عبد الحي السملالي
لم يكن حضور المذهب المالكي في المغرب مجرد اختيار فقهي أو تقليد مذهبي، بل كان تعبيرًا عن توازن حضاري بين الدين والتاريخ، بين النص والواقع، بين العقل والهوية. فقد شكّل هذا المذهب، عبر قرون طويلة، العمود الفقري للوعي الديني المغربي، متغلغلًا في تفاصيل الحياة اليومية، ومؤطرًا للسلوك الفردي والجماعي ضمن رؤية وسطية منفتحة ومتجذّرة في السياق المحلي. ولم يكن دوره مقتصرًا على الإطار الفقهي، بل تجاوزه ليشكّل عمقًا روحيًا وأخلاقيًا للمجتمع، ارتبط بالتصوف السني كمنهج تربوي يوازن بين ظاهر النص وباطن الوجدان، ويُجسّد روح الاعتدال التي ميّزت التدين المغربي.
لكن هذا الحضور بدأ يتآكل تدريجيًا، لا بفعل الجدل الفقهي وحده، بل نتيجة تحولات عميقة في بنية التلقي، وفي أدوات تشكيل الوعي، وفي أداء المؤسسات المعنية بحماية المرجعية الدينية. فالعصر الرقمي، بما حمله من تعددية في المنابر وسرعة في تداول المعرفة، أعاد رسم خريطة التأثير الديني، بحيث لم يعد المذهب المالكي يحتل موقعه الطبيعي في وجدان الأجيال الجديدة. لقد صار ينافسه خطاب رقمي وافد، أكثر جاذبية وسرعة في الانتشار، لكنه أقل عمقًا وتجذّرًا في الخصوصية المغربية.
دارس الفقه المالكي اليوم يجد نفسه أمام منظومة معرفية لا تتحدث بلغة زمنه، وكأنها مخطوطة عتيقة فقدت سياقها الحي. لم تعد المشكلة في صعوبة الفهم أو ضعف التلقين، بل في غياب رؤية تجعل المذهب إطارًا حيًّا للفكر والممارسة، لا مجرد تراث جامد يُدرّس دون روح. وهكذا أضحى المذهب الذي شكّل في الماضي نسيجًا يوميًا في الوجدان المغربي، هامشيًّا في وعي الناشئة الذين باتوا يستقون تمثلاتهم الدينية من روافد رقمية خارجية يغلب عليها الطابع الحنبلي أو الوهابي، بينما يغيب عنها الحسّ المالكي الوسطي الذي صان المغرب طويلًا من الغلو والانقسام.
لقد كان حضور المذهب المالكي في الماضي نتيجة تفاعل مؤسسي ومجتمعي متكامل؛ تشارك فيه المدرسة والمسجد والزاوية والمجالس العامة وحتى الحكايات الشعبية، مكوِّنةً شبكة معرفية واجتماعية عملت كجهاز مناعة يحمي الهوية الفقهية المغربية. أما اليوم، فقد انحسرت هذه القنوات التقليدية أو فقدت تأثيرها، تاركةً الشباب في محيط رقمي لا ساحل له، تغيب فيه البوصلة، وتُهيمن عليه التيارات الأكثر صخبًا والأقل عمقًا.
في هذا السياق، تبرز مسؤولية المجلس العلمي الأعلى بوصفه الهيئة الرسمية المكلفة بصيانة المرجعية الدينية. غير أن حضوره في الفضاء العام والرقمي ما يزال محدودًا، إذ يتسم خطابه بطابع تقريري محافظ يفتقر إلى الجاذبية الفكرية، ولا يتوجه إلى العقل النقدي للشباب. كما أن غيابه شبه التام عن منصات التواصل الاجتماعي وعدم قدرته على إنتاج محتوى تفاعلي حديث جعله يبدو وكأنه خارج زمن التواصل الجديد. ويُضاف إلى ذلك غياب استراتيجية وطنية واضحة لإدارة المحتوى الديني في الفضاء السيبراني، ما أفسح المجال أمام فاعلين غير مؤسسيين يتقنون أدوات التأثير والإقناع الحديثة.
إن تراجع المرجعية المالكية لا يمكن تفسيره فقط باختراقات فكرية خارجية، بل هو نتيجة تقصير داخلي في التجديد والإبداع. فالمذهب لا يُصان بالتحنيط ولا بالحماية الشكلية، بل بتفعيل الاجتهاد المؤسسي والانفتاح على الجامعة والمجتمع المدني، وبناء خطاب وسطي جديد يتكئ على التراث دون أن يُؤسر فيه. إن الجمود الخطابي، والتوجس من التفاعل مع الفضاء الرقمي، يمثلان اليوم أخطر ما يهدد استمرار المرجعية المالكية في وجدان المغاربة.
ولذلك، إذا كانت الدولة حريصة فعلاً على وحدة المرجعية الدينية، فإنها مطالبة بإعادة النظر في أداء مؤسساتها العلمية والدعوية. فليس كافيًا أن يظل المذهب المالكي مادة دراسية في المناهج، بينما يحتل خطاب مضاد الساحة العامة. المطلوب هو تطوير استراتيجية رقمية شاملة تقدم الفقه المالكي بلغة عصرية جذابة، تجمع بين الدقة العلمية والأسلوب التواصلي الحديث. كما ينبغي للمؤسسات الدينية أن تتحول من دور الحماية إلى دور الإنتاج؛ من الفتوى الفردية إلى مشروع تواصلي متكامل ينتج محتوى تفاعليًا بصريًا ومسموعًا ينافس في فضاء الإعلام الجديد.
إنها معركة وعي لا تقل أهمية عن المعارك السياسية أو الاقتصادية، لأنها تتعلق بهوية المغرب الفقهية التي كانت عبر التاريخ درعًا واقيًا من الانقسام والتيه. والمطلوب اليوم ليس مجرد الدفاع عن الماضي، بل استعادة القدرة على إنتاج وعي ديني مغربي متجدد، يخاطب العصر من داخل تراثه، ويجعل من المذهب المالكي فضاءً للإبداع والاجتهاد لا مجرد ذاكرة فقهية متحفية. فالتحدي الحقيقي ليس في التراجع، بل في القدرة على التحوّل دون فقدان الهوية.