبحت الرسالة أسبق من الحكاية، والخطاب أسبق من الإبداع.
التيار الفرانكفوني تحديداً حاول في حالات عديدة تبيئة مفاهيم ورؤى نشأت في سياقات ثقافية مغايرة، من دون إعادة صياغتها بما ينسجم مع الخصوصية المغربية. فبدل أن تكون السينما مرآة للهوية بتعدد روافدها، تحولت أحياناً إلى أداة صراع رمزي مع تلك الهوية، ما عمّق الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة من الجمهور.
ثم تأتي أزمة الإنتاج، وهي لا تقل خطورة. إذ يُلاحظ هيمنة لوبيات معينة على إنتاج أهم الأعمال السينمائية، مستفيدة من محاباة بعض الجهات المسؤولة عن دعم الفيلم المغربي، وفي مقدمتها المركز السينمائي المغربي. هذا الاحتكار غير المعلن يضيّق الخناق على الطاقات الشابة والمشاريع المختلفة، ويجعل الدعم العمومي يدور في فلك أسماء بعينها، ما يكرّس نمطاً واحداً من الرؤية والطرح ويمنع التنوع الحقيقي.
إن اجتماع ضعف النص، وهيمنة توجه أيديولوجي مستورد غير متصالح مع البيئة المحلية، إضافة إلى اختلالات منظومة الدعم والإنتاج، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين السينما المغربية وجمهورها. والحل لا يكمن في القطيعة مع العالم، بل في إعادة الاعتبار للكتابة الجيدة، وتحرير الدعم من منطق الشبكات المغلقة، وبناء مشروع سينمائي ينطلق من الهوية المغربية بتعددها، ويتوجه إلى الإنسان أولاً بوصفه متلقياً للفن لا موضوعاً لإعادة التشكيل الأيديولوجي.
كيف تعرّف مفهومك للنقد السينمائي؟ هل هو تفكيك جمالي للنص الفيلمي، أم مساءلة أيديولوجية للخطاب، أم كتابة إبداعية موازية للفيلم؟ وأين تضع نفسك بين هذه الاتجاهات؟
أتصوّر أن النقد السينمائي الحقيقي لا يمكن اختزاله في بعد واحد. فهو ليس مجرد تفكيك جمالي بارد لبنية الصورة، ولا هو فقط مساءلة أيديولوجية للخطاب، كما أنه ليس كتابة أدبية موازية تستعرض بلاغة الناقد أكثر مما تضيء الفيلم. في نظري، النقد ممارسة مركبة تستلزم الجمع بين هذه الأبعاد جميعاً ضمن رؤية منهجية متوازنة.
أولاً، هناك المستوى الفني والجمالي، وهو الأساس. فالنقد يبدأ من داخل النص الفيلمي: من اللغة البصرية، بناء اللقطات، حركة الكاميرا، الإيقاع، المونتاج، إدارة الممثلين، الموسيقى، وتشكيل الفضاء الدرامي. هنا يشتغل الناقد على تفكيك البنية السردية والبصرية، وعلى فهم كيفية إنتاج المعنى عبر الصورة والصوت. دون هذا الاشتغال التقني والجمالي، يتحول النقد إلى انطباعية أو خطاب عام لا يستند إلى أدوات تحليلية دقيقة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السينما – شئنا أم أبينا – نقالة للأيديولوجيا بالقوة والفعل. لا وجود لفيلم لا يعكس رؤية ما للعالم، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو ثقافية أو فكرية. حتى أكثر الأفلام ادعاءً للحياد تحمل في عمقها تصوراً معيناً للإنسان والسلطة والقيم والعلاقات. لذلك فإن مساءلة الخطابات المتوارية خلف الشكل الجمالي ليست ترفاً نقدياً، بل ضرورة معرفية. الصورة ليست بريئة، والجمال ليس معزولاً عن السياق.
من هنا أضع نفسي في منطقة التوازن بين التفكيك الجمالي والتحليل الأيديولوجي. أؤمن بأن الشكل ليس مجرد وعاء، بل هو جزء من المضمون، وأن الأيديولوجيا لا تُقرأ خارج البنية الجمالية التي تُمرَّر عبرها.
باختصار، النقد من وجهة نظري هو ممارسة فكرية وجمالية في آن واحد: دراسة دقيقة لأدوات التعبير السينمائي، مع وعي يقظ بأن كل اختيار جمالي يخفي خلفه تصوراً أيديولوجياً ما. الجمع بين المستويين هو ما يمنح النقد عمقه وصدقيته، ويجعله قادراً على مساءلة الصورة دون أن يفقد حساسيته الفنية.
هناك من يرى أن النقد السينمائي في المغرب يعيش أزمة جرأة، وأنه أصبح أقرب إلى المجاملة الثقافية منه إلى المواجهة الفكرية. هل توافق هذا الطرح؟ وأين تقف أنت من هذه المعادلة؟
سؤال أزمة الجرأة في النقد السينمائي بالمغرب سؤال وجيه، لأنه يلامس وظيفة النقد نفسها ودوره في تطوير الفعل الثقافي. في تقديري، لا يمكن التعميم على كل الساحة النقدية، لكن يمكن القول إن جزءاً من النقد السينمائي يعيش بالفعل نوعاً من التردد أو الحذر الزائد الذي يجعله أحياناً أقرب إلى المجاملة الثقافية منه إلى المواجهة الفكرية الصريحة.
هناك بعض النقاد الذين اختاروا المجاملة والإطراء المجاني المبالغ فيه وسيلة لقراءة الأعمال السينمائية المغربية، فتتحول الكتابة النقدية إلى خطاب احتفائي يركز على النوايا الحسنة أو العلاقات الشخصية أو الرمزية العامة، بدل تفكيك البنية الجمالية والفنية للعمل. هذا النوع من الخطاب لا يخدم السينما، لأنه يحرمها من المرآة الصادقة التي تكشف مكامن القوة والضعف معاً.
في المقابل، ينبغي التأكيد أن النقد الحقيقي ليس هجوماً شخصياً ولا تصفية حسابات، كما أنه ليس تلميعاً مجانياً. النقد في جوهره ممارسة معرفية وجمالية تقوم على التحليل والتأويل والتقويم. ومن هذا المنطلق، أرى أن الناقد يجب أن يقيم العمل الفني أولاً وأخيراً، لا صاحبه ولا منتجه ولا الجهة المسؤولة عنه. العمل هو موضوع النقد، وهو الذي ينبغي أن يخضع للتحليل الفني والجمالي والإبداعي، بغض النظر عن مكانة صانعه أو حضوره الإعلامي أو علاقاته داخل الحقل الثقافي.
حين يتحرر النقد من المجاملة ومن الخوف في الآن نفسه، يصبح أداة تطوير حقيقية، لأنه يضع المعايير، ويكشف الاختلالات، ويشجع التجارب الجادة. أما حين يتحول إلى مجاملة دائمة أو إلى صمت مريب، فإنه يفقد وظيفته ويكرس الرداءة بدل أن يسهم في تجاوزها.
المطلوب نقد مسؤول، جريء، موضوعي، ينحاز إلى العمل الفني بوصفه بنية جمالية مستقلة، ويضع مسافة واضحة بين التقييم الفني والعلاقات الشخصية أو الاعتبارات غير الفنية. بهذه الروح فقط يمكن للنقد أن يؤدي دوره في الارتقاء بالسينما المغربية.
في قراءتك للدراما المغربية، سواء التلفزيونية أو السينمائية، ما الإشكال الجوهري الذي يعيق تطورها؟ هل هو ضعف في الكتابة، أم أزمة رؤية، أم غياب مشروع ثقافي واضح للدولة والمجتمع؟
في قراءتي للدراما المغربية، أرى أن الإشكال الجوهري الذي يعيق تطورها هو إشكال مركب من عدة عوامل متداخلة، وليس مجرد ضعف تقني في الكتابة أو خلل عابر في الإنتاج.
أولاً، هناك فعلاً أزمة مخيال وكتابة واضحة في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية. كثير من النصوص تبنى على حبكات مستهلكة، وسرد سطحي، وشخصيات نمطية، دون عمق فكري أو جمالي. ويزداد هذا الضعف حين يتم تغليب منطق الإنتاج السريع والموسمي، حيث تصبح الدراما مجرد مادة لملء الشبكات البرامجية أو تحقيق نسب مشاهدة، لا مشروعاً فنياً متكاملاً.
ثانياً، يبرز بقوة تغليب الإنتاجات التجارية التي تكرس التفاهة والرداءة. حين يصبح معيار النجاح هو الإشهار والانتشار فقط، تختزل الدراما في الإثارة السهلة والمواضيع المثيرة للجدل، بدل أن تكون أداة لبناء الوعي وصقل الذوق العام. هذا المنحى لا يخدم تطور الفن، بل يساهم في تسطيح الوعي وإضعاف الحس النقدي لدى الجمهور.
ثالثاً، هناك أزمة هوية ثقافية تتمثل في العجز عن ترسيخ الهوية الوطنية والعربية والإسلامية داخل الأعمال الدرامية. في كثير من الأحيان، تبدو بعض الإنتاجات منقطعة عن مرجعيتها المجتمعية، أو تقدم نماذج ثقافية هجينة غير متوازنة. ويرتبط ذلك بتأثير التكوين الفرانكفوني والغربي لبعض الفاعلين في المجال، وهيمنة شركات إنتاج ذات مرجعية ثقافية مائلة نحو التغريب، ما ينعكس على طبيعة المواضيع المطروحة وطريقة معالجتها.
رابعاً، لا يمكن إغفال دور السياسات العمومية والاختيارات الرسمية. فحين يوجه الدعم أو تمرر الأعمال دون معايير صارمة للجودة والرسالة الثقافية، يفتح المجال أمام تشجيع الرداءة بشكل غير مباشر. وإذا غاب مشروع ثقافي واضح يعتبر الدراما رافعة للهوية والقيم، فإن النتيجة تكون أعمالاً لا تسهم في تعزيز الانتماء أو بناء وعي نقدي، بل قد تساهم في هدم القيم أو تفريغها من مضمونها.
بالتالي، الإشكال الجوهري ليس مجرد ضعف في الكتابة، ولا مجرد أزمة رؤية، بل هو غياب مشروع ثقافي وطني واضح، في ظل هيمنة منطق تجاري وتوجهات تغريبية، وأزمة مخيال حقيقية. هذه العوامل مجتمعة تفسر التعثر، ولا يمكن معالجة أحدها بمعزل عن الآخر إذا أردنا دراما راقية تعكس هوية المجتمع وتزكي وعيه وقيمه.
كيف تنظر إلى العلاقة بين السينما والسياسة في المغرب؟ هل ما زالت السينما فضاءً للمساءلة والنقد، أم أنها دخلت مرحلة التفاوض الرمزي مع السلطة والواقع؟
العلاقة بين السينما والسياسة في المغرب علاقة مركبة ومتحركة، لكنها في تقديري لم تعد بنفس الحدة والجرأة التي طبعت مراحل سابقة. نعم، كانت السينما المغربية في فترات معينة فضاء للمساءلة وكشف المسكوت عنه، خصوصاً في ما يتعلق بسنوات الرصاص والهامش الاجتماعي واختلالات السلطة. غير أن هذا النفس النقدي بدأ يخضع، بشكل تدريجي، لنوع من التفاوض الرمزي مع الواقع السياسي والمؤسساتي.
اليوم نلاحظ أن كثيراً من الأفلام تميل إلى مقاربة القضايا السياسية بشكل غير مباشر، عبر استعارات اجتماعية أو حكايات فردية معزولة عن سياقها البنيوي. ليس بالضرورة لأن السينمائيين فقدوا حسهم النقدي، بل لأن المجال العام نفسه أصبح أكثر حساسية وتعقيداً. وهنا يظهر عامل مهم: هناك بالفعل نوع من المهادنة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضاً على مستوى التلقي النقدي. جزء من النقاد يتجنب الخوض الصريح في الأبعاد السياسية للأعمال، أو يختار قراءتها من زاوية جمالية وتقنية محضة، تفادياً لأي انزلاق قد يفهم كموقف سياسي مباشر. هذا التهرب لا يمكن فصله عن التخوف من انعكاسات محتملة على مساراتهم المهنية أو علاقتهم بالمؤسسات الثقافية الداعمة.
بمعنى آخر، السينما لم تفقد كلياً وظيفتها النقدية، لكنها أصبحت تمارسها ضمن حدود محسوبة وبلغة رمزية تفاوضية. يمكن القول إننا أمام مرحلة تتسم بإعادة ترتيب العلاقة بين الفن والسلطة؛ لم يعد الصدام هو الشكل الغالب، بل التعايش الحذر، حيث يتم تمرير الأسئلة الكبرى عبر مسارات سردية أقل مباشرة.
ومع ذلك، يظل الرهان قائماً على أجيال جديدة من السينمائيين والنقاد القادرين على استعادة جرأة الطرح؛ لأن السينما في جوهرها لا تزدهر إلا حين تكون مرآة قلقة لمجتمعها، لا مجرد وسيط جمالي منزوع الدسم السياسي.
اشتغالك النقدي يكشف عن حس فلسفي واضح في مقاربة الصورة. إلى أي حد تعتبر أن الناقد مطالب بتسلح معرفي عابر للتخصصات: فلسفة، سوسيولوجيا، تحليل نفسي؟ أم أن الإفراط في التنظير قد يقتل حساسية التلقي؟
في تقديري، لا يمكن للناقد السينمائي اليوم أن يشتغل بأدوات معزولة أو برؤية تقنية خالصة؛ لأن الفيلم، في جوهره، بنية مركبة تتقاطع فيها أبعاد نفسية واجتماعية وفلسفية وجمالية وتاريخية. لذلك فإن امتلاك ثقافة موسوعية عابرة للتخصصات ليس ترفاً معرفياً، بل من الأسس المهمة والمتطلبات الأساسية في توسيع أفق القراءة وتعميقها.
حين يستحضر الناقد مفاهيم من الفلسفة، يمكنه أن يلامس الأسئلة الوجودية والقيمية التي يقترحها العمل، وحين يستأنس بالسوسيولوجيا، يصبح أكثر قدرة على تفكيك تمثلات السلطة والهوية والطبقات والذاكرة الجماعية. أما التحليل النفسي، فيفتح له إمكانات قراءة البنيات الرمزية والرغبات المكبوتة والتمثلات اللاواعية داخل الشخصيات والسرد. هذه الزوايا لا تعني إسقاط قوالب جاهزة على الفيلم، بل توسيع شبكة التأويل ومنح النص السينمائي عمقاً دلالياً أكبر.
أنا أؤمن فعلاً بأهمية هذا المعطى، وقد اشتغلت في بعض مقالاتي السابقة على مقاربات نفسية وفلسفية وسوسيولوجية للأفلام، ووجدت أن هذا التعدد المعرفي يمنح القراءة مرونة واتساعاً، ويجنبها الاختزال، كما يسمح للناقد بأن يضع العمل في سياقاته المتعددة بدل حبسه في بعد جمالي صرف.
لكن، في المقابل، يظل الوعي ضرورياً بخطر الإفراط في التنظير؛ حين يتحول المفهوم إلى غاية في حد ذاته، ويصبح الفيلم مجرد ذريعة لاستعراض المعرفة. هنا قد تقتل اللغة النظرية حساسية التلقي، وتفقد القراءة دفئها وإنصاتها لتجربة المشاهدة. لذلك، فالمسألة ليست في كمية المرجعيات، بل في كيفية توظيفها، وفي الحفاظ على توازن دقيق بين الحس الجمالي والصرامة المفهومية.
لو طُلب منك أن تختار ثلاثة تحولات كبرى عرفتها السينما المغربية خلال العقود الأخيرة، ما هي؟ وهل تعتبر هذه التحولات تقدماً نوعياً أم مجرد تبدلات شكلية في الأسلوب والخطاب؟
شهدت السينما المغربية خلال العقود الأخيرة عدة تحولات بارزة يمكن اختزالها في ثلاثة مستويات أساسية. يتمثل التحول الأول في التوسع النسبي في الإنتاج السينمائي بفضل سياسات الدعم العمومي التي يشرف عليها المركز السينمائي المغربي، حيث ارتفع عدد الأفلام المنتجة مقارنة بالمراحل السابقة، كما تعزز حضور المهرجانات والتكوينات المرتبطة بالصناعة السينمائية. غير أن هذا التطور ظل في كثير من الأحيان تطوراً كمياً أكثر منه نوعياً، إذ ما تزال السينما المغربية محدودة التأثير إذا ما قورنت ببعض التجارب العربية أو الدولية.
أما التحول الثاني فيتعلق بتغير طبيعة المواضيع والخطابات السينمائية، إذ أصبحت العديد من الأفلام أكثر جرأة في تناول قضايا اجتماعية وثقافية معاصرة. غير أن هذا التوجه يطرح نقاشاً نقدياً حول طبيعة المرجعيات التي تستند إليها بعض هذه الأعمال، حيث إن بعضاً من هذه الأعمال السينمائية المغربية أصبحت خاضعة لتأثيرات ثقافية فرانكفونية أو لخطابات مستوردة، لا تنطلق بالضرورة من عمق الهوية المغربية والعربية والإسلامية. لذلك يظل سؤال الهوية السينمائية مطروحاً بقوة، خاصة إذا قارنا التجربة المغربية بتجارب استطاعت بناء هوية فنية واضحة مثل تجربة السينما الإيرانية التي نجحت في الانطلاق من خصوصياتها الثقافية والقيمية لتفرض حضوراً عالمياً مميزاً.
أما التحول الثالث فيرتبط بظهور جيل جديد من الفاعلين في المجال السينمائي مع انتشار التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما سمح بدخول فئات جديدة (متطفلة) إلى عالم صناعة الصورة دون تكوين أو موهبة، وهنا أقصد المؤثرين القادمين من شبكات التواصل الاجتماعي. وقد أثار هذا التحول انتقادات كثيرة تتعلق بغياب التكوين الأكاديمي السينمائي لدى بعض الممارسين، الأمر الذي قد يؤثر على مستوى الاحترافية والجودة الفنية.
ورغم هذه الإشكالات، فقد قدمت السينما المغربية بعض الأعمال التي شكلت تحولات إيجابية على المستوى الجمالي والفكري. من أبرز هذه الأعمال فيلم (الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء) للمخرج محمد إسماعيل، الذي اعتبره كثير من النقاد تجربة سينمائية متميزة وحقق نجاحاً ملحوظاً. كما برزت أعمال المخرج داوود أولاد السيد التي تميزت بحضور واضح للهوية الوطنية، خاصة من خلال استحضار فضاء الصحراء باعتباره مكوناً جمالياً وثقافياً وحضارياً. ويمكن كذلك الإشارة إلى أفلام المخرج محمد مفتكر التي اتسمت بعمقها الفني والفكري، ومن بينها فيلم خريف التفاح الذي اعتبر نموذجاً لسينما مغربية راقية شكلاً ومضموناً.
أخيراً، بعد هذه الرحلة النقدية، هل ما زلت تؤمن بأن النقد قادر على التأثير في مسار السينما المغربية؟ أم أن زمن الناقد المؤثر قد تراجع لصالح السوق ووسائط التواصل والخطابات السريعة؟
النقد السينمائي لا يزال قادراً على التأثير في مسار السينما المغربية، لكن هذا التأثير مشروط بوجود نقد صادق وجريء، لا يتراجع أمام المغريات أو المحاباة، ولا يكتفي بالتجميل أو المداهنة. النقد الحقيقي يملك القدرة على توجيه المشهد السينمائي، ليس عبر فرض وصاية على المنتج الفني، بل من خلال قراءة واعية ومعمقة تحلل النصوص السينمائية في أبعادها الجمالية والاجتماعية والفكرية، وتكشف عن مكامن القوة والضعف، وتفتح المجال أمام النقاش العملي والبناء.
لكن الواقع الحالي يشهد تحولاً في آليات التأثير، مع صعود وسائط التواصل الاجتماعي، حيث يهيمن الخطاب السريع والمباشر أحياناً على فضاء النقاش السينمائي، وهو ما يقلل من قيمة النقد المبني على الدراسة والبحث. هذه الوسائط تتيح للجمهور التعبير وإبداء الرأي، لكنها أيضاً تسمح بظهور مؤثرين متطفلين على المجال، غالباً بلا تكوين أو خبرة، ما قد يشتت الانتباه عن القراءة النقدية المتعمقة.
لذلك، يبقى النقد قادراً على التأثير، شرط أن يتحلى بالجرأة والصدق، وأن يكون مبنياً على معرفة حقيقية، وأن يقطع الطريق على كل أشكال الرداءة والبلاهة التي يقودها بعض مؤثري شبكات التواصل الاجتماعي، ليظل صوت النقد مرجعية حقيقية للمبدعين والجمهور على حد سواء.
إسماعيل التزارني
فكك أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية، محمد الكيحل، أسباب وتداعيات ما يجري في مالي من أحداث عنف، وأوضح مدى علاقة تفجر هذه الأحداث بسحب مالي لاعترافها ببالجمهورية الوهمية “البوليساريو”.
وأبرز الكيحل، في حوار مع جريدة “العمق المغربي”، تأثير انهيار الأمن في مالي نتيجة الهجوم المنسق الذي قادته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” والمتمردون الطوارق، قبل أيام قليلة على العاصمة باماكو، ووضح الكيحل مدى علاقة الجزائر وصنيعتها البوليساريو بما يجري في هذا البلد.
وفيما يلي نص الحوار كاملا:
إلى أي حد يمكن ربط التصعيد الأمني في مالي بالتحولات الديبلوماسية الأخيرة لهذا البلد، خاصة سحب الاعتراف بالبوليساريو؟
في تقديري، لا يمكن ربط التصعيد الأمني في مالي بالتحولات الديبلوماسية الأخيرة لهذا البلد، خاصة سحب الاعتراف بالبوليساريو، بل يجب وضع هذا التصعيد في سياق أزمة معقدة ومركبة تعرفها مالي وباقي بلدان منطقة الساحل والصحراء الكبرى المحاذية للفضاء المغاربي؛ فالصراع الحالي في مالي هو نتيجة لتضافر عوامل تاريخية وطبيعية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية محلية، متفاعلة مع متغيرات وأزمات إقليمية ودولية متداخلة ومتشابكة حولت الصراعات إلى أزمات مزمنة ومتكررة.
ولفهم الصراع، لا بد من وضعه داخل إطاره العام، فالأزمة المالية الحالية هي نتاج تحديات ثلاثية الأبعاد على الأقل، منها ما هو ذو طابع دولي وإقليمي، وأخرى مرتبطة بالبيئة الداخلية للفضاء الأطلسي والساحلي، ومنها ما هو مرتبط بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتأزمة بدولة مالي وباقي دول الساحل، وبارتفاع منسوب المخاطر والتهديدات الأمنية المحدقة بالمنطقة. تعكس الأوضاع الأمنية المعقدة والآخذة في التفاقم في مناطق الساحل والصحراء الكبرى تحديات متعددة الأبعاد، والمخاطر من أهمها التطرف والتهديدات الإرهابية، بحيث تنتشر في المنطقة جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية تستغل الفراغ الأمني والتضاريس الوعرة لتنفيذ هجماتها. ومن أبرز هذه التنظيمات “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”.
وإلى جانب التهديدات الإرهابية، تعاني دول المنطقة من صراعات ونزاعات داخلية بين الفصائل المسلحة والحكومات المحلية، حيث أفرزت النزاعات الأفريقية أنماطا يصعب اختزالها في الاقتتال الداخلي، وأظهرت تنوعا في الفاعلين يشمل دولا ومرتزقة وشركات عسكرية، إلى جانب جيوش محلية وميليشيات وتنظيمات شبه عسكرية، ونجم عن ذلك تقاطع مصالح الفاعلين وتعقد عملية فض النزاعات. هذه الصراعات تضعف قدرة الدول على بسط سيطرتها على مجالها الترابي وتحقيق الأمن والتنمية لشعوبها.
كما يعد تهريب الأسلحة والمخدرات من أبرز التحديات الأمنية في هذه المنطقة، التي تصفها التقارير الدولية الأمنية بأنها من أكثر المناطق العالمية التي تنشط بها الحركات الإرهابية والمتطرفة، حيث تستغل الشبكات الإجرامية شساعة الحدود غير المحكمة وضعف الرقابة لتنفيذ عملياتها، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني بالمنطقة. كما يتسبب النزوح والهجرة غير الشرعية وانعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي، لكثرة الانقلابات العسكرية… إلخ، في نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو الفضاء المغاربي ودول الحوض المتوسط، وخاصة بلدان الجوار الأوروبي.
إضافة إلى العوامل السالفة الذكر، ظلت المنطقة، على مدار التاريخ، تعاني من التدخلات الخارجية وعلى مختلف المستويات والمجالات؛ فالقوى الإقليمية والدولية ظلت تلعب دورا سلبيا في المشهد الأمني والمربع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر أو الدعم اللوجستي والتدريبي للحكومات المحلية. كما أن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدول الاستعمارية السابقة بالمنطقة لم تكن مجدية وذات فائدة، بل على العكس أدت إلى نتائج وآثار سلبية ساهمت في تأزيم الوضع الأمني وتعقيده، سيما في ظل الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتسم بها بلدان المنطقة.
وقد أدت مجموعة من العوامل البنيوية المحلية المتداخلة والمتشابكة إلى تفاقم المعضلات الأمنية، وفي مقدمتها العامل القبلي والإثني، والتقسيم التعسفي للحدود دون مراعاة للخصوصية المجتمعية الإثنية والهويات الثقافية؛ فالتركيبة الاجتماعية والديمغرافية المتنوعة لهذه الدول جعلت من مستوى التجانس الاجتماعي ضعيفا، خاصة مع غياب الثقافة الوطنية الموحدة التي نتج عنها عدة أزمات واضطرابات عرقية شهدتها دول المنطقة في فترات تاريخية متلاحقة، والتي تتغذى في أغلبها على انعدام العدالة التوزيعية وسوء توزيع الثروات الاقتصادية.
يضاف إلى ذلك، إخفاق عمليات الاندماج الوطني في هذه الدول نتيجة للسياسات الاستعمارية في ترسيم الحدود التي لم تراع خصوصيات توزيع المجتمع، ولذلك عانت هذه الدول من غياب الشعور المشترك بين الجماعات العرقية بالانتماء إلى كيان سياسي موحد، خاصة عندما تكون تلك المجموعات موزعة في أكثر من دولة، وبالتالي غياب فكرة المواطنة بين أفراد المجتمع، مع ما ينتجه هذا الوضع من تعدد الولاءات السياسية داخل المجتمع الواحد.
وقد رافقت أزمة الهوية والاندماج الوطني عملية بناء الدولة في منطقة الساحل والصحراء، نتيجة للفشل الذي عرفته تلك الدول في التعامل مع التعدد الإثني واللغوي والديني الذي تتميز به تلك المجتمعات المحلية؛ فمن الخصائص الرئيسية في منطقة الساحل والصحراء التنوع العرقي والإثني، الأمر الذي جعل هذه المنطقة تعرف نزاعات إثنية وعرقية عديدة، أبرزها على الخصوص قضية الطوارق وما تطرحه من تحديات سياسية ومجتمعية وأمنية على حد سواء، خصوصا وأن هذه الأقلية عاشت في كنف التهميش والإقصاء في الدول التي تحتضنها.
هذه بعض من العوامل البنيوية التي يمكن من خلالها فهم الأزمة العميقة التي تعيشها مالي وبقية بلدان منطقة الساحل والصحراء الكبرى، وما الصراع الحالي إلا نتيجة ومحصلة طبيعية لوضع داخلي هش على مختلف المستويات، وبنية إقليمية ودولية معقدة ومتغيرة مشوبة بالحروب والصراعات التي تكاد لا تنتهي، وتبدل المعادلات الجيواقتصادية والجيوسياسية قيد التشكل في خريطة التحالفات الدولية، خاصة في منطقة الفضاء الساحلي التي تزخر بلدانها بثروات معدنية نفيسة، مما جعلها محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية المتنافسة على المنطقة.
إلى أي حد يمكن أن يؤثر ما يجري في مالي على التوازنات الإقليمية في الساحل وعلى موقع المغرب داخل هذه المعادلة؟
عن أي توازنات إقليمية يمكن الحديث في منطقة الساحل، خاصة بعد الأحداث التي عرفتها مجموعة من بلدانها خلال السنوات الخمس الأخيرة، وما نتج عنها من صراعات على السلطة وانقلابات عسكرية، لكنها في الحقيقة صراعات حول الموارد والجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة؟ فبلدان الساحل، منذ انتفاض قياداتها العسكرية المسنودة بقوى شعبية ضد القوى الاستعمارية السابقة، عرفت تحولات عميقة اعتقد معها البعض أنها نجحت في طرد المستعمر وتحصين بلدانها ضمن تكتل عسكري وسياسي واقتصادي جهوي يسمى “تحالف دول الساحل”. لكن، على العكس من ذلك، خلفت هذه الأحداث رجة عميقة مست أوضاعا هشة لم تعرف الاستقرار، وعطلت عجلة التنمية، وأدخلت هذه البلدان في مواجهات اقتصادية وسياسية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيداو”، التي فرضت عقوبات اقتصادية على الدول الثلاث المنسحبة منها، إضافة إلى مناوشات عسكرية مع بعض دول الجوار، كما هو الحال بين مالي وجارتها الشمالية الجزائر، ما زاد الأوضاع تعقيدا وتأزما على مختلف المستويات.
وجوابا على سؤالكم، أعتقد أنه في ظل هذه الظرفية لا يمكن الحديث عن تحالفات وتوازنات إقليمية واضحة ومستقرة في ظل واقع دولي وبيئة إقليمية متغيرة ومتحركة؛ بل هناك اختراقات أمنية متضاربة لدول خارج منطقة الساحل زادت من تأجيج الأوضاع بدل تهدئتها؛ هناك “نواة” ضعيفة وغير صلبة، إن صح التعبير، لبداية بلورة تحالفات جهوية لا ترقى إلى مستوى تحقيق توازنات إقليمية لعدم توفر شروط إنتاجها، نتيجة لحالة الضعف والهشاشة التي تعرفها الدولة والمجتمع معا في بلدان منطقة الفضاء الساحلي والصحراء الكبرى؛ والتنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي الشرس للقوى الإقليمية لبسط هيمنتها ونفوذها على المنطقة التي تزخر بلدانها بموارد وثروات معدنية هائلة.
وبالتالي، فإن الصراع الدائر حاليا بمالي قد يضعف الدولة ويجعلها تفقد السيطرة على زمام السلطة، بل يمكنها أن تنهار بسرعة، وهو ما يحدث فراغا أمنيا قد تستفيد منه الجماعات الإرهابية والانفصالية وبعض الدول الداعمة لها من بعض دول الجوار الجغرافي وخارج المنطقة، ولكنه لا يحقق توازنا ملحوظا لأطراف على أخرى، بقدر ما تستغله الجماعات الإرهابية والانفصالية التي يبدو أنها ستتحول من ورقة ضغط إلى ورقة للحروب بالوكالة.
وهنا يمكن للمغرب أن يقدم الدعم اللازم لدولة مالي الشقيقة التي عبرت عن انخراطها في التوجهات الاستراتيجية للمملكة وعن تحالفها مع الرباط، وهو ما أفضى إلى سحب اعترافها بالجمهورية الوهمية؛ وإن كان من ثوابت السياسة الخارجية للمغرب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا أنه يمكن مساعدة الجمهورية المالية على المستوى الأمني والاستخباراتي على الأقل في هذه المرحلة؛ لأن ما يجري بها قد تكون له بعض التداعيات على التوجهات الجيوسياسية والجيواقتصادية بالفضاء الساحلي والأطلسي، وعلى الأمن القومي المغربي بشكل عام، بالنظر لما تشكله دولة مالي من أهمية حيوية وعمق استراتيجي للمملكة في منطقة الساحل والصحراء الكبرى.
هل يمكن قراءة ما يجري في مالي ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، واحتمال توظيف فاعلين غير مباشرين لتأجيج الوضع؟
نعم، يمكن تفسير ما يقع بمالي ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، واحتمال توظيف فاعلين غير مباشرين لتأجيج الوضع، لكن كما سبق الذكر، فإن ما يجري بهذه الدولة التي توصف بقلب الساحل، لا يمكن فصله عن العوامل المعقدة والمتراكمة التي أدت إلى تأزيم الأوضاع ببلدان الساحل، كما سلف ذكرها في نص هذا الحوار؛ فمالي تعتبر من أكثر الدول التي عرفت انقلابات عسكرية وصراعات قبلية وإثنية حول السلطة والموارد، التي تهدأ بدولة مالي الشقيقة منذ استقلالها، وفي البداية كان صراعا حول اقتسام الموارد والمنافع الاقتصادية أكثر منه صراعا حول السلطة؛ فقد ظلت أزمة التنمية في الساحل والصحراء تعكس أحد أهم جوانب المشكلة الأمنية في المنطقة. ويمثل توزيع الموارد في هذه الدول إحدى الظواهر البارزة فيها، حيث تنفرد القلة بمعظم الموارد المتاحة، ويقع عبء الحرمان على الأغلبية، وتبرز أزمة التوزيع إشكالية تفاوت طبقي حاد، وهو ما يتسبب في صراعات داخلية.
كما أن هذا التفاوت الطبقي كان من نتائجه عدم الاستقرار السياسي والتوازن الاجتماعي في مجتمع يعرف صراعات قبلية لا تنتهي، وهو ما يظهر جليا في مالي والنيجر، من خلال العصيان والتمرد المستمر من مختلف الأقليات، ويمكن إرجاع تفاقم هذه الأزمة إلى ظاهرة الفساد السياسي الذي قوامه استخدام السلطة من أجل تحقيق أهداف ذاتية، ويعد الفساد المزمن أحد الأسباب الرئيسية لانعدام الاستقرار وغياب الأمن في المنطقة، وأحد أكبر معوقات العدالة الاجتماعية. ويلاحظ أن الدول المعنية تعرف مستويات مؤكدة من الفساد، والذي يسهم في إضعافها، وهي لا تعيش وضعية إدارية داخلية مستقرة.
بل إن سمة عدم الاستقرار والأزمات قائمة في المنطقة منذ فترة طويلة، فمنطقة الساحل ظلت توصف بأنها منطقة رمادية، وتصنف بأنها من أكثر المناطق التي تنشط فيها الحركات الإرهابية والدينية والعرقية المتشددة والحركات السلفية الجهادية، بالإضافة إلى الحركات الانفصالية في المنطقة، وفي طليعتها جبهة البوليساريو التي بدأت تتحول إلى حركة إرهابية، وهذا ما تؤكده التقارير الدولية؛ بأن الجزائر وصنيعتها لهما علاقات وصلات مع الحركات الإرهابية المتواجدة بمنطقة الساحل.
وهذا ما يترجم في الصراع الدائر حاليا بمالي، بتواطؤ مع القوى الاستعمارية السابقة التي تحاول إعادة الدخول إلى المنطقة، ليس من باب المساعدات الاقتصادية والتنسيق السياسي، ولكن من باب إشعال الحروب والصراعات حتى تبسط هيمنتها من جديد على خيرات بلدان الساحل، لا سيما في ظل ضعف الدولة المنهكة أصلا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما يسهل من عملية الاختراق الأمني والإضعاف العسكري.
بالطبع، هذه الأزمات قد تلقي بتداعياتها السلبية على تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات الكبرى العابرة للحدود التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة بالفضاء الأطلسي والساحلي؛ فهي تشكل عائقا من ضمن العوائق الأخرى التي ذكرناها، التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية بالمنطقة التي تزخر بمؤهلات اقتصادية وموارد طبيعية نفيسة.
ما هي الأطراف التي قد تستفيد استراتيجيا من زعزعة استقرار مالي في هذه المرحلة؟
قد تبدو للوهلة الأولى أن الجزائر وفرنسا هما الدولتان المستفيدتان من هذا الوضع، لكن ليس بدرجة كبيرة، لاعتبارات عدة، فاستفادة الجزائر من الناحية الاستراتيجية تبقى ضئيلة على المدى القريب والمتوسط، على اعتبار أن الجزائر هي نفسها تعرف مشاكل عديدة مع دول جوارها الجغرافي ومحيطها الإقليمي، بل إنها أصبحت محاصرة من كل الجهات نتيجة للسياسة العدائية المتبعة من قبل الجزائر تجاه دول جوارها الجغرافي ومحيطها الإقليمي.
لكن، على المستوى الظرفي، قد تكون الجزائر مستفيدة من هذا الوضع إذا ما ربطنا ذلك بما تعرفه قضية الصحراء المغربية من مستجدات ومكتسبات دبلوماسية وسياسية وقانونية لصالح المملكة، خاصة بعد صدور القرار الأممي رقم 2797، في محاولة منها للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق بالمنطقة، خاصة في ظل الضغوطات الكبيرة التي تفرضها عليها الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد تسوية سياسية لنزاع الصحراء على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وهو ما ضيق الخناق على الجارة الشرقية وجعلها بين المطرقة والسندان؛ فهي ترى الضغوط الأمريكية جدية وصارمة عليها للانخراط الإيجابي في المفاوضات الجارية حول الصحراء المغربية، ومن جهة أخرى يزداد الضغط على جماعة البوليساريو لتصنيفها كحركة انفصالية إرهابية إذا لم ترضخ للقرارات والتوجهات التي يرمي إليها المنتظم الدولي، الرامية إلى التعجيل بإيجاد حل سياسي متوافق عليه وتسوية مستدامة لقضية الصحراء المغربية المفتعلة.
يغذيه نزاع الصحراء الذي لم يتم حله بعد. فلطالما ظلت الجزائر تعاكس كل تحركات وطموحات المملكة المغربية الجهوية والقارية الرامية إلى دعم الاستقرار والاستثمار والتنمية لشعوب المنطقة. بالمقابل، ظلت العقيدة العسكرية الجزائرية، في إطار البحث عن شرعية داخلية مفقودة، تعمل على زرع بذور الانشقاق وخلق التوترات والنزاعات، ليس فقط في الفضاء المغاربي، وإنما أيضا في الجوار الجغرافي المتمثل في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، بدعوى حماية الأمن القومي الجزائري، وهي الأسطوانة التي ظل النظام العسكري الجزائري يرددها، والمتمثلة في وجود مؤامرات وأعداء خارجيين للجزائر، بما في ذلك المغرب.
ما السيناريوهات الأكثر ترجيحا لمستقبل مالي: احتواء الأزمة، اتساع الصراع، أم إعادة تشكيل المشهد السياسي؟
أعتقد أن السيناريو الأرجح هو احتواء الأزمة بدل السماح لاتساع الصراع، لأن المستفيد الأكبر من هذا الوضع هو الحركات الإرهابية وبعض دول الجوار، لكن القوى الدولية المنشغلة بمنطقة الشرق الأوسط لا تسمح، على الأقل خلال الوقت الحالي، باتساع دائرة الصراع وسقوط وانهيار الدولة المالية، لأن ذلك ستكون له تداعيات أمنية خطيرة تتجاوز منطقة الساحل، وتصل إلى الجوار المغاربي والفضاء المتوسطي والأطلسي بشكل عام، وبالتالي فإن من مصلحة المغرب مراقبة الوضع عن كثب حتى لا تخرج الأحداث عن طابعها الداخلي في إطار الصراع القبلي المتجدد حول الموارد واقتسام السلطة. وحتى لا يكون للصراع الدائر حاليا في مالي تداعيات أمنية قد تهدد الأمن المغربي، وتقوض الخيارات الجيوسياسية والجيواقتصادية للمملكة بهذه المنطقة، وتخلق بيئة إقليمية غير مساعدة على إيجاد حل نهائي وتسوية نهائية لقضية الصحراء المغربية في الوقت الراهن.
هسبريس من الرباط
قال محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، إن “الحصيلة الحكومية جد مشرفة، بل إنها استثنائية في بعض الأمور”، نافياً في الوقت ذاته وجود أي انقسام داخل مكونات الائتلاف الحكومي حولها، إذ أوضح أن “رئيس الحكومة عرض الحصيلة تحت قبة البرلمان، وجاءت تعقيبات الفرق البرلمانية، وفي مقدمتها فريق التجمع الوطني للأحرار، كلها لتقر بتحمل هذه الحصيلة في شموليتها وبدون أي تجزئة قطاعية أو حزبية”.
وأضاف شوكي، في حوار مصور مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “رئيس الحكومة في تقديمه الحصيلة استعرض مختلف القطاعات، ولم يكن يميز بين هذا القطاع أو ذاك، بل عرض مخرجات السياسات العمومية في شموليتها”، مردفا: “الحكومة الحالية كانت استثنائية في تماسك أغلبيتها، ولنا في تجارب سابقة دروس في هذا الشأن، حيث كانت الأغلبية تنقسم قبل نهاية الولاية الحكومية، وكانت هناك أغلبية تسير قطاعات معينة وفي نهاية الأسبوع تقوم بتقمص دور المعارضة”.
وذكر رئيس “حزب الحمامة” أن “الالتفاف حول رئيس الحكومة هو الذي جعل هذا التماسك يبقى مستمراً حتى نهاية الولاية، وحتى في تقديم الحصيلة؛ ومع ذلك في النقاش السياسي لا يوجد ما يمنع أي مكون سياسي من الإقرار بأن هناك تحديات؛ فهناك أشياء كثيرة تحققت، لكن في تقدير أي شخص يمكن أن يكون هناك إقرار بأن هناك تحديات مازالت في هذا المسار الإصلاحي، ولم نصل بعد إلى ذلك الطموح الذي أرادت هذه الحكومة الوصول إليه”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وتابع المتحدث ذاته: “رئيس الحكومة، وبمبادرة منه، اختار المجيء إلى البرلمان وتقديم حصيلته، وأظن أن في هذا شجاعة كبيرة، أن يأتي في وقت متقدم من الدورة التشريعية الأخيرة لهذه الولاية ويقدم هذه الحصيلة الغنية، التي ستمكن من طرح نقاش عمومي بشفافية ووضوح، ولا أرى فيها إلا شيئاً محموداً. بل هذا هو التدبير الذي يجب أن يكون ونعتاد عليه، لأننا رأينا سابقاً من لم يقدم أي حصيلة، أو قدمها في وقت قريب جداً من الانتخابات، حيث كان التوجه كله للحملة الانتخابية أكثر منه لتقييم الحصيلة”.
وفي السياق نفسه سجل شوكي أن “الحصيلة الحكومية الحالية ليست مجرد تدابير أو إجراءات أو أرقام، بل هي حزمة أو مجموعة من السياسات العمومية المتكاملة والمترابطة وذات الأفق الواحد، وأهدافها واضحة”، وزاد: “هذه الأهداف استلهمت فلسفتها من الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهندسته للسياسات الاقتصادية والاجتماعية”.
وواصل الفاعل السياسي نفسه: “في منظور التجمع الوطني للأحرار هناك أمران أساسيان: أولاً السيادة الوطنية، التي تتمثل في السيادة الطاقية، المائية، الغذائية، وسيادة القرار الاقتصادي والمالي للمملكة؛ ثانياً الدولة الاجتماعية، بمخرجاتها المتعددة، مثل تعزيز الحماية الاجتماعية، التغطية الصحية الإجبارية، الدعم الاجتماعي المباشر ودعم اقتناء السكن اللائق”، مسترسلا بأن “هذين الموضوعين لكي نحققهما نحتاج اقتصاداً وطنياً متطوراً ينمو بصفة مسترسلة ويحقق الاستدامة والمناعة، لأنه لا يمكن تحقيق سيادة القرار دون توازنات ماكرو اقتصادية مهمة، ولا يمكن تحقيق استدامة الأوراش الاجتماعية دون الموارد المالية الكاملة الناتجة عن نمو اقتصادي واستثمار منتج (خاص وعمومي) وتدفقات مالية من الخارج”.

وتفاعلاً مع سؤال حول تشكيك المعارضة في وفاء الحكومة بالتزاماتها، خاصة في موضوع التشغيل، استناداً حسبها إلى تقارير وطنية، بما فيها تقارير المندوبية السامية للتخطيط، اعتبر رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار أن “اختزال الحقيقة هو خيانة للمواطن؛ ذلك أن معايير المندوبية السامية تحسب مناصب الشغل المؤدى عنها وغير المؤدى عنها، خاصة في القطاع الفلاحي، وهذا الأخير عرف فقدان عدة مناصب شغل بسبب الجفاف، وهو ظرف لم نتحكم فيه، لكننا خلقنا سنوياً حوالي 170 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية”.
وأردف المتحدث ذاته: “الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للضرائب والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تظهر ارتفاعاً بأكثر من 10 في المائة في التصريحات، وهذا يؤكد وجود دينامية في قطاع الشغل. وطبعاً مازالت هناك تحديات مرتبطة بالهدر المدرسي وعدم ملاءمة الدراسات العليا لسوق الشغل، والحكومة تشتغل على هذه التراكمات”.
وفي سياق متصل، وجواباً عن سؤال حول برنامجي “أوراش” و”فرصة”، بين شوكي أن “برنامج ‘أوراش’ جاء لامتصاص صدمة كوفيد وإعادة الناس إلى الدورة الاقتصادية بصفة مؤقتة، ولم يكن يهدف إلى حل مشكلة البطالة بصفة نهائية”، مشدداً على أن “الحكومة قامت بإصلاحات كبيرة في مجالات عدة، بما فيها مجالات التعليم والصحة والاستثمار؛ وفي ما يخص موضوع التقاعد فإن التحولات البنيوية للاقتصاد المغربي جعلت من المفروض التأني في هذا الشأن. ثم إن الزيادات المتلاحقة في الأجور خففت من ‘الدين المُبطَّن’ لأنظمة التقاعد، لذا فإن التريث التقني أمر موضوعي ومنطقي لاستكمال الدراسات حول هذا الموضوع”.

وحول توقعاته لنتائج الانتخابات التشريعية المقبلة قال الرئيس الجديد لـ”حزب الحمامة” خلفاً لعزيز أخنوش إن “المنجزات تعطينا مشروعية للحديث مع المواطنين بـ’وجه أحمر’، والسيد رئيس الحكومة نجح في إرساء منظومة تعتمد على الإنجاز والإدماج”، خاتما: “نحن الآن في مسار ‘استمرارية في التغيير’، ونطور الأمور الإيجابية، ونعالج الثغرات؛ وعليه فنحن في أتم الجاهزية للحفاظ على مكتسباتنا وتصدر الانتخابات المقبلة”.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه ثورة الذكاء الاصطناعي من تغيير عميق لمفاهيم المعرفة والإنتاج واتخاذ القرار، يتصاعد النقاش حول موقع هذه التكنولوجيا وحول حدود توظيفها وانعكاساتها على المجتمع وسوق الشغل.
وفي هذا السياق، حاور « تيلكيل عربي » كريم باينة، عميد المدرسة العليا للمعلوميات والرقمنة (ESIN) بجامعة الرباط الدولية، للوقوف على ملامح هذه الثورة التكنولوجية من زاوية أكاديمية، وقراءة تداعياتها على الفرد والمؤسسات، وكذا مناقشة رهانات السيادة الرقمية وإشكالات التقنين.
ويقدم باينة، من خلال هذا الحوار، مقاربة تحليلية تضع الإنسان في صلب هذا التحول، محذرا من مخاطر الانزلاق نحو التبعية المعرفية، ومشددا على ضرورة تحقيق توازن واع بين استثمار قدرات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على المنهجيات الكلاسيكية في التفكير.
ـ يشهد العالم اليوم ما يوصف بثورة معرفية غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي، كيف تقرأون هذا التحول؟
نحن اليوم أمام ثورة معرفية حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي، ثورة تتجاوز البعد التقني إلى أبعاد فكرية وإنسانية عميقة، خاصة مع ظهور قضية أساسية ترتبط بخطر فقدان الإنسان قدرته على التفكير في المستقبل.
هذا التحول لا يطرح فقط أسئلة حول التكنولوجيا، بل يثير نقاشا حول موقع الإنسان نفسه داخل هذه المنظومة الجديدة، وحول قدرته على الاستمرار كفاعل أساسي في إنتاج المعرفة واتخاذ القرار.
ـ ما أبرز الإشكالات التي تطرحها هذه الثورة بالنسبة للفرد والمجتمع؟
الإشكالية الجوهرية المطروحة اليوم هي أن الإنسان بدأ، بشكل تدريجي، يشك في قدراته العقلية، وأصبح يميل إلى تقديم ما تنتجه خوارزميات الذكاء الاصطناعي أولا، قبل اللجوء إلى المنطق العقلي والتحليل الذاتي، وهذا في حد ذاته خطر كبير.
فمثلا، عندما يتخلى الطفل أو الشاب عن تشغيل قدراته الذهنية، ويستعمل الذكاء الاصطناعي بشكل غير واع، فإنه يدخل في مسار من التبعية المعرفية، حيث تتحول الأداة إلى مرجعية، بدل أن تبقى مجرد وسيلة مساعدة.
وهنا يبرز بشكل واضح دور كل من المفكر، والمعلم، ومدبر الشأن العام، في إعادة الاعتبار للتفكير النقدي، وفي بث روح المنطق والتحليل، وجعل الإنسان وتفكيره وتدبيره في صدارة الأولويات.
نحن أمام حاجة ملحة لإعادة بناء الثقة لدى الأفراد في قدراتهم الذاتية، يجب أن يثق الشاب في نفسه، وأن يثق الطفل في قدراته، كما ينبغي أن يثق الموظف والمستخدم والمواطن في إمكانياته، قبل أن يعتمد على نتائج تقدمها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لأن فقدان هذه الثقة هو المدخل الحقيقي لفقدان الاستقلالية الفكرية.
ـ هل ترون أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدا حقيقيا للإنسان؟
لا أضع الذكاء الاصطناعي في خانة الخطر، ولا أشكك في قدراته على تطوير البشرية، بالعكس، هو امتداد طبيعي للفكر البشري، وأداة لتوسيعه وتنميته، لكن الإشكال يكمن في كيفية استعماله، يجب أن يبقى الإنسان متحكما فيه، وأن يحافظ على موقعه ككائن عاقل مفكر، له روح ونفس وذات تستمد قوتها من خالقه.
لا يمكن أن نقبل بأن يتحول المخلوق، وهو الذكاء الاصطناعي، إلى كيان يتفوق على الذكاء البشري، إذا كان هذا الأخير يحسن توظيف قدراته ويحافظ على استقلاليته الفكرية.
ـ تتحدثون عن مسألة الجمود الثقافي لدى الأجيال الرقمية.. كيف تتجلى هذه الظاهرة؟
هذه الظاهرة تتجلى بشكل واضح في عدد من المجالات، من بينها المجال الطبي، ففي تخصص التصوير الطبي بالأشعة، كان الأطباء في السابق يعتمدون على تفسير نتائج صور الأشعة بمنطق علمي دقيق، يجمع بين المعرفة النظرية والتجربة والخبرة.
أما اليوم، فنلاحظ أن بعض الأجيال الجديدة أصبحت تثق ثقة عمياء في نتائج الذكاء الاصطناعي، إلى درجة قد يعتمد فيها الطبيب على تحليل الخوارزميات بشكل كامل، دون تشغيل قدراته العقلية.
ـ هل يشكل الذكاء الاصطناعي خطرا على التشخيص في المجال الصحي؟
على مستوى المنظومة الصحية، هناك وعي بالمخاطر، كما توجد لجان أخلاقيات ومساطر واضحة لحماية المعطيات، غير أن الإشكال قد يطرح على مستوى التشخيص، في حال الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري، وهو ما قد يؤدي إلى أخطاء.
ـ ما الضوابط التي ينبغي اعتمادها لتفادي هذه المخاطر؟
هناك مبادئ أخلاقية أساسية يجب احترامها، من بينها الشفافية، وقابلية فهم كيفية اشتغال الأنظمة. كما أن النماذج المغلقة، التي لا تتيح فهم آليات عملها، تشكل خطرا، خاصة إذا كانت مبنية على معطيات أجنبية لا تعكس خصوصيات المجتمع المغربي، سواء من حيث الفئات أو الأمراض المحلية.
الحل يكمن في تطوير ذكاء اصطناعي وطني، مبني على معطيات محلية، خاصة في المجال الصحي، بما يضمن دقة التشخيص، ويحمي المرضى، ويعزز الثقة في هذه التكنولوجيا.
هل تمتد هذه المخاطر إلى سوق الشغل؟
نعم، بالتأكيد، المخاطر لا تقتصر على الجمود العقلي فقط، بل تشمل أيضا فقدان التموقع داخل سوق الشغل. لأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تآكل عدد من المهارات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في العمل.
لذلك، من الضروري تربية هذا الجيل وفق مقاربة مزدوجة، تجمع بين التكنولوجيا والأساليب التقليدية، حتى يتمكن من تطوير قدراته العقلية والحفاظ على تنافسيته.
والمثال الذي أحبذه هو أن استعمال المصعد فقط سيفقد المستعمل تدريجيا قدراته البدنية، لأنه لم يعد يستعمل جسده، بينما يساهم استعمال الأدراج في تقوية القلب والعضلات والحفاظ على اللياقة. وبالمثل، فإن اللجوء إلى السهولة وسرعة الإجابة، وما يوفره الذكاء الاصطناعي من إشباع فوري، يمثل نوعا من التخلي عن تدريب العقل.
لذلك، فإن استعمال الوسائل غير الرقمية، خاصة في المراحل المبكرة، يعد ضروريا لتنمية القدرات الذهنية، حتى تبقى حاضرة وقوية عندما يحتاجها الإنسان.
ـ ما هي المقاربة التي ترونها مناسبة لتفادي هذا الانزلاق المعرفي؟
إن المقاربة المطلوبة تقوم على التوازن، بالجمع بين استعمال الذكاء الاصطناعي، من جهة، والحفاظ على المنهجيات الكلاسيكية في التفكير، من جهة أخرى.
ومن اللافت أن بعض مطوري هذه التقنيات في دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، يحرصون على تعليم أبنائهم في مدارس تقليدية تعتمد الطباشير والدفتر والكتاب، ولا يضعون في أيديهم الوسائل الرقمية إلا بعد بلوغهم سنا تمكنهم من التمييز وتحكيم العقل.
هذا الاختيار ليس اعتباطيا، بل يعكس وعيا بضرورة بناء العقل قبل تعريضه للأدوات الرقمية.
-هل القوانين الحالية، خاصة في المغرب، قادرة فعلا على تأطير المخاطر المتسارعة للذكاء الاصطناعي؟
من الضروري التمييز بين التخوفات النفسية والمخاطر الاحتمالية العلمية، وكذلك بين الوقائع التي أظهرت أن الذكاء الاصطناعي قد يخلق إشكالات فعلية في مجالات متعددة سواء في المجال الصناعي أو التجاري أو العلمي، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق مطبات حقيقية.
في هذا الإطار، نلاحظ أن أوروبا اختارت مقاربة التقنين المسبق، بينما اعتمدت الولايات المتحدة المقاربة الإبداعية، مع تدخل المشرع عند ظهور المشاكل.
لكن في جميع الحالات، لا ينبغي سن القوانين فقط من أجل التقنين، ولا وضع قوانين مجحفة تحد من قدرات المغرب ونسيجه السوسيو-اقتصادي عن الإبداع، لذلك يجب أن تكون المواثيق الأخلاقية والترسانة القانونية محفزا للإبداع، لا عائقا له، والمغرب يتوفر على تجربة تقوم على استعمال روح القانون.
ـ وماذا عن تقنين استعمال الأطفال للتكنولوجيا لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي؟
هناك تجارب دولية محمودة يمكن الاستلهام منها، خاصة في ما يتعلق بتقييد استعمال الأطفال للتكنولوجيا، لكن في المقابل، يجب اعتماد المرونة، لأن المغرب يتميز بخصوصيات ثقافية واجتماعية، يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة، لكن لا يجب استيراد ترسانة قانونية بشكل حرفي، بل تكييفها مع السياق الوطني.
ـ ماذا عن الإطار القانوني المرتبط بحماية المعطيات الشخصية؟
هذا الإطار يجب أن يظل مرنا وقابلا للتطوير المستمر، وفي هذا السياق، تعمل اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية على تنظيم جلسات استماع مع مختلف الفاعلين، من اقتصاديين وأكاديميين ومواطنين وهيئات إدارية، بهدف تحيين الترسانة القانونية، وأخذ معطيات البحث العلمي في الصحة، ومعطيات الذكاء الاصطناعي في الصناعة، وغيرها من المجالات.
ـ في ظل هيمنة شركات عالمية على هذه التكنولوجيا، هل يمكن الحديث عن سيادة رقمية مغربية في هذا المجال؟
المغرب يسير بالفعل في اتجاه تعزيز السيادة الرقمية، من خلال مقاربة براغماتية تقوم على تنويع الشراكات الدولية، على سبيل المثال، يتم اعتماد خوارزميات مطورة في أوروبا، لكنها تشغل داخل سحب رقمية فوق التراب المغربي، مع احترام القوانين الوطنية المتعلقة بالسيادة الرقمية.
غير أن هذه السيادة لا يمكن فصلها عن السيادة الشاملة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو صناعية، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن منافسة قوى عالمية كبرى، خاصة الأمريكية والصينية، في هذا المجال؟
في المقابل، يظل المغرب شريكا اقتصاديا واعدا، مستفيدا من موقعه الجغرافي وانفتاحه على مختلف الأسواق، كما أن تنويع الشركاء بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يظل خيارا استراتيجيا ضروريا لضمان الاستقلالية الاقتصادية، وبالتالي دعم السيادة الرقمية.
ـ هل المؤسسات العمومية والخاصة في المغرب جاهزة فعلا لاستعمال الذكاء الاصطناعي، أم أن الفجوة التقنية والبشرية ما زالت قائمة؟
لا يمكن الحديث عن جاهزية وهذا لا يخص المغرب فقط، بل يشمل حتى الدول الأوروبية، غير أن هناك مؤشرات عالمية، من قبيل مؤشر الابتكار العالمي « Global Innovation Index »، ومؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي « AI Readiness Index »، تظهر أن ترتيب المغرب كان في السابق متواضعا، لكنه يعرف تطورا تدريجيا من سنة إلى أخرى، سواء في مؤشرات الابتكار أو في مؤشرات الجاهزية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

حاورها: عبد الله الساورة
ثمة هدوء خاص يتسرّب من هذا الحوار، هدوء لا يعني السكون بقدر ما يحمل توتراً معرفياً خفياً؛ توتراً ينشأ من أسئلة تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها تنفتح، في عمقها، على مناطق قلقة من وعينا الجماعي.
وفي هذا الأفق، لا تأتي الكاتبة والباحثة المغربية مونية المنصور لتقدّم أجوبة جاهزة، وإنما لتعيد ترتيب الأسئلة نفسها، لتمنحها نفساً أطول، ومسافة تأملية تجعل من التلفزيون موضوعاً للتفكير، لا مجرد أداة للفرجة.
ومنذ اللحظة الأولى، يضعنا هذا الحوار المفتوح على صفحات هسبريس أمام حساسية منهجية نادرة، حيث يتداخل الصوت المهني بالصوت البحثي، ويتجاوز الانتماء المؤسسي مع المسافة النقدية. وهنا نتعامل مع مونية المنصور ككاتبة وباحثة مغربية في مجال الإعلام البصري.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وذلك ما يمنح خطاب مونية المنصور نوعاً من التوازن الدقيق بين الاعتراف بالإكراهات واستشراف الإمكانات، وبين الوعي بثقل التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل المجال الإعلامي، وبين الإيمان بأن التلفزيون، رغم كل شيء، لم يفقد قدرته على أن يكون جزءاً من النسيج الاجتماعي والرمزي للمغاربة.
نص الحوار:
في ظل التحولات التي جعلت من التلفزيون مؤسسة لصناعة القيم لا مجرد وسيلة للترفيه، كيف تنظرين إلى موقع التلفزة المغربية؟ هل ما تزال قادرة على أن تكون فضاءً لطرح الأسئلة العميقة، أم أنها انزلقت نحو منطق الاستهلاك السريع؟
بداية، لا أخفيك أنّني أجد صعوبة في الحديث عن التلفزة المغربية، بحكم اشتغالي داخلها، الأمر الذي يتطلّب التحلي ببعض المسافة النقدية الموضوعية والحذر المنهجي لتقييم الأمور دون التسّرع في الأحكام، وتلك من قواعد البحث العلمي الأساسية. لكن، في تقديري، لا يمكن مقاربة وضع التلفزيون المغربي بمعزل عن التحولات العميقة والبنيوية التي عرفها المشهد الإعلامي عموماً، والتي مّست الاستخدام والجدوى، وأعادت تشكيل أنماط الإنتاج والاستهلاك الإعلامي، والأمر لا يعني المغرب فحسب، بل العالم، نظراً للثورة الرقمية التي استثمرت بشكل كبير في الصوت والصورة والنص بفلسفة جديدة وبإمكانيات هائلة، أتاحت للمواطن العادي التحكّم فيها، وفتحت المجال أمام فاعلين جدد – حتى لا أقول مؤثرين – خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، يمتلكون القدرة على إنتاج المضامين وتداولها بشكل تفاعلي وفوري.
ضمن هذا السياق المتحوّل، يمكن القول إنّ التلفزيون المغربي لا يزال يحتفظ بإمكانيات مهمة تجعله يقترب من قضايا المجتمع، والدليل هو نسب المشاهدة، حيث لا تزال العديد من الأسر المغربية تتحلّق حول التلفزيون كطقس اجتماعي يومي، بالرغم من أنه يصطدم اليوم بسياق إعلامي متغيّر يحكمه منطق السرعة والمنافسة والاستهلاك.
وعليه، فإنّ التلفزيون المغربي يجد نفسه أمام معادلة ليست بالسهلة، يحاول من خلالها التوفيق بين الطموح الثقافي وإكراهات الاستهلاك الإعلامي، وهو توازن يحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتطوير وإعادة التفكير في خيارات الإنتاج.
انطلاقاً من فكرة أن الصورة لم تعد تنقل الواقع، وإنما يُعاد تشكيلها، إلى أي حد تعتقدين أن التلفزة المغربية تساهم في بناء وعي حقيقي بالذات المجتمعية، أم أنها تكرّس صوراً نمطية قد تتحول مع الوقت إلى مرجعيات جاهزة لفهم المجتمع؟
يجب أن نتّفق على أمر، وهو أن الصورة مهما كانت محايدة ومهما بدت موضوعية، لا يمكن اعتبارها نقلاً مطابقاً للواقع، وقد ظهرت دراسات كثيرة في هذا الباب، بعضها واكب ظهور التلفزيون، معتبرة أنّ كلّ ما ينقل عبر التلفزيون هو فقط محاكاة للواقع وليس الواقع، لأنّ التقاط الصورة يدخل فيه مجموعة من الاعتبارات الذاتية والاختيارات الجمالية والتقنية، كزاوية الالتقاط، والتأطير، وطبيعة اللقطات: هل هي قريبة أم بعيدة من الموضوع المراد تصويره، والإضاءة، وطريقة ترتيب الصور التي تصبح مشاهد – وهو ما يسمّى بالمونتاج – الذي يعيد ترتيب الواقع وفق منطق سردي معين، وصولاً إلى السياق الذي تعرض فيه الصورة. وبالتالي، فنحن أمام صناعة الصورة وأمام بناء رمزي وتأويل يعيد تشكيل الواقع وفق اختيارات جمالية وتحريرية معينة أكثر من نقله. باختصار، نحن أمام ما نرغب أن نكشفه وما نريد أن نخفيه.
من هذا المنطلق، تلعب التلفزة دوراً كبيراً في تشكيل تمثلاتنا عن المجتمع وعن ذواتنا، خاصة عبر آلية التكرار التي تساهم في ترسيخ صور ذهنية قد تتحوّل مع الوقت إلى مرجعيات شبه ثابتة أو إلى “حقائق اجتماعية”، وهو ما يتطلّب وقتاً ومجهوداً كبيرين لتغييرها.
في هذا الإطار، قد يساهم التلفزيون في تكريس الصور النمطية بدافع التبسيط وتحقيق سهولة التلقي، كما قد يساهم في محاربتها، حسب الدور المنوط به، وحسب عمق مسؤوليته الاجتماعية تجاه المشاهد، والإمكانيات التي يتيحها من خلال مواده لفتح أفق التفكير النقدي بدل تقديم الصور الجاهزة.
في الحالة المغربية، يمكن القول إنّ التلفزة تساهم في إبراز غنى وتنوع روافد الهوية الوطنية، لكنّها تسقط أحياناً في إعادة إنتاج الصور النمطية بدافع التبسيط أو متطلبات السوق. لذلك، فالرهان الحقيقي لا يكمن في نقل الواقع أو تمثيله، بل في القدرة على مساءلته، وعلى إنتاج خطاب بصري قادر على خلق مسافة نقدية لدى المشاهد تمكّنه من تفكيك ما يتلقّاه من مضامين تلفزية.
هناك من يرى التلفزيون المغربي فضاءً للتنوير، وهناك من يعتبره أداة لإعادة إنتاج “السطحية”. كيف تقيّمين التوازن داخل الإنتاجات الدرامية المغربية بين العمق الفكري ومتطلبات الفرجة؟
ينبغي التعامل بحذر مع مفاهيم مثل “التنوير” و”السطحية” لأنّها تحمل أحكاماً معيارية قد لا تعكس تعقيد الظاهرة الإعلامية. ومن قال إنّ وظيفة التلفزيون هي التنوير؟
يقوم التلفزيون كوسيط جماهيري في جوهره على ثلاث وظائف أساسية: الإخبار والتثقيف والترفيه، وهي وظائف تتداخل وتتقاطع داخل مختلف الأجناس التلفزيونية، وعلى رأسها الدراما، التي تعدّ من أكثر الأصناف قدرة على مساءلة البنى الاجتماعية والثقافية، لأنّها تبنى على التوتر والصراع الدرامي وعلى التناقض، ممّا يجعلها دعامة قوية في خلخلة المسلمات وإعادة تركيبها. وأعتبر أنّ التلفزيون المغربي يحتفل بالإنتاج الدرامي المغربي، حتى أننا لا نكاد نجد إنتاجات أجنبية أخرى، وهذا يعتبر في حدّ ذاته مكسباً مهماً – على الأقل على مستوى الكم – من حيث تعزيز الإنتاج المحلي وتثبيت مرجعية ثقافية وطنية. أمّا على مستوى الكيف، فهناك دراما مغربية استطاعت أن تحقّق توازناً نسبياً بين عمق التناول وجمالية العرض، وأخرى لا تزال محتشمة تتعثر في التبسيط وإعادة إنتاج نفس القوالب السردية. ويبقى تحقيق التوازن بين العمق الفكري ومتطلبات الفرجة رهناً بجودة الكتابة الدرامية وقوّة الرؤية الإخراجية وجرأة الطرح.
يُقال إن الترفيه أصبح القيمة المركزية في التلفزيون المعاصر. هل ترين أن برامج الترفيه في القنوات المغربية تكتفي بإمتاع الجمهور، أم أنها تشتغل أيضاً على تشكيل ذوقه وتوجيه اختياراته بطريقة غير مباشرة؟
يعدّ الترفيه مكوناً أساسياً في البنية الوظيفية للتلفزيون، بل هو أحد أعمدته الأساسية. غير أنّ اختزاله في مجرّد الإمتاع والتسلية يغفل أبعاده الثقافية التي تمتدّ إلى تشكيل الذوق العام، بل وحتى منظومة القيم.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الترفيه باعتباره وظيفة مزدوجة: تحقيق المتعة والتسلية من جهة، والتأثير الرمزي من جهة ثانية، والذي قد يتجاوز أحياناً تأثير المضامين الإخبارية أو التثقيفية. غير أنّ استثمار هذا البعد يظلّ رهيناً بوجود رؤية تحريرية واعية توازن بين جذب المشاهد وبين عمق الرسالة. إلاّ أنّ للسوق والإشهار منطقاً آخر يجعل هذه البرامج تخضع في كثير من الأحيان لرهانات نسب المشاهدة، وهو ما قد يدفع نحو تغليب البعد الاستهلاكي.
أمّا بخصوص التقنيات الحديثة، فهي لا تحمل في ذاتها قيمة إيجابية أو سلبية، إذ تظلّ أدوات محايدة في حدّ ذاتها، وقيمتها تتحدّد فقط من خلال طريقة توظيفها: إمّا لخدمة المعنى وتعميق المضمون، أو للاكتفاء بجذب الانتباه بشكل سطحي وضمن منطق استهلاكي سريع.
كيف تنظرين إلى تكرار الصور النمطية داخل المسلسلات والبرامج الترفيهية، خصوصاً فيما يتعلق بالهوية المغربية، ودور المرأة، والفوارق الاجتماعية؟ وهل تعتقدين أن التلفزة المغربية تعزز هذه الأنماط أم تتحدى الجمهور لتجاوزها؟
تطرح مسألة الصور النمطية في بعض الإنتاجات الدرامية إشكالاً يتجاوز السياق المغربي، ولعلّ تكرارها يظلّ من أبرز التحديات التي تواجه هذه الإنتاجات، لا سيما تلك التي تمسّ المرأة أو بعض الفئات الاجتماعية. وهذا التحدّي لا يعني التلفزة المغربية فقط، بل هو مطروح على المستوى العالمي. وتكمن خطورة هذه الصور في قدرتها على تبسيط الواقع واختزاله في تمثلات جاهزة. غير أنّ ما يمكن تسجيله هو وجود وعي متزايد ومتنامٍ داخل المؤسسات الإعلامية بأهمية معالجة هذا الأمر من خلال مجموعة من المبادرات، وهو مؤشّر إيجابي، كلجنة المناصفة بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة التي كنت أشتغل فيها، والتي يوجد لها مثيل في القناة الثانية. ورغم جدية هذه المحاولات، إلاّ أنّها لا تزال تحتاج إلى استمرارية وتراكم مؤسساتي وثقافي حتى تترجم إلى تحولات فعلية تظهر في المضامين التلفزيونية.
إلى أي حد يمكن للتلفزة المغربية أن تكون مرآة صادقة للمجتمع، أم أن البرمجة غالباً ما تختار ما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية محددة على حساب التعبير عن الواقع بكل تعقيداته؟ وكيف تؤثر الرقابة الرسمية والذاتية على الخطاب الإخباري والدرامي داخل التلفزة المغربية، وهل تفرض أطراً تحجب عن الجمهور قصصاً تتجاوز حدود المألوف أو الطرح التقليدي؟
من حيث المبدأ، تعدّ وسائل الإعلام مرآة المجتمع، تعكس تطوره وتناقضاته، إلاّ أنّها لا يمكن أن تكون مرآة محايدة أو مطلقة لأنّها تشتغل داخل إطار مؤسساتي وتنظيمي يحدّد طبيعة الخطاب وحدوده. والتلفزة المغربية لا تحيد عن هذا السياق، فهي تخضع لمجموعة من الضوابط التي تجعلها تتقيّد بدفاتر التحملات، ومبدأ الخدمة العمومية القائم على صيانة الهوية الثقافية، واحترام منظومة القيم في المجتمع. لذلك، فهي تشتغل داخل نسق تحريري تضمن به خدمة الصالح العام وتحقيق الاستقرار والتوازن المجتمعي.
أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بخط تحريري يجب احترامه وبمسؤولية مهنية أكثر من مجرّد رقابة. والتحدّي الأساسي يكمن في تحقيق التناغم بين الحرية وتوسيع هامش التعبير والمسؤولية المهنية، دون الإخلال بالضوابط، بما يسمح للتلفزيون بطرح قضايا بكل جرأة ووعي، بالرغم من كلّ الإكراهات الاقتصادية والمؤسساتية.
كيف ترين علاقة الدراما المغربية بالجمهور؟ هل هو متلقٍ سلبي يتأثر بما يُعرض عليه، أم فاعل قادر على تأويل المضامين ومقاومة ما لا ينسجم مع وعيه؟
لم يعد بالإمكان الحديث عن جمهور واحد متجانس أو عن متلقٍ سلبي، لأنّ عملية التلقي عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد، وتتأثّر بمجموعة من العوامل. ويختلف التلقي من مشاهد لآخر حسب مجموعة من الاعتبارات المرتبطة بالوسط الاجتماعي، والمستوى الثقافي والتعليمي، والتجارب التي راكمها الشخص في حياته. وهي كلها عوامل تحدّد جودة التلقي ودرجة التأويل التي تختلف من شخص لآخر بناءً على هذه المعايير.
عموماً، لم يعد ينظر إلى المشاهد اليوم بأنه متلقٍ سلبي، لأنّه أصبح يمتلك أدوات متعدّدة للتفاعل والنقد جعلت منه مشاركاً فاعلاً في بناء المعنى، لاسيما مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي التي أبرزت – في جانب منها – ذكاء المشاهد، إذ أتاحت له فرصة المقارنة مع ما يعرض عليه عبر المنصات العالمية.
كل هذه التحولات فرضت على صناع المحتوى في التلفزيون وغيره تجاوز التصورات التقليدية عن الجمهور، بالاشتغال على مضامين تحترم ذكاءه وتستجيب لتطلعاته، والتعامل معه كشريك واعٍ قادر على التأويل والتفكيك والمقارنة.
إلى أي حد يمكن اعتبار التلفزة المغربية أداة للهيمنة الثقافية، خاصة في مواجهة التدفق الإعلامي الأجنبي؟ وهل الدراما والبرامج المحلية قادرة على مقاومة هذا المد الثقافي الخارجي؟
في سياق التدفّق الإعلامي العالمي، تبرز مسألة الهوية الثقافية كأحد الرهانات الأساسية والاستراتيجية. وفي هذا الباب، يمكن اعتبار التلفزة المغربية أداة لحماية الخصوصية الثقافية وصيانة الهوية الوطنية أكثر من أداة للهيمنة الثقافية، لاسيما إذا اشتغلت على إنتاج مضامين محلية قوية وجذابة من حيث الجودة والطرح، تعكس خصوصية المجتمع المغربي وتنوّعه. وأظنّ أنّ هناك برامج ومسلسلات تلفزيونية تذهب في هذا المنحنى لا تزال عالقة بذاكرة المشاهد.
ولا ينبغي النظر إلى الهيمنة الثقافية الأجنبية كتهديد مطلق أو كقدر محتوم، بل يمكن مواجهتها عبر الاستثمار في الجودة والإبداع، والاستثمار أيضاً في خصوصيتنا الثقافية وتنوع وغنى تراثنا المادي وغير المادي.
في سياق التنافس مع المنصات الرقمية، كيف يمكن للتلفزة المغربية أن تعيد تعريف دورها؟
التنافس مع المنصات الرقمية يفرض على التلفزيون إعادة تعريف أدواره. التلفزيون في العالم اليوم يتعرّض للمساءلة من حيث وظائفه وجدواه في سياق الإعلام الجديد، والتلفزيون المغربي لا يخرج عن هذا الطرح، ممّا يعيد التفكير في الجودة من أجل أن يصمد التلفزيون أمام تنافسية المنصات الرقمية. فالرهان لم يعد هو البث اليومي أو إنتاج وتوزيع المضامين، بل الإبداع في المحتوى وقدرته على الاستمرار والتأثير حتى خارج زمن البث. صحيح أن التلفزة لم تعد الوسيط الوحيد، لكنّها لا تزال قادرة على أن تكون فاعلاً أساسياً ضمن منظومة إعلامية متعدّدة، إذا استثمرت في الكتابة والإنتاج، واستطاعت تطوير أشكال مبتكرة من الإنتاج والتوزيع، وطوّرت صيغاً جديدة تتلاءم مع عادات المشاهد المتغيرة.
إذا اعتبرنا أن التلفزيون يساهم في تشكيل القيم بشكل غير مباشر، فهل يمكن للتلفزة أن تتحول إلى منصة لإعادة قراءة التاريخ بطريقة تجذب المشاهد وتعلّمه في الوقت ذاته؟ وهل يمكن للتلفزة المغربية أن تتجاوز مجرد الترفيه وبناء الذوق البصري، لتصبح مساحة لإثارة التساؤل حول القيم المجتمعية، والهوية الوطنية، والدور الفردي والجماعي داخل المجتمع المغربي؟
يساهم التلفزيون في ترسيخ قيم وتشكيل أخرى، وهو ما يمنحه دوراً مهماً كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، خاصة في ظلّ التحولات الرقمية التي أربكت بوصلة القيم وجعلتها سائلة. وتظلّ الدراما من أبرز الأدوات القادرة على نقل الذاكرة الثقافية والتاريخية، إذا ما استندت إلى كتابة دقيقة ومعالجة فنية جذابة وواعية.
والجمهور في حاجة إلى الترفيه تماماً كما هو في حاجة إلى برامج تثير لديه أسئلة حول القيم والهوية.
كلمة مفتوحة لك
أعتقد أنّ التلفزيون المغربي يقف اليوم عند مفترق طرق، بين الحفاظ على دوره التقليدي والانخراط في تحولات عميقة يشهدها المجال الإعلامي. لذلك، فهو يتوفّر على فرصة حقيقية لإعادة التفكير في أدواره.
ويظلّ الرهان الأساسي في هذا السياق هو الاستثمار في العنصر البشري من حيث الكتابة والإبداع والتكوين، خاصة في زمن الذكاء الاصطناعي. وفي النهاية، يبقى تطوير المشهد التلفزيوني ببلادنا مسؤولية جماعية يتقاسمها صناع القرار الإعلامي والمهنيون، وأيضاً المتلقي الذي يمثّل الحكم والشريك الأساسي في هذه العملية.
العرائش نيوز:
في هذه الحلقة من سؤال للرئيس عبد المومن الصبيحي، نتطرق لمنجزات و مشاريع وزارة الثقافة بمدينة العرائش:
عبد المالك أهلال
حذر كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال التابعة لجامعة محمد الخامس، من أن تقديم الحصيلة الحكومية في وقت مبكر عن نهاية الولاية قد يتحول إلى توظيف سياسي يفرغ الحق الدستوري من غاياته، ويفتح المجال أمام ما وصفه بـ”استعمال لحق دستوري أريد به باطل سياسي”، مما يهدد بإحداث اختلال في التوازن المؤسساتي وإضعاف منسوب الرقابة البرلمانية.
وأوضح الهشومي، في حوار مع جريدة “العمق”، أن عرض الحصيلة الحكومية قبل نهاية الولاية لا يرتب أي أثر قانوني يعدل من وضعية الحكومة أو يخفف من مسؤوليتها السياسية، مشددا على أن توصيف “حكومة تصريف الأعمال” لا يجد سنده الدستوري إلا في حالات محددة حصرا كاستقالة الحكومة أو إعفائها أو حل مجلس النواب.
وأكد الخبير في القانون الدستوري أن الحكومة تظل متمتعة بكامل اختصاصاتها وخاضعة بكاملها لآليات الرقابة البرلمانية إلى غاية انتهاء ولايتها وفق المساطر الدستورية، داعيا المؤسسة التشريعية إلى الارتقاء بوظيفتها الرقابية في هذه المرحلة بالذات لتجاوز مجرد التتبع الشكلي للحصيلة إلى مساءلة موضوعية لمضامينها.
ولفت المصدر ذاته الانتباه إلى أن ما يثير الإشكالية ليس توقيت العرض بحد ذاته، بل ما قد يواكبه من “مؤشرات سياسية دالة توحي بنوع من الهرولة غير المعلنة نحو نهاية الولاية”، والتوجه المبكر نحو الدوائر الانتخابية، الأمر الذي يحول لحظة التقييم من فضاء للمساءلة إلى محطة للتموقع السياسي.
واعتبر أستاذ القانون الدستوري أنه رغم عدم وجود نص دستوري يؤطر المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية، فإن هناك مبادئ تضمن الاستمرارية مثل استمرارية المرفق العام والمسؤولية السياسية المستمرة، غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى التزام الفاعلين السياسيين بمنطق الدولة بعيدا عن منطق التموقع الانتخابي.
وتطرق الهشومي إلى الفصل 101 من الدستور، مبينا أن صيغته المرنة لا تحتاج إلى تعديل، بقدر ما تتجه الحاجة نحو إعمال تأويل دستوري مؤطر يربط عرض الحصيلة بوظيفته التقييمية لا الترويجية، ويحول دون تحويل الزمن الدستوري إلى أداة ضمن الصراع الانتخابي.
وخلص إلى أن عرض الحصيلة لا ينشئ دستوريا “نهاية مبكرة” للولاية، لكن توظيفه السياسي يطرح إشكالا أعمق حول احترام روح الدستور، مؤكدا على مسؤولية السلطة التشريعية في صون معنى الاستمرارية الدستورية ومنع أي انزلاق نحو جعل نهاية الولاية لحظة انفصال عن منطق الدولة.
فيما يلي نص الحوار كاملا:
أولا: في ظل تقديم الحصيلة الحكومية في وقت مبكر عن نهاية الولاية، كيف يمكن للمؤسسة التشريعية أن تمارس رقابتها على حكومة قد تعطي انطباعا بأنها استنفدت أغراضها وبدأت في مرحلة تصريف أعمال سياسي مقنّع قبل الأوان القانوني؟
يقتضي في اعتقادي تناول هذه الإشكالية اعتماد مقاربة منهجية تقوم على التمييز بين مشروعية الأداة الدستورية في ذاتها وبين دلالات توظيفها في السياق السياسي، دون الوقوع في خلط منهجي بين الزمن الدستوري، باعتباره زمنا مؤسسا ومؤطرا لعمل المؤسسات، والزمن الانتخابي، باعتباره زمنا متغيرا تحكمه اعتبارات التنافس والتموقع.
في هذا الإطار، فإن تقديم الحصيلة الحكومية، ولو تم في مرحلة تسبق نهاية الولاية، لا يرتب أي أثر قانوني من شأنه تعديل وضعية الحكومة أو التخفيف من نطاق مسؤوليتها السياسية. ذلك أن توصيف “حكومة تصريف الأعمال” لا يجد سنده الدستوري إلا في حالات محددة حصرا، كاستقالة الحكومة أو إعفائها أو حل مجلس النواب.
ومن ثم، تظل الحكومة، إلى غاية انتهاء ولايتها وفق المساطر الدستورية، متمتعة بكامل اختصاصاتها وخاضعة بكاملها لآليات الرقابة البرلمانية. وعليه، فإن المؤسسة التشريعية تكون، في هذه المرحلة بالذات، مدعوة إلى الارتقاء بوظيفتها الرقابية، ليس فقط عبر الآليات الكلاسيكية للمساءلة، بل من خلال تفعيل وظيفتها التقييمية في بعدها الدستوري، بما يسمح بالانتقال من مجرد التتبع الشكلي لعرض الحصيلة إلى مساءلة موضوعية لمضامينها، ومدى مطابقتها للالتزامات الواردة في التصريح الحكومي الذي تأسست عليه الثقة البرلمانية.
غير أن ما يثير الانتباه في هذا السياق لا يرتبط فقط بتوقيت عرض الحصيلة، بل بما قد يواكبه من مؤشرات سياسية دالة توحي بنوع من الهرولة غير المعلنة نحو نهاية الولاية، والتوجه المبكر نحو الدوائر الانتخابية، وكأننا بصدد انتقال فعلي من منطق تدبير الشأن العام إلى منطق الحملة الانتخابية. وهو ما يطرح، من زاوية دستورية، تساؤلا مشروعا حول طبيعة هذه الممارسة؛ هل نحن أمام تفعيل سليم لحق دستوري، أم أمام توظيف سياسي قد يؤدي إلى تفريغه من غايته؟ بلغة أدق، ألا نكون في بعض الحالات بصدد استعمال لحق دستوري أريد به باطل سياسي؟
صحيح أن هذا الانزلاق، إن ثبت، لا ينتج في ذاته أثرا قانونيا مباشرا، لكنه يفضي إلى اختلال في التوازن المؤسساتي، من خلال إضعاف منسوب الرقابة البرلمانية، وتحويل لحظة التقييم من فضاء للمساءلة إلى محطة للتموقع السياسي.
ما هي في نظركم الآليات القانونية أو الأعراف الدستورية التي يجب تفعيلها لضمان عدم تحول ما تبقى من الولاية الحكومية (بعد عرض الحصيلة) إلى فترة انتظارية تؤثر على الأوراش الاستراتيجية للدولة؟
رغم أن الدستور المغربي لا ينص صراحة على نظام خاص يؤطر المرحلة الأخيرة من الولاية الحكومية، إلا أنه يؤسس، بشكل ضمني، لمنطق الاستمرارية من خلال جملة من المبادئ المؤطرة، في مقدمتها مبدأ استمرارية المرفق العام، الذي يفرض على الحكومة ضمان استمرارية تدبير الشأن العام دون انقطاع أو تباطؤ، مبدأ المسؤولية السياسية المستمرة للحكومة أمام البرلمان، باعتبارها مسؤولية غير قابلة للتجزئة الزمنية، الوظيفة التقييمية للبرلمان، التي يمكن أن تتحول في هذه المرحلة إلى آلية مركزية لضبط الأداء الحكومي والحد من أي نزوع نحو التدبير الانتظاري، ثم الأعراف الدستورية الناشئة، التي يفترض أن تكرس، عبر الممارسة، قاعدة مفادها أن عرض الحصيلة لا يشكل بأي حال إعلانا عن نهاية الفعل الحكومي.
غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى التزام الفاعلين السياسيين بمنطق الدولة. فحين يطغى منطق التموقع الانتخابي، ويتحول الاهتمام من تدبير السياسات العمومية إلى كسب المواقع، فإن الخلل لا يكون في النص الدستوري، بل في الممارسة التي تفرغه من روحه وتضعف فلسفته.
هل يحتاج الفصل 101 من الدستور إلى قراءة تأويلية تربط توقيت عرض الحصيلة بآجال محددة تمنع استغلاله كمنصة للدعاية الانتخابية المبكرة
جاء الفصل 101 بصيغة مرنة تتيح لرئيس الحكومة عرض الحصيلة دون تقييد زمني صارم، وهي مرونة يمكن فهمها في إطار تعزيز دينامية الرقابة البرلمانية. غير أن هذه المرونة، في غياب تأويل مؤسساتي منضبط، قد تفتح المجال أمام استعمالات تبتعد عن الغاية الأصلية للنص.
ومن ثم، فإن الحاجة لا تتجه نحو تعديل المقتضى الدستوري، بقدر ما تتجه نحو إعمال تأويل دستوري مؤطر يقوم على ربط عرض الحصيلة بوظيفته التقييمية لا الترويجي، وعلى استحضار مبدأ التوازن بين السلط، ثم الحيلولة دون تحويل الزمن الدستوري إلى أداة ضمن الصراع الانتخابي.
وبصفة عامة، فإن عرض الحصيلة الحكومية، بصرف النظر عن توقيته، لا ينشئ من الناحية الدستورية ما يمكن توصيفه بـ”نهاية مبكرة” للولاية، ولا يبرر أي تخفيف في مستوى المسؤولية الحكومية. غير أن ما قد يواكبه من مؤشرات سياسية توحي بانتقال مبكر نحو منطق الحملة، يطرح إشكالا أعمق يتعلق بمدى احترام روح الدستور. هذا الأخير لا يقيد ممارسة الحق في ذاته، لكنه يفترض حسن استعماله في إطار غاياته. وبين المشروعية الدستورية والتوظيف السياسي، يظل التحدي قائما: إما أن يفعل هذا الحق كآلية لتعزيز الرقابة والمساءلة، أو يتحول إلى وسيلة للتموقع تفرغ الزمن الدستوري من مضمونه.
وهنا تحديدا، تتأكد مسؤولية السلطة التشريعية، لا فقط في مساءلة الحكومة، بل في صون معنى الاستمرارية الدستورية، ومنع أي انزلاق نحو جعل نهاية الولاية لحظة انفصال عن منطق الدولة، بدل أن تظل امتدادا له.