خرجت الحكومة عن صمتها لتدلي بدلوها في النقاش الدائر حول الاحتجاجات التي قادها شباب من مختلف المدن، احتجاجات رفعت شعارات اجتماعية بالأساس، تتعلق بضعف الخدمات العمومية، وتدهور أوضاع المستشفيات والمدارس العمومية، وتفشي البطالة وانسداد الأفق أمام فئات واسعة من الشباب. أصوات الحكومة هذه المرة لم تأت متفرقة أو محتشمة كما في السابق، بل جاءت على لسان ثلاثة وزراء يمثلون قطاعات مختلفة، حيث تحدث مصطفى بايتاس الناطق الرسمي باسم الحكومة، ويونس السكوري وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل، ثم عبد الجبار الراشدي كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي. تصريحات هؤلاء الوزراء شكلت محاولة واضحة لامتصاص الغضب الشعبي، والتأكيد على استعداد الحكومة للإنصات والحوار، وفي الوقت نفسه التحذير من مخاطر الانزلاق إلى العنف والتخريب.
البداية كانت مع الوزير يونس السكوري الذي شدد على أن واجب الحكومة يفرض عليها الاستماع للتعبيرات الشبابية التي خرجت إلى الشارع في احتجاجات سلمية، معتبرا أن الرسالة وصلت بشكل واضح ولا لبس فيه. وأكد السكوري أن الحكومة واعية بعمق الأزمة التي يعاني منها الشباب، سواء في علاقتهم بسوق الشغل أو في نظرتهم للمؤسسات العمومية، خاصة المستشفيات والمدارس، التي لم تعد تلبي الحاجيات الأساسية للمواطنين. وأقر الوزير بوجود فساد ورشاوى في المنظومة الصحية، الأمر الذي زاد من حدة فقدان الثقة في المؤسسات، غير أنه أكد أن الحكومة مصممة على فتح حوار مباشر مع المحتجين، على أن يكون حوارا مؤسساتيا وشفافا، يفضي إلى تحديد مطالب واضحة من جهة، وتقديم عرض حكومي متدرج في التنفيذ من جهة أخرى.
السكوري حاول في كلمته التمييز بين فئتين من الشباب؛ الأولى تلك التي تعبر عن غضبها بوجه مكشوف في وضح النهار، والثانية التي تلجأ إلى التخفي ليلا للقيام بأعمال تخريبية. الوزير شدد على أن الحكومة منفتحة على الفئة الأولى ومستعدة للجلوس معها بشكل مباشر، لكنه في الوقت ذاته حذر من الركوب على مطالب هؤلاء من طرف جهات لا تريد الخير للبلاد. كما أضاف أن مسؤولية الحكومة تفرض على الوزراء الانكباب على خدمة المواطنين بعيدا عن أي حسابات انتخابية ضيقة، لأن المرحلة تتطلب تضافر الجهود وتغليب المصلحة العامة.
في الاتجاه نفسه، أقر مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، بأن ما تم القيام به في القطاعات الاجتماعية منذ تولي الحكومة لم يكن كافيا، وأن هناك تأخرا ملحوظا في إصلاح قطاعي الصحة والتعليم. وأكد أن الحكومة لا تدعي الكمال، وأن خططها ليست منزهة عن الخطأ، بل هي قابلة للنقد والمراجعة. بايتاس أوضح أن الحكومة تفاعلت بسرعة مع الاحتجاجات منذ اندلاعها، حيث عقدت اجتماع الأغلبية الحكومية برئاسة عزيز أخنوش في اليوم الرابع من اندلاع الحراك، وتم التعبير بوضوح عن تفهم المطالب الاجتماعية المشروعة التي رفعها الشباب، وعن استعداد الحكومة للانخراط في حوار حقيقي.
الوزير شدد على أن الحوار لا يمكن أن يكون من طرف واحد، بل يتطلب انخراط الطرف الآخر وتقديم مقترحاته ورؤيته لتجويد المنظومة الصحية والتعليمية. وأكد أن الحكومة تسعى إلى الإنصات للشباب واقتراحاتهم في إطار مقاربة تشاركية، وهو ما يتطلب انتقال الحوار من الشارع إلى المؤسسات. وذكّر بايتاس بزيادة الميزانيات الموجهة للقطاعات الاجتماعية منذ سنة 2021، وحرص الحكومة على تسريع وتيرة الإصلاح لاستعادة بريق المدرسة العمومية والمستشفى العمومي. لكنه عاد ليؤكد أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تبلغ بعد مستوى التطلعات، وأن الحاجة ما تزال قائمة إلى بذل مجهود مضاعف.
من جهته، حاول عبد الجبار الراشدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، أن يرسم أفقا عمليا للحوار الذي تسعى الحكومة إلى إطلاقه، حيث أكد أن الهدف هو نقل النقاش من العالم الافتراضي والشارع إلى المؤسسات الرسمية، حتى يصبح حوارا مؤطرا ومنتجا. وأوضح أن الحكومة تمد يدها للشباب المحتج، وتؤكد استعدادها الكامل للاستماع إليهم، سواء بشكل مباشر مع السلطة التنفيذية أو عبر مؤسسات وسيطة كالأحزاب والبرلمان ووسائل الإعلام العمومية.
الراشدي اعتبر أن الأولوية اليوم هي تحديد جدول زمني واضح للإصلاحات، لأن الجميع متفق على أن التعليم والصحة على رأس الأولويات، لكن تنفيذ هذه الإصلاحات يتطلب وقتا ومجهودا مضاعفا. وأضاف أن الحكومة واعية بضرورة التسريع في الوتيرة، وأنها بدأت بالفعل في تعزيز آليات المراقبة والتفتيش على المستوى الترابي لضمان محاربة الفساد داخل المستشفيات. كما أكد أن الحوار لا بد أن يفضي إلى أجندة عملية تترجم الالتزامات إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وفي الوقت الذي جدد فيه الراشدي تأكيد الحكومة على احترامها لحق الاحتجاج السلمي واعتبارها إياه حقا مشروعا لا يختلف حوله اثنان، فإنه شدد أيضا على أن الدولة لن تتساهل مع أعمال التخريب والاعتداء على الممتلكات والأمن العام، لأنها واجبة التدخل لحماية أرواح المواطنين وحفظ النظام. وأوضح أن التوازن مطلوب بين ضمان حرية التعبير والاحتجاج من جهة، وحماية النظام العام ومصالح المواطنين من جهة أخرى.
و يبدو أن الحكومة المغربية اختارت هذه المرة الخروج بخطاب أكثر صراحة واعترافا بالاختلالات القائمة في القطاعات الاجتماعية، مع تقديم إشارات قوية حول الانفتاح على الحوار، غير أن المعضلة الأساسية تبقى في غياب مخاطب واضح يمثل الشباب المحتج، وهو ما يشكل تحديا كبيرا أمام تحويل هذه الدعوات إلى نتائج ملموسة. فبين إرادة الحكومة في الإصلاح وتسريع وتيرة العمل، وبين انتظارات الشباب المتزايدة، يبقى الحسم رهينا بقدرة الطرفين على ابتكار آليات للحوار والتفاهم، بما يضمن تجنب الانزلاق إلى المجهول، وصون السلم الاجتماعي الذي يشكل ركيزة أساسية لأي إصلاح اقتصادي أو سياسي في البلاد.