الأحداثبقلم :الاستاذ عبدالهادي بودى
● مقدمة
يُنظر إلى مهنة التعليم على أنها ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتشكيل وعي الأجيال، فهي مهنة لا تختزل في نقل المعارف والمعلومات، بل تمتد لتشمل التربية، والتنشئة الاجتماعية، والدعم النفسي. إلا أنّ المعلّم يجد نفسه يوميًا أمام تحديات متداخلة: أقسام مكتظة، مناهج مضغوطة، مطالب تربوية متزايدة، إضافة إلى أعباء شخصية وأسرية تثقل كاهله. من هنا يبرز السؤال: كيف يوازن المعلّم بين رسالته داخل القسم، وأدواره خارج المؤسسة التعليمية، في ظل ضغوط قد تؤدي إلى أخطاء غير مقصودة لكنها ذات أثر؟
■ الرسالة التربوية والبيداغوجية
يؤدي المعلّم دورًا محوريًا في تحقيق أهداف العملية التعليمية. فهو لا يقتصر على الشرح وتبليغ المعارف، بل يسهر على:
● تدريب المتعلمين على الفهم والتحليل والنقاش.
● متابعة الواجبات، وتصحيح الأخطاء، وتوجيه السلوكيات.
● خلق بيئة صفية قائمة على النظام والهدوء والانضباط.
وفي هذا السياق، يطبّق المعلّم ما تنادي به البيداغوجيا الحديثة من مراعاة الفوارق الفردية بين المتعلمين، وتمكين كل واحد منهم من فرص التعلم وفق قدراته ووتيرته الخاصة.
■ الأبعاد النفسية والسيكولوجية
يتعرض المعلّم لضغوط نفسية متواصلة، تتمثل في:
○ مواجهة أقسام مكتظة تفوق القدرة على المتابعة الفردية الدقيقة.
○ التدريس ساعات طويلة تحت ضغط الزمن المدرسي والمقررات الثقيلة.
○ التوفيق بين صرامة القسم وحنان البيت، وهو ما يُسمى في الأدبيات السيكولوجية “الانشطار الدورِي” بين الأدوار المهنية والأسرية.
هذا الضغط النفسي قد يؤدي إلى الإرهاق والانهاك العاطفي (Burnout)، إذا لم يُصاحَب بتقدير اجتماعي ودعم مهني مناسب.
■ الأبعاد الاجتماعية والأسرية
يلعب المعلّم دور الوسيط بين المدرسة والأسرة، فهو من جهة يحرص على تربية أبناء الآخرين، ومن جهة أخرى يتحمل مسؤولية تربية أبنائه ومتابعتهم في البيت. هذا التداخل يولّد ما يمكن تسميته بـ”اليوم المزدوج”: يوم في القسم مع عشرات المتعلمين، ويوم آخر في البيت مع الأبناء الحقيقيين. وهو ما يجعله في مواجهة دائمة مع ضغوط متعارضة: مطالب الإدارة، انتظارات الأسر، وحاجات أسرته الخاصة.
■ الأخطاء المحتملة في الممارسة
في ظل هذه الضغوط المتراكمة، تظل الممارسة الصفية معرّضة لأخطاء غير مقصودة، من قبيل:
︎ رفع الصوت أو اتخاذ قرار انفعالي في لحظة توتر.
︎ التغاضي عن بعض التفاصيل البيداغوجية بسبب الإنهاك.
︎ صعوبة ضبط سلوكيات بعض المتعلمين المشاغبين أو المتهورين.
︎ محدودية متابعة جميع التلاميذ حين لا ينجزون واجباتهم الدراسية في البيت.
هذه الأخطاء ليست تعبيرًا عن تقصير مهني، بل انعكاس طبيعي لشروط عمل مُجهِدة، خاصة حين تغيب الظروف الداعمة لممارسة تربوية متوازنة.
■ الأبعاد التربوية والأخلاقية
المعلّم ليس مجرد موظف، بل حامل رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنية. فهو يعلّم بالقَول والفعل، ويؤدي دور القدوة في السلوك، ويحرص على غرس قيم الصبر والعدل والانضباط. ومن هنا فإن أي تقصير في الاعتراف الاجتماعي بمكانته يُعدّ خللاً تربويًا قد ينعكس سلبًا على جاذبية المهنة واستقرار المنظومة التعليمية.
■ خاتمة
إنّ الإنصاف يقتضي النظر إلى المعلّم باعتباره شريكًا أساسيًا في بناء الإنسان والمجتمع، وتقدير جهوده في القسم والبيت معًا. فهو الموظف الوحيد الذي يقدّم خدمته واقفًا فيما المستفيد جالس، وهو الوحيد الذي يعيش يومين في يوم واحد. لذلك، فإن دعم المعلّم بيداغوجيًا ونفسيًا واجتماعيًا وماديا ليس ترفًا، بل شرط أساسي لإنصاف الأجيال القادمة وضمان مستقبل أكثر عدلاً وجودة.
Tags :القسمالمعلمبيداغوجيةتربويةهيئة التحرير26 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره