الأحداثبقلم محمد اعويفية
المهتم بالمشهد السياسي الوطني والمحلي، تبدو له أحزاب اليسار هنا بآسفي وكأنها تعيش في سبات عميق. فهي تكاد تكون غير موجودة إلا بالاسم فقط، حضورها وتأثيرها في القرار السياسي المحلي يكاد يكون باهتا وهامشيا إلى درجة العدم.
هذا الضعف والهوان البين لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة سلسلة من الخيبات والتراكمات البنيوية والهيكلية و حتى الفكرية، التي أفضت إلى اختيار تمثيلية ضعيفة ، بلا ماضي نضالي جعلت اليسار، خصوصا حزب الاتحاد الاشتراكي، مهزوما وعاجزا عن الاقتراب من نبض سكان المدينة وقضاياهم الآنية. عزلة هؤلاء الأشخاص وضعف تواصلهم مع الناس، وانشغال الكوادر المثقفة المتبقية من “الرفاق” البارديين باجترار و تلويك خطاباتها الهيامية المألوفة ، عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية كعناوين كبرى في المقاهي وفي بعض اللقاءات الخجولة عبر المواقع الإعلامية، هذا الانشغال المبالغ فيه أبعدهم لمسافات عن أدق تفاصيل الحياة اليومية مثل: البطالة، النظافة، غلاء المعيشة، النقل، الفوضى العمرانية، والفراغ الثقافي.
هذه القضايا الحساسة استغلتها ولعبت على وترها أحزاب أخرى لتجعلها أكثر قربا من الناس وأكثر قدرة على تعبئتهم للاستحقاقات، سواء السابقة أو القادمة.
تفكك تنظيمات أحزاب اليسار من الداخل، وشق ظهرها بسبب الأنانية والصراعات الشخصية، أدى إلى انقسامات واسعة تناسلت على وقعها كيانات حزبية صغيرة جعلت اليسار يتهاوى ويفقد القوة العددية والرمزية التي كانت تؤهله ليكون مهاب الجانب أمام الخصوم السياسيين. هذه البلقنة وهذا التفكك انعكس أيضا على وحدة الرؤية في الخطاب، ففتح الباب أمام أصوات متنافرة تتحدث باسم اليسار، تزكي وتزيد من فقدان الثقة كليا عند المواطن.
أزمة اليسار الحقيقية تكمن في نخبه التي لا تريد أن تترك برجها العاجي وتنزل للشارع لتؤطره وتنوره من جديد. بالإضافة إلى أن الكثير من الوجوه التي تتصدر المشهد الآن دجنت، خبى وميضها ،و فقدت جاذبيتها، فرغم أنها استهلكت نهائيا تأبى أن تفسح المجال لقيادات شابة طموحة قادرة على ضخ دماء جديدة لإعادة تنظيم هياكل اليسار المتهالكة، ومد جسور التواصل مع القواعد وكل الجماهير. ستظل الأحزاب كلها، دون استثناء، أسيرة نخبة ضيقة تعيد إنتاج نفسها بالوراثة والنمطية من أجل الخلود ، و تستمر في العيش على رصيد نضالي رث و قديم تجاوزه الزمن إلى درجة أنه لم يعد يحرك الضمائر كما أنه لم يعد يقنع الأجيال الحالية، المتنورة منها طبعا.
الأزمة الأعمق هي أزمة هوية ومدى صمود أحزاب اليسار أمام التحولات الكبيرة التي يعرفها المغرب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ما دامت هذه الأحزاب عاجزة هكذا عن تجديد خطابها وفاشلة كليا في صياغة بدائل عملية قريبة من هموم المواطنين الذين يبحثون عن حلول ملموسة لواقعهم ومشاكلهم المعيشة. في الحين الذي لايزال خطابها بعيدا عن الواقع، عاما، نظريا ، و فضفاضا .
ضعف أحزاب اليسار الملاحظ في آسفي لا يعني موت الفكر اليساري فيها وتلاشيه بصفة نهائية، بل يدل على ضرورة ملحة من أجل التحرك لإعادة بناء مشروعه التقدمي بأكمله على قواعد متينة وجديدة: أقرب إلى المواطن، تهتم بقضاياه المحلية اليومية، وتنفتح على الطاقات الشابة، وتتجاوز الحسابات الضيقة.
فالمعركة الحقيقية ليست في رفع الشعارات أيام الحملة الإنتخابية، أو المقامرة على المؤثرين والمؤثرات ،بل في القدرة على أن يكون اليسار صوت الشعب كما كان في السابق ، قوة اقتراح وفعل ملموس داخل مجالس المدينة ، في أزقتها، في دور شبابها، في مدارسها، في معاملها و في جامعاتها… حيث تبدأ السياسة الحقيقية.
هيئة التحرير20 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره