دور المصالح البنيوية للقوى الكبرى في صياغة قرار 2797 وترسيخ مغربية الصحراء 

Écrit par

dans

توفيق عطيفي

يمثل القرار رقم 2797 لحظة مفصلية في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي، بل من حيث ما يعكسه من توازنات قوى دولية داخل مجلس الأمن، ومن إعادة ترتيب للأولويات الأمنية والإستراتيجية للقوى الكبرى في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وبقراءة سريعة لهذا الحدث من أرضية النظرية الواقعية – بفروعها الكلاسيكية والبنيوية – تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن النظام الدولي فوضوي، وأن سلوك الدول تحدده مصالحها الوطنية وقدرتها النسبية على بسط القوة، لا المبادئ أو الشرعية القانونية. من هذا المنطلق، يمكن قراءة القرار كنتاج لتفاعل مصالح القوى المهيمنة داخل مجلس الأمن، أكثر من كونه استجابة لمقتضيات القانون الدولي أو للحق في تقرير المصير كمبدأ متعال.

وتظهر الصياغة النهائية للقرار ميلا واضحا نحو الموقف المغربي، من خلال الإقرار بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الأكثر جدوى. هذا التحول لا يمكن تفسيره إلا من خلال ميزان القوى الذي يميل لصالح المغرب على المستويين الإقليمي والدولي. فمن وجهة نظر واقعية، لا تُبنى المواقف الأممية بمعزل عن التحالفات البنيوية داخل النظام الدولي. إذ عزّز المغرب خلال العقد الأخير بقيادة جلالة الملك محمد السادس موقعه كفاعل أمني واستراتيجي في مجالات مكافحة الإرهاب، وضبط الهجرة، والاستقرار الإقليمي، ما جعله يحظى بدعم من القوى الغربية الأساسية (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا)، التي ترى في استقرار المغرب ركيزة لمصالحها في الضفة الجنوبية للمتوسط.

هذا التموقع يتقاطع مع منطق الواقعية البنيوية كما صاغه كينيث والتز، الذي يرى أن بنية النظام الدولي تحدد سلوك الوحدات السياسية، وأن الدول تتصرف وفق متطلبات البقاء وتعظيم الأمن. وعليه، فإن دعم القوى الكبرى لمقترح الحكم الذاتي لا يعكس انحيازا أخلاقيا، بل خيارا استراتيجيا يوازن بين الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمنية والاقتصادية.

يبرز القرار أيضا، من منظور الواقعية في قراءة أدوار الأمم المتحدة، حدود الفاعلية الأممية في إدارة النزاعات الممتدة. فمن منظور واقعي، الأمم المتحدة ليست فاعلا مستقلا، بل هي أداة ضمن أدوات القوى العظمى لتنظيم التفاعلات الدولية وفقا لمصالحها، يتجلى ذلك بالملموس في النقاط التي تشدد على دعم المبعوث الشخصي في ضوء مقترح الحكم الذاتي المغربي، والإشادة باستعداد الولايات المتحدة لاستضافة المفاوضات. هذا الإقرار الضمني بدور واشنطن كراع رئيسي للمسار السياسي يعيدنا إلى فكرة الهيمنة البنيوية في الواقعية الجديدة، حيث تتحكم الدولة المهيمنة في قواعد النظام الدولي وأولوياته، وتكتفي الأمم المتحدة بمنح الشرعية للقرارات المتخذة في دوائر القوة. ومن هنا، يصبح القرار تعبيرا عن تكييف الشرعية الأممية مع منطق المصلحة الواقعية، أي تحويل المبادئ القانونية إلى أدوات لتثبيت وضع إقليمي يخدم مصالح القوى الكبرى.

القرار شكل طفرة لإعادة تعريف مفهوم تقرير المصير، من منظور واقعي، أيضا لا يفهم مبدأ تقرير المصير كحق مطلق أو معيار قانوني متعالٍ، بل كأداة سياسية تستخدم تبعا لتوازن القوة بين الفاعلين، وقد أعاد القرار 2797 صياغة هذا المبدأ ضمن منطق عملي براغماتي، حين ربط بين تقرير المصير وبين حل سياسي مقبول للطرفين في إطار السيادة المغربية. بهذا المعنى، تم تفريغ المفهوم من محتواه الكلاسيكي (الاستقلال أو الانفصال) واستبداله بفكرة تقرير مصير داخلي في شكل حكم ذاتي موسع. إن هذا التحول يعكس فهما واقعيا للعلاقات الدولية، حيث الشرعية لا تبنى على المبدأ، بل على القبول المتبادل بين القوى الفاعلة.

أما على مستوى البعد الجيوإستراتيجي والتحولات الإقليمية، يقرأ الواقعيون القرار ضمن شبكة أوسع من المصالح الإقليمية، ذلك أن الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ محور استقرار يمتد من المغرب إلى الساحل، لموازنة النفوذ الروسي والصيني في غرب إفريقيا. أما فرنسا، رغم تراجع نفوذها التقليدي في الساحل، ترى في التعاون الأمني مع المغرب وسيلة للحفاظ على دورها المتوسطي، في الوقت الذي تتبنى فيه الجزائر، من جهة مقابلة، مقاربة دفاعية مدفوعة باعتبارات توازن القوى مع المغرب، وتسعى لاحتواء ما تعتبره تمددا مغربيا مدعوما غربيا.

في هذا الإطار، يصبح النزاع في الصحراء جزءا من معادلة توازن القوى الإقليمي، وليس قضية تصفية استعمار بالمفهوم القانوني. القرار 2797 يكرس هذا المنطق حين يدعو الجزائر وموريتانيا إلى المشاركة في المفاوضات، في اعتراف ضمني بأن النزاع ذو طبيعة إقليمية تتجاوز الثنائية المغربية – البوليسارية.

وحول الآلية الدولية المينورسو وتجديد ولايتها حتى 2026، مع تكليف الأمين العام بتقديم مراجعة استراتيجية في غضون ستة أشهر، يعكس منطقا واقعيا في إدارة الصراعات بدل حلّها، فمن منظور الواقعية الدفاعية، الحفاظ على الوضع القائم قد يكون أقل كلفة من محاولة فرض حل نهائي قد يهدد استقرار المنطقة. وهذا ما يفسر استمرار البعثة في دور رمزي – رقابي أكثر منه تنفيذي، إذ لم يعد الهدف تنظيم استفتاء، بل ضبط التوازن الإقليمي ومنع الانفجار.

ويكتنز القرار دلالات في نظارات الواقعية في العلاقات الدولية، أولوية الاستقرار، حيث القرار يقدم الأمن الإقليمي ومصالح القوى الكبرى على الاعتبارات التي تحاول السرديات الانفصالية المدعومة من الجزائر فرضها. ثانيا تراجع مركزية البوليساريو كفاعل مستقل، وذلك بفعل ضعف الدعم الدولي وتغيّر أولويات الدول، إذ باتت الجبهة عنصرا ثانويا في معادلة تقودها الدول. ثالثا، تكيّف الأمم المتحدة مع هندسة القوة الجديدة، إذ المنظمة باتت تضفي شرعية مؤسساتية على توازن قوى جديد، أكثر مما تصنع توازنا قانونيا. رابعا وأخيرا المغرب كفاعل صاعد في هندسة الواقعية الإقليمية، حيث تحركاته المتعددة الاتجاهات الافريقية – المتوسطية والأطلسية، جعلته يندمج في شبكة مصالح الدول الكبرى بفضل الرؤية الملكية السديدة في تنويع الشراكات الاستراتيجية، مما عزز قدرته التفاوضية داخل مجلس الأمن.

من منظور النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، يمكن القول إن القرار 2797 لا يمثل تحولا في الشرعية الأممية فقط، بقدر ما يجسد أيضا تحولا في موازين القوة. فقد نجح المغرب في الانتقال من موقع التدبير الدفاعي للنزاع إلى موقع المبادر بصياغة إطار الحل، مستندا إلى تحالفات استراتيجية ومعطيات واقعية تترجم قوة الدولة واستقرارها. أما الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فقد أظهرا من جديد أن الشرعية الدولية هي، في النهاية، تعبير عن إرادة القوى الفاعلة في النظام الدولي أكثر مما هي تجسيد لمبدأ القانون الدولي العام. وبذلك، فإن القرار 2797 يشكل نموذجا تطبيقيا حيا للواقعية السياسية في إدارة النزاعات طويلة الأمد، حيث تدار الصراعات لا بهدف إنصاف الأطراف الضعيفة، بل لضمان توازن القوى واستدامة الاستقرار بما يخدم مصالح الفاعلين المهيمنين.

 توفيق عطيفي باحث في القانون العام والعلوم السياسية

إقرأ الخبر من مصدره