رسالة خاصة من الإعلامي والكاتب التونسي عادل الحامدي

Écrit par

dans

إلى الصديق العزيز توفيق بوعشرين،

في الذكرى السنوية الأولى لخروجك من السجن بعفو ملكي

السلام عليك ورحمة الله وبركاته،

لقد استمعت مؤخرًا إلى شهادتك الكاملة عن سنوات السجن، ولم أتمالك نفسي من البكاء في مرات كثيرة. لم يكن بكاء عاطفة فقط، بل بكاء وعيٍ ومرارة. فقد بدا لي السجن – رغم قسوته – أهون في بعض اللحظات من الاغتراب الطويل، ذلك النوع من التيه الذي يُهين الروح بصمت، ويجعلك غريبًا في لغة الناس، في أعيادهم، وفي وجه الصباح.

أذكر جيدًا اللحظة التي اعتُقلت فيها، وكنت حينها في الرباط بدعوة من المنتدى الدولي للإعلام والاتصال، للمشاركة في ندوة عن مستقبل القضية الفلسطينية بالشراكة مع وزارة الاتصال المغربية، وكان يديرها في ذلك الوقت الصديق مصطفى الخلفي. كنتَ من بين المدعوين إلى تلك الندوة، لكن قرار الاعتقال كان أسرع من انعقاد الجلسة. رأيتُ كيف اختُطف صوتٌ حرٌّ من بيننا، وكيف خفتت فجأة تلك النبرة التي كنا ننتظرها على المنصة، فوجدناها في العناوين الجانبية لأخبار موجعة.

وعلى مدى أعوام سجنك، لم تنقطع ذكراك من وجداني. كنتُ، في كل محفل، أرفع الصوت بضرورة الإفراج عنك، وأكرر أن سجن صحفي بحجمك ومستواك ظلمٌ لا يليق بالمغرب، ولا ينسجم مع مساره، ولا يعبر عن جوهره. كنت أقولها عن قناعة، لا مجاملة، فصوتك – وإن اختلف معه البعض – كان ضروريًّا في ساحة تحتاج للتوازن والضمير.

لقد كنتُ – وما زلت – أعتبر نفسي من أهل المغرب الأقصى، لا فقط لأنني قضيت أعز سنوات عمري في جامعتي القاضي عياض ومحمد الخامس، دارسًا للغة العربية وآدابها، متتلمذًا على يد أستاذة وفكر مغربي رصين، بل لأنني أيضًا عشت فيه قصة حب عاتية، كانت ولا تزال جزءًا من نسيجي الإنساني، جُبنا بها مشرق العالم ومغربه، شماله وجنوبه، وما زلت أحملها في غربتي رغيفًا وذاكرة.

ولأنني من تونس – من مجاورة الزيتونة – فقد كنت دائمًا أرى في المغرب الأقصى شقيق الروح لا الجغرافيا. أتيت إليه أتتبّع خطى فاطمة الفهرية وزينب النفزاوية، لاجئًا إلى المعنى، لا سائحًا في المكان. وجدتُ فيه ما يشبهني وما يشبه حلمي: المعرفة حين تكون رسالة، والكرامة حين تُصبح مقامًا إنسانيًا لا يُشترى ولا يُهدى.
كنتُ – وما زلت – أعتبر نفسي سليل أولئك النسوة الحكيمات اللواتي صنعن من هوامش التاريخ مركزًا، ومن الهامش الثقافي نهضة، ومن المغرب بوابة نورٍ في زمن الظلمات.

يا توفيق،

حين أقول إنني ما زلت أؤمن بالمغرب الأقصى، فلست أنطق عن عاطفةٍ فقط، بل عن يقين معرفي وتجربة حيّة. المغرب ليس مجرد وطن جميل – وهو كذلك – بل هو استثناء مضيء في زمن عربي يُراد له ألا ينهض، وألا يتحرر، وألا يتقدم خطوة واحدة نحو الكرامة.

في مغربك – ومغربي – تتجاور الدولة والتاريخ والفكرة. هو البلد الذي أنجب مفكرين كبارًا أعادوا تشكيل العقل العربي في لحظة الانهيار: عبد الله العروي في صراعه مع التقليد والتبعية، ومحمد عابد الجابري وهو يحفر في بنية العقل العربي بحثًا عن أفق للنهضة، وطه عبد الرحمن في فلسفته التي جمعت الأخلاق بالمعرفة، والروح بالعقل، وغيرهم من أعلام الفكر ممن نفتخر بهم ونستنير بنهجهم.

أذكّرك – ونفسي – بعبد الرحمن اليوسفي، الرجل الذي عاد من المنفى لا ليقاضي، بل ليقود. دخل من باب السياسة النظيفة إلى حكومة التناوب، وترك صفحة يُحتذى بها في أدبيات الدولة والكرامة. ثم جاءت تجربة عبد الإله بنكيران، الذي حمل شعارات الربيع المغربي إلى قلب المؤسسات، وخاض تجربة فريدة حافظ فيها على توازن دقيق بين الشعب والدولة، بين الواقعية والطموح، وبين الحفاظ على الاستقرار والدفع نحو الإصلاح. تلك تجارب لم تكن مثالية، لكنها كانت شريفة ومُلهمة، وموضع فخر للمغاربة خاصة، وللعرب والمسلمين عمومًا.

ولنكن منصفين يا توفيق، فإن ما حدث لك – من لحظة خروجك من السجن بعفو ملكي كريم – ما كان ليحدث لولا وجود قيادة ملكية شابة تحمل رؤية مختلفة، قيادة تُدرك أن الأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة، وأن المصالحة لا تتحقق بالقمع، بل بالعدل والاعتراف. لقد جاءت لحظة الإفراج عنك لتؤكد أن هناك في هذا البلد من يُراكم العقل على الغضب، ويختار البناء على الهدم، والمستقبل على الثأر.

تلك اللحظة لم تكن فقط نهاية فصل، بل بداية صفحة جديدة يُمكن أن تُكتب فيها عناوين الوطن المتصالح مع نفسه، الباحث عن موقعٍ متقدم في زمن الانهيارات، المُصرّ على أن يكون له مكان في خرائط التقدم دون أن يفقد روحه أو يُنكر أبناءه.

سيكتب التاريخ أن المغرب، في زمن عربي مظلم، اختار أن يخطّ طريقه بإرادته، لا بإملاءات الخارج، وأن يصنع استثناءه على نارٍ هادئة لا على رماد الخراب.

فامضِ يا صديقي على دربك، وذكّرهم دائما أن في هذا الوطن رجالا لا تُكسر أقلامهم، ولا تنكسر ضمائرهم.

دمت حرًا كما عهدتك، قويًّا كما عرفتُك، محبًّا كما كنت دائمًا لهذا البلد الجميل.

عادل الحامدي
كاتب وإعلامي تونسي

إقرأ الخبر من مصدره