طبّ الدليل أم طبّ الوهم؟

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

من المفارقات التي نعيشها اليوم في ميدان التطبيب هو أن المعضلة ليست في غموض الحقيقة، بل في أن المنهج العلمي أصدق وأكثر صرامة مما يحتمله كثيرون. العالِم أو الباحث حين يتحدث عن علاج معين او دواء جديد لا يَعِد بمعجزة، بل يوضّح بناء على ما توصلت اليه الأبحاث والتجارب السريرية: “قد تتحسن حالتك بنسبة معينة، هذه هي الآثار الجانبية المحتملة، هذه نسبة الخطر في حالة الجراحة، مرضك مرض مزمن ويجب ان تأخذ الدواء طول حياتك، الخ…”. العلاجات التي يقترحها الطبيب لم تنزل من السماء، ولكن كانت نتاج مسار طويل يبدأ بالتجارب المخبرية، مروراً بالحيوانات، ثم يمر بمراحل سريرية دقيقة على البشر. يلتزم العالِم بأن يثبت أن العلاج أفضل من العلاج الوهمي (Effect Placebo)، وينشر كل النتائج بما فيها السلبية في مجلات محكمة، بعد أن تخضع لمراجعة من طرف خبراء في الميدان. نعم، هذا المسار بطيء ومتعب، لكنه وحده الذي يمنح حلولاً حقيقية للناس.

في المقابل، يظهر دجّال، لا علاقة له لا بالعلم ولا بالطب، ولا يفهم ما معنى التجارب السريرية، ليعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالشفاء التام بثقة لا مثيل لها: “زيتي المعجزة يشفي السرطان، أعشابي تصلح لكل داء، وصفتي تضمن لك عمراً مديداً، توقف عن أكل الخبز وشرب الحليب وستشفى من كل الأمراض، السكري كذبة كبيرة، السرطان مرض بسيط، وما شابه من الخزعبلات والهرطقات…”. لا تجارب، لا دليل ولا برهان، فقط وعود براقة تسوق لليائسين والمحتاجين. المؤلم أن كثيرين يصدقونه لأن وعده بسيط ومريح: “بهذا البرنامج ستشفى كلياً، ستعالج روحك من الداخل، ستعاد برمجة خلاياك، وستستعيد توازنك الهرموني…”. أما الكذبة القاضية فهي: ” هذه الوصفة تعالج المرض من الأساس بخلاف ادوية الطبيب التي تعالج الاعراض فقط”. هذا الدجل هو الذي يواجه الطبيب النزيه المتحمل لمسؤوليته الاخلاقية والذي يكتفي بواقعية علمية: “قد تتحسن بنسبة 60% أو 70%”. هذا الصراحة تبدو أقل إغراءً لغير الخبير.

الفرق هنا جوهري: فادعاء العالِم أو الطبيب بُني على دليل وتجربة قابلة للتحقق، بينما وصفات الدجال لا يعدو أن تكون وهماً بلا سند. ومع ذلك، حين تتدخل السلطات المعنية لإيقاف نشاط الدجّال بعدما يشتكي بعض الضحايا، يخرج البعض ليتحدث عن “قمع” علاج كان يشفي المرضى وينطلقون في سردية نظرية مؤامرة شركات الدواء، بالتواطئ مع الحكومات والأطباء، التي تريد ان تبقينا مرضى لكي ترفع أرباحها. والحقيقة أنه لأول مرة طُلِب من الدجال أن يتحمل المسؤولية، ففشل في إثبات ما يقول.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

لكن تدليس الدجالين وممتحني صفة الطبيب لا يتوقف عند الكلام فقط. يجيد الدجالون استغلال مآسي المرضى عبر تقنيات خبيثة ومدروسة منها:

اختلاق الشهادات وقصص النجاح: تصوير مشاهد بعناية لتضليل الجمهور وإيهامه بأن المرضى قد شُفوا، رغم أن ذلك مجرد تمثيل.

خلط الأعشاب بمواد خطرة: استخدام أعشاب مع مسكنات قوية أو مواد مجهولة التركيب لإخفاء الألم مؤقتًا، ما يمنح إحساسًا زائفًا بالتحسن، وقد يؤدي أحيانًا إلى الإدمان أو التسمم.

توظيف الرمزية الدينية: طقوس، تلاوات، ووعود ببركات روحية لمن يتبع وصفاتهم، ما يمنحهم هالة شرعية زائفة.

ادعاء السلامة المطلقة للعلاجات الطبيعية: بالرغم من أن بعض هذه الوصفات قد تحتوي على مواد سامة أو أدوية مجهولة الجرعة، مما يعرض المريض لخطر دائم.

استغلال الحالات الطارئة: تقديم وعود سريعة بالشفاء للمريض المستعجل أو اليائس، مستفيدين من خوفه وقلقه.

الضغط النفسي والعاطفي: التلاعب بمشاعر المريض، مثل الشعور بالذنب أو الخوف من عواقب المرض، لإجباره على اتباع وصفاتهم.

بيع أجهزة أو أدوات وهمية: تسويق أجهزة كهربائية أو أجهزة قياس لا تأثير لها، مدعين أنها تشخص أو تعالج المرض.

تقديم علاجات “فريدة” بسعر باهظ: إيهام المريض بأنها مستوردة أو سرية أو “معجزة”، ما يستنزف أمواله دون أي نتيجة حقيقية.

استخدام شهرة مؤثرين أو دعاية مزيفة: استغلال أسماء وشخصيات معروفة لإيهام المرضى بأن العلاج معتمد أو فعال.

أساليب التحايل والنصب هذه تجد بيئة خصبة في المجتمعات التي يعاني فيها التعليم من التدهور، حيث تزداد قابلية الناس لتصديق الخرافات والشائعات وينعدم الفكر النقدي. الضعف العلمي يجعل الفرد فريسة سهلة للادعاءات الزائفة، خصوصاً حين يكون اليأس والخوف سيد الموقف. يؤكد خبراء علم الاجتماع أن الميل للبديهيات الساذجة وتجاهل البرهان يتضاعف في الأوساط الأقل تعليماً، مع أن الخرافة أحياناً تخترق حتى بعض المتعلمين تحت ضغط الظروف أو الحاجة لتفسير سريع ومريح.

الناس يثقون بالعلم حين ينقذ حياتهم: هو الذي ابتكر اللقاحات وقضى على كثير من الامراض الفتاكة مثل شلل الأطفال، وابتكر المضادات الحيوية التي تنقذ ملايين البشر من امراض كانت تعتبر حكما بالإعدام، وجعل كثيرا من مرضى السكري والسرطان مثلا يعيشون عمرا طويلا وبجودة حياة عالية، وجعل الجراحين ينجزون معجزات… ولا داعي لذكر ان العلم أوصل الإنسان إلى أعماق البحار والفضاء، وصنع الهاتف، والكهرباء، والقطار، وبنى لنا الإنترنت الخ… هذه الإنجازات لم يصنعها بائعو الوصفات العشوائية أو الزيوت أو المكملات السحرية، بل تحقّق بفضل الصرامة والصدق وتصحيح الخطأ عند ظهوره. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بالأمراض المستعصية واليأس، نجد البعض أكثر استعداداً لتصديق بائع أوهام على “يوتيوب” أو “تيك توك” لمجرد أنه يَعِد بالشفاء بدون أي دليل.

المشكلة الأخرى أن كثيرين يغضبون عندما يغيّر العلم موقفه مع ظهور أدلة جديدة، فيقولون: “لا يمكن الوثوق بالعلم لأنه يتقلب”. لكن هذا هو جوهر قوته: أن يسير دائماً مع أفضل ما يتوفر من أدلة، وأن يعترف بخطئه ويصححه. فما البديل؟ هل نتمسك بآراء جامدة لا تتغير مهما تبيّن بطلانها؟

العلم ليس كاملاً. لكنه صادق. وتغير نتائجه مع تراكم الأدلة ليس ضعفاً، بل مصدر قوته، أما من يصر على أفكاره ويعيد ترويجها رغم ثبوت زيفها، فهو الدجّال الحقيقي، لا العالِم او الطبيب المسؤول، المتشبث بأخلاقيات البحث العلمي والطب.

علينا أن ندرك أن الصدق ليس ضعفاً، بل فضيلة، وأن الاعتراف بالخطأ ميزة لا عيب. العلم ليس معصوماً، لكنه منهج يجعلنا نقترب باستمرار من الحقيقة. أما إذا تركنا الساحة للدجالين ليبيعوا أوهامهم بلا رقيب ولا حساب، فسيتوقف التقدم وسنعود خطوات إلى الوراء.

احذروا الدجالين!! فهم لا يقدّمون دواءً ولا علاجاً، بل يبيعون وهماً رخيصاً ويستغلّون آلامكم ومعاناتكم. لو كان في خلطاتهم شفاء حقيقي، لما وجدتَها معروضة على أرصفة الشوارع أو في أسواق عشوائية، ولما اضطروا لاستعمال الخدع والحيل لتسويقها. عندها كانت الشركات والهيئات العلمية ستسارع منذ زمن إلى تحويلها إلى دواء معتمد وتبنّيها رسميّاً بعد اجراء اختبارات سريرية وتحديد الجرعات الفعالة والاضرار الجانية ومن من المرضى ستناسب.

العلم حليفنا الأوحد في مواجهة المرض، وصدق العلماء هو الضمانة الوحيدة أمام الوقوع في فخ الخديعة. الفرق جوهري: العالِم مسؤول عن كل كلمة أمام البراهين، أما الدجّال فلا يبيع إلا الوهم في الهواء.

احذروا، فمستقبلنا لا يُبنى إلا بالدليل… لا بالأمنيات أو الخرافات.

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره