“اخرجوا عند الناس”: حين تُعيد السياسةُ وصلَها بالمجتمع

Écrit par

dans

يحي الصغيري
أستاذ علم الاجتماع السياسي

تمهيد

لا يُقرأ اجتماعُ رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمّع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، مع برلمانيي حزبه ووزرائه بوصفه مجرّد لحظة خطابية، بل باعتباره إعادةَ ترسيم للأولويات في الحقلين الحزبي والدولتي. فالعبارةُ المركزية: “لي جابكم هو المواطن… خرجوا عند الناس… والوزراء يسرّعوا تنزيل المشاريع”، تعمل كـشفرة تنظيميّة تعيد تعريف العلاقة بين شرعية التفويض ومشروعية الإنجاز؛ أي بين سلطة التمثيل ومسؤولية الفعل. هنا يتجاوز “اخرجوا عند الناس” كونه شعارًا ظرفيًا ليغدو عقدًا سياسيًا للقرب يجعل من المعرفة الميدانية مدخلًا للقرار العمومي، ومن الإصغاء المنتظم للمواطنين أداةً لإنتاج المعنى والعدالة معًا. حين تخرج السياسة إلى الناس، لا تُرمّم صورتها وحسب، بل تستعيد جوهرَها: تنظيم العيش المشترك بمقاييس الشفافية والمحاسبة.

سياق اللحظة: من ضغط التوقعات إلى ضبط الإيقاع

تأتي الدعوة في سياق ضغط اجتماعي متنامٍ وتوقعاتٍ مرتفعة من وتيرة الإنجاز التشريعي والتنفيذي. في مثل هذه اللحظات، تميل الأحزابُ الحاكمة إلى إعادة معايرة البوصلة: تحديد أدوار البرلماني والوزير والمناضل، وضبط التفاعل بين الجهاز الحزبي ومؤسسات الدولة. هكذا يُقرأ «اخرجوا عند الناس» كـتقنيةٍ لضبط الإيقاع السياسي: انتقالٌ من إدارة الصورة إلى إدارة الوقائع، ومن التمثيل بالوكالة إلى التمثيل بالمشاركة حيث يصير الميدان مصدرَ القرار ومختبرَه.

بنية الخطاب: ثلاثة محاور متكاملة

استدعاء المصدر: عبارة «من أتى بكم هو المواطن» تُحوِّل الديمقراطية التمثيلية من قاعدةٍ إجرائية إلى آلية مساءلة داخلية عن منشأ الشرعية وحدودها الأخلاقية.
تكليف الميدان: نقلُ مركز الثقل من القاعات المغلقة إلى الفضاء الاجتماعي حيث تُقاس المصداقية بالاحتكاك، ويُستبدَل وصف الواقع بمعرفته التجريبية.

تسريع الإنجاز: ربطُ القرب بالنتائج لتجسير الفجوة بين الخطاب والقرار، وتحويل الرأسمال الرمزي إلى أثرٍ قابلٍ للقياس والمحاسبة.
من التعبئة إلى التنظيم: ألنِسكي وسياسة القرب المؤسَّسة
يميّز سول ألنِسكي بين التعبئة كفعلٍ لحظي سريع التبخّر، والتنظيم كقدرةٍ مستدامة على الفعل الجماعي. في هذا المنظور، تُفهَم دعوة أخنوش إلى “الخروج عند الناس” كإرادة لبناء دوائر وساطةٍ محلية تحوّل الإنصات إلى ممارسة تفاوضية منتِجة بين المواطنين والإدارة.

يتحوّل المنتخب من ناقلٍ للوعود إلى مهندس مطالب: يجمّع المعطيات، يرسم خرائط الفاعلين، ويُعدّ جداول المطالب.

يغدو القرب بنية تمكينية لا طقسًا انتخابيًا، حيث تتأسس علاقة تأثيرٍ متبادل عبر آليات متابعةٍ ميدانية تُبقي القرار العمومي تحت بصر المجتمع وبصيرته.

بهذه الروح الألنِسكية، يصبح خطاب القرب عند أخنوش مشروعَ تنظيمٍ اجتماعي أكثر منه شعارًا تواصليًا: رسمُ موازين القوة محليًا، بناءُ تحالفاتٍ حول قضايا ملموسة، وتحيينُ الأولويات وفقًا لتغذيةٍ راجعةٍ دائمة من الميدان.

تنسيق الأزمنة الثلاثة: البرلمان والحكومة والشارع

ينسّق الاجتماع بين زمن البرلمان (التشريع)، وزمن الحكومة (التنفيذ)، وزمن الشارع (الطلب الاجتماعي) عبر جسرٍ دينامي للفجوات الزمنية:

يتغذّى التشريع من الميدان عبر قنوات إصغاءٍ منظَّمة؛
وتغذّي الإنجازاتُ السرديةَ الحزبية دون انزلاقٍ إلى الدعاية، حين تُقرَن الرسالةُ بالمؤشرات؛
ويُنتَج إيقاع سياسي متماسك يربط التخطيط بالتنفيذ والتواصل بالتقييم، لتقديم الحزب كـ”جهازٍ مندمجٍ في المجتمع”.

أثر متوقع: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع

الرهان ليس تجميل الصورة، بل إعادة تعريف الشرعية عبر الإنجاز الملموس والمتحقَّق ميدانيًا. حين يُصبح “القرب” طريقةَ اشتغالٍ لا شعارًا، تتحول السياسة إلى اقتصادٍ للأثر الاجتماعي: مواردُ تُخصَّص وفق معايير، قراراتٌ تُصاغ على ضوء بيانات، ومساراتُ تنفيذٍ تُراقَب وتُحاسَب.

خاتمة

تُختزل المعادلة في شعار واحد: “الميدانُ مصدرُ الخطاب ومختبرُه”. إنّها عودةُ السياسة إلى المجتمع لا بترصيص الشعارات، بل بتبديد الفجوات بين المواطن ومؤسساته: انتقالٌ من التمثيل إلى المشاركة، ومن الخطاب إلى الإنجاز، ومن الشرعية الإجرائية إلى عدالةٍ مؤسَّسة على القرب المؤسَّس. عندها فقط تستعيد السياسة معناها الاجتماعي والأخلاقي: نظامٌ للفعل العام لا أداةٌ للسلطة.

إقرأ الخبر من مصدره