
هشام أعناجي ـ كود الرباط//
دمار، وغارات عشوائية مستمرة، وانعدام للغذاء.. كلها عوامل تجعل من النزوح أمرا شائعا في السودان منذ اندلاع الحرب منتصف إبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وأصبح النزوح الجماعي، الحل الوحيد لأغلب التجمعات السكنية، في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة، فيما تشير تقارير أممية، إلى أن عدد النازحين داخليا وخارجيا، بلغ 14 مليون، بعد عامين على الأزمة.
“العديد من الأسر تقضي يومين إلى أربعة أيام من دون طعام، وتفتقر إلى أبسط مستلزمات الحياة مثل الصابون. ومعظم سكان المدينة يرغبون في الخروج بأي وسيلة نتيجة الوضع الخانق”.. كانت هذه شهادة لنازحة من مدينة الدلنج، لإذاعة دبنقا السودانية.
وأشارت “راديو دبنقا”، إلى أن سوق مدينة الدلنج يعاني من نفاد العديد من السلع الأساسية، فيما المتوفر منها باهظ الثمن. وأشارت إلى أن سعر كيلو السكر 30 ألف جنيه، وكيس الشعيرية 20 ألف جنيه، وكيلو الأرز 30 ألف جنيه، وملوة الذرة 30 ألف جنيه.
وفي هذا السياق، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن الهجمات على المدنيين والبنية التحتية الأساسية في ولايات كردفان تسببت في نزوح جماعي.
وقال رئيس البعثة دانيال أومالي 30 يوليو 2025: “تفاقمت حدة القتال في ولايات كردفان منذ مطلع عام العام الجاري، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى وتدهور الأوضاع الإنسانية في البلاد وفي بعض المناطق، اضطُر نحو 90% من السكان المدنيين إلى الفرار”.
وأضاف أنه “إلى جانب القتال، تُشكّل مخلفات الحرب القابلة للانفجار في السودان تهديدًا بالغ الخطورة على المدنيين، ولا سيما أولئك الذين يفرّون من المناطق المتضررة أو يسعون إلى العودة لمنازلهم”، وأشار إلى أن القيود المفروضة على حركة البضائع ساهمت “في تفاقم أزمة نقص الغذاء، ما أجبر أعدادًا متزايدة من السكان على الفرار في محاولة للنجاة. ويُفاقم نقص الغذاء وسبل الحصول على الرعاية الطبية، وعدم وجود طرق آمنة للفرار، الأزمة الإنسانية في كردفان وغيرها من المناطق المتضررة”.
المئات يفرّون يوميا
ولا يزال مئات الأشخاص يفرون يوميا – سواء داخل السودان أو عبر حدوده – بسبب الصراع الدائر، وينطبق هذا بشكل خاص على منطقتي دارفور وكردفان، وفقا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حسب تقرير نشرته الأمم المتحدة، 26 يوليو 2025.
وبحسب مفوضية اللاجئين، “هناك حاجة إلى 1.8 مليار دولار أمريكي لدعم 4.8 مليون شخص فروا من السودان إلى الدول المجاورة، ولكن لم يوفر سوى 17% من هذا التمويل.”
وقال مامادو ديان بالدي، منسق اللاجئين الإقليمي لأزمة السودان لدى المفوضية، إن “عدد اللاجئين من منطقة دارفور وحدها بلغ أكثر من 800 ألف لاجئ منذ بداية الصراع، وهذا العدد في تصاعد مستمر.”
عوامل أخرى
في غضون ذلك، أفادت تقارير سودانية، بأن من أسباب النزوح الأخرى، هي الاعتداءات المتكررة التي ترتكب بحق المدنيين، واعتقالات وقتل خارج الإطار القانوني.
وتعيش ولاية الخرطوم في ظل حالة من انعدام الأمن بسبب التفلتات الأمنية التي يرتكبها الجنود الذين يرتدون زي القوات المتحالفة مع الجيش السوداني، وفقا لتقرير نشرته صحيفة التغيير السودانية 31 يوليو.
وتفاقمت هذه الظاهرة في ظل غياب القانون والمحاسبة بحسب ذات المصدر، مما “أدى إلى تزايد شكاوى المواطنين الذين يعانون من هذه الانتهاكات التي لم تجد السلطات لها حلاً حتى الآن”، فيما يشتكي “المواطنون في عدة مناطق من الخرطوم حالة من الانفلات الأمني وانعدام الاستقرار، حيث تتعرض المحال التجارية والمنازل للسرقات من قبل مسلحين يستغلون حالة السيولة الأمنية وانتشار السلاح، الذي يهدد حياة السكان.”
وتابع التقرير: “تزداد ظاهرة التفلتات الأمنية والقتل خارج نطاق القانون بشكل مستمر، وكان آخرها مقتل شاب في منطقة الحتانة بمدينة أم درمان في وضح النهار.” مضيفا أن الفوضى ظهرت “بعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة الكاملة على ولاية الخرطوم في مارس الماضي.”
وبهذا الخصوص، قالت تنسيقية مقاومة كرري، إن أم درمان ” تشهد حالة نهب مؤسفة تقوم بها جهات نظامية محسوبة على الجيش”، في ظل غياب القانون والمحاسبة.
تجنيد قسري
ومن جهة أخرى تتحدث تقارير، عن قيام الجيش السوداني بعمليات التجنيد القسري للشباب والرجال في مختلف أنحاء السودان لتعويض الخسائر البشرية الفادحة.
وأشارت تقارير، إلى أن “أجهزة الاستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية التابعة للجيش السوداني نفذت مداهمات على المنازل والأسواق والمساجد ومقار سكن النازحين، خصوصًا في مدن مثل دنقلا وشندي وبورتسودان، لاختطاف شباب بالقوة وإرسالهم إلى معسكرات تدريبية.”
وأعادت هذه التصرفات، الحديث عن خطورة تواجد ميلشيات مسلحة، وسيطرتها على قرارات الجيش السوداني، وعدم تحكم الأخير، في تصرفاتها المخالفة للقوانين.
ومن أبرز الميليشيات المتحالفة مع الجيش السوداني، هي قوات حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وقوات حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وقوات حركة تحرير السودان بقيادة مصطفى طمبور، قوات تحرير السودان بقيادة صلاح تور، بالإضافة إلى كتائب البراء بن مالك الجهادية المتطرفة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين
خطر على الدولة
في غضون ذلك، يؤكد مراقبون أن “عسكرة الحياة المدنية وإنشاء ميليشيات مسلحة أسهما في إعادة السودان إلى عهود ما قبل الدولة الحديثة، وأدّيا إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتقسيم المواطنين على أسس قبلية وعقائدية”، وفقا لما نشرته صحيفة الراكوبة السودانية.
وبرزت الميليشيات والكتائب الإسلامية، المعروفة بكتائب الظل، وأشهرها ’’كتيبة البراء بن مالك”، كقوى مؤثرة تتجاوز قدرتها العسكرية قدرة الجيش الرسمي.
هذه الكتائب المسلحة بأحدث الأسلحة من طائرات الدرون إلى القذائف الموجهة وأجهزة الاتصال المتقدمة، تمثل خطراً داهماً على استقرار البلاد، وفقا لذات المصدر.
ورغم أن عدد هذه الميليشيات والكتائب الاسلامية غير معروف بحسب المصدر نفسه، “إلا أن مراقبين يرون أنها تتمتع بدور محوري في المعارك، وهو ما يجعلها تمثل تحدياً حقيقياً للجيش.
ومع تزايد نفوذ هذه الجماعات، بات المواطنون يواجهون خطراً مباشراً على أمنهم، في حين يظهر الجيش ضعيفاً أمام تحديات متزايدة من قبل حلفائه من الإسلاميين والجماعات الدينية والقبلية الأخرى”.
وقالت إن “تأسيس الجيش ورعايته لميليشيات قبلية وعرقية ومناطقية، وتحالفه مع كتائب عقائدية ودينية ومجموعات عنصرية متطرفة، وعسكرة الحياة المدنية وتسليح المدنيين والزج بهم في الحرب، يشكل تهديداً حقيقياً للأمن والاستقرار في السودان.” وأضافت أن “هذا النهج لا يعرض البلاد لخطر التمزق فقط، بل يزيد من احتمالات الانقسامات المجتمعية الحادة، مما يضع السودان على أعتاب مرحلة حرجة تتطلب وقفة ومراجعة شاملة للحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها”.