حين يصبح الحزب ملكا لزعيمه.. يموت المعنى الديمقراطي

Écrit par

dans

رشيد الصديق

في كل مرة يعاد فيها انتخاب زعيم حزبي لولاية جديدة، تتجدد الأسئلة حول معنى الديمقراطية الداخلية في المغرب. فكيف يمكن لحزب أن يدافع عن التداول في تدبير الشأن العام، وهو لا يمارسه داخل بيته؟ وكيف يمكن لإطار سياسي أن يكون نخبا جديدة، بينما تظل نفس الوجوه تحتل الواجهة لعقود طويلة؟

ليست المشكلة في الأشخاص بحد ذاتهم، بل في منطق البقاء الدائم في القيادة، الذي يحول الحزب من فضاء للتعدد والاقتراح إلى مجال مغلق تديره دائرة ضيقة من الموالين. هنا، تصاب الديمقراطية بالشيخوخة، وتتحول الزعامة إلى غاية في ذاتها.

لقد حذر عالم الاجتماع الألماني روبرت ميشيلز منذ بداية القرن العشرين مما أسماه «القانون الحديدي للأوليغارشية» : كل تنظيم ديمقراطي ينزلق بمرور الوقت إلى حكم الأقلية إذا غابت آليات التناوب والمحاسبة. كما أظهر الباحث جيرمان غيتشيفسكي أن تحديد عدد الولايات القيادية داخل التنظيمات السياسية لا يضعفها، بل يعيد التوازن داخلها ويمنع احتكار القرار.

في المغرب، لا يقتصر هذا الخطر على حزب بعينه، بل يعكس ظاهرة أوسع : أحزاب كثيرة تستعيد نفس القيادات في كل مؤتمر، وتعيد إنتاج نفس الخطاب، في وقت يتغير فيه المجتمع بسرعة. وبدل أن تكون المؤتمرات لحظة تقييم وتجديد، تتحول إلى طقوس شكلية لتزكية الأمر الواقع. ومع مرور الوقت، تتجمد الحياة السياسية، لأن النخب التي لم تتجدد تفقد قدرتها على الإبداع والتفاعل مع تطلعات الأجيال الجديدة.

إن أخطر ما يمكن أن يعيشه أي حزب سياسي هو أن يتحول زعيمه من قائد مرحلي إلى “مالك رمزي” للحزب، يسعى إلى البقاء في موقع القيادة مهما تغيرت الظروف. فحين يصبح الهم الأول هو الاستمرار في الكرسي، يبدأ مسلسل الإقصاء المنهجي لكل من يعبر عن رأي مخالف، ويتم تفريغ الحزب من طاقاته الحقيقية لصالح دائرة ضيقة من المقربين والموالين. ومع مرور الوقت، يتحول الحزب إلى بنية مشخصنة تدور حول شخص واحد، لا حول مشروع جماعي.

وفي الحالة المغربية، يتفاقم هذا الخطر لأن من السهل تعديل الأنظمة الأساسية للأحزاب بما يخدم بقاء الزعيم، تحت مبررات واهية من قبيل “الاستمرارية” أو “غياب البديل” أو “تلبية لمطلب القواعد”. وهكذا يتحول القانون الأساسي من آلية لتنظيم التداول إلى أداة لتكريس الزعامة. ويزيد من خطورة هذا الوضع غياب البدائل التنظيمية والسياسية داخل الحزب، حيث يتم عن قصد إضعاف القيادات الصاعدة وإقصاء كل من يمتلك مشروعا أو رؤية مستقلة، حتى يصبح الزعيم هو الخيار الوحيد الممكن. في هذه الحالة، لا يعود الحزب مدرسة لتكوين النخب، بل يتحول إلى جهاز ولاء قائم على الرضا والطاعة، حيث تكافأ “الوفاء للزعيم” بدل الكفاءة والفكر. وهكذا، تخنق الحيوية السياسية من الداخل، ويغلق الباب أمام التجديد، فتشيخ المؤسسات الحزبية كما تشيخ الأفكار التي تديرها. هذه الدينامية لا تضر فقط بالحزب، بل بالحياة الديمقراطية الوطنية ككل، لأنها تضعف الثقة في السياسة وتكرس صورة الزعيم الأبدي الذي لا يحاسب ولا يستبدل، في حين أن جوهر الديمقراطية هو التناوب، والتجديد، وتداول السلطة بين الكفاءات.

يقال إن هذه مسائل داخلية تخص الأحزاب وحدها، لكن ذلك مجرد وهم. فالحياة الحزبية ليست شأنا مغلقا على المنخرطين، بل جزء لا يتجزأ من البناء الديمقراطي الوطني. فالمغرب يضم أكثر من ثلاثين حزبا تمول من المال العام، وتناط بها مهمة تأطير المواطنين وتمثيلهم والمساهمة في صياغة القرار العمومي. ومن ثم، فإن طريقة تدبيرها لقياداتها ليست قضية تنظيمية فحسب، بل شأن وطني يهم ثقة المواطنين في السياسة ومصداقية المؤسسات التمثيلية. فحين تغلق الأبواب أمام الكفاءات، يغلق معها أفق المشاركة، ويترسخ الإحباط الشعبي من جدوى العمل السياسي.

ولذلك، أصبح من الضروري أن يتدخل قانون الأحزاب لتحديد عدد الولايات المسموح بها لأي زعيم حزبي، ووضع سقف زمني واضح للقيادة، حتى لا تتحول الزعامة إلى إقامة دائمة فوق إرادة القواعد. فالديمقراطية الحقيقية لا تكتمل إلا بوجود آليات تمنع الاحتكار وتضمن التداول. وتجديد النخب، في هذا السياق، ليس مطلبا شكليا، بل شرطا لإعادة الثقة في الأحزاب وإحياء الحياة السياسية، حتى تستعيد هذه الأخيرة دورها كقنوات فعلية للمشاركة الشعبية، لا كدوائر مغلقة تخدم مصالح أفراد بعينهم.

إن تجديد النخب ليس ترفا فكريا، بل شرطا لبقاء الديمقراطية نفسها. فالأحزاب التي تتجدد تبقى حية، تنبض بالأفكار والمبادرات، بينما تلك التي تكرر نفس الأشخاص ونفس الخطابات تعلن شيخوختها قبل الأوان. فالديمقراطية لا تورث، والزعامة ليست إقامة دائمة، بل مسؤولية مؤقتة في مسار وطني متجدد، يسهم فيه الجميع لبناء مستقبل سياسي أكثر توازنا وعدلا وشفافية.

ففي النهاية، لا يمكن أن نتحدث عن مغرب الغد بوجوه الأمس. ومن أراد خدمة الوطن، فليكن مستعدا لأن يترك مكانه لغيره، لأن السياسة لا تزدهر إلا بالتداول، ولا تستمر إلا بتجديد النخب.

إقرأ الخبر من مصدره