الأحداث بقلم محمد اعويفية
مصطفى موهبته طبيعية في تحويل الخطوط والألوان إلى معان وصور بدلالات عميقة، لا حاجة له إلى تكوين أكاديمي مسبق، فقط هبة ربانية، تدريب وممارسة طويلة. مصطفى من فئة المبدعين التي تستوقف المتتبعين الذواقين، لأن إبداعاته الفنية تكشف عن جانب من عبقرية الإنسان التي لا شك أنها ولدت معه وفرضت نفسها بقوة، رغم غياب الدعم والترويج الإعلامي اللازم.
ما يميز مصطفى شبارو هو قدرته على الملاحظة الشاملة والحادة؛ يرى كل التفاصيل الصغيرة التي قد تغيب عن أعين الآخرين: انعكاس الضوء على سطح الماء، تدرجات السماء عند المغيب، طائر النورس ينقصه النطق فقط، تعابير الوجوه العابرة. هذه الملاحظة تتحول بشكل تلقائي إلى خطوط وألوان تعكس رؤيته الخاصة والفريدة.
إلى جانب ذلك، يتميز هذا الرسام الكبير بخيال خصب فياض، حيث لا يكتفي بوضع الواقع وتقليده كما هو، بل يعيد صياغته وفق منظور فني شخصي رائع. من هنا يظهر الفرق بين الموهبة وعلو الكعب، وبين من يتعلم الرسم كمهارة تقنية؛ فمصطفى فنان موهوب بالطبيعة أضافت بصمته الخاصة على جدران مدرسة عبدالسلام الوزاني بهاء وتميزا يصعب محاكاته وتقليده.
الموهبة الفطرية وحدها لا تكفي لضمان مسيرة فنية ناجحة، فالكثير من الرسامين الموهوبين غالبا ما يصطدمون بواقع قاس لغياب التكوين الأكاديمي والدعم المؤسسي من وزارة الثقافة والجهات المعنية. لذلك فإن تطوير الذات والتعلم المستمر يمثلان مرحلة أساسية في صقل هذا النوع من الموهبة، لأن الجمع بين الفطرة والمعرفة يخلق، دون شك، فنانا قادرا على المنافسة والابتكار، بدل الاكتفاء بالمحاولات العفوية محدودة الإشعاع.
للمجتمع دور كبير في احتضان مثل هذه الطاقات؛ فحين يجد الرسام فضاءات للتعبير، ومعارض تحتضن أعماله بتغطية إعلامية واسعة، ونقد فني يوجه مساره نحو الشهرة، يتحول أمثال مصطفى إلى قيمة مضافة للمشهد الثقافي والفني للمدينة. أما في غياب كل هذه الأمور، فقد تضيع الكثير من المواهب أو تظل بعيدة عن الأضواء فيطالها النسيان.
مصطفى نموذج لرسام حي واضح على أن الإبداع ليس دائما صناعة، بل هبة ربانية تحتاج فقط إلى من يكتشفها ويمنحها فرصة لتزهر ويفوح عطرها داخل آسفي وخارجها.
هيئة التحرير26 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره