الأحداثبقلم: د. سعيد لقبي
كان ذلك يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، ليلة «الهالوين» وعشية إحياء ذكرى «عيد جميع القديسين الأحمر»… تزامنٌ كونيٌّ فريد رافق تصويتاً مهماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لصالح المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية.
فعلى الرغم من التعديلات العديدة التي أُدخلت على النص الأصلي الذي أعدّته الولايات المتحدة الأمريكية، جاء القرار داعماً بشكل واضح وصريح للمبادرة المغربية، التي اعتبرتها غالبية أعضاء مجلس الأمن – باستثناء الجزائر (العضو غير الدائم) – الحلَّ الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
وقد نصّ القرار رقم 2797 على دعوة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الشخصي إلى الصحراء السيد ستافان دي ميستورا، إلى استئناف المفاوضات «على أساس» المقترح المغربي للتوصل إلى حلٍّ متوافق عليه بين الأطراف.
وأكد هذا الانتصار المغربي بخطاب ملكي وصف فيه جلالة الملك محمد السادس ما حدث بأنه «تحول تاريخي» و«مرحلة فاصلة» في مسار القضية الوطنية.
وقال جلالته في خطابه:
«بعد خمسين سنة من التضحيات، نفتح فصلاً جديداً مظفّراً في مسار تكريس مغربية الصحراء، يرمي إلى إنهاء هذا النزاع المفتعل نهائياً. نعيش مرحلة مفصلية ومنعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب الحديث: فسيكون هناك ما قبل وما بعد 31 أكتوبر 2025».
دروس من تصويت تاريخي
يثبت هذا التصويت من هم الأطراف الحقيقية في النزاع:
المغرب الذي انتصر بذكاء وواقعية، والجزائر التي تتخبط وتحاول عبثاً تقليل خسائر نكسة تشبه «واترلو» جديدة. كما أن خريطة التصويت عمّقت عزلة الجزائر، التي أضحت تُوصَف في بعض الأوساط الدولية بـ«الدولة المارقة».
أما موقف الجزائر بعدم التصويت، فقد كشف تناقضها ونفاقها السياسي. فانتقادها للقرار على لسان ممثلها في الأمم المتحدة عمار بن جامع كان متوقعاً بالنظر إلى ارتباطها العضوي بجبهة «البوليساريو». فقد صرّح بأن القرار 2797 «لا يعكس بشكل كافٍ العقيدة الأممية في تصفية الاستعمار»، في اعترافٍ ضمنيٍّ بفشل بلاده في إيقاف مسار التاريخ الذي يميل لصالح المغرب.
لكنّ ما كان منطقياً هو أن تصوّت الجزائر بـ«لا»، غير أنها التزمت الصمت أثناء التصويت، ربما خشية إغضاب واشنطن. حتى أنها لم تمتنع عن التصويت كما فعلت روسيا والصين، في حين جاء تصويت باكستان ضد القرار غير مفهوم إطلاقاً.
أما الدول التي صوّتت لصالح القرار الأمريكي الداعم للمبادرة المغربية، فهي: الولايات المتحدة (صاحبة المشروع)، بريطانيا، فرنسا، كوريا الجنوبية، الدنمارك، اليونان، غويانا، بنما، سيراليون، سلوفينيا، والصومال.
الحكم الذاتي… واقعٌ قانوني جديد
لقد كُرّست فعلياً المبادرة المغربية كحلٍّ واقعي ونهائي، وأعلن الخطاب الملكي عن تقديم تفاصيل إضافية قريباً لتكون أساساً للمفاوضات المقبلة. وهذا يعني أن السيادة المغربية على الصحراء لم تعد فقط بحكم الواقع (de facto) من وجهة نظر الأمم المتحدة، بل أصبحت الآن بحكم القانون (de jure).
ملفات ينبغي حسمها سريعاً
1. استرجاع إدارة ومراقبة المجال الجوي للمناطق الجنوبية التي ما تزال تحت إشراف إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة.
2. الاستعادة الفعلية لرمزية “لكويرة” التي أوكل المغرب مراقبتها إلى موريتانيا مؤقتاً، وهو ما حُسم الآن بقرار مجلس الأمن.
3. إلزام الاتحاد الإفريقي بالامتثال لقرارات الأمم المتحدة وتصحيح خطأ قبول الكيان الانفصالي ضمن صفوفه.
4. إجراء إحصاء دقيق لسكان مخيمات تندوف تحت إشراف بعثة «المينورسو» لتحديد الراغبين في العودة إلى المغرب، استناداً إلى الإحصاء الإسباني لعام 1974.
دينامية سلام جديدة
هناك زخم حقيقي من أجل السلام أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شكره جلالة الملك بحرارة. وأكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك وولتز قائلاً: «نعتقد أن السلام الإقليمي ممكن هذا العام».
وفي هذا السياق، يجب فهم سياسة اليد الممدودة التي يجسدها صاحب الجلالة تجاه الجزائر، والتي جددها في خطابه يوم 31 أكتوبر.
إلا أنني لا أستطيع أن أشارك جلالته التفاؤل ذاته بشأن قادة الجزائر الحاليين، الذين يبدون وكأنهم يُجسّدون سمك السلمون في حياة أخرى، إذ يسبحون ضد التيار لا بدافع القوة بل بدافع الجهل.
أما الثنائي تبون – شنقريحة، فيواصلان السباحة عكس اتجاه التاريخ لأسباب لا يفهمها المنطق. ويوم يدرك «النيف» الجزائري – دون الحاجة لقراءة برغسون – العلامات الكونية، فحينها فقط «ستنبت للدجاج أسنان»!
ومع ذلك، وكما بقي الأمل في قاع صندوق باندورا بعد فتحه على المغرب الكبير، يبقى الأمل… فلنأمل لا في مجيء «غودو»، بل في نهضةٍ منقذةٍ للشعب الجزائري الشقيق.
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – آسفي
جامعة القاضي عياض
هيئة التحرير5 نوفمبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره