المعارضة تفضح أرباح المصحات وشركات الأدوية

Écrit par

dans

شهد البرلمان المغربي جلسة ساخنة خصصت لمناقشة الوضعية الراهنة للمنظومة الصحية بالمملكة، حيث تبادل نواب المعارضة والحكومة الاتهامات حول أسباب تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاحتجاجات الشبابية التي انفجرت في عدد من المدن خلال الأيام الأخيرة. وقد شكل الاجتماع مناسبة لكشف حجم الأعطاب التي يعاني منها قطاع الصحة، وما يرافقه من اختلالات بنيوية تراكمت منذ عقود، لتتحول في النهاية إلى أزمة عميقة باتت تهدد السلم الاجتماعي وتكشف محدودية الإصلاحات الحكومية.
و شدد رشيد حموني، رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، حيث لم يتردد في تحميل الحكومة جزءاً كبيراً من المسؤولية، متهماً إياها بالتسويق لإنجازات “غير مسبوقة” سرعان ما سقطت الأقنعة عنها مع أول اختبار اجتماعي. وأوضح أن ما يطالب به المحتجون اليوم لا يقتصر على ملف الصحة وحده، بل يشمل التشغيل ومحاربة الفساد وإصلاح المنظومة الاقتصادية برمتها، وهو ما يجعل الأزمة متعددة الأبعاد. واعتبر أن أفضل سبيل للتعاطي مع احتجاجات الشباب هو نهج الحوار والاحتضان بدل اللجوء إلى المقاربة الأمنية التي لم تزد الأمور إلا تعقيداً، مضيفاً أن أحداث التخريب والاعتداءات التي عرفتها بعض المدن لا ينبغي أن تحجب الطابع السلمي للمطالب الشعبية.
وعاد حموني ليضع الأصبع على الجرح، مذكراً بأن وعود الإصلاح في قطاع الصحة لم تترجم على أرض الواقع بعد، مستشهداً بمشاريع مؤسسات مركزية لا تزال مجمدة مثل وكالة الأدوية والهيئة العليا للصحة. والأدهى من ذلك – حسب قوله – هو الطفرة غير المسبوقة التي عرفتها أرباح شركات الأدوية والمصحات الخاصة خلال السنوات الأخيرة، إذ تفوقت مداخيلها على صناعة السيارات والأبناك، وهو أمر اعتبره مثيراً للريبة. وأشار إلى أن مصحة واحدة فقط حققت ما يفوق ملياري درهم من الأرباح خلال ستة أشهر، بينما ظلت مستشفيات عمومية معلقة منذ أكثر من عقد دون أن ترى النور.
وفي قراءة ناقدة لسياسات الاستثمار في القطاع الصحي، تساءل حموني عن خلفيات السماح بإنشاء مصحات خاصة في كبريات المدن مثل الدار البيضاء والرباط والقنيطرة تحت ذريعة تشجيع الاستثمار في المناطق النائية. واعتبر أن الأمر لا يخلو من استغلال فجّ للإصلاحات من طرف لوبيات المصالح، داعياً الحكومة إلى إعلان موقف صريح: إما دعم المستشفيات العمومية وإما ترك المجال كاملاً للقطاع الخاص. وواصل انتقاداته مشيراً إلى أن 90 في المائة من المرجوعات المالية تذهب للمصحات الخاصة، وهو ما يؤكد – على حد تعبيره – أن الإصلاحات المعلنة جاءت في المقام الأول لخدمة القطاع الخاص لا المواطن المغربي. كما انتقد ضعف إنتاج الأدوية الجنيسة الذي لا يتجاوز 40 في المائة، مقابل استمرار المواطنين في تمويل 60 في المائة من تكاليف العلاج من جيوبهم الخاصة.
من جهتها، لم تقل مداخلة فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، حدة عن تصريحات زميلها في المعارضة. فقد ربطت مباشرة بين حالة الاحتقان الاجتماعي وفشل الحكومة، مؤكدة أن ما يجري في الشارع دليل واضح على أن السلطة التنفيذية أخفقت إخفاقاً ذريعا في الاستجابة لمطالب المواطنين. وأشارت إلى أن ما يهم الحكومة في الواقع ليس تحسين الخدمات العمومية أو ضمان الحق في الصحة، بل عقد الصفقات وتبادل المنافع في إطار تضارب المصالح، معتبرة أن ما سمته “التبزنيس” أصبح هو القاعدة الناظمة لسياساتها.
ولم تتردد التامني في إبراز مشاهد قاسية من معاناة المواطنين، مثل استمرار نقل النساء الحوامل على نعوش الموتى في القرى النائية، في وقت تتوفر فيه الدولة على أساطيل من سيارات الخدمة المريحة المخصصة لمسؤوليها. وانتقدت ما وصفته بتفكيك الوظيفة العمومية من خلال القوانين الأخيرة، مؤكدة أنها صوتت ضد القانون الإطار لإصلاح التعليم وغيره من النصوص التي – حسب قولها – لم تخدم سوى الخوصصة وتقليص دور الدولة الاجتماعي.
كما شددت النائبة اليسارية على أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص لم تكن سوى بوابة لتسليع الصحة وتحويل المرضى إلى زبائن، بدل أن تكون رافعة لحل أزمة القطاع. وأكدت أن الاحتجاجات الشبابية التي يشهدها المغرب مشروعة لأنها تعبّر عن مطالب عادلة، منتقدة القمع الذي تعرضت له، واصفة إياه بالعشوائي وغير المبرر، وداعية إلى محاسبة الحكومة وتحميلها المسؤولية الكاملة عن الوضعية الكارثية الراهنة.
وبين لغة الأرقام التي قدمها حموني، ومشاهد الواقع التي استحضرتها التامني، بدت صورة الوضع الصحي بالمغرب قاتمة، وأظهرت بجلاء أن الإصلاحات المعلنة لم تفلح في تبديد المخاوف أو رفع المعاناة عن المواطنين. ففي الوقت الذي تضخ فيه المصحات الخاصة الأرباح الطائلة وتواصل شركات الأدوية تحقيق نمو غير مسبوق، يظل المواطن المغربي يواجه صعوبة في الولوج إلى العلاج، فيما المستشفيات العمومية تعاني العجز والتهميش. وبينما تتصاعد الاحتجاجات في الشارع، تتوالى الأسئلة الثقيلة داخل قبة البرلمان: لمن تُسن الإصلاحات؟ ومن المستفيد الحقيقي من السياسات الحكومية؟

إقرأ الخبر من مصدره