الأحداثبقلم محمد اعويفية
لو سألتكم: ماذا لا قدر الله لو مات زعيمكم فجأة ؟ الموت طبعا لا نتمناه لأحد ، ولكن ما نراه في المشهد السياسي الحالي هو أن حزبا بأكمله يرتكز على شخص واحد دون غيره . هو “الزعيم ” الملهم، الخطيب البليغ، المدافع ، المقرر الفعلي والوحيد لقرارات وتوجهات الحزب، المحدد لمن ينبغي أن يكون معه في الأمانة العامة ، ولمن يطرده خارج الحزب ، المتحكم حتى في زمن التصفيق على خطبه “الغراء “.
لكن، حين تختزل القوة بأكملها في فرد واحد، يطرح سؤال جوهري حول مستقبل الحزب، شرعيته، استقلالية مؤسساته وقوتها ، ومدى تماسكها لو مات هذا “الزعيم “فجأة قبل الانتخابات أو أجبر على التنحي لسبب من الأسباب.
لا يمكن إنكار أن “الزعيم” سياسي كبير ،له كاريزما استثنائية لايملك مثلها أحد ممن يقودون الأحزاب اليوم. استطاع أن يحقق بها تعبئة جماهيرية سريعة، مانحا حزبه دما جديدا، وحضورا إعلاميا، وشعبية ميدانية واسعة. هذا الشخص وحده قادر على فرض الانضباط، واتخاذ القرارات ،وتسريع تنفيدها ، وجذب الأنظار والأنصار، خصوصا في مرحلة ما بعد السقطة المدوية ، والأزمة الكبيرة التي مر بها الحزب.
الاعتماد الكلي على “الزعيم” مكسب لا ينكره أحد خصوصا أمام شغور الساحة وهوانها ، إلا أن هذا الاعتماد يجعل الحزب هشا على المدى المتوسط قبل البعيد، ومعرضا للشلل أو الانهيار بمجرد غيابه لأي سبب من الأسباب.
عندما تغيب النظرة المستقبلية في خلق التوازن بين الفرد والقاعدة الحزبية، يصبح الحزب نسخة مختزلة من شخصية “الزعيم”: في أسلوبه، في رؤيته، وحتى في عواطفه وتقلباته المزاجية، وطريقة مناقشته للأصدقاء القدامى ،وحروبه مع الخصوم السياسيين، وعوضا عن أن يكون الحزب مشتلا للكفاءات والأطر من الطاقات الشابة ، يتحول إلى فضاء لمن يحب المشي في الظل، ويقدم البيعة، والطاعة والولاء المطلق. حزب تختفي فيه ثقافة النقاش، ويقصى كل صوت مستقل أو مختلف عما يراه هذا “الزعيم” .
هذا يخلق دون شك مناخا من التبعية العمياء بدل الاستقلالية الفردية و المسؤولية الجماعية، ويؤدي إلى تآكل شرعية الحزب تدريجيا أمام القاعدة الكبرى للرأي العام المدركة الواعية طبعا بما يجري والمتتبعة له .
ماذا لو رحل هذا “الزعيم”؟ هل يملك الحزب القدرة على الاستمرارية؟ من سيخلفه؟ أو من يجرؤ على فعل ذلك بنفس الطريقة ونفس النهج السلطوي أحادي التسيير؟ غالبا، وفي معظم الحالات، تكون الإجابة أن لا أحد يأتي مكانه. حتما سيرتبك الحزب ويفقد توازنه و ستظهر الصراعات الداخلية، وتتفكك التحالفات إلى أقطاب، وسيتنازعون على الإرث السياسي من تركة ‘الزعيم” ، ليجد الحزب نفسه فجأة في موقع الانقسام وربما الانهيار الكلي والتام.
قوة الحزب لا ينبغي أن تتمركز في شخص واحد، بل في خلق مؤسسات قوية داخله، وهيكلتها ديمقراطيا، ونشر الديمقراطية كثقافة سياسية ناضجة بين المناضلين والأتباع . لا أحد ينكر دور القائد وأهميته في أي حزب ، لكن القاعدة الأهم هي أن الحزب لا ينبغي أن يموت بموت أحد، ولا يحيا بحياة أحد .
الحزب الذي يستمد قوته ووجوده من شخص واحد ، قد يصنع الحدث وينشط الساحة برواج سياسي مؤقت، لكنه نادرا ما يخلد اسمه في التاريخ كحزب قوي حكم الساحة السياسية وهيمن عليها بقاعدة جماهيرية واسعة مشكلة من كل شرائح المجتمع مهنيين ، عمال ،طلبة، طبقة مثقفة ،وفلاحين . وحدها الأحزاب التي تتجاوز الأشخاص، وتبنى على المؤسسات والبرامج والوفاء بها مع المواطنين دون أن تخذلهم ، تعمر طويلا، وتملك فرصة إقناع الناس، وتعبر بهم ومعهم إلى المستقبل بثقة واستقلالية، دون تحكم حقيقي من أحد حتى وإن كان زعيما تتوفر فيه فعلا الشروط الزعامة ، أو أي جهة ضاغطة تحركها “العفاريت” و”التماسيح”.
هيئة التحرير30 يوليو، 2025
إقرأ الخبر من مصدره