سوس في ليلتين من الدموع والغضب ومشاهد مؤلمة تصل المهجر

Écrit par

dans

بقلم: رقية ديان – باريس

من بعيد، أتابع أخبار مدن وأقاليم بعيون دامعة وقلب يشدّه الحنين. ليلة الثلاثاء والاربعاء ، لم تكن كباقي الليالي؛ كانت ليلتين اختلطت فيها الدعوات المباركة من أجل الحق والعدالة، مع غضبٍ عارمٍ يُخشى أن يُضعف الرسالة ويبدّد الأهداف النبيلة.

لم أكن هناك، لكن صور المسيرات، وأصوات الناس المنطلقين في الشوارع، اخترقت قلبي كأنّي أسمع كل هتاف، وأشعر بألم كل زجاج يُكسر، وألمس أمل كل دربٍ ينتظر أن يُفتح.

خرجت المظاهرات احتجاجًا على تردّي الأوضاع، بصوت شبابٍ طالما صمت. شباب يطالب بالكرامة، بأن تُعالَج أمهاتهم في مستشفيات لا يُخشى أن تتحوّل إلى بيوت وداع، وأن تتعلّم أخواتهم في مدارس لا تُغلق أبوابها إلا للراحة، وبأن يكون الوطن حضنًا دافئًا، لا جدارًا من الإهمال.

لكنّ ما بدأ كاحتجاج سلمي، تسرّبت إليه دعوات أخرى. أولئك الذين لا يرون في الأزمات سوى فرص للفوضى. تفرّقت المسيرات المنظمة، وانطلقت حجارة، واشتعلت سيارات، وتحطّمت واجهات. تحوّلت الليلة إلى مشهد مأساوي يُمزج فيه الحق المشروع بالغضب المنفلت، الذي يؤذي القضية قبل أن يُخدمها.

من الغربة، أرى أن أولى ضحايا تلك الليلة كانت المطالب العادلة ذاتها. حين يرتفع الصوت ليُقابل بالخوف، وتصبح مشاهد الدمار أكثر حضورًا من صرخات الأمهات، ومن وجوه الأطفال الحالمين بالتغيير، فإننا نخسر. نخسر الأمل، ونخسر صورة النضال الحقيقي.

أشعر بألم مضاعف لأنني لست هناك، لأعيش مع أهلي وأحبتي تفاصيل ما يجري، لأشارك مدينتي نبض الشارع، ولأرفع صوتي كما لو كنت بينهم. الغربة تُضيف ألمًا على الألم، لكنها لا تطفئ الإيمان بأن الليل مهما طال، سينقشع نوره، وأن صوت المظلوم لا يُمحى، بل يبقى صداه أقوى مما يُراد طمسه.

ليلة أمس كانت درسًا قاسيًا. فالحق لا يُنادى به فقط، بل يُحمى كذلك. يُحمى بالسلمية، بالرسائل الواضحة، بالشعارات التي تحدد المسؤوليات بوعي. أما التخريب، فليس انتصارًا، بل عبثٌ يمنح خصوم التغيير ذريعة لتشويه الحراك.

أدعُو أهل أكادير ألا يسمحوا للألم أن ييبّس الوُد، وألا ينطفئ الضوء في داخلهم. لا تجعلوا الغضب وسيلةً لتدمير ما بُني بصبر السنوات.
من المهجر، أضم صوتي إليكم:
سلامًا لمن خرج من أجل الكرامة، وبركةً في دمعةٍ نزلت من عينٍ تنتظر فجر الأمل.

إقرأ الخبر من مصدره