مع بداية شتنبر من كل سنة، يعود النقاش السياسي إلى الواجهة في المغرب، حيث تستأنف المؤسسات التشريعية والتنفيذية نشاطها بعد عطلة الصيف، ويُفتح الباب أمام أجندة جديدة تحمل بين طياتها ملفات ملحة، وتضع الحكومة والأحزاب السياسية على محك التحديات المقبلة. غير أن دخول شتنبر 2025 يبدو أكثر سخونة من سابقاته، إذ يأتي في سياق حساس قبل سنة من الانتخابات التشريعية المقررة في 2026، ما يجعله محطة مفصلية على طريق الإعداد للاستحقاقات المقبلة.
يتسم المشهد السياسي المغربي عند عتبة هذا الدخول بكثافة الملفات المطروحة وضغط الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية. فالحكومة مطالبة بترجمة التزاماتها ضمن البرنامج الحكومي، وسط تصاعد مطالب النقابات والشارع، وارتفاع وتيرة الانتقادات الموجهة للأداء الاقتصادي والاجتماعي. كما يظل هاجس التحضير للانتخابات المقبلة حاضرا بقوة، ما يجعل النقاش السياسي مشدودا بين الإصلاحات التشريعية الضرورية والحسابات الانتخابية المبكرة.
من أبرز أولويات الدخول السياسي إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي يتوقع أن يركز على أربعة محاور رئيسية تتجلى في ترسيخ مكانة الدولة في التخطيط، وتحقيق التوازن بين التنمية والعدالة الاجتماعية، وتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية، وضمان استدامة المالية العمومية.
إلى جانب ذلك، تُطرح على البرلمان ملفات تشريعية ثقيلة مثل القوانين الانتخابية، وإصلاح مدونة الأسرة، وتطوير منظومة العدالة، وقانون الإضراب الذي ظل معلقا منذ سنوات. هذه القوانين تمثل العمود الفقري للإصلاح السياسي والمؤسساتي في المرحلة المقبلة.
وزارة الداخلية أطلقت مسارا تشاوريا لإعادة النظر في الإطار القانوني المؤطر للانتخابات، عبر سبعة أهداف استراتيجية تشمل تحيين اللوائح الانتخابية ومحاربة الفساد الانتخابي ومواجهة العزوف وتعزيز مشاركة الشباب والنساء وتطوير الإعلام السياسي وتحسين التنظيم اللوجستي وضمان حياد الإدارة.
هذه المبادرة لا تنفصل عن الأفق الانتخابي لسنة 2026، إذ يراد منها تعزيز ثقة المواطن في العملية السياسية ورفع منسوب المشاركة.
إلى جانب الإصلاحات السياسية، تواجه الحكومة تحديات اجتماعية كبرى. في مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية وتعميم أنظمة التقاعد، وهو مشروع استراتيجي يُراد منه توطيد أسس الدولة الاجتماعية.
كما يبرز ملف إصلاح الضريبة على الدخل والحوار الاجتماعي مع النقابات، خاصة في ظل الجدل القائم حول العدالة الضريبية ومستقبل أنظمة التقاعد. وكلها ملفات تضع الحكومة أمام امتحان التوازن بين متطلبات الاستقرار الاجتماعي وضغط التوازنات المالية.
الدخول السياسي الحالي محكوم أيضا بملفات فورية تتطلب الحسم كإصلاح أنظمة التقاعد المطوقة بهاجس الاستدامة إلى جانب الحوار مع النقابات حول الأجور والقدرة الشرائية.
هذه القضايا ليست تقنية فحسب، بل تحمل انعكاسات سياسية قد تؤثر على صورة الحكومة وحظوظها في استحقاقات 2026.
يدخل المغرب شتنبر 2025 في سياق سياسي واجتماعي استثنائي، حيث تتقاطع فيه الإصلاحات التشريعية الكبرى مع الملفات الاجتماعية العاجلة، على إيقاع الاستعداد المبكر للانتخابات التشريعية 2026. وبينما تسعى الحكومة إلى الموازنة بين متطلبات التنمية وضغط الشارع، يبقى الرهان الأكبر هو تعزيز الثقة في المؤسسات السياسية وتكريس مسار الدولة الاجتماعية.