أصدر المعهد المغربي لتحليل السياسات تقريراً تحليلياً شاملاً تحت عنوان “السيادة الغذائية في المغرب”، كشف فيه عن مفارقات حادة يعيشها النموذج الفلاحي الوطني، الذي ورغم ما حققه من نجاحات كمية في بعض القطاعات، إلا أنه أفرز في المقابل عبئاً مزدوجاً يهدد المالية العمومية وصحة المواطنين على حد سواء.
و أشار التقرير الى دقة السياسات الزراعية المنتهجة منذ عقود، خلص إلى أن المغرب وإن كان قد تمكن من بلوغ مستويات معتبرة من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الحيوانية، كالألبان واللحوم الحمراء والدواجن، فإنه في الوقت ذاته يعيش حالة تبعية غذائية هيكلية، نتيجة اعتماده المفرط على الواردات لتأمين المدخلات الفلاحية والمواد الأساسية التي تشكل عماد سلاسل الإنتاج المحلية.
وأوضح التقرير أن التوجه الاقتصادي الليبرالي الذي تبنته المملكة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في إطار برامج التقويم الهيكلي، ساهم في إعادة تشكيل الاقتصاد الزراعي وفق منطق السوق والتجارة الحرة. ورغم أن هذا التوجه مكّن من تحسين بعض مؤشرات النمو الزراعي، إلا أنه بحسب التحليل عمّق التبعية للخارج، حيث أصبح المغرب يعتمد بشكل متزايد على استيراد مواد غذائية أساسية لا غنى عنها في الحياة اليومية للمواطنين، مثل الحبوب والسكر والذرة وفول الصويا.
ويشير التقرير إلى أن هذه التبعية لا تقتصر على المواد النهائية فحسب، بل تشمل كذلك المدخلات الزراعية، ما يجعل المنظومة الغذائية الوطنية رهينة بالتقلبات الدولية في الأسعار وسلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي وعلى استقرار السوق الداخلية.
و كشف التقرير، عن وجود مفارقة مركزية في بنية النموذج الفلاحي المغربي فبينما نجحت البلاد في تحقيق اكتفاء ذاتي في إنتاج اللحوم الحمراء والدواجن ومشتقات الألبان، إلا أن هذا النجاح يحمل في طياته تناقضاً بنيوياً، إذ يعتمد هذا الإنتاج الحيواني على الأعلاف المستوردة من الخارج، خاصة الذرة وفول الصويا، ويعني ذلك أن ما يبدو ظاهرياً “سيادة غذائية” في قطاع اللحوم، يخفي في الواقع تبعية عميقة للمدخلات الأجنبية التي تضمن استمرارية الإنتاج. فالمغرب، وفق التقرير، يستورد ما بين 60% و80% من حاجياته من الأعلاف المركبة، وهو ما يجعل أي اضطراب في الأسواق العالمية كافياً لتهديد توازن هذا القطاع الحيوي.
و انتقد التقرير بشدة توجه النموذج الفلاحي المغربي نحو التصدير، خصوصاً في إطار مخططات “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، حيث تم توجيه جزء كبير من الاستثمارات نحو قطاعات تصديرية مثل الفواكه والخضر والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية. غير أن هذه الاستراتيجية، وإن ساهمت في إدخال العملة الصعبة وجذب المستثمرين، تعتمد بشكل شبه كلي على المدخلات المستوردة: من الطاقة والآلات الفلاحية، مروراً ببذور الخضر والفاكهة، ووصولاً إلى وسائل الري والتلقيح الاصطناعي.
ويرى المعهد أن هذا الاعتماد المتزايد على الخارج جعل من القطاع الفلاحي المغربي هشّاً أمام الأزمات الدولية، مثل تقلبات أسعار النفط والحبوب، أو الاضطرابات الجيوسياسية التي تمس سلاسل التوريد العالمية.
ويحذر التقرير من الآثار الصحية الخطيرة المترتبة على هذا النموذج الغذائي، مشيراً إلى أن وفرة المواد المستوردة منخفضة الثمن، خصوصاً السكر والدقيق الأبيض والزيوت النباتية، أدت إلى تحوّل في النظام الغذائي المغربي نحو ما يسميه الخبراء “السعرات الحرارية الفارغة”.
هذا التحول، وفق الدراسة، رفع بشكل مقلق معدلات السمنة في صفوف مختلف الفئات العمرية، وخصوصاً الأطفال والنساء في الوسط الحضري، كما أدى إلى ارتفاع انتشار الأمراض غير المعدية مثل السكري وأمراض القلب والسرطان، ما يشكل عبئاً إضافياً على المنظومة الصحية العمومية أما من الناحية الاقتصادية، فيُبرز التقرير أن العبء المالي للسياسات الغذائية الحالية أصبح يضغط بشدة على المالية العمومية. فالحكومة تنفق مليارات الدراهم سنوياً لدعم المواد الأساسية المستوردة، حرصاً على استقرار أسعارها في السوق الوطني وضمان القدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب معطيات التقرير، بلغت نفقات دعم السكر والدقيق الأبيض سنة 2024 حوالي 4.38 مليار درهم و1.34 مليار درهم على التوالي، وهي مبالغ ضخمة تعكس الكلفة الباهظة لاستمرار نموذج غذائي يعتمد على الخارج بدل تطوير الإنتاج المحلي.
ولم يغفل التقرير الجانب الاجتماعي والبيئي للسياسات الزراعية الأخيرة، إذ أشار إلى أن تركيزها على التصدير ساهم في استنزاف الموارد المائية، خاصة في مناطق تعرف هشاشة مناخية متزايدة كجهة سوس ومراكش-آسفي. كما أن فرص الشغل التي توفرها هذه القطاعات تظل محدودة وغير مستقرة، غالباً موسمية وذات دخل ضعيف، ما يضعف من أثرها التنموي الحقيقي في الأوساط القروية.
و دعا المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى وضع السيادة الغذائية ضمن الأولويات الكبرى للسياسات العمومية، باعتبارها ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل ركيزة أساسية للأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.
وطالب التقرير بضرورة مواءمة السياسات الفلاحية والغذائية لتقليص الاعتماد المفرط على الواردات، مع إعادة توجيه الإنتاج المحلي لتلبية الاحتياجات الغذائية للسكان قبل تلبية طلبات الأسواق الخارجية. كما شدد على أهمية تطوير مخزون استراتيجي للمواد الأساسية، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز الأنظمة الفلاحية القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
واعتبر المعهد أن تحقيق السيادة الغذائية الحقيقية يمر عبر مراجعة النموذج الفلاحي القائم، وإرساء رؤية جديدة تجعل من الأمن الغذائي مسألة كرامة وطنية واستدامة اجتماعية، لا مجرد توازن تجاري أو هدف اقتصادي قصير المدى.