
عبد الفتاح لحجمري
كيف نقيم علاقة نقدية مع واقع يتسلل إلينا عبر أوضاع الجلوس، ونبرة الكلام، وتوقيت الاستيقاظ؟ أليس اليومي هو ما نرتديه من دون أن نختاره، ونمارسه من دون أن نفكر فيه، ونردده من دون أن نسأل عن معناه؟ في زمن يلهث نحو الأفكار العظيمة، هل يمكن لتلك اللحظة الهادئة أمام كأس شاي، أو تأمل المشية البطيئة، أن تكون بداية أفق جديد للفكر؟ أليس ذلك تأملا يغوص في عمق القضايا الكبرى عبر تفكيك نسيجها اليومي من الداخل؟
إن استحضار اللحظات الهادئة وتفكيك يومياتنا البسيطة لا ينهي الحكاية، بقدر ما يفتح لنا الباب لننظر بعمق أكثر في التفاصيل التي تغيب عادة عن وعينا، لنكشف بذلك عن أبعاد جديدة للمعنى والحياة… من ذلك:
رحلة داخل زمن العيادة
ليست العيادة الطبية مجرد فضاء للعلاج يقصده المرء حين يختل توازنه الفيزيولوجي، فيقابله طبيب يضبط الخلل ويعيد الأمور إلى نصابها؛ لكن يتبين، من جهة التجربة اليومية، أن العيادة زمن تتكثف فيه معاني القلق والفراغ وانتظارات الإنسان، كما تنكشف فيه هشاشته بأشد صورها كوميدية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
تدخل العيادة الساعة التاسعة صباحا، بناء على موعد محدد بدقة. تظن لوهلة أنك ستستقبل كما كتب في الرسائل النصية القصيرة. لكنك تجلس… وتنتظر، ثم تنتظر، ثم تنتظر أكثر. لا شيء يتحرك سوى عقارب الساعة ونبض التوتر في عنقك. أمامك رجل يسعل منذ الدقيقة الأولى، وامرأة تمسك بملف طبي سميك كما لو أنه رواية، وطفل يصدر صوتا يشبه عزفا حديثا على طبلة عصبية. وفي هذه اللحظة، تبدأ أولى مراحل التحول: من مريض إلى كائن فلسفي. تبدأ في التفكير في الحياة، في العدالة، في معنى الوجود، وربما حتى في كتابة وصيتك.
الزمن في العيادة لا يخضع لقوانين “نيوتن”، ولا حتى لخيال “أينشتاين”. دقيقة واحدة في قاعة الانتظار تساوي سنة من الترقب الداخلي. أما حين تسمع صوت الباب يفتح، وتشعر بأن دورك قد اقترب، ترتفع نبضات قلبك: تنهض، تتأهب، تقف على أطراف أملك… ثم ينادى باسم شخص آخر، فتعود إلى مقعدك مهزوما، وكأنك عائد من معركة لم تدع إليها.
ثم، فجأة، تنادي اسمك مساعدة الطبيب. تدخل إلى الحجرة، وتجلس على الكرسي الخشبي. الطبيب لا ينظر إليك مباشرة، بل إلى الشاشة. يسألك: “شنو كتحس؟” تحاول أن تشرح معاناتك منذ ثلاثة أشهر، فتقول: “هو… منين كنت كنتنفس…” يقاطعك: “عندك الحساسية. خذ هاد الدوا وخذ موعد جديد”.. لم تتجاوز العملية 72 ثانية، أسرع من تحضير قهوة سريعة الذوبان. تخرج وأنت تحاول إقناع نفسك بأن هذه السرعة الفائقة ليست إهمالا بقدر ما هي عبقرية مكثفة.
المفارقة الكبرى هي أنك تؤدي ثمن كل هذا ماديا وزمنيا ونفسيا؛ أي أنك تنتظر ساعة، تقابل الطبيب دقيقة، وتدفع أجرة كأنك حظيت بعلاج في جامعة هارفارد الطبية. وفي النهاية، تتساءل: هل أنا مريض فعلا، أم مجرد مشارك في تجربة فنية اسمها “كيف نحول القلق إلى بروتوكول علاجي؟”.. ليست العيادة مكانا للعلاج فقط، إنها مشهد يومي فاضح لواقعنا: حيث ننتظر كثيرا من الزمن، لنعالج بأقل القليل من الاهتمام. نأتي بأوجاعنا كلها، فنقابل بتشخيص سريع، ونخرج حاملين وصفة… ووهما بأن كل شيء بخير. لكن الحقيقة أن ما نحتاجه ربما لم يكن الدواء… وإنما مجرد استماع حقيقي لمدة دقيقة ونصف الدقيقة.
تأمل في عقل المستهلك العابر
قد يبدو التوجه إلى السوبرماركت فعلا بريئا، أقرب إلى طقس يومي لا يستحق الاهتمام والتحليل؛ لكن هذا الفعل الظاهري تكمن خلفه شبكة كثيفة من التناقضات النفسية، والإغراءات البصرية، والانزلاقات الوجودية التي تحول “شراء الخبز” من سلوك وظيفي إلى مغامرة عبثية، يتورط فيها الإنسان من غير مقاومة، ثم يخرج منها مزهوا، منتصرا على لا شيء.
حين ينهض الفرد من مقعده متوجها إلى السوبرماركت، حاملا في ذهنه هدفا واضحا “شراء الخبز”، فإنه يدخل في عقد نوايا مع ذاته. هذا الخبز ليس مجرد مادة غذائية، إنه استعارة لشيء ضروري، بسيط، واضح، ومحدد. لكنه، ويا للمفارقة، يختفي من الذاكرة فور دخول الفرد إلى مجال السوبرماركت، كما تختفي الأهداف النبيلة عند أول احتكاك مع الواقع.
في اللحظة التي تطأ فيها قدم المستهلك أرضية المتجر، تبدأ حرب غير متكافئة: هو مسلح بنية واحدة شراء الخبز، وهم مسلحون بجيش من العروض والألوان والعطور الاصطناعية والتخفيضات الموسمية، وكلها تهدف إلى إرباك “النية الأولى”. وهكذا، يتحول المتسوق إلى ضحية متقدمة “لاقتصاد الانتباه” Économie d’attention، حيث لا يقاس النجاح بما تشتريه، وإنما بما تنسى أنك جئت من أجله. في حالة صاحبنا، تتجلى رمزية المشتريات فيما تم اختياره تحديدا:
ـ منظف الحمام: تذكير مبطن بأنك رغم فوضاك، ما زلت تؤمن بالنظافة.
ـ الحذاء البلاستيكي: انزلاق نحو الحنين الطفولي، أو ربما تحضير لاواعي لكارثة قادمة تستدعي حذاء لا يبكيه المطر.
ـ الشوكولاتة الألمانية: انسحاب داخلي إلى مساحة اللذة، وتعويض مادي عن فراغ رمزي. هي لحظة ذات طابع فرويدي بامتياز.
ـ مجلة تربية القطط: دليل قاطع على أن الرغبة في السيطرة لا تمارس على الذات، وإنما على كائن مستقل يحتاجك فقط حين يجوع.
وفي هذه القائمة المبعثرة، الخبز غائب. وهو غياب ميتافيزيقي: لقد صار مجرد فكرة، فكرة اختطفتها النزوات واختفت في متاهة السلع. ورغم غياب الخبز، خرج صاحبنا بشعور غريب من الانتصار. لماذا؟ لأنه، داخل جغرافيا الإنفاق، قاوم فكرة “العودة خالي الوفاض”، ولو عبر اقتناء أشياء لا يحتاجها. فالانتصار الاستهلاكي لا يقوم على ملاءمة المشتريات للحاجة، وإنما على تحقيق الفعل نفسه: الشراء، بوصفه دليلا على الوجود، على القدرة، وعلى أن المرء ما زال طرفا في اللعبة.
قد يبدو هذا السلوك عبثيا من منظور المنطق الخالص. لكن حين نتأمله من منظور “الفرد في العصر النيو-ليبرالي”، فإن هذا التيه الاستهلاكي هو أحد أشكال البقاء. فالخبز قد يؤكل وينسى، أما منظف الحمام والشوكولاتة ومجلة القطط… فهي أشياء تقول لك: “أنت ما زلت تشتري، إذا أنت ما زلت حيا”.
حين تتحدث إلى اللاشيء
هناك لحظات في الحياة لا تنسى: لحظة النجاح، لحظة الحب، ولحظة المرور بجانب شخص لا تريد أن تكلمه… فتجد نفسك تتحدث إلى “لا أحد” بكل ثقة. هاتفك في يدك، ترفعه إلى أذنك، تبدأ في تمثيل مشهد محادثة مع كائن وهمي: “آه آه… لا لا، قلت له…. لكن هو أصر، وأنا قلت مستحيل!” تلوح بيدك، تهز رأسك، تضحك بخفة… وكأنك في فيلم من إنتاج دماغك وحدك.
هذا السلوك، رغم تفاهته، هو شكل من البقاء الاجتماعي. إنه آلية دفاع ضد اللقاء العشوائي الذي قد يسحب منك نصف ساعة من حياتك دون أي مقابل سوى أحاديث عن الطقس وأسعار الطماطم وأحوال العمة خديجة التي لا تعرفها.
في هذه اللحظة، أنت لست كاذبا… وإنما فنان أداء. تمثل، تتفاعل، تتنفس كأن على الطرف الآخر من الخط شخصا حقيقيا اسمه “المنقذ”، أو ربما “الوهم”. اللحظة القاتلة: حين يرن الهاتف فعلا: هنا، تنقلب المسرحية إلى تراجيديا يونانية. أنت غارق في محادثتك الوهمية، تقول: “لا لا، سأرسل الملف غدا، لا تقلق، كل شيء تحت السيطرة…” وفجأة، الهاتف يرن! تتجمد. تتوقف عن الكلام. تنظر إلى الشاشة: إنه صديقك الحقيقي الذي قرر الآن بالضبط أن يكلمك. وكل من حولك يدرك: لقد كشف السر. والممثل العظيم… سقط.
لماذا نفعل هذا؟ في عمق هذا الموقف الساخر، يكمن سؤال وجودي: لماذا نهرب من اللقاءات؟ هل سئمنا المجاملات؟ هل تعبنا من شرح “أين وصلت؟” و”ماذا تعمل الآن؟” و”لماذا تبدو مرهقا؟” ربما لأننا لم نعد نتحمل المحادثات التي تبدأ بجملة: “شفت ماتش البارح؟” ونحن لم نشاهد إلا أنفسنا نغرق في الروتين اليومي.
كلنا فعلناها؛ كلنا تظاهرنا بمكالمة وهمية مرة على الأقل، وربما فعلناها ونحن نعلم أن الشخص الآخر يعلم أننا نتظاهر… لكننا تواطأنا في الكذبة الجميلة، فقط لنتفادى وجع الواقع. وفي ذلك نوع من الإنسانية… أو من الهروب المتحضر.
تمارين صغيرة على القلق والرغبة والاختيار
أيمكن أن تتحول لحظة الانتظار في عيادة مزدحمة، حيث يختلط وجع الأجساد بوجع الصمت، إلى مرآة لحياتنا الداخلية؟ وهل يظل فعل التسوق مجرد تبادل للنقود والسلع، أم أنه تمرين يومي على انتقاء هوياتنا من رفوف غير مرئية؟ ثم ماذا عن المكالمة الهاتفية المزيفة التي نرد عليها لنتفادى حوارا أو نكسر عزلة؟ أليست تلك اللحظات الصغيرة اختبارا حقيقيا لمدى هشاشتنا وقدرتنا على بناء مسافة مع العالم؟ أليس في تلك الاختيارات البسيطة، ما يكشف عن البنية الخفية لعلاقاتنا بالآخرين وبأنفسنا؟ وهل يمكن أن تكون العيادة والسوق والهاتف مجرد فضاءات عابرة، أم أنها مختبرات يومية تفضح ما نخفيه من قلق ورغبة وتناقض؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.