عدنان بن صالح
توطئة:
تَحُلُّ بالمغاربةِ الذّكْرى الثانية والسّبعين لحَدَثِ ثورة الملك والشَعب، حلولَ اتّعاظٍ وعِبْرَة قبْلَ الاحتفاء والاحتفال. فالـحدث العائدُ الـمتجدّدُ في الذات المغربية يُوحِي لها بقيمةٍ وأهمية صِلة الرحم بين جِيل مرحلة الكفاح الوطني والاستقلال؛ وجيل اليوم الذي يَتَمتّع به.
وبِقَدْر ما تزخر مكتباتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا الـمُختَصّة في صيانة الذاكرة التاريخية ورعاية الأرشيف الوَطني بِكَـمٍّ وافِر من “المذكّرات” و”المؤلّفات” و”الشهادات” و”الأطروحات” والروايات التاريخية” و”الوثائق والمراسَلات” التي تَضَعُ الحَدَث في سياقه وتَدعو إلى النظر إليه بعَيْنِ “تاريخه” الذي أُنْـجِزَ فيه؛ بقَدْر ما يتَضاعَفُ إكبارُنا لِصُنّاع ذلك الحدَث الذي جَرت أطواره بين 1953 و1954، وتَقديرنا لكلّ الفاعلين فيه مِن العائلة الوطنية الـممتَدّة، ومباهاتنا بالذّكاء المغربي في التّعامل مع التحولات العالمية والظروف الإقليمية آنذاك، وإعجابنا بالشّخصية الـمغربية التي أبانَتْ لنا أنّه كُلّما تَطَلّع الغُزاة والطّغاة لغَزْونا؛ كلّما ظَهَر الـمَعْدِن الأصيل الحقيقي لشَعْبِنا وسلاطيننا.
- مقاومة سُلطانية-شعبية بخَلفية قِيمية:
يَهمّنا وقدْ انصَرمت كل تلك العقود عن ثورة الملك والشّعب أنْ نستحضِرَ أهَمّ القِـيَم التي أَطّرت فِعْلنا الوطني وعملنا النّضالي وتوافُقاتنا السّياسية، والتي بفضْلِها تَمكَّـنا مِن افتكاك لَحْظة تاريخية استثنائية في الـمنطقة العربية والـمغاربية، كان عنوانها البارز؛ “السلطان إلى عرْشه والشّعب إلى حُريته”، في وقْتٍ كانت المقاومة الشّعبية في بعض البلدان الـمجاوِرة تَرْفَع البُندقية ضدّ الاحتلال الأجنبي والملَكِيات التي اعتَبَرَتْها المقاوَمة “حليفاً موضوعيا للاستِعمار”.
إنّ ثورة الملك والشّعب وإن كانت في حدّ ذاتها؛ حَدثا تاريخيا بامتِياز، له محدّدات وظروف ومنطلقات ونتائج، وفيه فاعلونَ ومتدخّلون ومُدبِّرون ومؤثّرون وخاسرونَ ورابحون، إلا أنّ وقائعها في الزّمن الممتد من 1953 إلى 1955، ووقائِعها في الجغرافية الوطنية، وامتداداتها الخارجية (فرنسا، كورسيكا، مدغشر، طنجة الدّولية..)، ليست مُجرّدة من روح العصر الذي وقَعت فيه، وروح الشعب الذي عاشَها، وقيَم الأمّة المغربية، شعباً وملكاً ونخْبَةً. ولذا؛ فإننا ننظُر إلى ثورة الملك والشّعب باعتبِارِ ما تختزنه من قيَم وعِبَر لا بحسبانها جُزْء من معركة المقاومة الوطنية التي ارتَقَت بالحركة الوطنية وفصائل المقاومة إلى مَرتبة الأبطال والشهداء وبالسلطان إلى مرتبة رجُل التّحرير ورَمْز الصّمود.
- استخلاص القِيَم مِن الحَدث الـمُهِم:
إنّ الـمدْلول النّضالي والاجتماعي والسّياسي لثَوْرة الـوَفاء الـمتبادَل بين العرش والشّعب أوْسَع من أن يُحْصَرَ في دلالات وعِبَر، غيرّ قراءات متأنّيات في الأحداث تَقودُنا لاستخلاصِ خمسةِ قيَمٍ صَنَعة ملحمة ثورة الملك والشعب، نُجمْلِها في الآتي:
ختاما:
هذه خَمس قِيَم جامِعةٍ نستَلْهِمُها مِن هذه الذّكرى الطّافحة بالقِيم والعِبْرة، وندرُسُ حركة الإنسان وفِعْلَهُ ودوافِعه وقيَمه في الزّمن، لا في الماضي، أيْ أننا لا نستبعد خَوْضَ حالاتِ كفاحٍ وطنيٍّ مُوحَّدٍ في حالِ وجودِ خطر خارجي حقيقي، وإمكان حدوث تلاقي إرادات الشّعب والقوى الوطنية والعَرْش مِن أجْل ثَورة جديدة على أرْضية بيعَة مُتبادَلة مِن أجْل حماية الثوابت الجامعة وصيانة الوطن وإبعاد التهديد (غزو، أو احتلال، أو تقسيم، أو مساعي تَجْزئة..).
إنّ ثورة الملك والشّعْبِ تُفْصَحُ عمّا يمكن للمغاربة فِعْلَه تحتَ وطأة الضّغْط وتحديات المرحلة، وقُدرتهم على الاستمساك باختياراتهم السياسية والدينية والوطنية، ونجاحُهم في حَشْرِ الاستعمار وأزلامه وداعِميه في الزّاوية الضّيقة عندَما أعْلَنوها ثَورة وطنية بمضمون روحي وبُعْد شَعْبي وعُمْق قيمي، في سياقٍ لا يُشْبهه سياق عربي أو إفريقي، وأَظْهَروا للعالَم أنّ الفرنسيين والإسبانيين يُعاكِسون “العقلَ والتاريخ”، وأنّ الـمنطِق يَقْتَضي إرجاعَ الحقوق لأصحابها، وإعادة السلطان إلى عَرْشه، والشّعب إلى حريته، وهو ما تَـمَّ يوم 2 مارس 1956، بتوقيع بروتوكول إنهاء الحماية مع فرنسا، ويوم 7 أبريل بتوقيع اتفاق إنهاء الحماية مع إسبانيا من نفس السنة.
* عدنان بن صالح/ دكتور في التاريخ والحضارة، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان
* الصويرة في الذكرى 72 لثورة الملك والشّعب