بيداغوجية الواقع من زفزاف إلى الجابري

Écrit par

dans


المصطفى اجْماهْري

ذات يوم بعيد من بداية الثمانينيات كنت صحبة الشاعر الراحل ميلودي بلحديوي، وكعادتنا زُرنا الكاتب الكبير محمد زفزاف في بيته المعروف بحي المعاريف. فوجدنا عنده سيدة، تعمل في مطعم قريب، واللافت أنه كان لها اهتمام بمجال الكتابة. انخرطنا معهما في الحديث، وبعد حين سُمع دق على باب الشقة، ففتحه زفزاف، كان الزائر هو القاص “حسن”. ولم تصعب علينا معرفته، فقد سبق أن رأينا صورته الشخصية في جريدة “المحرر”. ولما جاء دور السيدة ليقدمها له، قال:

هذه فلانة، إن شئت حدثتْك عن الواقع الحقيقي في الدار البيضاء، الذي أنْت تجهله.

وفي معرض التعليق والنقاش قال لنا الراحل محمد زفزاف ما معناه إن من يكتبون القصة والرواية غالبا ما يكتبونهما انطلاقا من ركن في مقهى، دونما معرفة حقيقية بالواقع المعقّد. ذلك أن بعض تفاعلات الواقع وظواهره دائما أعمق مما تعبر عنه الكتابة الإبداعية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وطبعا موقف زفزاف يتماهى مع موقف كتاب آخرين عرب وغربيين. ففي حوار مع مجلة “ليرْ” Lire الفرنسية (مارس 1996) يقول الروائي أمبرتو إيكو إنه عاجز عن حكْي شيء يجهله. فلو كان عليه أن يكتب مثلا “القطار وقف بمحطة ديجون ونزل الرجل لشراء جريدة” سوف يختبر ذلك، حيث سيمُر على محطة ديجون لمعرفة كم من الوقت يلزم للنزول من القطار والعثور على كشك جرائد”. ويضيف إيكو : “إن التفاصيل الأكثر غرابة في رواياته هي الأكثر صدقا، فليس هناك ما هو أكثر روائية من الواقع”.

ولربما قاربتْ هذه الفكرة أيضا ما كان يعتبره السوسيولوجي بول باسكون “بيداغوجية الواقع”، حيث أخضع خريجي معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة لتداريب ميدانية لدى الفلاحين في القرى والمداشر. فلم يكن من المعقول لديه ألّا تتّسخ ملابس مهندس زراعي شاب بروث البهائم ووحل الحقول، أو لا يقتسم وجبة خبز وشاي مع فلاح معزول في دوار بعيد. الإشكال هنا، كما لاحظ الأنثربولوجي عبد الله حمودي (مصير المجتمع المغربي، 2004)، أنك “لا تستطيع أن تجد ولو خمسة كتب لمفكرين عاشوا ولو لستة أشهر مع الفلاحين في الريف المصري أو غيره. ذلك أن ارتباط المثقفين والنخب التي تدعي العقلانية كان ارتباطا نظريا”. وحينما خرج الأستاذ عبد الله حمودي في استطلاعات بالبادية مع بعض “النخب”، كما أسماها، كان يلاحظ كيف يصعب عليها أحيانا استيعاب مفردات جهوية بالدارجة، ومن ثمة كانت، كما يقول، تعوضها بمفردات آتية من الأوساط التي تعيش فيها.

إن الحقيقة الثاوية في نصيحة محمد زفزاف للقاص الشاب، أو في بيداغوجية العيش مع الفلاح التي ابتدعها بول باسكون للمهندسين قيد التكوين، إنما القصد منها استكمال النقص في المعرفة بالواقع. هذا النقص الذي يُعد، في منظور المفكر محمد عابد الجابري، من أهم الخصائص الأساسية للخطاب العربي الحديث والمعاصر.

وصفوة القول أنّ بعض الدراسات التي اهتمت بالمسألة الثقافية في المغرب لامستْ هذا الموضوع. ففي منتصف الثمانينيات صدر بالدار البيضاء كتابان هامان أشارا، من بين ما أشارا إليه، إلى هذه النقطة بالذات. ففي كتابه “ثقافتنا في ضوء التاريخ” الصادر سنة 1984، نبّه المفكر عبد الله العروي إلى هذه العلاقة المبتورة، مؤكدا أن “من سمات المثقف العربي الجهل بالمحيط الطبيعي والتاريخي، محيط المثقف هو محيط ثقافته لا ما يحيط به ماديا وأدبيا في الوقت الحاضر. والمثقف العربي بسبب تكوينه المجرد يميل إلى اعتناق أي مذهب يظهر في السوق (ص 175)”.

أما الكتاب الثاني الذي صدر في السنة الموالية 1985، فهو “الرهان الثقافي” للشاعر عبد اللطيف اللعبي، الذي يربط بين “التجديد الثقافي” و”معرفة الواقع”، حيث كتب يقول: “إن مشروع التجديد الثقافي المنشود يتطلب معرفة دقيقة بالواقع الملموس، حتى أن معرفتنا بالواقع وعلى أوسع نطاق لا تزال محصورة جدا. والمفجع في الأمر هو أن فقرنا في هذا المجال يجعل من الدراسات التي قام بها الباحثون الاستعماريون منذ عشرات السنين (وعلى علاتها الإيديولوجية المقيتة) مرجعا لا يعوض ولم يعوّض لحد الآن، والسبب في ذلك هو النزعة التجريدية التي تطغى على الفكر المغربي والعربي عامة (ص 20)”.

المعرفة المجردة والنزعة التجريدية، اللتان رصدهما عبد الله العروي وعبد اللطيف اللعبي لدى المثقف المغربي كما العربي، تدفعان الكثيرين إلى اختيار التبسيط وتفضيل اللفظية والتغاضي عن التفاصيل الفارقة. ومن ثمة لا غرابة أن نجد أن جل الإنتاجات الثقافية في المغرب، التي بُنيت على دراسات ميدانية أو على دراسة حالات معينة، إنما جاءت نتيجة مجهودات فردية معزولة، غالبا ما كان وراءها كتاب وباحثون متطوعون. أما الجامعات العربية فهي، على العموم، “تعاني من غلبة الدراسات الأدبية والنظرية على الدراسات العلمية والتقنية”، حسبما جاء في افتتاحية مجلة “الوحدة” (شتنبر 1990) حول التعليم العالي والبحث العلمي في الوطن العربي.

-كاتب وناشر “دفاتر الجديدة”

إقرأ الخبر من مصدره