كيف شكل العرش العلوي الأساس الصلب للأمن القومي المغربي عبر التاريخ؟

Écrit par

dans

يعتبر النظام السياسي حجر الزاوية والركن الركين الذي يرتبط به فلاح أي أمة من الأمم أو عدمه، وكلما كان النظام السياسي مستمدا من طبيعة علاقات السلطة السائدة في المجتمع، ومتوافقا مع المعتقدات الشائعة فيه، ومحل إجماع من قبل كل الفرقاء، ولديه تطلع نحو الإستقلالية والعزة والكرامة، كلما كان أقدر على مواجهة التحديات، وقيادة السفينة نحو الفلاح والتمكين.

في هذا السياق، لم يكن المغرب بدعا من هذه القاعدة، حيث لم يعرف المغرب النور كدولة مستقلة إلا في ظل العرش العلوي عند تأسيسه قبل أكثر من 1200 سنة على يد المولى إدريس، فاستقل عن المشرق الإسلامي، ليمضي بعد ذلك في مسيرته الحضارية حيث سيتحول في بعض الفترات التاريخية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف وصلت على عهد الموحدين الذين ساروا على ذات النهج العلوي في إمامة آل البيت الكريم، إلى بلاد السودان جنوبا وإلى ليبيا شرقا، وإلى الأندلس شمالا، فكان قوة ضاربة في غرب المتوسط بشقيه الإفريقي والأوروبي، بدأت تتطلع نحو بسط الهيمنة على المشرق الإسلامي لولا بعض الأزمات والتحديات.

وفي السياق نفسه ستعود بلاد المغرب في ظل العرش العلوي إبان حكم السعديين على أيام المنصور الذهبي إلى إعادة بناء الإمبراطورية الشريفة وإتمام ما لم يتم على عهد الموحديين، خاصة بعد الصيت الباهر الذي اكتسبه المغرب عقب انتصاره في معركة وادي المخازن على قوات الإحتلال العثماني التركي وقوات الإحتلال البرتغالي وتشريدها شذر مذر، ما كان أنهى الأطماع الإستعمارية في المملكة الشريفة، وحطم أحلام الغزاة سواء من الترك العثمانيين ومن خضع لنفوذهم من الأعراب في العالم الإسلامي، أو من الروم في ضم بلاد المغرب، فنعمت المملكة الشريفة في أيامه بالإستقرار والإزذهار، ما أتاح لها الفرصة للسعي نحو الهيمنة من جديد، حيث تثبت المصادر التاريخية أن السلطان المنصور الذهبي الذي لم يكن يعترف بالإحتلال التركي العثماني لأطراف العالم الإسلامي، كان يتوعدهم بالمواجهة في مصر، كما كان يخطط لبسط الهيمنة على ما يمكن من العالم الجديد (القارة الأمريكية)، وهو ما يوضح بجلاء الهمة العالية التي لا حدود لها في جعل المغرب مركز إمبراطورية يمتد نفوذها على المستوى العالمي مشرقا ومغربا.

في كل المحاولات السابقة يثبت الإستقراء التاريخي أن السلاطين العلويين على اختلاف فرع الأسرة الحاكمة، كان يعملون على توحيد المغرب والقضاء على الإضطربات الداخلية، ثم يسعون لبسط الهيمنة والنفوذ، وهو المسار الطبيعي، لكن الأمر لا يتم أو يتوقف بسبب عودة الفتن والصراعات حول الحكم، والتي غالبا ما كانت تحتدم عند موت السلطان، فكانت أعمار هذه الدول بالمفهوم الخلدوني الذي يحيل على الأسرة الحاكمة، قصيرة، لا تتجاوز قرنين في أحسن الحالات، وفي الغالب قرن ونيف.

لكن هذه القاعدة ستتغير تماما مع الشرفاء العلويين من فرع مولاي علي الشريف، حيث ستشكل استثناء لمعادلة تدوال السلطة التي وضعها ابن خلدون، حيث استطاعوا الثبات في وجه المتغيرات، ومواجهة التحديات لقرون طويلة، فبعد النجاح الكبير الذي حققه شرفاء تافيلالت في القضاء على الحركة الدلائية ما جعلهم القوة السياسية الأولى في بلاد المغرب، سيساعد العمر الطويل والحنكة السياسية السلطان المولى إسماعيل على بسط نفوذه وتوحيد بلاد المغرب تحت سلطته بعد مدة ليست بالقصيرة من الإضطرابات الداخلية الناتجة عن انقسامات البيت السعدي، وهجمات الإسبان والبرتغاليين على الثغور، والحركات التي كانت تسعى بدورها إلى الحكم، ثم سيعرف المغرب ما يمكننا أن نسميه الإستقرار الكبير تحت حكم الأشراف العلويين إلى حدود اليوم، فرغم بعض حالات الإنقسام في بعض الفترات، أو بعض الثورات، إلا أنه سرعان ما كان يتم معالجة الأمر، وما تفتأ الأمور تعود لنصابها، حيث لم تكن تؤدي إلى صراعات طويلة جدا، أو تغيير في الأسرة الحاكمة.

هذه الحالة العالية من الإستقرار في الحكم والنظام السياسي التي عرفها المغرب، يمكن تفسيرها من خلال عدة مفاتيح، أبرزها استفادة الشرفاء العلويين من أخطاء سابقيهم من الأسر الحاكمة، فالعرش العلوي كجامع كبير له تجارب طويلة في الحكم عبر القرون المتطاولة، وليس كأي دولة في بداية أيامها، كما يفسر بالسياسة المرنة تجاه مختلف المكونات الوازنة في البلاد القائمة على ما يمكن وصفه بالسبق بالخير وعدم التضييق على أحد ما لم يكن يسعى إلى الفتنة وتهديد استقرار الحكم، هذا إضافة إلى النضج السياسي الذي وصلت له مختلف المكونات السياسية، حيث أصبح العلويون محل إجماع من قبل كل مكونات المغرب السياسية وخاصة ذات النسب الشريف، حيث كونوا عصبية جامعة للعصبيات، وهذا أتاح لهم قوة كبيرة في مواجهة أي حركة تمرد داخلية خارج المكون المذكور، أما المكونات الأخرى غير المرتبطة بالنسب العلوي الشريف، فهم في نعمة سابغة ما لم يقرروا منازعة الأمر أهله والقائمين عليه.

هذا الإستقرار السياسي الكبير الذي حققه الشرفاء العلويون هو ثمرة ثمنية، ومكتسب غالي لطالما طمح له السابقون على عرش المغرب، وكل العقلاء في مختلف الأمم، فلا يمكن للحياة أن تزدهر وتتطور داخل المجتمع ما لم يكن ينعم بالإستقرار السياسي، فحياة الناس تتحول إلى جحيم في ظل الإضطرابات والصراعات على الحكم، وبالتبع لا يمكن للدولة أن تسعى إلى تحقيق القوة والنفوذ والهيمنة على المستوى الخارجي بما يضمن لها مصالح أعلى، وأمن أكبر، ونعم سابغة متواترة، إذا كانت ساحة للحروب والإقتتال.

لكن وبالرغم من هذا المكتسب الثمين الذي حصل عليه المغرب في ظل العرش العلوي، وعلى الرغم من أن الملوك العلويين استطاعوا في بعض الفترات إعادة مختلف أراضي الإمبراطورية الشريفة إلى نفوذهم، حيث كانت مساحة المغرب غداة الحملة الإستعمارية في القرن الماضي تشمل موريطانيا وأجزاء كبيرة جدا مما يسمى الجزائر اليوم، إلا أن المغرب لم يبلغ الغاية القصوى من ذلك، حيث على الرغم من حالة الإستقرار الداخلي الكبير على المستوى الماكروسكوبي، ستبرز الكثير من التحديات الدولية أساسا، وستتغير الأوضاع رأسا على عقب، كما تغيرت أدوات القوة وبسط النفوذ بشكل متسارع، وأصبحت في صالح الحضارة الغربية، وهي العوامل التي جعلت أي تحرك خارجي غاية في الصعوبة، بل مجرد الحفاظ على ما تم تحقيقه من مكتسبات، أصبح تحديا كبيرا يستفرغ الجهود العظيمة في ظل هذه التحولات، فالعالم لم يعد على الحالة التي كان عليها زمن الموحديين أو المرينيين أو السعديين أو المولى إسماعيل.

هكذا، وكنتاج لهذه التحولات والفارق الصارخ في القوة، كان من أبرز المخاطر التي تعرض لها الأمن القومي للمغرب ما ارتبط منها بالحملات الإستعمارية الأروربية التي لم تكن تستهدف استلاب الأراضي والثروات، ولكنها كانت تستهدف الإستقرار السياسي من خلال تشجيع الثورات والفتن الداخلية بما يضعف المملكة الشريفة ويجعلها لقمة سائغة للقوى الإستعمارية بأقل التكاليف، وقد بلغت هذه المحاولات مداها باحتلال المغرب كاملا، ثم المؤامرة الظاهرة على العرش العلوي الذي يعتبر الركيزة الكبرى للأمن القومي المغربي إبان نفي الملك الراحل محمد الخامس.

في هذا السياق، كان تظافر العرش والشعب، والتفاف الناس حول العرش العلوي أحد أهم العوامل على الإطلاق التي ساعدت على إفشال المؤامرة الإستعمارية الكبرى على بلاد المغرب، حيث سمح ارتباط الشعب بالعرش العلوي على توحيد جهود المواجهة، وتنظيمها والسير بها في الإتجاه الصحيح، فانطلقت الأعمال العسكرية المقاومة ضد الإستعمار بشكل أكثر فعالية من ذي قبل، وأكثر قوة وإيلاما وتأثيرا، ما ساهم في تحرير المغرب، وعودة ملكه الشرعي من المنفى في أقصر مدة، ونيل المغرب للإستقلال، وهذا درس يجب الإستفادة منه.

هذا، وعلى الرغم من أن الأمور كانت جيدة، وحَصَّل المغرب مكسبا ثمينا بالحفاظ على إرثه ونظامه السياسي المستقر، وإجلاء المحتل عن بلاده، ما يعني فشل المخطط الإستعماري، إلا أنها لم تكن مثالية، حيث اقتطعت القوى الإستعمارية مساحات شاسعة جدا من أراضي المملكة لصالح ما يسمى اليوم الجزائر التي كانت لا تزال خاضعة للإحتلال الفرنسي الذي دهمها سنة 1830 بفارق 82 سنة قبل فرض الحماية على المغرب، ما يبرز القوة التي كان يتمتع بها المغرب في تلك الفترة مقارنة بباقي الأصقاع، كما سعوا بعد ذلك إلى اقتطاع موريطانيا، ثم محاولة اقتطاع الصحراء، والتي تمسك بها المغرب بقوة باعتبارها خطا أحمر لا يمكن التنازل عنه، كما يسعون إلى محاولة اقتطاع الريف وتحويله إلى مشكل على غرار مشكل الصحراء العويص.

أما على المستوى السياسي للأمن القومي، فلم تنته الأطماع والمحاولات في ضرب العرش العلوي الذي يعتبر ركيزة الأمن القومي المغربي ونواته الصلبة، بل بدأت المحاولات الجديدة المدعومة خارجيا أساسا عقب الإستقلال، واستمرت مدة طويلة من حكم الملك الراحل الحسن الثاني، من خلال الإنقلابات العسكرية ومختلف المحاولات الأخرى فيما عرف بسنوات الرصاص، والتي انتهت بكسب التحدي والحفاظ على استمرارية العرش العلوي، لكنها أفقدت المغرب الكثير من الزمن السياسي والمجهود الذي كان يمكن استثماره في البناء والتنمية واستكمال الوحدة الترابية، وتعزيز القوة والإستقلالية في العالم الذي لا يدين بغير القوة، في ظل الترابط المتين بين العرش والشعب، وهذا درس بليغ.

هذا، أما على مستوى استكمال الوحدة الترابية ومواجهة مخططات التقسيم والتجزيئ، فبعد أن نجح المغرب على عهد الحسن الثاني في إجلاء المستعمر الإسباني عن الصحراء من خلال المسيرة الخضراء، وفي الإنتصار عسكريا على البوليساريو، فقد استطاع اليوم في ظل عهد الملك محمد السادس تحقيق انتصارات باهرة لا يمكن إنكارها على المستوى السياسي والدبلوماسي، حيث حوصرت الحركة المدعومة خارجيا بشكل لم يسبق له مثيل، وتقلصت دائرة الإعترافات الدولية بها، وهو ما يفقدها بشكل تدريجي أساس وجودها في المجتمع الدولي المعاصر، في مقابل شبه الإجماع المحقق دوليا على أحقية المغرب بصحرائه ومشروعية بسط سلطانه عليها، وقضية الصحراء تعتبر تجلي آخر لتوحد العرش العلوي والشعب، حيث كل المكونات تبقى جنود مجندة خلف عاهل البلاد في هذه القضية، وهو ما ساعد المغرب على تحقيق التقدم الذي حققه بالسلامة والعافية، كما حقق انتصارا عسكريا مهما من خلال عملية الكركرات التي أمن فيها خطوط التجارة، وسلاسة الإتصال البري مع عمقه الإفريقي.

إن ذكرى ثورة الملك والشعب ليست ذكرى عابرة وحسب، بل هي درس بليغ للأجيال المقبلة، وثابت أساسي من ثوابت تحقيق النجاح والفلاح، فلا يمكن للبلاد أن تواجه مخططات الأعداء والخصوم، ولا يمكنها بناء القوة، وتحقيق التنمية، وتعزيز الإستقلالية، والتوجه نحو بسط الهيمنة الإقليمية، إلا في ظل مناخ من الإجماع السياسي الذي يمثله ارتباط العرش العلوي والشعب بمختلف مكوناته. هذا الإرتباط الذي أصبح اليوم واحد من الثوابت المغربية الأصيلة، وهو بما يمنحه من قوة واستقرار للمغرب، وبما يشكله من عائق عظيم أمام الأطماع المختلفة وخاصة الخارجية التي لا تنتهي، يسعى دائما الخصوم إلى استهدافه، وخاصة من خلال الأفكار الإسلامية، المتطرفة، أوالغاوية، والتي هي ذات مصدر مشرقي أساسا، وغيرها من الأفكار من الأصقاع الأخرى التي تمزق علاقات السلطة القائمة في المجتمع بشكل ناعم، وتدمر الإسلام المغربي الأصيل الذي تمثل الزوايا أحد أساساته الصلبة، وبنيته التحتية الأساسية، بحيث تلتقي هذه الأفكار كلها في ضرب إستقلالية المغرب، وارتباط العرش العلوي بالشعب، بما يجعل المغرب آخر الأمر تابعا للمشرق، حيث لم تنتهي محاولات وأحلام المشارقة التاريخية في كسر شوكة العرش العلوي وتحويل المغرب لبلد تابع لإحدى الدول المشرقية، أو محاولات الآخرين لجعله محلا لتجربية غربية هجينة بما يضمن الأمن القومي للغرب على مستوى استراتيجي أعلى، وخاصة دول شمال المتوسط، وهو ما ييني جعل المغرب محلا لهيمنة البلدان المشرقية أو الغربية، بأي شكل كان، وبأي ثمن كان، وهو ما يعني الفتن والصراع الذي لا حد له، وذل التبعية، وبالتالي انهيار كل فرص الحياة الكريمة، وكل التطلعات العظيمة التي سعى لها الآباء والأجداد المؤسسون بهممهم العالية، وهنا فإن صيانة الترابط بين العرش العلوي المجيد الذي يعتبر إرث ثمين وقوة عظيمة للمغرب، وبين الشعب، وكل ما يدعمه هو أحد أهم متطلبات حماية وتعزيز الأمن القومي للمغرب في ظل التحديات المعاصرة، صان الله بلادنا من كل مكروه، وأدامها منبتا للأحرار، ومشرقا للأنوار.

محمد الطوالي
باحث في العلوم السياسية والإستراتيجية بمختبر الدراسات القانونية والسياسية بفاس

إقرأ الخبر من مصدره