ياسين عمري
في السياسة، يعتمد الخطاب من قبل الفاعل السياسي لإيصال رسالته إلى الرأي العام، وهذا الخطاب إما يكون خطاب الفعل أو خطاب ردة الفعل، بمعنى أن الخطاب السياسي في شكله ولغته وطريقة تقديمه يتأرجح بين الفعل وردة الفعل، وهذا ما يبرز من خلال أحداث سابقة أو أحداث قائمة وأخرى لاحقة.
وفي المغرب كما في دول العالم، يعتمد الخطاب السياسي في أحداث عدة ويختلف باختلاف الظرفية، يعني في المناسبات أو الأزمات التي تبرز فيها أحداث معينة، سواء كانت ذات طابع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.
في الإنجازات، يوظف خطاب الفعل أي خطاب المبادرة، يعنى أن الفاعل السياسي يعتمد هذه الطريق التواصلية مع الرأي العام، تكتيكا سياسيا للحديث عن الإيجابيات المحققة أو الإعلان عن إنجازات مستقبلية، وهذا الخطاب وظف ويوظف في المغرب، كما هو الشأن في باقي دول العالم.
أما خطاب ردة الفعل، الذي يعتمد في صياغته لغة الوعود، يوظفه الفاعل السياسي بغاية التبرير وبعث رسائل لطمأنة الرأي العام بخصوص قضايا معينة، كانت دافعا لاعتماد خطاب ردة الفعل في التواصل.
وانطلاقا من هذا، فكلما تصاعدت الأصوات في الواقع (الشارع) أو المواقع (منصات التواصل الاجتماعي)، يوظف خطاب ردة الفعل كوسيلة بغرض التطمين والتهدئة، وهذا ما برز مع حركة “جيل Z” التي خرجت للمطالبة بتجويد خدمات الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية، ثالوث يجمع بين مطالب الإصلاح السياسي والاجتماعي.
الحراك الشبابي الذي أفرزته قضايا اجتماعية لها ارتباط بالسياسة والفعل السياسي، دفع بفاعلين سياسيين من الائتلاف الحكومي للخروج والتبرير والتطمين بالصفة الحكومية أو بالصفة الحزبية عبر القنوات التلفزية والوطنية والدولية.
فالخروج عبر القنوات التلفزية الوطنية، يهدف إلى بعث رسائل إلى الداخل، وجرى الاعتماد هنا على اللغة التقنية من قبل المسؤولين الحكوميين بالاعتماد على الأرقام والمؤشرات، بخصوص ما كان عليه الوضع قبل هذه الحكومة وما تحقق في عهدها وما سيتحقق في المستقبل سواء في العمر السياسي المتبقي للحكومة، أو لاحقا، إلى حين تشكيل الحكومة القادمة في 2026 سنة إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة.
أما الخروج عبر القنوات الدولية، رسائله موجهة إلى الخارج من خلال خطاب يمزج في لغته بين ما هو سياسي وتقني، ويستعرض فيها الفاعل السياسي التزامات الدولة من خلال الحكومة والمؤسسات بالاتفاقيات والتشريعات الدولية، وكل كلمة في هذا الخروج الموجه للخارج محسوبة لأنها ستترجم مستقبلا إلى مراقبة خارجية.
وفي تحليله للخطاب السياسي في الأنظمة العربية ومنها المغرب، يرى جون واتربوري، أن الخطاب السياسي لا يُفهم فقط من خلال الكلمات أو البلاغة، بل من خلال علاقته بالبنية الاجتماعية والسياسية التي ينتج داخلها، بمعنى آخر، فالخطاب ليس مجرد كلام، بل هو فعل سياسي يخدم غايات محددة: أولها ترسيخ السلطة، ثانيها الحفاظ على الشرعية، ثالثها إدارة الولاءات والعلاقات بين الحاكم، أي الفاعل السياسي والمحكوم يعني الشعب الذي يجمعه عقد اجتماعي أساسه، أن المحكوم يقبل ضمنيا التخلي عن بعض الحريات والخضوع لسلطة الحاكم، مقابل حماية حقوقهم، بمعنى آخر أن هناك علاقة حقوق وواجبات تجمع الطرفين.
وبالإشارة إلى كل من الفرنسيين ميشيل فوكو، من موقعه كفيلسوف وبيير بوردو، من موقعه كأحد أبرز المراجع في علم الاجتماع، فالخطاب السياسي ليس مجرد تواصل بل أداة لإنتاج السلطة.
وهنا ميشيل فوكو، يوضح أهمية تحليل الخطاب بقوله، إننا لا نستطيع إعادة بناء منظومة فكرية ما إلا بالاعتماد على مجموعة من الخطابات، بغرض العثور خلف العبارات على قصد الذات المتكلمة، وعلى نشاطها الواعي، وما كانت ترغب في قوله، بل وعلى بعض التجليات اللاشعورية التي برزت بوضوح، وفيما يحمله الخطاب صراحة أو ضمنا، والبحث عن المعنى الحقيقي وراء المعنى المجازي، والبحث عما وراء الخطاب، بغية تحليل الفكر وإعادة إنشاء خطاب جديد.
وبالتالي يرتكز تحليل الخطاب عند ميشيل فوكو على فهم الخطاب والتحليل النقدي وكشف طبيعة الخطاب والبحث عن المعنى، أما بيير بوردو، فيرى أن الخطاب السياسي آلية محورية، لأنه يربط بين السلطة والموقع الاجتماعي داخل الحقل السياسي، واللغة التي تستعمل في الخطاب فهي أداة للهيمنة الاجتماعية.
وانطلاقا من هذا ومن خلال المقارنة بين التجربتين المغربية والأمريكية، بخصوص طريقة اعتماد الخطاب من قبل الفاعل السياسي، يكفي الرجوع في النموذج الأمريكي إلى خطب رؤساء وسياسيين أمريكيين عدة من أجل وضع أوجه المقارنة، يظهر أن الخطب السياسة الأمريكية ليست مستقرة وقد تتغير بتغير الحكام.
لكن الثابت أن الخطاب في الساحة السياسية الأمريكية يصنع الفعل (المبادرة)، وهذا الفعل يتفاعل معه الرأي العام وقد يصل إلى درجة المساءلة في حال عد الالتزام بتحقيق الفعل المعلن عنه من قبل الفاعلين السياسيين الأمريكيين من موقع القرار.
لأن في الولايات المتحدة، الخطاب السياسي محكوم بمنطق الفعل المؤسساتي، فالفاعل السياسي الأمريكي لما يخاطب الرأي العام الأمريكي لا يتكلم عن تحقيق فعل سياسي بدون التوفر على آليات التنفيذ القانونية والمالية، عكس المغرب في بعض الأحيان، حيث يغلب على الخطاب السياسي الطابع المزاجي أو الانفعالي، حيث تتسابق بعض الأحزاب والحكومات إلى التفاعل مع الأحداث بدل استباقها من خلال المبادرة بأفعال قابلة للتحقيق.
وفي الختام، فبين النموذجين المغربي والأمريكي، يسجل أن في المغرب ردة الفعل هي القاعدة في الممارسة السياسية عبر آلية الخطاب السياسي، أما الولايات المتحدة فالفعل والمبادرة تكون هي الأصل، واستثناء يستعمل خطاب ردة الفعل من قبل الساسة الأمريكيين مع ظهور بعض الأزمات داخليا أو خارجيا حيث التواجد الأمريكي.
باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
إقرأ الخبر من مصدره