الأحداثالدكتور كمال اكوجكال
الطيور على أشكالها تقع… الطيور على أشكالها تموت… كلنا فانون ولا نملك حولا ولا قوة لحظة الممات… كلنا إلى تلك اللحظة الحتمية آت…
واليوم نحن غير آبهين بتلك اللحظة… نحن البشر أقل تمسكا بالحياة… أقل اكتراثا بالموت من باقي المخلوقات… كنت محظوظا خلال الصغر بولعي بالحيوانات ولا سيما الطيور… تلك الطيور التي تخاف على حياتها والتي اشتهرت بتغريدها كطائر الحسون أو تلك التي اشتهرت بوفائها كالحمام… مع أبناء الحي، كنا نعد العدة كل سبت ونأتي بأفضل طيورنا الذي نسميه “العياط”… نضع ذلك المنادي على إخوته وأخواته بجانب شباكنا المنصوبة وننتظر أن تتكلل دعوات العياط بنزول طيور الحسون لشرب الماء أو تناول وجبة غداء… لاحظنا جميعا أن الإناث غالبا ما يكن أكثر تهورا من الذكور… تنزلن أولا إلى باطن الشبكة، ولكون إناث الحسون لا تغرد وغالبا ما لا تصبر على الاعتقال وتنفق في نفس ليلة اصطيادها حسرة على ما يبدو، فقد كنا نصبر إلى أن ينزل السرب بكامله ولا سيما الذكور، الذكور قيمتهم أعلى في السوق… حينئد نجر ذلك الحبل فتنقلب راحتا الشبكة على تلك الطيور، ثم نسارع إلى الإمساك بها ووضعها في قفص كبير قبل نجاح بعضها في الفرار…
كنا نطلق سراح الإناث على الفور… كنا أحيانا نحتفظ بإحداهن طمعا في أن تبقى على قيد الحياة ونستعملها لاحقا كطعم حي بين دفتي الشبكة… وجود أنثى على الأرض يحث باقي أفراد السرب على اللحاق بها… خدع الصيد… الحرب خدعة… الحياة خدعة…
ظلت تلك الطيور متعددة الألوان هدفا للصيادين وهواة تربية الطيور داخل المغرب وخارجه إلى أن انقرضت من بلادنا تقريبا… اليوم أصبح تصديرها مممنوعا، بل يعد إتيان ذلك تهريبا لثروة وطنية، كما طال المنع اصطيادها… ولكن بعد فوات الأوان…
ما على هواة الطيور اليوم سوى تربية طيور الكناري القادمة إلينا من وراء البحار… لكن طيور الكناري أقل جلدا من طيور الحسون لكونها ولدت وترعرعت في الأقفاص ولم تعرف البرية يوما… عندما عدت إلى آسفي… عدت محملا بأغراض كثيرة، منها قفص كنت اقتنيته عندما زارني في بيتي في العاصمة كناري لونه أخضر… جاء واستحم في إناء دأبت على وضعه للطيور في شرفة البيت الضخمة المطلة على صومعة حسان… أتى ذات صيف إلى المنزل وولج إلى المطبخ وأبى الانصراف، فأحضرت له الغداء والقفص… اختار القفص ومكث فيه أزيد من سنة إلى أن قررت زوجتي إطلاق سراحه للتنفيس عن غضبها مني… كنت حينها، ويا للمصادفة، في مدينة آسفي… أسرت لي هاتفيا بإقدامها على تلك الحماقة في وقت كان المغرب يدك شباك اسبانيا بأهداف الحسم خلال مباراة الدور الثاني في كأس العالم لسنة 2022…
كان الجو ماطرا وعاصفيا في آسفي كما في الرباط… علمت علم اليقين حينها أن ذلك المخلوق لن ينجو أبدا ولن يكون له قبر أبدا…
كنت على وشك رمي ذلك القفص الفارغ الذي كان يذكرني على الدوام بذلك الطائر الذي كان يؤنس صباحاتي ومساءاتي…
لكنني أحضرته إلى آسفي وقررت في اليوم الموالي ليوم وصولي اقتناء طائر آخر…
لم أجد لدى صاحب الطيور إلا طائرا واحدا يشبه طائري السابق لونا، كما اكتشفت أنه يشبهه أيضا تغريدا وسلوكا… طائر مشاغب وكثير الغناء بصوت عال… أيقضني دائما في فجر الأيام الأولى إلى أن قررت الاستيقاض قبل الفجر، فدأبت على ايقاضه بدوري كل يوم مده بما تيسر من فواكه… كان محبا للعنب والتمر والتفاح والتين الطازج والمجفف…
صرت أحدثه على الدوام وأسائله عن أحواله وأحوال العباد… لا يرد… ينصت فقط… وعندما يقرر الحديث، لا ينشد إلا تغريداته الإعتيادية… ولما قررت السفر إلى خلوتي المقابلة للبحر، تركته لجاري العارف بالطيور وقيمتهم… لكنني سرعان ما عدت وقررت أن يرافقني… قلت له، للطائر طبعا، أن الجو هناك بديع وأن الطبيعة خلابة وأن كل ذلك سينال إعجابه دون شك… لكن شاءت الأقدار أن ينفق داخل السيارة اختناقا لفرط الحرارة قبل مواصلة الطريق إلى تلك الخلوة… رميت القفص بجانب السيارة وعدت إلى طاولة أصدقائي وقلت لهم ما حدث… هم الأصدقاء إلى دفن الطائر الأخضر إلى جانب جدع شجرة ضخمة… طائر عبد الوهاب الدكالي الذي دفن بدل العشاق تحت الشجرة… كان في مواساتهم لي ما جعلني أقتني طائرا آخر على الفور قبل الرحيل من آسفي…
طائر أصفر لا يشبه سابقه أبدا سلوكا وتغريدا… شخصية أخرى كان من الصعب التأقلم مع خصائصها…
عدت من الخلوة إلى آسفي بعد أسبوع وفوجئت حد الذهول بنبأ دفن طائر آخر بجانب طائري… طائر أبيض هذه المرة كان يملكه أكثر الأصدقاء مواساة لي في ذلك اليوم المشهود… نفق طائره أيضا بنفس الطريقة… نفق اختناقا داخل السيارة… انفطر قلب صاحبه… أتى إلى المقهى المعهود الذي يوجد في تخوم آسفي محملا بطبق من الكسكس… كانت تلك عادته أن يأتي كل جمعة بالكسكس ويدعو مستخدمي المقهى وزبنائه القلائل في فترة الزوال إلى الانضمام إلى طاولتنا… طاولة العزاء… طاولة موت الطيور وانشطار قلوب العشاق… طاولة اعتدنا التجمع حولها والحديث عن الحياة وعن الفقد… فقد الآباء المدمر… والتفكير في صمت رهيب عن الفقد الوشيك للأمهات…
فقد الطيور ومرارة انتهاء علاقتنا بهم للأبد… وامكانية زيارة قبور أولئك الطيور التي سرقها الزمن في غفلة منا…
مقبرة لطيورنا تكاد تكون مقبرة الذكريات التي نريد دفنها أيضا لأن تذكرها مؤلم… لأننا نريد نسيانها وطيها نهائيا… نريد محوها من ذاكرتنا … نريد اختفائها كما يختفي الأحبة من حولنا…
هيئة التحرير29 سبتمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره