لماذا يحمل خطيب الجمعة الناس مسؤولية ما يقع في غزة؟

Écrit par

dans

الأحداثبقلم محمد اعويفية

في خطب الجمعة، بمسجد حينا، يتكرر مشهد صار مألوفا؛ يقف الخطيب عاليا على المنبر، بلباسه الأبيض المعطر بالمسك، حاملا عصاه الطويلة والغليظة، ليصف ما يقع من جرائم فظيعة في حق الشعب الفلسطيني. ثم يتوجه إلينا نحن المصلين بلهجة شديدة لا تقل غلظة عن عصاه ، محملا إيانا جزءا كبيرا من المسؤولية عما يقع هناك في غزة، كأننا نحن من وراء قصفها وتجويع شعبها.
ما جعلني أتساءل: لماذا يوجه هذا الخطيب لومه، كل جمعة، إلى البسطاء من المصلين، بدلا من توجيهه مباشرة إلى الأنظمة الحاكمة برؤسائها وأمرائها، أو إلى القوى الكبرى كـالولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، المتسببة فعليا في هذه المأساة الإنسانية؟

ربما يرى خطيبنا الجليل أن تحميل المصلين المسؤولية فيه نوع من استنهاض الهمم، وتحفيزهم على الانخراط في التغيير والعمل السياسي لنصرة كل قضاياهم، معتمدا في ذلك على مفهوم التقصير في نصرة المسلمين المستضعفين، والتهاون في نصرة دينهم، والانشغال عنه بالدنيا وملذاتها وشهواتها. كما يصور ما يحدث في غزة على أنه خطر قادم، وعقوبة جماعية للمسلمين على كثرة وتنوع ذنوبهم وتخاذلهم.

لكن هذا الأمر، بتكراره كل جمعة، صار يثير جدلا واسعا بين الناس. فهل من العدل أن يجلد هكذا، دون رحمة، الإنسان العادي بتأنيب ضميره، وهو يصارع يوميا من أجل أن يجد قوت يومه؟ ويلام على جرائم يرتكبها جيش الصهاينة المدجج بأحدث الأسلحة، والمدعوم من أقوى دول العالم؟ أليس في كل هذه الخطب تمويه أو تهرب أو خوف من قول الحقيقة كاملة، ومواجهة الأسباب الفعلية وراء ما يقع؟

تحولت خطبة الجمعة، في حينا على الأقل، إلى وسيلة لإلقاء اللوم علينا، بينما يتجنب خطيبنا الحديث المباشر عن السياسيين، وكيفية تعاطيهم مع ما يحدث، أو حتى عن من تواطأ و خان، وكان وراء التطبيع.ربما تعمد إغفال الجانب السياسي هذا وراءه دافع الخوف من الرقابة، أو الرغبة في عدم الاصطدام بالسلطات والجهات الوصية على القطاع .

دائما ما يحمل الخطاب الديني في طياته طابعا مثاليا، يحمل الناس ما لا طاقة لهم به، خصوصا في مثل هذه الحالة، ويطالبهم بتضحيات كبرى دون أي أدوات أو طرق فعلية، كما لا يقدم لهم بالمقابل بديلا ملموسا وعمليا واضحا للتغيير أو المساهمة في حل القضية . مما يخلق فجوة كبيرة بين من يقف ويضرب بعصاه على المنبر حتى يستفيق الغافلون ، وبين المنتبهين من المصلين الذين يجيدون الإصغاء، ويحللون كل ما يسمعون، كما يدركون عمق وشساعة المسافة بين الدعاء والفعل في خطبة “مولانا” الإمام.

بكل أشكال الدعم المتاحة، حتى بأضعفها؛ المقاطعة والدعاء، تلعب الشعوب العربية عبر التاريخ دورا كبيرا ومهما في دعم القضية الفلسطينية.
لكن من غير المنطقي تحميلها وحدها عبء ووزر ما تقترفه أنظمة استعمارية قوية بأسلحتها، وبدعم العالم بأسره لها.
فعلى خطيبنا الجليل أن يكون صوت الحق منصفا وشجاعا، كما هو مفروض فيه أن يكون، لا صوت توبيخ وتقريع للبسطاء.
فالعدل في الخطاب الديني، خصوصا، ضرورة… تماما كما هو في الفعل.

هيئة التحرير5 أغسطس، 2025

إقرأ الخبر من مصدره