
حاوره: عبد العزيز أكرام
أكد عبد الرحيم خالص، الأستاذ الباحث في العلوم القانونية والسياسية، أن “مخرجات المشاورات المتواصلة ما بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية بخصوص “تشريعيات 2026″، يرتقب أن تتأرجح بين مراجعة القوانين الانتخابية بإحداث تعديلات تقنية جد ضيقة، وبين إحداث تعديلات تقنية وسياسية في الوقت نفسه”.
واعتبر الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بأيت ملول، في حواره التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “اقتراح بعض الأحزاب السياسية الرفع من عدد مقاعد مجلس النواب لا يعدو كونه مطلبا نخبويا بمنطق الترف السياسي الذي يتمسّك بالمبرر الديمغرافي، ناسيا أو متناسيا أن العبرة تبقى بالأداء وفقا للمبرر الديمقراطي”.
وشدّد خالص على “ضرورة التفكير في ميثاق الشرف الحزبي (الخاص بنزاهة الترشيحات) بمنطق التعاقد السياسي الشريف، بعيدا عن اتخاذه شعارا انتخابيا”، مبرزا أن “ما دون ذلك سيكون وراء استهلاك ما تبقى من الثقة لدى المواطنين في الأحزاب السياسية”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ويرى صاحب كتاب “البرلمان المغربي والمواطن الناخب” أن جعل جميع الإصلاحات الانتخابية ذات أثر حقيقي وواقعي “رهين باعتبار المواطن محور العملية كلها، أي أن تقاس كل هذه الإصلاحات بمدى تعزيز الثقة في الفاعلين والمشاركة السياسية لدى مختلف المواطنين/الناخبين”.
وأفاد أيضا بأنه “إذا استطاعت الأحزاب السياسية تجنب مصالحها الضيقة نحو أفق انتخابي بمنطق المصالح المشتركة، فقد تتحول المنافسة الانتخابية إلى حوار سياسي حقيقي قائم على برامج واضحة وكفاءات قابلة للمساءلة، حيث ستشكل الانتخابات بوابة حقيقية لتجديد الحياة السياسية وبناء التعددية الحزبية الحقيقية بالمغرب”.
وفيما يلي نص الحوار: مع اقتراب انتهاء المشاورات بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية بخصوص مراجعة القوانين الانتخابية، في مرحلتها الأولى، يُطرح السؤال حول الهامش الذي يمكن أن تشمله التعديلات المرتقبة.
في البداية، وجب التذكير بأن وزارة الداخلية قليلا ما تتعامل بشكل تفاعلي مع مطالب الأحزاب السياسية، خارج التوجيهات الملكية كما شهدت أغلب التجارب الانتخابية السابقة. ولذلك، يظل الهامش المتاح متأرجحا، في نظري، بين ثلاث حالات؛ تهم الأولى مراجعة القوانين الانتخابية بإحداث تعديلات تقنية جد ضيقة، تهدف إلى ضمان فقط تنظيم الاستحقاقات المقبلة في ظروف جيدة (تطوير عمليات التسجيل في اللوائح، تنظيم عمليات تمويل الحملات، تعزيز آليات الشفافية والمراقبة يوم الاقتراع). وهذا لا يحتاج في الأساس إلى تدخل مستمر من طرف الأحزاب لأنه يتعلق بمسألة تنظيمية أكثر مما يتعلق بجوهر العملية السياسية الانتخابية.
وتتمثل الحالة الثانية في إحداث تعديلات تقنية وسياسية في الوقت نفسه (تعديل العتبة الانتخابية، إعادة النظر في تمثيلية النساء أو الشباب أو هما معا، إعادة النظر في خارطة التقطيع الانتخابي). وهذا الأمر يحتاج إلى تفاوض مستمر مع الوزارة، من خلال تكتلات حزبية واسعة.
أما الحالة الثالثة فتهم إجراء تعديلات عميقة وحاسمة (قد تتعلق بطبيعة الاقتراع المعتمد ونمطه، إحداث تقطيع انتخابي واسع جدا، اعتماد التصويت الإجباري من خلال الآلية الإلكترونية). وهذا النوع من التعديلات يحتاج صراحة إلى نفس كبير في التفاوض والتوافق في الوقت نفسه. أولا، من خلال توافق أغلب الأحزاب السياسية حول الأمر؛ وثانيا، من خلال بحث الأحزاب السياسية عن سند لتطلعاتها، كالتوجيهات الملكية وحرص الدولة على الاستقرار الانتخابي المبني على الإصلاحات السياسية المتدرّجة.
وفي جميع الأحوال، يمكن للحالتين الأولى والثانية أن تكونا موضوع هامش الاستجابة من طرف وزارة الداخلية لجانب من مطالب وتطلعات الأحزاب السياسية، بينما تظل الثالثة أصعب في الظرفية الحالية، ما لم تستند على سبيل المثال إلى تدخلات أعلى سلطة بالبلاد.
طرحت بعض الأحزاب السياسية مقترحا يهم توقيع ميثاق شرف يقضي بالالتزام بعدم ترشيح نخب فاسدة أو مشبوهة. هل يشكل ذلك اعترافا بأن التحدي الأكبر حاليا هو تشكيل مجلس نوابٍ قادر على ممارسة مهامه الرقابية بدون تشويش، خصوصا بعد المتابعات القضائية التي تفجّرت خلال السنة الماضية؟
تُذكّرني فكرة صياغة ميثاق شرف بميثاق الأغلبية الذي عرفته تجارب حكومة ما بعد دستور 2011، أي إن فكرة الميثاق، في حد ذاتها، فكرة محمودةٌ وإن كانت تنطوي داخلها على اعتراف ضمني بوجود الفساد واستفحاله في المحطات الانتخابية، سواء ما يتعلق بالترشيحات أو بشراء الأصوات أو بالحملات السرية القبلية وغيرها من الأفعال التي يسعى ربما هذا الميثاق إلى محاربتها.
غير أن ما يبدو عليه الأمر، في نظري، هو أن فكرة الميثاق باعتباره تعهّدًا جماعيا بالتماس أنظف الطرق لاتقاء الشبهات، يظل رهانا مرتبطا بالعقلية الانتخابية؛ فالمواثيق وحتى القوانين يصعب عليها الحد من السلوكيات المشينة وغير الأخلاقية ما لم يكن الإنسان، سواء المنتَخب أو المنتخِب، متشبعا بروح الديمقراطية والتنافسية المشروعة والإيمان بالتمثيل الممنوح ثقة وليس التمثيل المسروق حيلاً. وهذا الأمر يجعل المؤسسة البرلمانية، نُواباً ومستشارين، أمام تحدٍ حقيقي، يربط مصداقيتها وتمثيليتها الديمقراطية بمصداقية الأحزاب، مترشحين ومصوتين.
وأمام ما تشهده الساحة السياسية الانتخابية مؤخرا حيال العديد من المتابعات القضائية التي توبع أصحابها بشبهات مالية وإدارية أو ما أعلنته المحكمة الدستورية من مقاعد شاغرة بعد تجريد أصحابها منها، تكون المؤسسة البرلمانية أمام امتحان استعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية عموما وبناء الرهانات السياسية للاستحقاقات القادمة بحسن نوايا قد يتضمنها نص الميثاق نفسه.
وأود في هذا الصدد الإشارة إلى أن قوة الميثاق ومصداقيته تتطلب في البداية إرادة حزبية قوية بنوايا حسنة لها ضماناتها القانونية والإجرائية التي ستبرهن على فعاليتها في محاربة الفساد الانتخابي بصفة خاصة، والمفسدين السياسيين بصفة عامة.
وتستوجب أيضا، في رأيي، آليةً مستقلة لمراقبة العمليات الانتخابية، بما فيها عمليات منح التزكية وعمليات قيادة الحملات وعمليات التصويت يوم الاقتراع، وأي خرق في هذا الإطار يتم الكشف عنه أمام الرأي العام ومنعه من أي تعامل حزبي مستقبلا، انتماءً أو ترشحا أو حتى تصويتا؛ فضلا عمّا يمكن اتباعه من مساطر قانونية في هذا الشأن أمام الجهات القضائية المختصة، زيادة على ضرورة تفعيل الآليات القضائية لمواكبة العمليات الانتخابية والسهر على احترام القانون والإرادة الشعبية للمواطنين في الاختيار الحر والنزيه.
ما أود كذلك أن أشير إليه هو أن استرجاع الثقة المفقودة في أدوار ومهام البرلمان في الولاية البرلمانية الحالية، مع الأسف الشديد، يوجب التفكير في ميثاق للشرف بمنطق التعاقد السياسي الشريف، الذي يجعل المصلحة العامة من أولوياته وخدمة المواطَنة المغربية من أولى أهدافه. وما دون ذلك، سيكون الميثاق مجرد شعار انتخابي لاستهلاك ما تبقى من الثقة لدى المواطنات والمواطنين حيث ستحصد الأحزاب السياسية عزوفا لا مثيل له، قد يتجاوز عزوف تشريعيات 2007، وهو ما نتمنى عدم حصوله نهائيا، لأنه لن يخدم لا الأحزاب السياسية ولا المواطنات والمواطنين نهائيا.
أبعد من ذلك، أثارت بعض المقترحات الحزبية الداعية إلى رفع عدد مقاعد مجلس النواب ردود فعل قوية. هل يوجد فعلا ما يبرر طرح هكذا مقترح في سياق ما يُثار من ملاحظات بشأن مردودية العمل النيابي؟
بصراحة، هذا المقترح يثير الكثير من علامات الاستفهام في نظري، وهي علاماتٌ إما ذات طابع تقني أو ذات طابع سياسي. فمن الناحية التقنية، يمكن تبرير رفع عدد المقاعد باستحضار عاملين: الأول هو الزيادة السكانية وتوسع الخريطة المجالية، حسب الاستحقاقات الإحصائية الأخيرة (2024)، ما قد يستدعي إعادة النظر في التمثيلية العددية للمواطنين داخل البرلمان؛ وهو أمر مشروع إلى حد ما. أما الثاني فهو الرغبة في تحسين تمثيل الفئات الهشة والمجالات المهمشة عبر دوائر إضافية. وهذا سيقودنا إلى فكرة إعادة التقطيع الانتخابي وفق الحالة الثالثة التي تحدثنا عنها سابقا، وهي الحالة الأصعب في الحدوث، مما يعني عدم مصداقية مثل هذا الطلب أو المقترح.
ومن الناحية السياسية، فإنه من الصعب الموازنة بين مطلب الزيادة في المقاعد والمردودية البرلمانية. فلو أننا أمام إنتاج برلماني يسعد كل المغاربة ويبني الثقة في المؤسسة البرلمانية بشكل كبير لكان هذا المطلب مطلبا شعبيا قبل أن يكون مطلبا حزبيا. وهنا، موضع التساؤل التالي: هل يقبل العقل أن ندخل للبرلمان المزيد من المقاعد التي تثقل كاهله ماديا في الوقت الذي لا تنتج أي مردودية لتغطية ذلك الثقل (ولو أداءً)؟
والإشكال الكبير، وفق ما يبدو لي، إشكالٌ نوعي وليس عدديا، على اعتبار أن النوعية ترتبط بالأداء والمردودية والإنتاجية، وهذه الأمور لم تتحقق بالشكل المنتظر خلال هذه الولاية. وهناك دراسات سابقة في الموضوع تثبت بما لا يدع مجال للشك أن الأداء يظل ضعيفا جدا سواء عند النواب المنتمين إلى الدوائر الانتخابية بالمجالات الحضرية أو بالمجالات القروية.
وماذا يعني ذلك إذن؟
يعني أننا لسنا بحاجة إلى إضافة مقاعد قانونية بمنطق الكراسي الواقعية، بينما نحن بحاجة إلى إضافة أدمغة تشريعية ورقابية وتقييمية في مجال السياسات العمومية والشؤون البرلمانية والعمل البرلماني. ويتضح بذلك أن هذا المطلب، في جذريته، ليس سوى مطلب نخبوي بمنطق الترف السياسي الذي يتمسك بالمبرر الديمغرافي، ناسيا أو متناسيا أن العبرة ليست بالعدد وإنما بالأداء تبعا للمبرر الديمقراطي.
ضمن مذكراتها دائما، لم تغفل الأحزاب السياسية التأكيد أيضا على ضرورة تعزيز تمثيلية الشباب والنساء داخل مجلس النواب، لكن السؤال المطروح هو كيف يمكن التوفيق بين هذا المطلب وبين متطلبات الكفاءة الضرورية من جهة، وأولوية الحيلولة دون جعل ذلك منفذا للريع السياسي والحزبي من جهة ثانية؟
في البداية، لا أحد يجادل في أن إدماج الشباب والنساء في البرلمان هو رهان أساسي لتجديد النخب وضخ دماء جديدة في الحياة السياسية المغربية. لكن السؤال هو بأية طريقة يمكننا ذلك؟ وما هي الطريقة المثلى التي تحفظ وجاهة العملية دون أن تكون مجرد غطاء ريعي وليس آلية استحقاقية؟
المتعارف عليه هو أن تخصيص نسبة مئوية للنساء والشباب كما هو معمول به في أغلب الاستحقاقات الانتخابية السابقة بالمغرب، عن طريق ما يسمى “الكوطا”، تظل آلية غير ديمقراطية في نظري، لأنها أقرب إلى الزبونية والريع الحزبي من أي آلية أخرى تقبلها اللعبة السياسية الانتخابية النبيلة.
والمشكل – لدي شخصيا – ليس مشكل مبدأ، بل مشكل آلية لتفعيل المبدأ على أرض الواقع؛ إذ يجب ألا يكون شكليا كما عن طريق “الكوطا”، وإنما يجب أن يكون موضوعيا بطريقة أكثر منطقية وعقلانية. فالتجربة المغربية أظهرت أن بعض اللوائح المخصصة للنساء والشباب تحولت إلى أداة لإعادة تدوير النخب الحزبية، حيث يتم اختيار أسماء مقربة من الزعامات الحزبية بدل فتح المجال أمام طاقات مستقلة وذات كفاءة. وهنا، يضيع الهدف النبيل للعملية السياسية الانتخابية المتمثل في مبدأ تجديد النخب. وبالتالي، يتحول الهدف إلى مجرد توزيع داخلي للمقاعد عن طريق الزبونية الحزبية.
أما المشكلة الكبيرة فهي أن كثيرا من الأحزاب السياسية تتعامل مع الموضوع كشعار انتخابي أكثر منه كرهان استراتيجي.
وهي بذلك تدافع عن التمثيلية لكن دون أن تقدم أية ضمانات واضحة حول معايير الاختيار أو آليات المراقبة، مع العلم بأن الحل ليس في المفاضلة بين الكفاءة والتمثيلية مثلا، بل في إيجاد صيغة ذكية تجمع بين الاثنين، لأن التمثيلية من دون كفاءة تتحول إلى ريع، والكفاءة من دون تمثيلية تبقى نخبوية وتتعالى عن الواقع الاجتماعي.
ومن بين المقترحات التي يمكن أن تجيب عن هذا الواقع، في حالة الضرورة، ربط آلية “الكوطا” بقاعدة الكفاءة (مثل الشواهد العلمية والتخصص التشريعي والرقابي واكتساب مهارات وآليات التقييم السياسي…)، واعتبارها آلية ظرفية بامتيازٍ ستقود فيما بعد إلى اكتساب الخبرة والتجربة على دخول المعترك السياسي ومنه الانتخابي بكل كفاءة في المستقبل، وبالتالي التنافس الشريف على مقعد انتخابي بأهداف تنموية وشعبية، لا نخبوية أو ظرفية.
ينضاف ذلك إلى مقترح آخر يخص اعتماد آليات شفافة ومعايير موضوعية لاختيار المرشحين، على اعتبار أن النزاهة تستدعي اختيار الأنسب للمكان المناسب وفق شروط محددة مسبقا، تساهم في وضعها أطرافٌ أو جهات مستقلة، ولم لا غير حزبية حتى تكون فرصة الولوج إلى المناصب الحزبية متساوية عند الجميع (ممن تتوفر فيهم طبعا الشروط والمعايير المحددة لذلك مسبقا).
اللافت ضمن مذكرات الأحزاب بشأن تشريعيات 2026 أيضا أنها تضمنت كلها تقريبا مقترح إعادة النظر في التقطيع الانتخابي. كيف يمكن الاستجابة لهذا المطلب بغرض إحداث نوع من التوازن بين الدوائر الانتخابية ومنح الصوت الانتخابي قيمته الحقيقية؟
في كل إصلاح انتخابي يظل التقطيع الانتخابي واحدا من أكثر القضايا حساسية؛ لأنه يتصل مباشرة بميزان القوة بين الأحزاب السياسية من جهة، وبقيمة الصوت الانتخابي لدى المواطن من جهة أخرى. وقد سبق أن أدخلناه ضمن الحالة الثالثة التي يصعب تحقيقها بخصوص مطالب الأحزاب السياسية أمام وزارة الداخلية، ما لم يكن هناك تدخل من طرف أعلى سلطة سياسية في البلاد كما أسلفنا الذكر. ولذلك، فما تطالب به الأحزاب اليوم يعكس رغبة في معالجة حالات عدم التوازن التي برزت في الانتخابات السابقة، سواء بسبب اتساع بعض الدوائر بشكل لا يسمح بتمثيل عادل أو بسبب صغر دوائر أخرى، مما قد يجعل مقعدا واحدا يُكتسب بفارق ضئيل جدا بين مختلف المتنافسين.
وأؤكد أيضا أن هذا المطلب صعب جدا؛ إذ يحتاج إلى تفكير مسبق في الموضوع ودراسة تقنية معمقة حول آلياته وطرقه فيما لا يقل عن سنتين أو أكثر. والسنة التي تفصلنا عن الاستحقاقات المقبلة غير كافية بتاتا لإجراء تقطيع جذري فاعل وفعال، لأن الأمر سيحتاج ــ بالضرورة ــ إلى اعتماد معايير موضوعية وشفافة في إعادة التقطيع، من قبيل: احتساب الكثافة السكانية، تحديد مختلف وأنواع الامتدادات الجغرافية الحالية والممكنة في المستقبل القريب، مراقبة مدى توفر التجانس المجتمعي ثم محاولة تجنب السرعة في التقطيع لأسباب ضيقة أو انتقائية قد تعيد إنتاج الوضعية نفسها أو أسوأ منها.
من هذا المنطلق، وبتحقيق مثل الشروط والظروف المشار إليها، يمكن إعادة النظر في التقطيع الانتخابي كخطوة مهمة لتقوية الرابط بين الناخب ومُمثّله المنتخَب، لكن بشرط توفر مساحة كافية للتفكير الموضوعي والتدبير العقلاني ثم التوافق الوطني بين الأحزاب من جهة، وبين الدولة والأحزاب من جهة أخرى، وليس بمنطق الغلبة السياسية.
علاقة بمغاربة العالم، لم تمر المملكة بعد إلى مرحلة الإشراك الفعلي لهذه الفئة في الانتخابات التشريعية كما ينص على ذلك صراحة دستور 2011. والسؤال المطروح إذن هنا هو كيف يمكن تفعيل هذا المكتسب الدستوري لما ينطوي عليه من أبعاد سياسية؟
تعد هذه النقطة، بالنسبة لي، من أبرز الإشكالات الدستورية العالقة في المغرب منذ اعتماد دستور 2011. المشرع وضع نصا واضحا يقضي بإشراك المغاربة المقيمين بالخارج في العملية الانتخابية، إلا أن تفعيل هذا المكتسب يتطلب أكثر من مجرد إعلان نوايا ولو بنص قانوني دستوري. فتكريس هذا المقتضى يحتاج فعلا إلى آليات ملموسة على أرض الواقع لضمان التسجيل والمشاركة وتمثيل فعلي داخل مؤسسة البرلمان.
وعلى هذا النحو يمكن اتخاذ عدد من الإجراءات، تشمل تحديث قاعدة بيانات الناخبين بالخارج ليكون لدينا العدد الحقيقي لأفراد الجالية المغربية بالخارج الذين يحق لهم المشاركة والتصويت، ثم تبسيط إجراءات التصويت الإلكتروني أو التصويت عن طريق البريد، من خلال اعتماد دلائل توضح تلك العملية وتعمل على تدقيقها وعدم تعقيدها في الوقت نفسه.
زيادة على ذلك، من المهم ضمان وجود دوائر تمثيلية حقيقية تعكس حجم الجالية المغربية وتنوعها، مع استماع الأحزاب السياسية لمختلف مطالب الجالية المغربية بالخارج، وليس الاكتفاء فقط بترشيح أسماء رمزية لأغراض انتخابية فقط.
وهذا إن تم كما ينبغي الأمر، فإن كل ما يتعلق بمشاركة الجالية المغربية بالخارج سيتحول من مجرد شعار أو مشاركة بمقاعد رمزية إلى مشاركة فعلية وديمقراطية. وهذا سيعطي للدستور أيضا بعده الواقعي، حيث ستمنح الجالية وضعية شريك رئيسي بمثابة فاعل سياسي أساسي، في ظل المعادلة الانتخابية التي تحتكم إليها الأحزاب السياسية، وفي إطار تنزيل ديمقراطي حقيقي لمنطوق الدستور.
من بين الملاحظات التي أثيرت أيضا بشأن مذكرات الأحزاب السياسية هي أنها ركزت بشكل كبير على ما هو تقني وتنظيمي صرف، مقابل عدم نفاذها إلى عمق الإشكالات المطروحة، على رأسها تعزيز المشاركة السياسية والثقة في العملية الانتخابية. هل تحضر لديكم الملاحظة نفسها؟
في إطار تتبعي للاستحقاقات الانتخابية منذ 1998 إلى اليوم، نشرت كتابا في الموضوع حول التواصل البرلماني وسوسيولوجيا الانتخابات، يتطرق إلى بعض مخرجات انتخابات 2007 إلى حدود انتخابات 2021. ومما لاحظته أن الأحزاب السياسية قبيل كل استحقاق انتخابي تطرح مجموعة من المطالب التي تظل في أغلبيتها شكلية أو جزئية ولا تنصب على صلب العملية الانتخابية، ولا سيما في إطارها التنافسي والديمقراطي.
وعليه، يمكن القول بأن ما تتجه إليه الأحزاب السياسية من إصلاحات شكلية أو تقنية يعود لكونها سهلة التفاوض من جهة ولا تتطلب وقتا طويلا لتفعيلها من جهة أخرى، فضلا عن كونها سريعة التنفيذ، بينما يتم تجنب المطالب التي تتطلب جهدا ووقتا وآليات معقدة، لأنها تحتاج لإرادة سياسية حقيقية ومخاطرة بالمصالح الحزبية أساسا.
وكما تعلمون، المشكلة الأساسية في مطالب الأحزاب السياسية ليست في ما هو تقني، بل في الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات السياسية عامة، وبين المواطن والعمليات الانتخابية خاصة. وللعلم، فتحسين الإجراءات التدبيرية لا يرفع بالضرورة نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات من طرف المواطنين.
اسمح لي بالقول كذلك بأن الأحزاب السياسية، صراحة، يجب عليها أن تعمل على تغيير الواقع السياسي والانتخابي، من خلال خوض مواجهة سياسية صريحة مع مصالحها الضيقة، من خلال العمل على تقديم المصالح العامة للمؤسسة البرلمانية من جهة، وبناء مسار انتخابي ديمقراطي على حساب العمليات الانتخابية اللحظية من جهة أخرى.
ومن الواجب عليها كذلك، في هذه اللحظة السياسية الحاسمة، أن تعمل على تبني إصلاحات كفيلة بتقوية مشاركة المواطنين، مثل آليات التصويت الإلكتروني وبرامج للتثقيف الانتخابي ثم تعزيز الشفافية في التمويل الحزبي. عندها فقط يمكن أن يتحول التركيز من مجرد تدبير تقني إلى إصلاح حقيقي يعيد الثقة للعملية الانتخابية بصفة عامة.
بناء على ذلك، كيف يمكن للانتخابات أن تكون بوابة لتحقيق تعددية سياسية بالمغرب بعيدا عن البلقنة الحزبية وبعيدا كذلك عن مشهد حزبي تتشابه فيه الرؤى والبرامج السياسية؟
بصراحة، سؤالكم هذا يحمل بين طياته أجوبة غير مباشرة. وتجدر الإشارة – قبل توضيحها – إلى أن التعددية السياسية لا تتحقق بمجرد وجود أحزاب عدة، بل تتحقق حين تكون هناك خيارات حقيقية للمواطن، تجعل منه محور العملية الانتخابية أساسا. والمشكلة في نظري اليوم تكمن في اتجاهين متناقضين؛ أولها البلقنة الحزبية، حيث تنشطر الأحزاب إلى كيانات صغيرة متشابهة أو مبنية على ولاءات محلية ضيقة. وهذا الأمر يساهم في التشظي السياسي الذي يضعف القدرة على التأثير والتفاوض داخل البرلمان.
أما الاتجاه الثاني فيخص التشابه في الرؤى والبرامج، حيث يبدو المشهد الحزبي وكأنه نسخة مكررة من نفسه، ما يجعل المواطن أمام خيار شكلي لا أمام خيارات فعلية تعكس مصالحه وتطلعاته، بل وكأننا أماما حزب كبير في شخص أحزاب صغيرة! وليت الأمر يشبه المشهد السياسي والحزبي ببريطانيا أو بالولايات المتحدة الأمريكية حيث نتحدث عن حزبين كبيرين متنافسين يحتويان تحت مظلتيهما العديد من الأحزاب الصغرى الأخرى.
من هذا المنطلق، يمكن القول بأن تفعيل العملية الانتخابية لتكون في المسار الصحيح وتجاوز كل من التشرذم الحزبي والتشابه في البرامج والرؤى، يستدعي، في نظري المتواضع، أولا إصلاح النظام الانتخابي لتشجيع المنافسة الفعلية بين برامج مختلفة، مثل اعتماد قواعد تمنح فرصة للأحزاب الصغيرة ذات برامج واضحة، لكن دون السماح ببلقنة البرلمان وتحويل منظومته العمومية إلى أحزاب صغيرة عديمة التأثير.
ويستدعي، ثانيا، منح المواطنين الحق في المتابعة القانونية والمساءلة السياسية للبرلمانيين عن الحصيلة والأداء السياسيين، في إطار تعزيز مبدأ الشفافية والمحاسبة المرتبطة بممارسة السلطة السياسية المنتخبة. وذلك كي لا يشعر المواطن بأنه مجرد وسيلة اعتلاء واغتناء لدى ممثليه ولكن ليعرف بأنه هدف في حد ذاته ويستطيع أن يصنع الفارق في الممارسة السياسية للسلطة محليا ووطنيا. وثالثا، بناء برامج سياسية تحفيزية لا ترتبط بالولاءات الشخصية أو القَبَلِّية، وتكون أداة واقعية للتنافس الديمقراطي بين مختلف الأحزاب السياسية.
وأستطيع أن أؤكد أن المغرب قادر على الانتقال نحو التعددية الفعلية متجاوزا ما يمكن تسميته التعددية المعيارية أو الشكلية، غير أن الأمر يظل رهينا دوما – وكما قلنا سابقا في العديد من النقط الأخرى – بإرادة الأحزاب نفسها، واستجابة الدولة لآليات إصلاحية تدعم المنافسة الشريفة المبنية على البرامج الانتخابية أساسا. وإذا ما استطاعت الأحزاب السياسية تجنب مصالحها الضيقة نحو أفق انتخابي بمنطق المصالح المشتركة، فقد تتحول المنافسة الانتخابية إلى حوار سياسي حقيقي قائم على برامج واضحة وكفاءات قابلة للمساءلة، حيث ستشكل الانتخابات بوابة حقيقية لتجديد الحياة السياسية وبناء التعددية الحزبية الحقيقية بالمغرب.
على ضوء جميع الإصلاحات التي تنادي بها الأحزاب السياسية، من التمثيلية والتمويل إلى التقطيع الانتخابي والتكنولوجيا، كيف السبيل لضمان أن يكون المواطنُ الفاعلَ الحقيقي في العملية الانتخابية، مع التأكيد على أن التواصل البرلماني المباشر مع المواطنين يمثل حجر الزاوية في أي إصلاح انتخابي، وأساسا لتقوية الحياة السياسية بالمغرب؟
إذا أردنا أن تصبح جميع الإصلاحات الانتخابية – من تمثيلية الشباب والنساء، مرورا بإعادة التقطيع جزئيا أو كليا، والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة وعلى رأسها الرقمنة والإدارة الإلكترونية للانتخابات، وانتهاء بضبط التمويل – ذات أثر حقيقي وواقعي، فلا بد أن يكون المواطن محور العملية كلها؛ أي أن تُقاس كل هذه الإصلاحات، وجوبا، بمدى تعزيز الثقة والمشاركة السياسية الفاعلة لدى مختلف المواطنين/الناخبين.
وفي هذا الإطار، يتضح الدور المركزي للتواصل البرلماني المباشر مع المواطنين، ولا سيما في شقه النيابي؛ فالنائب ليس مجرد صوت يرسل من الحزب إلى البرلمان، بل حلقة وصل حقيقية بين السياسات العمومية وبقية المواطنين/الناس، ويجب أن يتوجه النائب إليهم لكي يشرح لهم البرامج ويسمع منهم المطالب قبل أن يجيب عن مختلف حاجياتهم واستفساراتهم. هذا النوع من التواصل النيابي سيجعل من المواطن شريكا فاعلا واستراتيجيا في العملية الانتخابية. وإذا تحقق مثلُ هذا الواقع المنتظر فستتحول مشاركة المواطنين من مجرد مشاركة بطقس شكلي إلى مشاركة بممارسة ديمقراطية حقيقية.
ومن دون هذا التواصل، في نظري، تبقى كل الإصلاحات تقنية وإجرائية بحتة، وقد تستغل أحيانا لتعزيز النفوذ الحزبي أو تسهيل ممارسة الريع الحزبي والسياسي. أما إذا تم دمج الإصلاحات مع آليات متابعة ومساءلة كما أشرنا سابقا، وحمل النواب على ممارسة مسؤولياتهم تجاه دوائرهم الانتخابية، فحينها ستتحقق مجموعة من الأهداف الأساسية.
ومما أود التأكيد عليه هو أن أي إصلاح انتخابي حقيقي في مغرب اليوم، وفي أفق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يجب أن يبدأ وينتهي عند المواطنين. والتواصل النيابي سيكون هو الضمانة العملية لذلك، مع العلم بأنه لا توجد إصلاحات شكلية أو تقنية ولا حتى سياسية بالمعنى الواسع يمكنها تعويض غياب هذه العلاقة المباشرة، لأنها الأساس والمحور الذي تبنى عليه الديمقراطية الانتخابية التي تتأسس بدورها على المصداقية السياسية التي يجب أن تتمتع بها الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة لدى المواطنين. وما دون ذلك، سيظل مجرد خطاب فارغ لأحزاب سياسية شكلية لا يهمها من السياسة عامة والانتخابات خاصة سوى مقاعد وأنصبة تصل من خلالها إلى حفلة اقتسام السلطة ككعكة اجتماعية بالعدد دون عتاد، وليس – للأسف الشديد – تنمية البلاد والعباد.