مشروع قانون مالية 2027 يضع الحكومة الجديدة أمام اختبار دستوري

يدخل مشروع قانون المالية للسنة المالية 2027 أسبوعَه الأخير قبل الأجل المحدد في القانون التنظيمي للمالية لإيداعه بمجلس النواب.

وفي المقابل، تتسارع خطوات تشكيل الحكومة قبيل إعلان تنصيبها رسميا برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري؛ إثر إعلان “تحالف رباعي” للأغلبية الحكومية، يضم أحزاب “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”التقدم والاشتراكية”.

أجل ضاغط

أعلنت أحزاب الأغلبية الأربعة، في بلاغ صدر مساء الاثنين 12 أكتوبر الجاري، أنها “ستقترح أسماء وزراء ووزيرات تتوفر فيهم الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة”. وحدد البلاغ الهدف في تشكيل حكومة “منسجمة وقوية”، قادرة على “تفعيل برنامج حكومي سيُعد في أقرب الآجال”؛ غير أن الزمن الدستوري لا ينتظر اكتمال التشكيلة، فالأجل الدستوري ينتهي يوم الثلاثاء المقبل 20 أكتوبر، أي بعد أسبوع واحد من الآن.

هذا الضغط مستمد أيضا من الآجال الملزِمة، إذ تُلزم المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 للمالية بإيداع المشروع المالي للسنة المقبلة “بالأسبقية بمكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير”. ويُرفق المشروع بثلاث عشرة وثيقة؛ أبرزها مذكرة التقديم والتقرير الاقتصادي والمالي وتقارير موضوعاتية أخرى.

وتسند المادة 46 إعداد المشروع إلى الوزير المكلف بالمالية، تحت سلطة رئيس الحكومة. ويتم ذلك وفق التوجهات العامة التي يتداول بشأنها المجلس الوزاري طبقا للفصل 49 من دستور 2011.

ولا يعني الإيداع نهاية المسار، إذ تحدد المادة 49 آجال البت على النحو التالي: 30 يوما لمجلس النواب، تَليها 22 يوما لمجلس المستشارين، قبل أن يعود في نطاق 6 أيام لقراءة ثانية و”نهائية” بمجلس النواب.

وإذا تعذّر التصويت قبل 31 دجنبر، تنص المادة 50 على أن تفتح الحكومة بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية. ويستمر استخلاص المداخيل وفق الأحكام الجارية.

وسبق أن أودعت حكومة عزيز أخنوش مشروع مالية 2022 يوم 18 أكتوبر 2021، بعد أسابيع من الانتخابات، وأدخلت عليه مقتضيات تعكس التزاماتها الانتخابية.

“فرضيات” تحت ضغط الأسواق

اعتمدت المذكرة التوجيهية نموا في حدود 4,1 في المائة سنة 2027، وتضخما حول 2 في المائة، ومحصولا من الحبوب في حدود 70 مليون قنطار، وسعرا للنفط في حدود 70 دولارا للبرميل، وللبوتان 500 دولار للطن.

وأفادت المعطيات المنشورة بأن نمو 2027 يعتمد أساسا على دينامية الأنشطة غير الفلاحية، دون اللجوء إلى مداخيل استثنائية؛ غير أن الأسواق الدولية تسير في اتجاه آخر، بالنظر إلى استمرار العقود الآجلة لخام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل مع بداية أكتوبر 2026.

وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية قد ربطت، خلال عرضها أمام لجنتي المالية، حالة عدم اليقين بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد.

ويفرض القانون التنظيمي، في مادته العاشرة، أن تقدم قوانين المالية بصدق مجموع الموارد والتكاليف. ويتم تقييم صدقية ذلك استنادا إلى المعطيات المتوفرة أثناء الإعداد. أما المادة 9 فتحدد رصيد الميزانية المتوقع على أساس الفرضيات التي بُني عليها المشروع.

هامش التعديل مفتوح

في تصريح لهسبريس، نبّه جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية والمتخصص في التشريع المالي والمالية العمومية، إلى “خلط شائع” يقع فيه حتى بعض الأكاديميين والأساتذة الجامعيين بخصوص الطبيعة القانونية للقانون التنظيمي.

وأكد لعسري، في شروحات قدّمها للجريدة، أن هذا القانون التنظيمي “يشكل جزءا لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية، على اعتبار أن القوانين التنظيمية لا تدخل حيز النفاذ والعمل إلا بعد إقرار المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور؛ وهو ما يجعل أي مساس أو مخالفة لأحكامه بمثابة خرق صريح للدستور نفسه”.

وأوضح الأستاذ المختص في التشريع المالي والمالية العمومية أن “الحكومة تَمتلك كامل الصلاحيات ولا تواجه أي مانع يمنع إدخال تعديلات، سواء عبر مقترحات أحزاب الأغلبية داخل البرلمان أثناء مرحلة المناقشة التشريعية وقبولها من لدن الحكومة كمخرج سياسي سليم، أو من خلال مبادرة الحكومة ذاتها بتعديل نص المشروع قبل إيداعه الرسمي بحلول 20 أكتوبر”.

وأضاف لعسري أنه “حتى في سيناريو صدور القانون بحلول عام 2027، فلا شيء يحول دون تعديل مقتضياته مستقبلا عبر قوانين مالية تعديلية”، مشددا على أن “كافة الخيارات والإمكانات الدستورية تظل متاحة وقائمة”.

وحسب المتحدث عينه، فإن الحكومة تَملك “كامل الصلاحيات لإدخال تعديلات على المشروع. ويمكن أن يتم ذلك عبر مقترحات أحزاب الأغلبية أثناء المناقشة البرلمانية إذا قبلتها الحكومة، أو بمبادرة الحكومة نفسها قبل الإيداع في 20 أكتوبر”، لافتا إلى أن اللجوء إلى “قوانين مالية تعديلية يظل ممكنا وواردا حتى بعد صدور القانون”.

ويأتي ذلك في سياق وعود انتخابية سابقة. فقد قدم حزب الأصالة والمعاصرة، الحائز على 97 مقعدا من أصل 395، برنامجا بكلفة إضافية معلنة قدرها 350 مليار درهم بين 2027 و2031. وتتجه قراءات متداولة إلى أن “سيناريو التعديل الجزئي هو الأرجح، لا إعادة كتابة المشروع المالي للعام المقبل.

جدير بالتذكير أن المذكرة التوجيهية لـ”مالية 2027″ قد صدرت يوم 5 غشت 2026 من لدن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايته. وطالبت المذكرة ذاتها القطاعاتِ الوزارية بـ”ترشيد النفقات وحصر إحداث المناصب المالية الجديدة في الحاجيات الضرورية”.

وحددت الوثيقة عينُها أربع أولويات كبرى؛ منها توطيد المكتسبات الاقتصادية، وتدارك الفوارق المجالية والاجتماعية، ومواصلة تثبيت ركائز الدولة الاجتماعية، والحفاظ على توازنات المالية العمومية.

وقدّر عبد الرزاق الهيري، أستاذ المالية والاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن “المذكرة ملزمة إداريا في مرحلة التحضير فقط”.

وأكد الهيري أن الوثيقة سالفة الذكر “لا تُقيّد الحكومة المقبلة سياسيا بالمعنى المطلق”، حسب إفادة سابقة لهسبريس.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق