“خوت بلا حوت”.. بقلم الدكتور كمال أكوجكال

Écrit par

dans

الأحداثد.كمال أكوجكال
في مدينة أكبر ميناء للسردين في العالم وأكبر طاجين للسمك في العالم، يردد البحارة “احنا خوت بلا حوت”. من المعلوم أن البحارة لا يتقاضون أجرا لقاء عملهم الشاق على متن بواخر وقوارب الصيد التقليدي، بل نصيبا من غنيمة كل رحلة تتحدى المحيط الغادر وليالي وساعات في بطن تلك الطبيعة المليئ بالمخاطر.
نصيب من السمك فقط، لكنهم رغم ذلك يرددون “احنا خوت بلا حوت”. تضامن وتعاضد قل في زمن الفردانية والأنانية المتوحش…
مدينة اشتهرت بأطباق السمك المعروف منها والنادر (كسكس بالحوت، بسطيلة بالحوت طبعا، وحوت معمر باللوز ومخضر بمختلف الفواكه المجففة…)
صارت العبارة منتشرة في كل مكان في المدينة، لم تعد حكرا على البحارة الذين تغنت بهم الراحلة نعيمة سميح، وكنت شخصيا أستعمل العبارة مازحا كلما تلقيت كلمة شكر من أحدهم. غير أنني لم أكتشف إلا مؤخرا أنها عبارة تستعمل حصريا في “حاضرة المحيط” كما سماها ابن خلدون والذي نسي أو تناسى هذه الخصائص اللغوية وما تحيل عليه من رموز.
رموز ثقافية وأنتربوليجية لابد من الإشارة إليها…
عندما تستعمل العبارة خارج سياقها فإنها تعني أن صاحبها لا يريد مقابلا لقاء ما قام به، لا يبحث عن هدية، أو بصراحة رشوة، نظير عمله، ذلك واجبه ولا يبحث في الحقيقة عما قد يجود به المستفيد. وذلك المواطن حتى لو قدم لك “الحوت” فإنه لا يبحث بالضرورة عن إرشائك، ولا يقدمه لك إلا تقربا منك وعرفانا منه بالجميل…
هم هكذا الآسفيون الكرام يبعثون لك صندوقا من السمك “بوليستيرا” بثلجها صيفا أو ببقدونسها شتاء حتى لو كنت في وجدة أو طان طان. تجد صعوبة في حملها عندما تصل إليك لدرجة تجعلك تتخيل أن مختلف أنواع الأسماك التي تجدها داخل ذلك الصندوق الأبيض زهيدة الثمن وأن في آسفي ونواحيها السمك ينط من الماء إلى حجر البحار مباشرة ودون عناء.
والحقيقة غير ذلك تماما. كرم وجود أبناء المدينة لا مثيل له، على الأقل بالنسبة لي…
عندما تزور آسفي وتسأل عن شيء ما قد تتفاجأ بردة فعل أبنائها…إذ يكونون على استعداد لمرافقتك إلى حيث تريد، بل يمدونك على طول الطريق بمختلف النصائح ولو لم تطلب ذلك…
شعب آسفي شعب معطاء…أبناء هذه المدينة لا يبتغون منك كلمة شكر ولا ينتظرون منك عرفانا. لا يريدون منك سوى احترام المدينة وأهلها،. ويمنون النفس أن تذكرها بكلمة طيبة ان كنت من الذين يعلمون…
في آسفي اطلب ما تشاء، فقط اطلب وسيجبر خاطرك، حتى لو طلبت رحلة مع البحارة لتتأمل كيف تمخر الباخرة عباب البحر ولتعرف كيف يأتي ذلك السمك الطري إلى طبق فوق طاولتك العاجية، فلو طلبت لحملوك معهم دون مقابل مهما طالت الرحلة…
وعندما تستحي من نفسك وتمد يدك إلى جيبك، تشعر بيد من فولاذ تمسك يدك وتتبثها في مكانها، ويأتيك صوت رخيم يقول لك : “حنا خوت بلا حوت”.

هيئة التحرير9 سبتمبر، 2025

إقرأ الخبر من مصدره