الأحداث بقلم محمد اعويفية
قلب كل مدينة في العالم تتدفق في شرايينه دماء متجددة تنتعشه وتجعله ينبض بالحياة على الدوام، لأن شوارعه تحفظ الذاكرة، وبناياته شاهدة تروي حكايات الناس وذكرياتهم، ساحاته وسوقه بمحلات بيع الورد يفوح منها عبق زمن الانتقال والتغيير الذي مرت منه مدينة آسفي. لكن حين يهمل هذا القلب، يخفت النبض، ويتحول التاريخ إلى غبار يتناثر ويتبعثر في زوايا النسيان المظلمة.
إهمال قلب المدينة هكذا، ليس مجرد تقصير عمراني وحسب، بل هو خيانة عظمى لذاكرتنا الجماعية، وطمس مقصود لهوية المكان وتاريخ المدينة ككل. فحين تتداعى وتتهالك المباني التاريخية، وتترك الساحات والحدائق بلا صيانة رغم قلتها وصغرها، وحين تظل الشوارع غارقة في الظلام والعتمة، يطفأ جزء مهم من روح المدينة، وتفقد ملامح الحسن والجمال التي تميزها عن غيرها.
القلب هو الأصل، ينبوع الحياة وانطلاقتها، هو الذي يمنح المدينة معناها، صورتها، دفءها، وبهاءها. فكيف يعقل أن يهمل المركز هكذا وتترك الواجهات بشعة بلا تزيين، وشوارعه موحشة تتآكل وتئن تحت رحمة الزمن؟
إصلاح “لبلاطو” قلب المدينة ليس شيئا كماليا أو جماليا، بل واجب حضاري وأخلاقي نحو هذه المدينة وسكانها. فحين نتعهده بالعناية، نصون ذاكرتها ونحميها من الإهمال وغدر السنين، ونصل الماضي بالحاضر ونخلق بينهما انسجاما وتناغما يعبران عن رقي عقولنا وسمو ذوقنا ورهافة أحاسيسنا. كما نعيد بذلك للناس أماكنهم التي أحبوها وارتبطوا بها، مقاهيهم التي التقوا فيها، وساحاتهم التي شهدت خطوات شبابهم، ورسموا فيها أحلامهم وأمانيهم المستقبلية.
المدينة التي تنسى قلبها وتهمله حتى يصبح مفجوعا مكلوما كقلب آسفي، تصبح جثة هامدة، جسدا بلا روح. والإصلاح الحقيقي لا يبدأ أيها الناس من الذات وتحسين الوضعية الخاصة، بل يبدأ من إنعاش ذلك القلب الذي يكاد يتوقف عن الخفقان، وإعادة الحياة له.

هيئة التحرير24 أكتوبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره