النخلة الأخيرة.. كيف تُزهق روح الواحات بلا نار ولا حديد؟

Écrit par

dans

الواحة ليست مجرد رقعة خضراء وسط الصحراء، بل هي استثناءٌ حيّ، فضاءٌ تناقضُه مع محيطه هو سرُّ استمراره. فمنذ قرون، أدرك سكان الواحات هذه المعادلة الدقيقة: العيش في بيئة معادية لا يتم إلا عبر التكيّف الذكي معها. هكذا وُلدت أعراف جماعية صارمة، نظّمت النذرة، ووزّعت الماء، وحمَت الأرض من الطمع، والبشر من النزاع.

تُشكل الواحات المغربية اليوم قرابة 21٪ من التراب الوطني، وقد صمدت أمام الكوارث البيئية، وواجهت الزحف الإمبريالي الذي لم يرحم بشرًا ولا حجرًا. وما زالت جدران قصورها وقصباتها، من “طاطا عبر افلان درا ودادس إلى زيزيز وفيگيگ”، تروي حكايات مقاومة النار والحديد بصدور عارية.

لكن هذه الجدران تتهاوى اليوم بصمت أمام زحف جديد، لا يحمل بندقية ولا سياطًا، بل يحمل سياسات السوق، وشعار “تسليع كل شيء”. في عمق هذا الزحف، يتردد صدى عبارة مفزعة: “لن نترك شبراً واحداً لسكان الواحات… بل لن نترك الواحة كما هي.”

تحت غطاء الاستثمار، وبإغراءات خطاب “خلق الثروة”، شُرعت أبواب التشتيت. دعاة التنمية الجدد أغرقوا سكان الواحات في أحلام ضيعات سهول الغرب على ضفاف واد سبو البديلة، في أراضٍ فَلات “بِكر”، وُعدوا فيها بـ”كل ما يسألون”. وفي المقابل، تم تشظية المجال الواحي، وتفكيك الروابط التقليدية التي ضمنت التوازن لعقود.

الإنسان الواحي، الذي عاش على مبدأ الجماعة، وحكم أعقد نزاعاته بأعراف مؤسسة على استدامة المجال وضمان بقاء الإنسان، وجد نفسه اليوم يُساق إلى أبواب الإدارات الترابية ويُجرّ إلى ردهات المحاكم، ليصارع ابن قبيلته، لا على قسمة ماء أو نخلة، بل على رأس مال هشّ وثروة موهومة.

وفي غمرة هذا الانشغال، تسلّل الفاعل الأقوى: رأس المال غير المرئي. مستثمرون جدد ـ لا هم من الواحة ولا ألفوا عيشها ـ اقتنصوا الفرصة، ليقتطعوا لأنفسهم عشرات الهكتارات من الأرض، مستغلين هشاشة النص القانوني الذي لم يراعِي خصوصيات المجال، تحت ذريعة “تشجيع الاستثمار”.

وفي قلب هذا التحول، برزت ضيعات الدلاح والورد كمثال صارخ على منطق الاستنزاف المقنّن. هذه الزراعات المُعدّة للتصدير، والتي لا تلائم بأي حال خصوصيات المجال الواحي، استهلكت الفرشة المائية بشكل مفرط، وغيّرت البنية الزراعية التقليدية التي راكمت عبر قرونٍ من التوازن بين الإنسان والطبيعة. لم يعد الإنسان الواحي فاعلًا في أرضه، بل صار مجرد عامل موسمي في ضيعات لا يملك منها سوى التعب، محروم من أبسط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

وما إن تُستنزف الأرض وتُنهك المياه، حتى يرحل المستثمر إلى مجال جديد، تاركًا خلفه واحة مجرّدة من مقومات الحياة، وإنسانًا يواجه قساوة الطقس، وجفاف التربة، ووهم التنمية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيير اقتصادي أو اجتماعي، بل تفكيك عميق لذاكرة الواحة وثقافتها ونمط عيشها. إنه زحف ناعم، لكنه أكثر قسوة من رياح السّموم: يقتلع البشر والشجر، ويزرع الوهم مكان حكمة الواحيين، والمضاربة بدل العيش المشترك.

وسط هذا الركام، لا يزال الإنسان الواحي يقاوم بطريقته، وفياً لروح التكيّف والإبداع التي طبعت تاريخه مع الواحة. فكما علّمه مجاله الصعب كيف يواجه عداء الطبيعة، ها هو اليوم يبتكر حلولًا يومية لأزماته، ويصمد في وجه تحولات لا ترحم. لا يطلب الكثير، فقط أن يبقى له حقله، وقصره، وشيء من الماء والكرامة.

وفي خضمّ هذا الصمود الفردي، تُطرح الحاجة الملحّة لتفعيلٍ حكيم للسياسات والمؤسسات العمومية التي أُحدثت أساسًا لجبر جراح الواحات، كـ”الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، التي تحمل في تصورها أهدافًا نبيلة، لكنه نبل لم يبرح مستوى التصورات كونه مازال في حاجة إلى تنزيل فعلي على الأرض، يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجال، ويمكّن الإنسان الواحي من استعادة دوره كفاعل وشريك في مستقبل مجاله، لا مجرد متفرج على اندثاره.

أمام هذا الواقع، يُطرح السؤال الحارق: من يدافع عن الواحات؟ من يوقف موتها البطيء؟ وهل لا يزال هناك من يصغي لصوت النخلة وهي تُقتل واقفة؟ ويرمم جدران قصورها المتهاوية.

إبراهيم العلاوي

إقرأ الخبر من مصدره