إسماعيل التزارني
فكك أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية، محمد الكيحل، أسباب وتداعيات ما يجري في مالي من أحداث عنف، وأوضح مدى علاقة تفجر هذه الأحداث بسحب مالي لاعترافها ببالجمهورية الوهمية “البوليساريو”.
وأبرز الكيحل، في حوار مع جريدة “العمق المغربي”، تأثير انهيار الأمن في مالي نتيجة الهجوم المنسق الذي قادته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” والمتمردون الطوارق، قبل أيام قليلة على العاصمة باماكو، ووضح الكيحل مدى علاقة الجزائر وصنيعتها البوليساريو بما يجري في هذا البلد.
وفيما يلي نص الحوار كاملا:
إلى أي حد يمكن ربط التصعيد الأمني في مالي بالتحولات الديبلوماسية الأخيرة لهذا البلد، خاصة سحب الاعتراف بالبوليساريو؟
في تقديري، لا يمكن ربط التصعيد الأمني في مالي بالتحولات الديبلوماسية الأخيرة لهذا البلد، خاصة سحب الاعتراف بالبوليساريو، بل يجب وضع هذا التصعيد في سياق أزمة معقدة ومركبة تعرفها مالي وباقي بلدان منطقة الساحل والصحراء الكبرى المحاذية للفضاء المغاربي؛ فالصراع الحالي في مالي هو نتيجة لتضافر عوامل تاريخية وطبيعية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية محلية، متفاعلة مع متغيرات وأزمات إقليمية ودولية متداخلة ومتشابكة حولت الصراعات إلى أزمات مزمنة ومتكررة.
ولفهم الصراع، لا بد من وضعه داخل إطاره العام، فالأزمة المالية الحالية هي نتاج تحديات ثلاثية الأبعاد على الأقل، منها ما هو ذو طابع دولي وإقليمي، وأخرى مرتبطة بالبيئة الداخلية للفضاء الأطلسي والساحلي، ومنها ما هو مرتبط بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتأزمة بدولة مالي وباقي دول الساحل، وبارتفاع منسوب المخاطر والتهديدات الأمنية المحدقة بالمنطقة. تعكس الأوضاع الأمنية المعقدة والآخذة في التفاقم في مناطق الساحل والصحراء الكبرى تحديات متعددة الأبعاد، والمخاطر من أهمها التطرف والتهديدات الإرهابية، بحيث تنتشر في المنطقة جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية تستغل الفراغ الأمني والتضاريس الوعرة لتنفيذ هجماتها. ومن أبرز هذه التنظيمات “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”.
وإلى جانب التهديدات الإرهابية، تعاني دول المنطقة من صراعات ونزاعات داخلية بين الفصائل المسلحة والحكومات المحلية، حيث أفرزت النزاعات الأفريقية أنماطا يصعب اختزالها في الاقتتال الداخلي، وأظهرت تنوعا في الفاعلين يشمل دولا ومرتزقة وشركات عسكرية، إلى جانب جيوش محلية وميليشيات وتنظيمات شبه عسكرية، ونجم عن ذلك تقاطع مصالح الفاعلين وتعقد عملية فض النزاعات. هذه الصراعات تضعف قدرة الدول على بسط سيطرتها على مجالها الترابي وتحقيق الأمن والتنمية لشعوبها.
كما يعد تهريب الأسلحة والمخدرات من أبرز التحديات الأمنية في هذه المنطقة، التي تصفها التقارير الدولية الأمنية بأنها من أكثر المناطق العالمية التي تنشط بها الحركات الإرهابية والمتطرفة، حيث تستغل الشبكات الإجرامية شساعة الحدود غير المحكمة وضعف الرقابة لتنفيذ عملياتها، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني بالمنطقة. كما يتسبب النزوح والهجرة غير الشرعية وانعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي، لكثرة الانقلابات العسكرية… إلخ، في نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو الفضاء المغاربي ودول الحوض المتوسط، وخاصة بلدان الجوار الأوروبي.
إضافة إلى العوامل السالفة الذكر، ظلت المنطقة، على مدار التاريخ، تعاني من التدخلات الخارجية وعلى مختلف المستويات والمجالات؛ فالقوى الإقليمية والدولية ظلت تلعب دورا سلبيا في المشهد الأمني والمربع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر أو الدعم اللوجستي والتدريبي للحكومات المحلية. كما أن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدول الاستعمارية السابقة بالمنطقة لم تكن مجدية وذات فائدة، بل على العكس أدت إلى نتائج وآثار سلبية ساهمت في تأزيم الوضع الأمني وتعقيده، سيما في ظل الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتسم بها بلدان المنطقة.
وقد أدت مجموعة من العوامل البنيوية المحلية المتداخلة والمتشابكة إلى تفاقم المعضلات الأمنية، وفي مقدمتها العامل القبلي والإثني، والتقسيم التعسفي للحدود دون مراعاة للخصوصية المجتمعية الإثنية والهويات الثقافية؛ فالتركيبة الاجتماعية والديمغرافية المتنوعة لهذه الدول جعلت من مستوى التجانس الاجتماعي ضعيفا، خاصة مع غياب الثقافة الوطنية الموحدة التي نتج عنها عدة أزمات واضطرابات عرقية شهدتها دول المنطقة في فترات تاريخية متلاحقة، والتي تتغذى في أغلبها على انعدام العدالة التوزيعية وسوء توزيع الثروات الاقتصادية.
يضاف إلى ذلك، إخفاق عمليات الاندماج الوطني في هذه الدول نتيجة للسياسات الاستعمارية في ترسيم الحدود التي لم تراع خصوصيات توزيع المجتمع، ولذلك عانت هذه الدول من غياب الشعور المشترك بين الجماعات العرقية بالانتماء إلى كيان سياسي موحد، خاصة عندما تكون تلك المجموعات موزعة في أكثر من دولة، وبالتالي غياب فكرة المواطنة بين أفراد المجتمع، مع ما ينتجه هذا الوضع من تعدد الولاءات السياسية داخل المجتمع الواحد.
وقد رافقت أزمة الهوية والاندماج الوطني عملية بناء الدولة في منطقة الساحل والصحراء، نتيجة للفشل الذي عرفته تلك الدول في التعامل مع التعدد الإثني واللغوي والديني الذي تتميز به تلك المجتمعات المحلية؛ فمن الخصائص الرئيسية في منطقة الساحل والصحراء التنوع العرقي والإثني، الأمر الذي جعل هذه المنطقة تعرف نزاعات إثنية وعرقية عديدة، أبرزها على الخصوص قضية الطوارق وما تطرحه من تحديات سياسية ومجتمعية وأمنية على حد سواء، خصوصا وأن هذه الأقلية عاشت في كنف التهميش والإقصاء في الدول التي تحتضنها.
هذه بعض من العوامل البنيوية التي يمكن من خلالها فهم الأزمة العميقة التي تعيشها مالي وبقية بلدان منطقة الساحل والصحراء الكبرى، وما الصراع الحالي إلا نتيجة ومحصلة طبيعية لوضع داخلي هش على مختلف المستويات، وبنية إقليمية ودولية معقدة ومتغيرة مشوبة بالحروب والصراعات التي تكاد لا تنتهي، وتبدل المعادلات الجيواقتصادية والجيوسياسية قيد التشكل في خريطة التحالفات الدولية، خاصة في منطقة الفضاء الساحلي التي تزخر بلدانها بثروات معدنية نفيسة، مما جعلها محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية المتنافسة على المنطقة.
إلى أي حد يمكن أن يؤثر ما يجري في مالي على التوازنات الإقليمية في الساحل وعلى موقع المغرب داخل هذه المعادلة؟
عن أي توازنات إقليمية يمكن الحديث في منطقة الساحل، خاصة بعد الأحداث التي عرفتها مجموعة من بلدانها خلال السنوات الخمس الأخيرة، وما نتج عنها من صراعات على السلطة وانقلابات عسكرية، لكنها في الحقيقة صراعات حول الموارد والجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة؟ فبلدان الساحل، منذ انتفاض قياداتها العسكرية المسنودة بقوى شعبية ضد القوى الاستعمارية السابقة، عرفت تحولات عميقة اعتقد معها البعض أنها نجحت في طرد المستعمر وتحصين بلدانها ضمن تكتل عسكري وسياسي واقتصادي جهوي يسمى “تحالف دول الساحل”. لكن، على العكس من ذلك، خلفت هذه الأحداث رجة عميقة مست أوضاعا هشة لم تعرف الاستقرار، وعطلت عجلة التنمية، وأدخلت هذه البلدان في مواجهات اقتصادية وسياسية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيداو”، التي فرضت عقوبات اقتصادية على الدول الثلاث المنسحبة منها، إضافة إلى مناوشات عسكرية مع بعض دول الجوار، كما هو الحال بين مالي وجارتها الشمالية الجزائر، ما زاد الأوضاع تعقيدا وتأزما على مختلف المستويات.
وجوابا على سؤالكم، أعتقد أنه في ظل هذه الظرفية لا يمكن الحديث عن تحالفات وتوازنات إقليمية واضحة ومستقرة في ظل واقع دولي وبيئة إقليمية متغيرة ومتحركة؛ بل هناك اختراقات أمنية متضاربة لدول خارج منطقة الساحل زادت من تأجيج الأوضاع بدل تهدئتها؛ هناك “نواة” ضعيفة وغير صلبة، إن صح التعبير، لبداية بلورة تحالفات جهوية لا ترقى إلى مستوى تحقيق توازنات إقليمية لعدم توفر شروط إنتاجها، نتيجة لحالة الضعف والهشاشة التي تعرفها الدولة والمجتمع معا في بلدان منطقة الفضاء الساحلي والصحراء الكبرى؛ والتنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي الشرس للقوى الإقليمية لبسط هيمنتها ونفوذها على المنطقة التي تزخر بلدانها بموارد وثروات معدنية هائلة.
وبالتالي، فإن الصراع الدائر حاليا بمالي قد يضعف الدولة ويجعلها تفقد السيطرة على زمام السلطة، بل يمكنها أن تنهار بسرعة، وهو ما يحدث فراغا أمنيا قد تستفيد منه الجماعات الإرهابية والانفصالية وبعض الدول الداعمة لها من بعض دول الجوار الجغرافي وخارج المنطقة، ولكنه لا يحقق توازنا ملحوظا لأطراف على أخرى، بقدر ما تستغله الجماعات الإرهابية والانفصالية التي يبدو أنها ستتحول من ورقة ضغط إلى ورقة للحروب بالوكالة.
وهنا يمكن للمغرب أن يقدم الدعم اللازم لدولة مالي الشقيقة التي عبرت عن انخراطها في التوجهات الاستراتيجية للمملكة وعن تحالفها مع الرباط، وهو ما أفضى إلى سحب اعترافها بالجمهورية الوهمية؛ وإن كان من ثوابت السياسة الخارجية للمغرب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا أنه يمكن مساعدة الجمهورية المالية على المستوى الأمني والاستخباراتي على الأقل في هذه المرحلة؛ لأن ما يجري بها قد تكون له بعض التداعيات على التوجهات الجيوسياسية والجيواقتصادية بالفضاء الساحلي والأطلسي، وعلى الأمن القومي المغربي بشكل عام، بالنظر لما تشكله دولة مالي من أهمية حيوية وعمق استراتيجي للمملكة في منطقة الساحل والصحراء الكبرى.
هل يمكن قراءة ما يجري في مالي ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، واحتمال توظيف فاعلين غير مباشرين لتأجيج الوضع؟
نعم، يمكن تفسير ما يقع بمالي ضمن صراعات النفوذ الإقليمي، واحتمال توظيف فاعلين غير مباشرين لتأجيج الوضع، لكن كما سبق الذكر، فإن ما يجري بهذه الدولة التي توصف بقلب الساحل، لا يمكن فصله عن العوامل المعقدة والمتراكمة التي أدت إلى تأزيم الأوضاع ببلدان الساحل، كما سلف ذكرها في نص هذا الحوار؛ فمالي تعتبر من أكثر الدول التي عرفت انقلابات عسكرية وصراعات قبلية وإثنية حول السلطة والموارد، التي تهدأ بدولة مالي الشقيقة منذ استقلالها، وفي البداية كان صراعا حول اقتسام الموارد والمنافع الاقتصادية أكثر منه صراعا حول السلطة؛ فقد ظلت أزمة التنمية في الساحل والصحراء تعكس أحد أهم جوانب المشكلة الأمنية في المنطقة. ويمثل توزيع الموارد في هذه الدول إحدى الظواهر البارزة فيها، حيث تنفرد القلة بمعظم الموارد المتاحة، ويقع عبء الحرمان على الأغلبية، وتبرز أزمة التوزيع إشكالية تفاوت طبقي حاد، وهو ما يتسبب في صراعات داخلية.
كما أن هذا التفاوت الطبقي كان من نتائجه عدم الاستقرار السياسي والتوازن الاجتماعي في مجتمع يعرف صراعات قبلية لا تنتهي، وهو ما يظهر جليا في مالي والنيجر، من خلال العصيان والتمرد المستمر من مختلف الأقليات، ويمكن إرجاع تفاقم هذه الأزمة إلى ظاهرة الفساد السياسي الذي قوامه استخدام السلطة من أجل تحقيق أهداف ذاتية، ويعد الفساد المزمن أحد الأسباب الرئيسية لانعدام الاستقرار وغياب الأمن في المنطقة، وأحد أكبر معوقات العدالة الاجتماعية. ويلاحظ أن الدول المعنية تعرف مستويات مؤكدة من الفساد، والذي يسهم في إضعافها، وهي لا تعيش وضعية إدارية داخلية مستقرة.
بل إن سمة عدم الاستقرار والأزمات قائمة في المنطقة منذ فترة طويلة، فمنطقة الساحل ظلت توصف بأنها منطقة رمادية، وتصنف بأنها من أكثر المناطق التي تنشط فيها الحركات الإرهابية والدينية والعرقية المتشددة والحركات السلفية الجهادية، بالإضافة إلى الحركات الانفصالية في المنطقة، وفي طليعتها جبهة البوليساريو التي بدأت تتحول إلى حركة إرهابية، وهذا ما تؤكده التقارير الدولية؛ بأن الجزائر وصنيعتها لهما علاقات وصلات مع الحركات الإرهابية المتواجدة بمنطقة الساحل.
وهذا ما يترجم في الصراع الدائر حاليا بمالي، بتواطؤ مع القوى الاستعمارية السابقة التي تحاول إعادة الدخول إلى المنطقة، ليس من باب المساعدات الاقتصادية والتنسيق السياسي، ولكن من باب إشعال الحروب والصراعات حتى تبسط هيمنتها من جديد على خيرات بلدان الساحل، لا سيما في ظل ضعف الدولة المنهكة أصلا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما يسهل من عملية الاختراق الأمني والإضعاف العسكري.
بالطبع، هذه الأزمات قد تلقي بتداعياتها السلبية على تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات الكبرى العابرة للحدود التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة بالفضاء الأطلسي والساحلي؛ فهي تشكل عائقا من ضمن العوائق الأخرى التي ذكرناها، التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية بالمنطقة التي تزخر بمؤهلات اقتصادية وموارد طبيعية نفيسة.
ما هي الأطراف التي قد تستفيد استراتيجيا من زعزعة استقرار مالي في هذه المرحلة؟
قد تبدو للوهلة الأولى أن الجزائر وفرنسا هما الدولتان المستفيدتان من هذا الوضع، لكن ليس بدرجة كبيرة، لاعتبارات عدة، فاستفادة الجزائر من الناحية الاستراتيجية تبقى ضئيلة على المدى القريب والمتوسط، على اعتبار أن الجزائر هي نفسها تعرف مشاكل عديدة مع دول جوارها الجغرافي ومحيطها الإقليمي، بل إنها أصبحت محاصرة من كل الجهات نتيجة للسياسة العدائية المتبعة من قبل الجزائر تجاه دول جوارها الجغرافي ومحيطها الإقليمي.
لكن، على المستوى الظرفي، قد تكون الجزائر مستفيدة من هذا الوضع إذا ما ربطنا ذلك بما تعرفه قضية الصحراء المغربية من مستجدات ومكتسبات دبلوماسية وسياسية وقانونية لصالح المملكة، خاصة بعد صدور القرار الأممي رقم 2797، في محاولة منها للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق بالمنطقة، خاصة في ظل الضغوطات الكبيرة التي تفرضها عليها الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد تسوية سياسية لنزاع الصحراء على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وهو ما ضيق الخناق على الجارة الشرقية وجعلها بين المطرقة والسندان؛ فهي ترى الضغوط الأمريكية جدية وصارمة عليها للانخراط الإيجابي في المفاوضات الجارية حول الصحراء المغربية، ومن جهة أخرى يزداد الضغط على جماعة البوليساريو لتصنيفها كحركة انفصالية إرهابية إذا لم ترضخ للقرارات والتوجهات التي يرمي إليها المنتظم الدولي، الرامية إلى التعجيل بإيجاد حل سياسي متوافق عليه وتسوية مستدامة لقضية الصحراء المغربية المفتعلة.
يغذيه نزاع الصحراء الذي لم يتم حله بعد. فلطالما ظلت الجزائر تعاكس كل تحركات وطموحات المملكة المغربية الجهوية والقارية الرامية إلى دعم الاستقرار والاستثمار والتنمية لشعوب المنطقة. بالمقابل، ظلت العقيدة العسكرية الجزائرية، في إطار البحث عن شرعية داخلية مفقودة، تعمل على زرع بذور الانشقاق وخلق التوترات والنزاعات، ليس فقط في الفضاء المغاربي، وإنما أيضا في الجوار الجغرافي المتمثل في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، بدعوى حماية الأمن القومي الجزائري، وهي الأسطوانة التي ظل النظام العسكري الجزائري يرددها، والمتمثلة في وجود مؤامرات وأعداء خارجيين للجزائر، بما في ذلك المغرب.
ما السيناريوهات الأكثر ترجيحا لمستقبل مالي: احتواء الأزمة، اتساع الصراع، أم إعادة تشكيل المشهد السياسي؟
أعتقد أن السيناريو الأرجح هو احتواء الأزمة بدل السماح لاتساع الصراع، لأن المستفيد الأكبر من هذا الوضع هو الحركات الإرهابية وبعض دول الجوار، لكن القوى الدولية المنشغلة بمنطقة الشرق الأوسط لا تسمح، على الأقل خلال الوقت الحالي، باتساع دائرة الصراع وسقوط وانهيار الدولة المالية، لأن ذلك ستكون له تداعيات أمنية خطيرة تتجاوز منطقة الساحل، وتصل إلى الجوار المغاربي والفضاء المتوسطي والأطلسي بشكل عام، وبالتالي فإن من مصلحة المغرب مراقبة الوضع عن كثب حتى لا تخرج الأحداث عن طابعها الداخلي في إطار الصراع القبلي المتجدد حول الموارد واقتسام السلطة. وحتى لا يكون للصراع الدائر حاليا في مالي تداعيات أمنية قد تهدد الأمن المغربي، وتقوض الخيارات الجيوسياسية والجيواقتصادية للمملكة بهذه المنطقة، وتخلق بيئة إقليمية غير مساعدة على إيجاد حل نهائي وتسوية نهائية لقضية الصحراء المغربية في الوقت الراهن.