يحي الصغيري
أستاذ علم الاجتماع السياسي
افتتاحية
في زمن الأزمات العالمية المتشابكة، تُصبح السياسة فنّاً لبناء الأمل لا لإنتاج التيئيس. ومع ذلك، يصرّ بعض السياسيين على ارتداء أقنعة الأيديولوجيا القديمة، متنقلين بين الشيوعية والليبرالية والإسلاموية، فقط ليحافظوا على دفء الكرسي. تدوينات نبيل بنعبدالله الأخيرة ليست سوى مرآة لهذا البؤس السياسي المتلوّن الذي يفضّل العنف الرمزي على النقد البنّاء.
مفارقة الانتهازية وبؤس الحصيلة!
لا شيء يكشف عمق الانتهازية السياسية أكثر من مسار نبيل بنعبد الله نفسه. فالرجل الذي يوزع اليوم الدروس في الإصلاح والنقد، لم يترك أي بصمة تُذكر في مساره الطويل. مرّ كسفير فعاد وكأنه لم يغادر مكتبه، ومرّ كوزير فلم يخلّف وراءه سوى تقارير منسية وكراسي فارغة. حصيلته السياسية؟ أقرب إلى صفر على الهامش: لا أثر يُذكر، ولا إصلاح يخلّده التاريخ.
سنوات من التجوال بين حكومات متناقضة – من اليسار إلى الليبراليين ثم إلى الإسلاميين – لم تكن ثمرة قناعة فكرية أو رؤية استراتيجية، بل مجرد رحلة انتهازية غايتها الحفاظ على دفء الكرسي. إنّها سخرية سوداء أن من فشل في كل مناصبه يعود اليوم بوجه “الواعظ”، مسلحاً بخطاب تيئيسي فارغ، وكأنّ السياسة مجرد مسرح لتصفية الحسابات لا ورشة لبناء الوطن.
السياق التاريخي: لحظة الأزمة البنيوية
حين تسلمت حكومة أخنوش مهامها في خريف 2021، كان المغرب يعيش أزمة ثلاثية الأبعاد:
-مخلفات جائحة كورونا التي هزت الاقتصاد والمجتمع.
-الحرب الروسية–الأوكرانية التي فجّرت أزمة طاقة وغذاء غير مسبوقة.
-إرث عقد كامل من التدبير السابق الذي عمّق الاختلالات وأضعف الثقة.
-ست سنوات متتالية من الجفاف أرهقت الفلاحة وأثقلت كاهل الأسر.
إنها وضعية أقرب إلى ما سماه مهدي عامل بالبنية التابعة: تداخل أزمات داخلية مع ضغوط خارجية تُقيد حرية القرار وتجعل التدبير أشبه بالسير فوق حقل ألغام. ورغم ذلك، لم تلجأ الحكومة إلى شماعة الأزمة، بل انخرطت منذ البداية في تنزيل ركائز الدولة الاجتماعية، وأعادت الحياة إلى الحوار الاجتماعي بعد سنوات من الجمود، لتتوّج هذا المسار بـ اتفاق اجتماعي تاريخي يؤسس لثقة جديدة ومقاربة تعاقدية–تشاركية.
من النقد إلى العنف الرمزي
خطاب بنعبدالله لا يقوم على تفكيك موضوعي للواقع، بل ينزلق إلى ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”: فرض تأويل مشحون بالسوداوية، وتجريد الآخر من الشرعية عبر خطاب يكرّس الإحباط. وهنا نتذكر تصور فوكو للخطاب بوصفه ممارسة للسلطة قبل أن يكون مجرد قول.
الشعبوية والفراغ الدلالي
خطاب بنعبدالله يحمل أيضاً بصمات مما وصفه إرنستو لاكلو بـ”الفراغ الدلالي” للشعبوية، حيث تُستعمل مفاهيم كبرى مثل “الإخفاق” و”الواقع المرّ” دون أن تُقدَّم حلول عملية. إنها آلية لتأليب الرأي العام وتغذية السخط، لكنها لا تفتح أفقاً إصلاحياً ولا تبني بديلا سياسيا.
خاتمة: الحاجة إلى نقد مسؤول
إنّ المغرب، في ظل هذه الظروف الدولية والداخلية المعقدة، أحوج ما يكون إلى نقد مسؤول يقوم على ثقافة النتائج ومنطق التعاقد كما يشير هابرماس، لا إلى خطابات تيئيسية تعيد إنتاج الفراغ وتستنزف الزمن الديمقراطي.
فالسياسة ليست شعارات جوفاء ولا لعبة كراسي، بل مسؤولية تاريخية في بناء الأمل والثقة مع المواطن.
في النهاية، قد تُغفر الأخطاء في السياسة، لكن لا يُغفر أن يتحوّل الفشل إلى منبر للتنظير والتيئيس.