منتصر إثري يكتب: الإعلام العمومي.. الوجه الآخر لمغرب السرعتين

Écrit par

dans

أعاد شباب “جيل Z”، الذين احتجوا على مدى أيام على وضعية الصحة والتعليم وسوق الشغل في المغرب، النقاش السياسي العمومي إلى الواجهة، وفتحوا المجال مجدداً أمام الإعلام العمومي للخروج من “روتين الدبلجة” و”المسلسلات” إلى برامج سياسية مباشرة وغير مباشرة.

لقد أظهرت هذه الاحتجاجات قدرة المجتمع على النقاش والحوار مع المسؤولين والمحتجين والمواطنين، ومع الحكومة والأغلبية والمعارضة، بالعربية والفرنسية والدارجة، مع استمرار تهميش اللغة الرسمية للدولة، الأمازيغية، على الرغم من أن العديد من هذه الاحتجاجات انطلقت من مناطق أمازيغية كجهة سوس.

لقد أتاح هذا النقاش الفرصة للتطرق إلى واقع المستشفيات في المدن الكبرى، ومستوى التعليم وسوق الشغل، بينما ظل العالم القروي مهمشاً بشكل صارخ، إذ توقفت فيه هذه الخدمات أصلاً، مما يعكس فجوة تنموية عميقة ويضع الدولة أمام تحديات حقيقية في تحقيق العدالة المجالية والتنمية المتوازنة.

إن ما قامت به هذه الاحتجاجات ليس مجرد حركة عابرة، بل استدعاء لوعي سياسي جديد، يدفع الإعلام والمجتمع إلى التفكير بعمق في مستقبل الدولة والخدمات العمومية، وفي ضرورة إدماج كل المناطق واللغات والثقافات في النقاش العمومي. فقد تابعنا جميعاً عدداً كبيراً من البرامج السياسية المباشرة والمسجلة مع مختلف الوزراء والمسؤولين، بمشاركة الشباب والشابات، وربما يفوق عددها ما تم عرضه خلال السنوات الخمس الأخيرة مجتمعة. هذه الدينامية الشبابية أعادت الأمل في تغيير منشود، بعد سنوات من خفوت رياح “ربيع الشعوب”.

لكن الملاحظة اللافتة والمقلقة في الوقت نفسه، هي أن كل هذه البرامج والنقاشات تجاهلت العالم القروي بشكل شبه كامل. لم يُقدّم أي برنامج بالأمازيغية يُتيح للمغاربة الناطقين بها المشاركة، رغم أن “حراك الصحة” انطلق من أكادير، وأغلب الأحداث سجلت في جهة سوس. اختار الإعلام والمسؤولون التوجه إلى الراي العام بالدارجة والعربية فقط، ما يعكس استمرار تهميش الثقافة واللغة الرسمية، ويكرّس الفوارق المجالية في المجال الإعلامي نفسه.

كما أن كل المحاورين والمسؤولين غاب عنهم التطرق إلى معاناة العالم القروي من تهميش وإقصاء وغياب الخدمات الأساسية. ففي مناطق الزلزال، لم تُبنى بعد المؤسسات التعليمية، والهدر المدرسي كبير، كما تغيب المستشفيات والمستوصفات، وإن وُجدت بعض المباني فهي فارغة بلا أطباء أو تجهيزات. لم يجرؤ أي محاور على طرح بجرأة ما يعيشه ضحايا الزلزال في الخيام، وإقصاؤهم وحرمانهم من التعويضات، وما يرافق ذلك من فقدان منازلهم وغياب أي تحمل للمسؤولية السياسية أو الأخلاقية من قبل الجهات المختصة.

يبدو أن “مغرب السرعتين” لا يتجلّى فقط في الفوارق التنموية والاقتصادية بين المدن والمناطق القروية، بل حتى في النقاش العمومي والإعلامي، حيث تُركت بعض الفئات خارج دائرة الحوار والنقاش. هذا الواقع يكشف أن الإعلام العمومي، بدل أن يكون أداة لتقليص الفوارق وتوحيد الرأي العام، يكرس في المقابل “مغرب السرعتين”، عبر تركيزه على المدن الكبرى واللغة العربية والدارجة، وإقصاء العالم القروي واللغة الأمازيغية. وبهذا الشكل، يتحول الإعلام نفسه إلى أداة تعميق الفوارق المجالية، بدل أن يكون رافعة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

إن نقاش “جيل زد” السياسي يجب أن يكون بداية لتغيير حقيقي، وليس مجرد استعراض إعلامي لحراك مؤقت، بل فرصة لإعادة العدالة المجالية إلى قلب السياسات العمومية، وإعطاء كل المواطن صوتاً ومكانة، بما في ذلك أولئك الذين لطالما عانوا من التهميش والإقصاء.

ويمكن أن تتحول هذه الدينامية الشبابية، التي رفعت شعارات تنادي بإنصاف المتضررين، إلى قوة ضاغطة من أجل تسوية ملفات ضحايا الزلزال، ودفع المسؤولين إلى التجاوب مع مطالبهم، وتمكينهم من حقهم في السكن اللائق الذي يحفظ كرامتهم ويضمن لهم الأمن والاستقرار. فمعاناة هؤلاء المواطنين ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل قصص حياة بحاجة إلى استجابة حقيقية من الدولة والمجتمع.

ويمكن لحراك “جيل Z” أن يكون نقطة انطلاقة نحو مغرب يضمن لكل أبنائه حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والسكن والعمل، ويعمل على تقليص الفوارق المجالية، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة، ليصبح نقاشه السياسي فعل تغيير ملموس ومؤثر على أرض الواقع.

إقرأ الخبر من مصدره