يحي الصغيري
أستاذ علم الاجتماع السياسي
مقدّمة:
تعرّض بن عيسى الجراري، كما حدث مع فاطمة خير، لموجاتٍ من التنمّر والرجم اللفظي عقب مشاركاتٍ ذات طابعٍ حزبي. هذا النمط يخلط بين النقد السياسي المشروع وبين الوصم الأخلاقي، ويحوّل الاختلاف إلى أداةِ عقاب. نعم، من المشروع مساءلةُ الأحزاب عن الوعود والحصائل؛ لكن تحويل حقّ الانتماء ذاته إلى تهمةٍ أخلاقية يُضعف المجال العمومي ويُقيم رقابةً اجتماعيةً موازيةً للقانون. الدفاع هنا ليس عن حزبٍ بعينه، بل عن قاعدةٍ أعلى: حقّ كلّ مواطن -ومنهم الفنّانون- في الاختيار والمشاركة من دون وصم أو إرهاب فكري.
الاختيار السياسي حقّ مكفول… فمن يملك مصادرته؟
جوهر النقاش هو الحقّ في الاختيار السياسي والحرية في الانتماء الحزبي: لنا جميعًا حقّ الاختلاف والتفكير كما نؤمن، من دون وصايةٍ أو تفتيشٍ أخلاقي. هذا حقّ تُؤسّسه القواعد الدستورية والأعراف الديمقراطية؛ والمحاسبة المشروعة تُوجَّه إلى الأداء العمومي والنتائج، لا إلى الاختيارات الخاصة. لذا تبرز أسئلةٌ واجبة: لماذا أصلًا هذا الهجوم؟ أهو على الشخص بعينه؟ أم على رئيس الحزب؟ أم على الحزب كمؤسّسة؟ وهل صار مجرّد التعبير عن الشكر—سواءً لرئيس الحزب أو لغيره—خاضعًا لرقابةٍ أخلاقية؟ الأصل هو الحرية، والقيود تُبرَّر لا العكس؛ وعبءُ البرهنة على من يقيِّد، لا على من يمارس حقَّه.
من محاكم التفتيش إلى مطاردة الساحرات
كثيرٌ ممّا يجري في الحملات الرقمية يُشبه “مطاردة الساحرات”: شيطنةٌ مسبقة، تفتيشٌ في النيّات، واتهاماتٌ بلا بيّنة تُشعلها منصّاتٌ تستبدل القانونَ بالنبذ العلني. هكذا يُستبدل ميزان الحُجّة بآليات الوصم، ويتولّد أثرٌ رادع يكبّل المشاركة ويخنق التعدّد. السياسة تُدار بالبرهان، لا بحشودٍ إلكترونية تُصدر الأحكام وتُنزل العقوبات المعنوية. حمايةُ التعدّد تعني حمايةَ المختلف غير الشائع، وإلّا انزلقت الديمقراطية إلى طقوسِ إذلالٍ رقمي تُربّي الخوف بدل النقاش.
العنف الرمزي… حين يتنكّر القمع في صورة “رأي”
العنف الرمزي—بلغة علم الاجتماع السياسي—هو تحويلُ اللغة والإشارات وصناعةِ السمعة إلى قسرٍ غير مرئي. حين يُنعَت الفنّانون بالخيانة أو الانتهازية لأنهم اختاروا الانتماء، فنحن لا نمارس نقدًا عموميًا؛ بل نفرض وصايةً تُجرّم التنوّع وتكافئ الصمت. بهذه الآلية تُختزل السياسة إلى مشهديةِ خوف، ويُفرَّغ الحقل الثقافي من رسالته العمومية، وتُرفَع كلفة المشاركة على كلّ من يفكّر في الانخراط.
الحزب ليس آلةً انتخابية… إنّه “مثقّفٌ جمعي”
يُذكّرنا غرامشي بأنّ الحزب ليس آلةً انتخابية فحسب؛ إنّه مثقّفٌ جمعي يصوغ الهيمنةَ الثقافيةَ المضادّة عبر ربط التجربة اليومية بأفقٍ تاريخي ومعنى عام. إدماجُ الفنانين يُعزّز تعدّد الأصوات، ويُضعف أحاديةَ الخطاب، ويحوّل الصراعَ من الشخصنة والوصم إلى منازلةٍ برنامجيّة حول المصالح والبدائل.
أمّا بورديو فينبّه إلى أنّ دخول الفنان إلى السياسة تبادُلٌ مشروع للرساميل بين الحقلين الفني والسياسي، لا محوٌ لاستقلالية الفن. ولضمان ذلك لا بدّ من شرطين: مسافةٌ نقدية تمكّن الفنان من مساءلة حزبه من الداخل، وشفافيةٌ تنظيمية تمنع تحويل الحضور الثقافي إلى ديكورٍ انتخابي. عندها تصبح الجمالية السياسية أداةَ توضيحٍ وبرهنة، لا وسيلةَ طلاءٍ وإخفاء.
معيار المساءلة: الحرّيات شرطٌ لا نقيض
المساءلةُ السياسية تقوم على صون الاختيارات الخاصة لا على انتهاكها؛ فحرّياتُ الاعتقاد والانتماء والتعبير هي شرطُ المحاسبة لا نقيضها. وحين تُحمى هذه الحرّيات، ينصرف النقد إلى الأداء والنتائج بدل الضمائر والميول، فتتعزّز الشرعيةُ الديمقراطية: مواطنون أحرار، ومؤسّسات تُحاسَب على الأثر والوفاء بالوعود.
خاتمة:
من فاطمة خير إلى بن عيسى الجراري، الرسالة واحدةٌ وحادّة: لا تُدار السياسة بمحاكم التفتيش الرقمية، ولا تُصان الحرّيات بالعنف الرمزي أو بالإرهاب الفكري. ما يُحاسَب عليه هو الأداء العمومي والنتائج، لا الاختيارات الخاصة. الدفاع عنهما اليوم دفاعٌ عن قاعدة الحقّ في الاختيار والانتماء، لا عن مضمونٍ حزبيّ بعينه. رفضُ الوصم والاحتكامُ إلى الحُجّة هو الطريق إلى سياسةٍ ذات معنى، تُبنى بالحوار والمسؤولية العمومية وتستعيد ثقةَ الناس بخيوطٍ من البرهان والعدل.