الدكتور كفايتي يكتب: حينما يصبح الفشل مبررا.. والكمال قناعا

Écrit par

dans

سعيد كفايتي

في حياتنا اليومية كثيرا ما نُضمد جروح فشلنا في إنجاز عمل ما بكلمات سحرية هي الكمال لله التي تُنطق بلهجة تنضح غضبا وعتابا ولوما. وفي هذا السياق ليس مهما أن يكون الإخفاق نتيجة تقصير واضح أو تقاعس ملموس أو أن يكون ثمرة جهود ذهبت هباء منثورا بحيث لم تُفض لسبب من الأسباب إلى النجاح المنشود. والمشكلة لا تكمُن في هذه الكلمات في حد ذاتها، ولا في تأويلنا لها. إذ لا أحد يُشكك في صفة “الكمال” المقترنة بالله سبحانه وتعالى. إن المهم في هذا كله هو أن يشعر الواحد منا بنوع من الارتياح أو بإبراء للذمة وكأنه تخلص من مسؤولية كبرى كانت تُثقل كاهله. ومن هنا فإن هذه الكلمات السحرية الخفيفة على اللسان أصبحت، في وعينا ولا وعينا الجمعي، أشبه بتميمة نضعها في أعناقنا أو بقارورة دواء فعال نُبقيها على مقربة منا ولا نلجأ إليها إلا وقت الحاجة إليها. وما أكثر ما نحتاج إليها لنتستر على إخفاقاتنا المتتالية، ونلوذ إليها في كل مرة طلبا للأمان، وإراحة للضمير.

لكن من المفارقات العجيبة التي تنخر مجتمعاتنا الغارقة في التناقضات، ما ظهر منها وما بطن، أننا نتطلع، بكل ما أوتينا من قوة، إلى أن نكون كاملين في كل شيء. قمة الجمال، قمة النُبل، قمة الاستقامة، قمة في كل شيء. إن الواقع بكل ضغوطاته قد يجعل من سعينا الحثيث نحو الكمال أو ما نراه كذلك أمرا محفوفا بالمخاطر المُحدقة بنا، فحين يزعُم شخص ما في موقف معين (انتخابات، زواج، صداقة…) بأنه نموذج للنبل وللصدق وللنزاهة أي شخص “كامل” لا يشكو من أي نقص، ولا يعاني من أي عيب فإن هذه الصورة التي كونها عن نفسه، والتي قد يُصدقها الكثيرون قد تتعرض في كل لحظة للانكسار، وتتهشم المرآة، وتتحول إلى مجرد قطع صغيرة يستحيل جمعها من جديد. وعلى الرغم من أننا قد نشعر في دواخلنا أن الصورة مزيفة، وأن وراء هذا الوجه “الجميل” العشرات من الأقنعة التي تتناسل تلقائيا، إلا أننا كثيرا ما نسقط في الفخ وكأننا نستلذ السماع إلى من يكذب علينا. لا تفسير لهذا الأمر سوى ضُعف الإنسان وهشاشته.

والأدهى من ذلك كله أن هذا التسابق المحموم نحو “الكمال” لم يعُد فقط حبيس علاقاتنا الإنسانية في شكلها الكلاسيكي المتوارث منذ آلاف السنين، وإنما زحف إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، وتحول في رمشة عين إلى موضة العصر التي ابتلى بها الكثيرون، وصرنا أمام تدفق شلالات الكذب عاجزين تمام العجز عن التمييز بين الصورة الحقيقية للشخص بكل عيوبها الصغيرة أو الكبيرة، والصورة المفبركة التي يتم تسويقها رقميا.

وحتى لا نسقط في التعميم قد تختلف الغايات ما بين حب الظهور في صورة بالغة الكمال، وذلك إشباعا لرغبة دفينة ومشروعة في التعبير عن حب الذات التي تحتاج أحيانا إلى من يحدب عليها، ويرفع من معنوياتها، وقد تكون الغاية مجرد تقاسم بريء وعفوي للصور بين الأصدقاء والصديقات في عالم لا حدود له، وهي غايات لا غبار عليها، ولن تكون في يوم من الأيام موضوع استنكار أو استهجان إذا ما بقيت في حدود المعقول. والمؤسف أن الغاية قد تكون دنيئة مثلما يحدث في بعض المنصات أو المواقع حيث يُبالغ شخص من مرضى القلوب في إضفاء هالة من “الكمال” المزيف على الصور التي يُروجها عن نفسه، مُتخذا إياها مطية مناسبة لكسب المال وانتزاع الشهرة، وتصيد “الباحثين” عن المتع السهلة. يا للأسف الشديد لا أحد يُمكنه أن يوقف هذا السيل العرمرم من التفاهات، و لا أحد يستطيع أن يجد تفسيرا مقنعا ومقبولا لإقبال الناس عليها. إن هذا التهافت عليها هو الذي أسهم، بدرجة كبيرة، في انتشارها، ووسع من دائرة تداولها. الأمر الذي سيُؤدي في مستقبل الأيام إلى قبولها، وإلى بداية تشكُل مجتمع جديد تضيع فيه الحدود بين الكمال بمعنى الإتقان، وهو المطلوب للالتحاق بركب التقدم والكمال الموهوم الذي يُشيء الفرد ويُفقده إنسانيته، ويصير الإنسان، وا حسرتاه، في خبر كان.

* د سعيد كفايتي، أستاذ متخصص في تاريخ الأديان والدراسات السامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

إقرأ الخبر من مصدره