بينما كانت إسبانيا تتخبط في غيبوبة سياسية على وقع مرض فرانكو، كان المغرب يتهيأ للانتقال من منطق المطالبة إلى منطق الفعل.
فقد اختار الحسن الثاني لحظة الوهن الإسباني ليطلق مبادرة سيادية غير مسبوقة. حيث وجه في مساء 16 أكتوبر 1975، خطابا إلى الشعب، أعلن فيه عن تنظيم مسيرة سلمية نحو الصحراء، في توقيت بدا مُربكا للجميع، وفي صيغة تتجاوز منطق التفاوض التقليدي.
جاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من صدور رأي محكمة العدل الدولية، الذي أقرّ بوجود روابط قانونية وتاريخية بين المغرب وأقاليمه الجنوبية، من دون أن يحسم مسألة السيادة.
وبمجرد صدور هذا الرأي، تحرك الملك بسرعة لملء الفراغ، رافضا انتظار التأويلات الأممية أو المبادرات الثنائية. لقد اختار أن يبني فوق تلك الروابط فعلا ميدانيا يسبق النقاش ويطوّق أي مناورة محتملة.
ولم تكن الدعوة إلى المسيرة مجرّد ردّ سياسي، بل تجلّت كتحرك مدني محسوب بدقة. فبدل أن يستخدم لغة التحدي أو يرفع سقف الخطاب، حرص الحسن الثاني على ضبط الإيقاع من البداية، حين قال: “علينا، شعبي العزيز، أن نقوم كرجل واحد، بنظام وانتظام”.
هكذا حوّل الملك الحسن الثاني، المسيرة إلى تمرين سيادي منضبط، لا يشبه الاستعراضات، ولا يترك هامشا للفوضى أو التأويل العدائي.
وإلى جانب ذلك، لم تُقدّم الخطوة باعتبارها استرجاعا سياسيا فقط، بل طُرحت في بُعد وجداني وأخلاقي أوسع. فقد دعا الملك إلى “إحياء الرحم مع إخواننا في الصحراء”، واضعا بذلك الأساس العاطفي للمبادرة، ومُحاطا بحقل دلالي يصعّب على أي طرف خارجي أن يعارضها دون أن يبدو وكأنه يناهض صلة الدم.
ولكي لا تبقى الدعوة محصورة في الجغرافيا أو النخبة، أكّد الملك على شمولية المشاركة، بقوله: “من شمال المغرب إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه”. لم يكن ذلك مجرد وصف، بل إعلان عن تعبئة وطنية شاملة، تنسف منطق المناطقية، وتؤسس لمشروع جماعي لا يستثني أحدا.
في المقابل، لم تكن مدريد في وضع يمكّنها من الرد. فقد أدخلها غياب فرانكو في حالة تردد مؤسسي، بينما ظل القرار الرسمي موزعا بين تيارات متضاربة.
وأمام دعوة تبدو سلمية في ظاهرها، ومدنية في تنظيمها، كان أي تحرك عسكري إسباني مهددا بفقدان الشرعية الدولية، في حين أن الصمت كان يُفهم كتنازل صريح.
لذلك، تحوّل الخطاب المغربي إلى أداة إرباك مزدوجة: لا تهاجم الخصم مباشرة، ولا تترك له مخرجا آمنا. فإما أن يواجه مبادرة غير عنيفة ويُدان، أو يلتزم الصمت ويخسر الأرض. وبين هذين الخيارين، ظل المغرب يراكم واقعا جديدا، يوما بعد يوم، دون أن يطلق رصاصة واحدة.
ومع تقدم المسيرة، بدأ شكلها يفرض مضمونها. فقد طغت صورة التنظيم والانضباط، وغابت مظاهر التوتر أو العنف. هكذا، لم يعد الجدل منصبا حول مشروعية المبادرة، بل حول توقيت نهايتها وشكل التسوية المقبلة. وقد ازداد الإحراج الدولي مع كل كيلومتر يقطعه المتطوعون، ومع كل يوم تصمت فيه مدريد.
وفي أقل من شهر، بدأت إسبانيا تنزلق نحو التفاوض. فخلال نونبر، جرى توقيع اتفاق مدريد، الذي لم يكن ثمرة مساومة متوازنة، ولا نتيجة ضغط خارجي، بل خلاصة مسار بدأ بخطاب، وتحوّل إلى معطى سياسي لا يمكن تجاوزه. لقد فرض المغرب شروطه بوسائل غير تقليدية، وبلا حاجة إلى مؤتمر دولي.
ولعلّ المفارقة الكبرى أن المسيرة بدت في ظاهرها سلمية، ولكنها كانت صارمة في هندستها، وفي أثرها السياسي. لم يكن الهدف أن يمشي المواطنون فحسب، بل أن تُدفع مدريد نحو خيار واحد: التسليم بالأمر الواقع. وفعلا، ما تحقق لم يكن ثمرة تصعيد، بل نتيجة دقة التوقيت، وصرامة الإيقاع، وشرعية المبادرة.
ظهرت المقالة عندما رفع الحسن الثاني نداءه لتنظيم مسيرة “رجل واحد بنظام وانتظام” أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.