بقلم جمال الوردي
كثيرة هي التحليلات التي يتم ترديدها هذه الأيام هنا وهناك، حول مآلات التجربة الحكومية لعبد الاله بنكيران وعدم تمكن الأخير من تشكيل حكومته الثانية بعد فوز “العدالة والتنمية” في الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وتعيينه من طرف جلالة الملك، في احترام تام لمقتضيات الدستور.
فالبعض يوجه أصابع الاتهام لخصومه السياسيين، بينما فضل آخرون الترويج لأسماء بعينها مثل عزيز أخنوش أو المدونة ميساء سلامة، ليجعلوا منهم رموزا لتلخيص فشله، وهو نفسه التوجه الذي سار فيه بنكيران وهو يحكي لمريديه في الحزب أسباب فشله قبل 9 سنوات. في تحليل سوريالي يكاد يشبه حكايات الجدات لأحفادهم الصغار قبل النوم.
لكن القراءة المتأنية للمشهد السياسي، تكشف شيئاً أبعد من نظرية المؤامرة التي يتم الترويج لها: فكيف يمكن لمدونة بمستوى تعليمي وأكاديمي وسياسي متوسط أن تسقط زعيما سياسي مثل بنكيران؟
ميساء ليس لها من القدرة ولا حتى الكفاءة ما يؤهلها لإسقاط ابن كيران، وهي المهمة التي فشل فيها إلياس العماري الذي كان يرأس حزبا سياسيا يملك جيشا من الأعيان والمستشارين والإمكانيات المالية الكبيرة..
الحقيقة أن ما حدث بعد 2016 لم يكن مؤامرة أو انقلابا على الديمقراطية كما يروج بنكيران، بل كان نتيجة حتمية لمصير سياسي لم يكن في مستوى اللحظة…
سياسي لم يعرف كيف يتصرف في موقع المسؤولية…
سياسي دخل لمفاوضة الأحزاب بمنطق “أنا بوحدي مضوي البلاد”…
سياسي كان يستقبل الأمناء العامين للأحزاب بنفس شعبوي، وخطاب فيه الكثير من التعالي…
سياسي بدون برنامج سياسي واضح، والنتيجة أنه لم يستطع آنذاك كما اليوم أن يقنع حتى أقرب حلفائه.
وهكذا فإن البلوكاج السياسي لم يكن سوى نتيجة طبيعية لمقاربة مرتبكة مارسها بنكيران بنفسه. خاصة وأن الرجل واجه لحظة سياسية دقيقة، تطلبت منه حساً عالياً من المرونة، والقدرة على تدبير التحالفات بشكل براغماتي دون التفريط بطبيعة الحال في المبادئ الكبرى.
إلا أن بنكيران، عوض ذلك، دخل المفاوضات متردداً بين منطق الزعيم الحزبي ومنطق رجل الدولة.
وحتى من كانوا مقربين من الرجل في تلك الفترة من أبناء حزبه، فبنكيران لم تسقطه المؤامرات السياسية، كما يدعي هو نفسه، بقدر ما أسقطه رفضه لمقترحات منطقية قبلها خلفه سعد الدين العثماني بدون تردد. في الوقت الذي اختار ابن كيران أن يتعامل مع لحظة دستورية فارقة وكأنها مسرحية هزلية، يستغلها لترديد النكت والقصص، دون أن يعلم أنه في السياسة لم يعد المواطن يهتم بالشعارات التي تدغدغ المشاعر، بقدر ما يؤمن بالنتائج وبما هو ملموس في حياته اليومية.
وهو ما فهمه بنكيران بنفسه عندما اكتشف بعد إعفائه من طرف جلالة الملك سنة 2017 أن لا أحد تضامن معه، حتى أبناء حزبه أسقطوه من الأمانة العامة وصوتوا للعثماني..
حينما فهم بنكيران متأخرا أنه فشل لأنه فضل أن يتقمص دور الضحية بدل أن يختار المصلحة العامة..
فشل لأنه اختار خطاب المظلومية عوض أن يواجه التحديات بخطاب عقلاني وواقعي..
والنتيجة أن ابن كيران الذي دخل الحكومة سنة 2011 من الباب الكبير، اختار هو بنفسه أن يحفر قبره بيده، وأن يخرج من الباب الضيق، وفوت على نفسه فرصة استكمال تجربة ثانية يمكن أن يصحح من خلالها أخطاء تجربته الأولى ويتعامل كرجل دولة بنضج ورصانة.. لكنه اختار العكس، وبدل أن يعترف بسقف الممكن في السياسة ظل يراوغ حتى ضيع الفرصة.
فاللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها.