بقلم الدكتور جمال العزيز
يشهد المغرب منذ أسبوع سلسلة من الإحتجاجات يقودها شباب “الجيل Z”، اتخذت طابعا متصاعدا في مختلف المدن، وأفرزت توترات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وصلت حد التخريب والدهس وحرق سيارات الأمن. هذه الأحداث تضع البلاد أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتقاطع الحق المشروع في التعبير مع مخاطر الإنزلاق نحو الفوضى وفقدان الثقة الكاملة في المؤسسات.
ردود الفعل السياسية التي صدرت عن بعض الأحزاب، سواء المشكلة للحكومة أو المعارضة، كشفت محدودية الخطاب التقليدي الذي ظل أسير لغة التهدئة الشكلية والتنديد، دون تقديم حلول عملية أو آليات مبتكرة لإدماج الشباب في صياغة المستقبل. وفي ظل هذا السياق، تبدو الحاجة مُلِحَّة إلى الإنتقال من التواصل السياسي الفوقي إلى مقاربة الإبتكار المفتوح كأداة لتجديد العلاقة بين الدولة والشباب.
أولا: أزمة تواصل سياسي وتراكم الإحتقان
لقد أبرزت الإحتجاجات الأخيرة خللا بنيويا في التواصل السياسي؛ فالشباب المغربي لم يعد يتجاوب مع لغة البلاغات الرسمية ولا مع خطابات التطمين التي تغيب عنها الأجوبة العملية. الجيل الجديد، المتشبع بالرقمنة والعولمة الثقافية، يطالب بفضاءات مباشرة للتعبير، ويميل إلى الأفعال السريعة بدل الوعود المؤجَّلة.
إن استمرار هذا الإنفصال قد يعيد إنتاج سيناريوهات مأساوية كتلك التي عرفتها دول مثل النيبال، حيث أدى غياب قنوات مؤسساتية مرنة للحوار إلى انفلاتات عنيفة وهشاشة طويلة الأمد. ومن ثم، فإن مواجهة الوضع لا يمكن أن تتحقق عبر المقاربة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى بنية سياسية مبتكِرة قادرة على الإنصات للشباب وإشراكهم في القرار.
ثانيا: الإبتكار المفتوح كإطار مفاهيمي
يقوم مفهوم الإبتكار المفتوح (Open Innovation) على إشراك الفاعلين المختلفين (مؤسسات الدولة، القطاع الخاص، المجتمع المدني، والأفراد ) في إنتاج حلول مشتركة للمشاكل المعقدة. وعندما يُطبَّق في المجال السياسي، يصبح أداة لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات عبر فتح قنوات جديدة للتعبير والمشاركة.
في الحالة المغربية، يمكن للإبتكار المفتوح أن يتحول إلى مقاربة عملية من خلال:
أ- تحويل الإحتجاجات من مطلبية في الشارع إلى تشاركية في المؤسسات.
ب- خلق فضاءات مشتركة بين الشباب والحكومة لبلورة حلول آنية قابلة للتنفيذ.
ج- استثمار الذكاء الجمعي للشباب في صياغة سياسات عامة تعكس حاجياتهم.
ثالثا:حلول عملية وآنية
أ- منصات رقمية رسمية للشباب:
إحداث منصات تفاعلية، بإشراف مؤسسات رسمية، تسمح للشباب بتقديم مقترحاتهم، شكاياتهم، وتجاربهم اليومية، مع نشر تقارير دورية عن كيفية التفاعل مع هذه المخرجات. يمكن تسريع تأسيس المركز المغربي للإبتكار المفتوح والذي سيلعب دوراً محورياً في تصميم هذه المنصات وضمان شفافيتها.
ب- مناظرات جهوية للشباب:
تنظيم مناظرات جهوية منتظمة تجمع بين الشباب وممثلي الحكومة والمجالس المنتخبة، على أن تُرفَع خلاصاتها إلى البرلمان والحكومة ليُدرج جزء منها في قانون المالية 2026. هذه الخطوة ستعطي الشباب إحساسا بالمِلْكيَّة المشتركة للقرار العمومي.
ج- سياسات تجريبية قصيرة المدى (Policy Prototyping):
اعتماد آلية “التجريب السريع” في بعض القطاعات التي تهم الشباب (التشغيل، الصحة والتعليم،السكن، الجامعة، النقل والعدل)، بحيث تُختبر حلول محلية لفترة محدودة، ويتم تقييمها بآليات علمية قبل تعميمها.
د- تفعيل المجلس الإستشاري للشباب والعمل الجمعوي:
رغم التنصيص الدستوري عليه، ظل هذا المجلس خارج دائرة الفعل السياسي. إن تفعيله بشكل عاجل سيشكل قناة رسمية لتأطير مشاركة الشباب، خصوصا إذا مُنح صلاحيات تقريرية واضحة في القضايا التي تهمهم.
هـ- إشراك المجتمع المدني الريادي:
تمكين الجمعيات الشبابية من تمويلات صغيرة وسريعة لتنفيذ مشاريع محلية ذات أثر مباشر (فضاءات رياضية، مبادرات رقمية، مشاريع بيئية). هذه الإجراءات ستخلق دينامية بديلة للاحتجاج في الشارع.
رابعا: تغيير مفهوم التواصل السياسي
أحد أبرز مظاهر الأزمة هو أن السياسيين ما زالوا يتحدثون بلغة بلاغية بعيدة عن الشباب. المطلوب اليوم هو:
أ- توظيف قنوات الشباب الرقمية (تيك توك، إنستغرام،فايسبوك ،X…) بخطاب بسيط وشفاف.
ب- اعتماد الشفافية الفورية في نشر المعلومات حول المشاريع والميزانيات.
ج- مأسسة الإنصات: تخصيص جلسات كل أسبوعين ثم شهرية تُبَثُّ مباشرة مع وزراء ومسؤولين للرد على تساؤلات الشباب.
خامسا: نحو عقد اجتماعي جديد مع الشباب
إن ما يجري اليوم ليس مجرد احتجاجات ظرفية، بل هو مؤشر على حاجة المجتمع المغربي إلى عقد اجتماعي جديد يعيد للشباب مكانتهم كقوة اقتراحية وشريك في صناعة المستقبل.
يتطلب ذلك:
أ- إصلاحات عميقة في منظومة التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الإجتماعية.
ب- تسريع تنفيذ الجهوية المتقدمة كإطار لإشراك الشباب محليا.
ج- ضمان عدالة مجالية تقلص الفوارق بين المدن والقرى.
ختاما؛
المغرب يقف اليوم على عتبة لحظة فارقة: فإما أن يواصل اعتماد لغة البلاغات والوعود الفضفاضة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من الإحتقان، وإما أن يفتح صفحة جديدة قوامها الإبتكار المفتوح، حيث يصبح الشباب شركاء في صناعة القرار لا مجرد محتجين في الشارع.
إن تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، وإطلاق المركز المغربي للإبتكار المفتوح كآلية مؤسساتية، واعتماد سياسات تجريبية ومناظرات جهوية، كلها خطوات عملية يمكن أن تعيد الثقة وتبني جسور الحوار.
المستقبل لن يُصنَع بالإنصات الجزئي ولا بالوعود المؤجَّلة، بل عبر إبداع جماعي يضع الشباب في قلب العملية السياسية ويُحوِّل الغضب الإجتماعي إلى طاقة إيجابية للتنمية والإستقرار.